مهرجان دبي حاضن العاملين في الحقل السينمائي

المخرجون العرب يتنقلون بين المهرجانات لإتمام صفقات التمويل لأفلامهم الجديدة

ستار وورز القوة تستيقظ  في صحراء الإمارات، سامر المرزوقي رئيس سوق دبي السينمائية، جمال الشريف.
ستار وورز القوة تستيقظ في صحراء الإمارات، سامر المرزوقي رئيس سوق دبي السينمائية، جمال الشريف.
TT

مهرجان دبي حاضن العاملين في الحقل السينمائي

ستار وورز القوة تستيقظ  في صحراء الإمارات، سامر المرزوقي رئيس سوق دبي السينمائية، جمال الشريف.
ستار وورز القوة تستيقظ في صحراء الإمارات، سامر المرزوقي رئيس سوق دبي السينمائية، جمال الشريف.

مثل مهرجانات برلين وكان وصندانس وبضع محطات سينمائية أخرى، يشغل مهرجان دبي بال العاملين في الحقل السينمائي كموقع للتواصل خصوصًا للذين يسعون للحصول على دعم أو بيع منتجات جاهزة أو مشاريع مستقبلية.
تجد صانعي الأفلام الذين حضروا متأبطين مشاريعهم الجاهزة للتصوير أو المكتوبة كسيناريوهات وهم ينتقلون بهمّـة ونشاط، خصوصًا في الأيام الأولى من المهرجان وأيامه الأخيرة. البحث مضنٍ عن جهات دعم ومحطات تلفزيونية قد تشارك والنجاح محدود في النهاية. حسب أحد المنتجين الإماراتيين فإن «الجهات الموكلة بالدعم لا تمنح ما يكفي. عليك أن تنتقل من واحدة إلى أخرى لأن ميزانيّـتك لن تقل عن مليون درهم (نحو 360 ألف دولار) واستئجار المعدات مكلف. لذلك لا يمكن للمنتج أو للمخرج التأكد من موعد البدء بمشروعه أو تقديم فيلم جديد له».
في عداد الآتين إلى المهرجان الإماراتي في دورته الثانية عشرة التي ستختتم أعمالها ليل السادس عشر من هذا الشهر، المخرج العراقي عتيبة الجنابي الذي كان قدّم قبل خمس سنوات فيلمه الجيد «الرحيل من بغداد» ومن يومها وهو يحضر لفيلمه التالي «شتاء داود». يقول:
«يمضي المخرج العربي معظم وقته وهو ينتقل من مهرجان لآخر سعيًا لإتمام صفقات التمويل. ليست هناك من جهة واحدة داعمة بالكامل. النتيجة هي أن كلما حصلت على دعم معيّـن سددت بعض الثغرة في الميزانية. وهذا ليس وضعي أنا وحدي. كلنا هكذا».
* المهمّـة الصعبة
حال البعض أفضل من حال البعض الآخر. صانعو الأفلام في مصر والمغرب على طريقين: واحد متيسر إذا ما كانوا راضين بالمشاريع الجماهيرية المحضة والترفيهية التي تؤمن رضى الجمهور الكبير، أو في المعاناة ذاتها إذا ما كانوا من النوع الذي يريد ترك بصمة مهمّـة في مسيرتهم. هذا النطاق الثاني لا يعرف سنًا أو جيلاً، بل يعرف اختلاف الوجهات وينتظر من المخرجين المستقلين والمختلفين عن السائد تقديم تنازلات. هذا ما حدا بالكثير من المخرجين البارزين في مصر، مثلاً، للانحسار باكرًا وبينهم الراحلان رأفت الميهي وسعيد مرزوق. ويتناول الاضطرار للنزوح بعيدًا عن العين والعمل بشير الديك وخيري بشارة وعلي بدرخان وبعض نجوم الإخراج في حقبة سابقة. ويؤكد محمد خان أنه لو لم يرض التخلي عن نصف أجره والدخول بنصفه الآخر كشريك في الإنتاج لما تم تحقيق فيلمه الجديد «قبل زحمة الصيف».
رد الفعل على «قبل زحمة الصيف» يختلف باختلاف من تسأله. هو جيد لدى البعض بسبب السلاسة التي حقق بها المخرج خان هذا الفيلم ونسبة للتغيير الذي عرّض المخرج نفسه له فالفيلم بعيد عن شوارع القاهرة والمدينة ومواضيعها المستفيدة من أزماتها، ومنتقل إلى حيث الساحل الرحب والمواضيع الإنسانية البسيطة المتعاملة مباشرة مع العاطفة.
بالنسبة للإنتاج الإماراتي المحلي (هناك نسبة كبيرة من الإنتاجات المشتركة يقوم بها صندوق «سند» في أبوظبي وصندوق «إنجاز» في دبي) فإن النسبة الكبيرة من الأفلام الروائية المعروضة (ستّـة أفلام في ثلاث تظاهرات والكثير من الأفلام القصيرة) ستحاول بعد المهرجان أن تدلف إلى أنابيب التوزيع.
«هذه هي المهمّـة الأصعب بالنسبة للأفلام الإماراتية»، يقول سامر المرزوقي الذي يرأس «سوق دبي السينمائية» في حديث لـ«الشرق الأوسط» مضيفًا: «نواجه دوما معضلة اسمها: أين تذهب الأفلام الإماراتية بعد عرضها في مهرجان دبي. من ناحيتنا نحاول مد يد المساعدة إليها والقيام بترويجها بين الشركات الأجنبية والعالمية التي تحضر المهرجان علمًا بأن الأسواق العالمية تنتخب الأفلام العربية بأسرها تبعًا لاعتبارات تجارية».
لكن مشاكل التوزيع ليست خارجية فقط. في العام الماضي بيع «دلافين» لوليد الشحي، الذي خرج بجائزة أفضل فيلم إماراتي طويل لشركة توزيع. خطط لكي يعرض تجاريًا، لكن حسب علمنا لم يعرض. بالأمس تحدّث أحد المنتجين الإماراتيين لنا قائلاً بأن سبب عدم عرضه يعود لخلاف بين المنتجين وشركة التوزيع.
سابقًا عرضت أفلام إماراتية بنجاح ملحوظ في دولة الإمارات منها «دار الحي» لعلي مصطفى و«الدائرة» لنواف الجناحي. لكن هذا يبدو الآن كما لو حدث منذ سنوات وسنوات وليس قبل فترة زمنية ليست بعيدة.
* تسهيلات نموذجية
لكن كل ما سبق من صعوبات لم يمنع من توسع إنتاجي تحسد الإمارات عليه دول الجوار. وميزة المهرجان أنه في نهاية المطاف قادر على الجمع بين المحلي والعالمي في عروض متوازية تتيح للجميع من قاطني المدينة ودولة الإمارات التوقف عند آخر وبعض أفضل الأفلام التي تم إنتاجها.
ميزته أيضًا هو أن المتابع يقف عن تلك الإنتاجات العربية الجديدة التي بات المهرجان هو الاختيار الوحيد لها بهذه الكثافة. نعم، بعض الأفلام تعرض في القاهرة وبعض الأفلام تعرض في مراكش أو قرطاج، لكن دبي هو السقف الأكبر الذي تلتقي تحته.
هذه نهضة غير مسبوقة في أي مكان من العالم العربي، خصوصا أن مهرجان دبي لا يقف وحيدًا في إنجازاته. بسهولة يمكن النظر إلى ما يتم إنجازه وببراعة شديدة في مختلف ميادين السينما الأخرى. هناك استوديو دبي السينمائي الذي تم افتتاحه قبل أربعة أعوام وأخذ يستقبل على نحو، تحت إدارة رئيسه جمال الشريف، متزايد مشاريع عدّة تلفزيونية وسينمائية قادمة من هوليوود وبوليوود في الغالب وبعض مناطق الإنتاج الأخرى. وهو يقول لنا:
«ما نعد به هو خدمات متكاملة وسهولة في التعامل. من يحتاج إلى فيزا نصدرها له في 48 ساعة، ومن يحتاج لرخصة عمل لا يتطلب الحصول عليها لأكثر من ثلاثة أيام».
هذا نموذج من التعامل ليس سائدًا في معظم بلاد العرب خصوصًا في تلك التي تحتاجه أكثر من سواها كمصر التي يشكو الكثير من الأجانب الذين غامروا سابقًا بالتوجه إليها للتصوير من العراقيل البيروقراطية وتعدد المصادر التي قد تمنح أو لا تمنح أذونات التصوير.
هذه التسهيلات دفعت استوديوهات هوليوود للقدوم إلى دولة الإمارات مستفيدة أولاً من الأمان التام وثانيًا من وجود الأرضية المناسبة لتقديم الخدمات المختلفة فتم تصوير مشاهد عدة لثلاثة أفلام كبيرة هنا هي «سريع وغاضب 7» و«ستار ترك» و«ستار وورز: القوة تستيقظ» الذي سينطلق لعروض بحجم التسونامي في القريب العاجل.
أحد منتجي «ستار ترك»، وهو جفري شرنوف، سبق له أن جاء إلى دبي وصوّر فيها. ففي العام 2010 نقل نشاطه لنحو أسبوعين متعاقبين إلى دبي لتصوير ذلك الفصل الشهير من أحداث فيلم «المهمّـة: مستحيلة: بروتوكول شبح» بما فيها المشهد الذي يتدلّـى فيه توم كروز من أعالي برج خليفة. في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عاد إلى دبي وأمضى نحو أسبوعين آخرين لتصوير مشاهد من الفيلم الخيالي - العلمي «ستار ترك».
قبله بشهر واحد وصل المخرج ستانلي تونغ وقام بتصوير مشاهد عدّة من فيلمه «كونغ فو يوغا» بطولة تشارلي تشان. أمر يحسبه جمال الشريف بعناية ملاحظًا: «بدأنا بأحلام كبيرة حميناها بالسعي المخلص لكي نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم والطريق ما زال مفتوحا أمامنا للمزيد. لكن ما حققناه بسعينا لتصبح دولة الإمارات محطة مفضلة للأفلام التي تبحث عن أماكن تصوير خارجية رائع حتى الآن وقابل للزيادة».
* صحراء لوي أفضل من سواها
في العداد نفسه، وصل فريق تصوير الفيلم المقبل للممثل براد بت «آلة حرب» (يقوم بإنتاجه عبر شركته «بلان ب» (Plan B) الذي تقع أحداثه في أفغانستان. هناك بالقرب من مدينة أبوظبي، هناك صحراء اسمها «لوي» توجه فريق التصوير بقيادة المخرج ديفيد ميشو (صاحب «القرصان» في العام الماضي مع غاي بيرس) إليها للتصوير الذي لا يزال دائرًا للآن (معظم أحداث الفيلم خارجية).
هذا لم يكن من دون حوافز مهمّـة. المدير التنفيذي لمؤسسة «توفور تونتي فور» بول بايكر الذي كان سعى لقيام منتجي «ستار وورز» لاستخدام الصحراء نفسها قبل حين، اتصل، حسب ما ورد في مجلة «فاراياتي» مؤخرًا، بمنتجي «آلة حرب» وعرض عليهم الانتقال إلى إمارة أبوظبي لتصوير الفيلم لقاء الحوافز المالية التي تعرضها المؤسسة الحكومية الكبيرة في المقابل. ومع أن خطة الفيلم كانت التوجه إلى صحراء أخرى لتصوير هذه المشاهد، إلا أن الحوافز من جهة والتجربة السابقة لتصوير فيلم «ستار وورز» من ناحية أخرى دفعت بالمنتجين لاختيار أبوظبي دون سواها.
كل هذا نابع من حرص شديد على حسن التخطيط والتنفيذ ووضع الأشخاص الأكفاء في المناصب المهمّـة ووسط تنظيم إداري شامل لحكومات الإمارات التي لا تألو جهدًا في تنفيذ خطة إنمائية على جميع المرافق. وهذا ما يعيدنا إلى مهرجان دبي السينمائي الذي هو خطّـة ثابتة ضمن هذه الخطط.
مهرجان دبي ليس فقط استعراضا للأفلام، فهذا أضعف الإيمان بالفعل، بل جهد مثابر ودؤوب يستند إلى ذات المهام والخطط الثقافية والإدارية التي توليها الحكومة اهتمامها. والجميع داخل المهرجان تراهم يعملون في منظومة متكاملة.
بعد ذلك هو عرض لأهم وأفضل ما تم إنتاجه من أفلام عربية على كل صعيد. يستقطب الأفلام التي تتحدّث عن شخصيات أو عن تاريخ أو عن واقع حاصل وتمنحها الفرصة لعروض مكتظة ومتاحة (بعضها يتم على شاطئ المدينة مجانًا) وتمنح المشاهدين ما يبحثون عنه من مشاهدات ثرية.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».