أنسي الحاج منشداً للحب والبراءة والأنوثة الكونية

النزق الشهواني في بواكيره أخلى مكانه للانخطاف القلبي وتوهج الروح

إنسي الحاج
إنسي الحاج
TT

أنسي الحاج منشداً للحب والبراءة والأنوثة الكونية

إنسي الحاج
إنسي الحاج

يصعب على أي متتبع لموضوع الحب وتجلياته في الشعر العربي الحديث أن يقفز فوق تجربة الشاعر اللبناني أنسي الحاج، سواء تعلق الأمر بالرؤية المتميزة إلى المرأة، أو بالافتتان المفرط بالأنوثة، أو باحتدام العاطفة وفوران اللغة وجدة الأسلوب. فأنسي الذي كان ينظر إلى الحب نظرته إلى جوهر الوجود ومعناه، جعل منه حجر الرحى الأكثر صلابة الذي تدور حوله قصائده ونصوصه، مضيّقاً المسافة بين لغته وأعصابه، ومندفعاً نحو هدفه كالسيل حيناً، وجارحاً كالصقر حيناً آخر، وهشاً كالفراشة أحياناً كثيرة.

وإذا كان موضوع الحب بتعبيراته المختلفة يشكل العمود الفقري لتجربة أنسي الشعرية، فإن ذلك لا يعني أن صورة المرأة وطبيعتها وعلاقة الشاعر بها كانت واحدة في مجمل أعماله. إذ يكفي أن نلقي نظرة متفحصة على «لن»، مجموعة أنسي الأولى، لكي نشعر بأن الرجل العاشق والمرأة المعشوقة أشبه بكائنين بريين ومحتشدين بالغرائز، وأن العشق نفسه أشبه بحلبة صراع بين طرفين بالغي الضراوة، يعمل كل منهما على هزيمة الآخر، كما في قوله «أتهمكِ أنكِ خلسة تدحرجين وجهك الحقيقي لتهزميني. كشمعة تولولين ويصعد منكِ تيار الحريقة. اعقدي خنصرك في خنصري كعداوة».

إلا أن نبرة النزق الشهواني تلك سرعان ما بدأت تأخذ في مجموعاته اللاحقة أشكالاً أقل قسوة وتوحشاً، بحيث نحت لغة الحب عنده نحو خطاب مأهول بالصدق والشفافية، دون أن تتخفف من لغتها الفائرة وحماسها القديم. وإذا كانت المظاهر الأولى لهذا التغير قد بدت جلية في المجموعة اللاحقة «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة»، فهي قد بلغت ذروتها الدراماتيكية مع «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، حيث أخذت العلاقة بالمرأة شكلاً من أشكال الوجد والوله القلبي. وهو باستهلاله المجموعتين بكلمتي «منكِ» و«مغلوبك»، أراد أن يعلن في الأولى بأن امرأته المعشوقة هي علة الكتابة ومصدرها، ويعلن في الثانية غلبة الأنوثة على الذكورة، منذ آدم وحواء وحتى آخر السلالة.

والمفاجئ أن أنسي الذي كان يستخدم في «لن»، وبتأثر واضح ببودلير، لغة «بيولوجية» صادمة، وعارية من أي غلالة رومنسية، كقوله «ستطْبق عليكِ العلامات. سوف تنْسل نسلة نسلة حتى يبرز لحمك العاري ويسفر عن عظامك»، سيقلب المعادلة، ليكتب بعد ذلك «أنتِ مولودةٌ لتغلَق الكتب، مولودةٌ لتمتقع التماثيل، مولودةٌ لتصححي الحياة».

كما أن الخطاب العشقي في نسخته الجديدة لا يكف عن التأرجح بين ما هو طقوسي قبل ديني، ومترع بالسحر والتعازيم، وبين ما هو لاهوتي إيماني، تتحول المرأة فيه إلى أنثى شبه معبودة ومانحة للحياة، فيما تطغى على أسلوب الشاعر صيغ الشغف المحموم والغنائية الجارحة والتضرع الابتهالي. ولأن العشق مغامرة ثقيلة الوطأة لا قِبل له باحتمالها، فهو يحاول الإفادة من التجارب التي اختبرها العشاق السابقون، ولا يتوانى عن الاستعانة بالنصوص التي خلّفها شعراء المكابدات القلبية للأجيال اللاحقة. فإذ يرد في «نشيد الأناشيد» بأن «الحب قوي كالموت والغيرة قاسية كالهاوية»، يعلن أنسي بأن «الجبل أخفّ حملاً من الشوق والأرض أقصر من الغيرة». وإذا صرخ ريلكه «مَن، لو صرختُ، سيسمعني في مراتب الملائكة؟»، بردد أنسي بعده «إلى مَن أصرخ فيعطيني المحيط، صارت لغتي كالشمع، وأشعلت لغتي، وكنتُ بالحب». وإذا تنبأ أراغون بلسان مجنون غرناطة، بأن إيلسا قادمة بعد قرون لإعادة الأرض إلى رشدها بالحب، أعلن أنسي بأن حبيبته هي «الدرّة المصقولة بتوالي عذاب الأجيال، وصلتْ مختارة دون نقيصة»؟ وإذا هتف جبران بالحرية «من أعماق هذه الأعماق نناديك أيتها الحرية فاسمعينا»، هتف أنسي بحبيبته «أناديك من الجبال من الأودية، أناديك من الصخر والينابيع، اسمعيني آتياً ومحجوباً وغامضاً».

الأرجح أن إلحاح أنسي على استخدام ضمير المخاطب الجمعي في معظم نصوصه العاطفية، ليس سوى انعكاس لقناعته بوجوب أن نزف الحب إلى العالم، كما لو أنه موعد مع تفتح الحياة أو بشارة بالقيامة. فإذا كانت شرعية الزواج تُكتسب من وجود شاهدين اثنين لا أكثر، فإن الحاج يريد، لكي يُكسب عشقه الشرعية، ولكي يكون جديراً بالحب، أن يستقدم العدد الأكبر من الشهود، فيهتف قائلاً:

أنقلوني إلى جميع اللغات

لتسمعني حبيبتي

أعيروني حياتكم لأنتظر حبيبتي

أنا شعوب من العشاق

ما صنعت بي امرأةٌ ما صنعتِ

رأيتُ شمسكِ في كآبة الروح

وماءكِ في الحمى

على أن أنسي، شأنه شأن الكثير من المبدعين، لا يقيم إلا في الخلاء العاصف، ولا يستقر، في ظرف ما، على حالة أو مقولة، إلا وينقضهما في ظرف مغاير. فالشاعر الذي يريد للبشر أجمعين أن يشاطروه احتفاله العشقي، وينصب سرادقه العاطفي تحت شمسٍ مكتملة السطوع، هو نفسه الذي يرفع، على طريقة سلفه ديك الجن الحمصي، لواء غيرته المرضية على المرأة التي يحب، مؤثراً إقامتها في العزلة التامة، وحجْبها التام حتى عن صورتها في المرآة:

أغار عليك من الطفل الذي كنتِ

ستلدينه لي

من المرآة التي ترسل لك تهديدكِ بجمالك

من شعوري بالنقص أمامك

من حبكِ لي، من فنائي فيكِ

من الماء الذي يُتوقَّ أن تشربيه

وإذ يستهل الشاعر مجموعته «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، المؤلفة من قصيدة واحدة ذات بناء ملحمي، بعبارة «هذه قصة الوجه الآخر من التكوين»، فلكي يعيد تذكيرنا بأن كل قصة حب حقيقية بين طرفين هي ليست ولادة أخرى لهما فحسب، بل إعادة تمثيل معدّل لواقعة الحب الأولى، وعودة رمزية إلى الصفر الينبوعي للأشياء.

وفي هذا السفْر الغنائي المفعم بالوجد، يتولى الحاج إعادة رسم العلاقة بين المرأة والرجل، من منظور الانتصار للأنوثة الكونية التي تكفلت عبر الزمن بتشذيب سلوكيات الرجل وتخليصه من رعونته. ورغم أن الرجل لم يكن رفيقاً بالمرأة التي انشقّ عنها، وعمل جاهداً على التنصل من الخطيئة الأصلية ليلصقها بها وحدها، ثم أسرف في تهميشها ورميها بالنقصان، وظل سادراً في بطشه الدموي، فقد تركته من جهتها يفرح بأوهامه، «لأنه الضعيف وهي القوية. ثم حضنت عذابها لتحضن معذِّبيها، فالكاذبون أطفالها ولو تزوجوها»، فيما الغابة التي اسمها الأرض، بدت «شقيةً بالأسد رضيةً بالفراشة».

إلحاح أنسي الحاج على استخدام ضمير المخاطب الجمعي في معظم نصوصه العاطفية ليس سوى انعكاس لقناعته بوجوب أن نزفّ الحب إلى العالم

وإذا كانت مناخات «نشيد الأناشيد» المنسوب لسليمان، واضحة تماماً في خلفية «الرسولة»، كما في نسيجها التعبيري ومناخاتها الفردوسية، فاللافت أن أنسي في هذه التجربة الاستثنائية لم يكتف بالانقلاب على الجموح الغرائزي الذي ظهر في بواكيره، بل ذهب أبعد من «العهد القديم»، في دفع الرغبات الجسدية المحمومة إلى الخلف، وصهرها بشكل كامل في أتون التوله الروحي.

الملاحظ أن أنسي يستعين لتظهير عشقه على النحو الأكمل، بكل ما في لغة الضاد من علامات التعجب والاستفهام والنداء والاسترحام والدعاء، مروراً بالتنقل بين الصيغ الكلامية، والعود على بدء، والتكرار الذي يعكس حرقة النفس ويرسّخ المعنى، وتأنيث ما لا يؤنث «الرسولة، الماءة»، واللعب بالضمائر «اختبأتْني، أطلَّتْني»، وصولاً إلى تكرار القسَم لمحو كل شك:

أقسم أن أنسى قصائدي لأحفظك

أقسم أن أسكُن دموعي في يدك

أقسم أن أكون فريسة ظلك

أقسم أن يطير عمري

كالنحل من قفير صوتك

أقسم أن أنزل من برق شَعرك

مطراً على السهول

ولا بد من الإشارة أخيراً إلى أن الطابع الابتهالي الصوفي لكتاب «الرسولة»، وحرص أنسي على تقديم صورة لامرأته المعشوقة موزعة بين البهاء المريمي وبين التفتح الرعوي للرغبات، هو الذي حدا بالكثيرين إلى التساؤل عن الهوية الحقيقية للمرأة التي تقف وراء قصيدته، التي تعتبر إحدى أكثر قصائد العشق تميزاً وفرادة في الشعر العربي الحديث. وإذا كان الشاعر قد ذهب بهذا السر إلى قبره، فالثابت وفق اعترافاته وحواراته الصحافية، أن عشقه للمرأة لم ينحصر في علاقة واحدة، وأنه ينتمي، في ما يتجاوز النساء اللواتي أحبهن، إلى الأنوثة الكونية التي تقيم مملكتها الساحرة على أرض سرمدية البهاء. ولأن الأمر كذلك، فهو يهتف بالبشر القانطين والمفتقرين إلى الحنو، كما بالمنكفئين على خوائهم العاطفي والروحي:

تعالوا، المملكة مفتوحة

أسراب الحساسين عند باب المملكة

تسرع للتحية

الكنوز وحيدة، الحياة وحيدة،

تعالوا كلِّلوا رؤوسكم بذهب الدخول

وأحرِقوا العالم بشمس العودة


مقالات ذات صلة

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

ثقافة وفنون معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة:

ندى حطيط
ثقافة وفنون الفنان في مرسمه

هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

«علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

تذهب الباحثة والناقدة نادية هناوي إلى أن علوم السرديات ما بعد الكلاسيكية المستحدثة فيما قبل وخلال العقدين المنصرمين من الألفية الحالية كثيرة ومتشعبة

«الشرق الأوسط» (بغداد)
كتب بول أوستر و سيري هوستفدت

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026.

أنيسة مخالدي (باريس)

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة
TT

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

يحتوي العدد الجديد من مجلة «القافلة»، الثقافية التي تُصدرها شركة «أرامكو السعودية»؛ كبرى شركات النفط العالمية، على محتوى ثقافي ومعرفي، يتضمن عدداً من المقالات والملفات الثقافية والعلمية.

ويتتبع عدد «يوليو (تموز) - أغسطس (آب)» مسيرة الفكر الإنساني وتطوره ومشكلاته؛ من مسألة «التزوير» بوصفه اعتداءً على الثقة يمتد إلى العملات والأدوية والأعمال الفنية والسلع الفاخرة والأخبار الرقمية، وصولاً إلى مشكلات صناعة النشر؛ القضية التي باتت مؤرّقة لكل من دخل إلى مجال النشر مؤلفاً أو ناشراً.

وفي هذا العدد، أعلنت «القافلة» عن إطلاق منصة «القافلة بودكاست»، في خطوة جديدة تهدف إلى توسيع حضورها الرقمي، وإتاحة محتواها الثقافي والمعرفي عبر قنوات رقمية متنوعة تناسب جمهورها؛ فعبر برنامجيها «صوت القافلة» و«بورتريه»، يمكن الاستماع إلى مجموعة مختارة من مقالاتها، بما يمنح القراء فرصة الوصول إلى محتوى المجلة والاستفادة منه عبر الوسائط المختلفة.

مشاكل صناعة النشر

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مسألة «صناعة النشر» وتحدياتها، رغم ازدهارها الكمي، وتبحث عن سبل تطويرها؛ فصناعة النشر تتطلّب معالجة العقبات التي تعيق نموها وفاعليتها الثقافية، لتتحوّل إلى صناعة مجدية اقتصاديّاً على جميع الفاعلين فيها.

وشارك في هذا الملف 3 كتّاب؛ هم: أحمد السماري، ومعجب الشمري، وأحمد شوقي علي.

فتحت عنوان: «صناعة النشر بين منطق السوق ورسالة الثقافة»، قال أحمد السماري، إنه خلال العقدين الأخيرين، شهدت صناعة النشر العربية توسعاً ملحوظاً من حيث عدد دور النشر، وكثافة الإصدارات، لكن المقارنة بين دور النشر العربية ونظيراتها الغربية تكشف عن فجوة واضحة في آليات العمل الاحترافي؛ ففي بيئة نشر متقدمة، لا تقتصر وظيفة الناشر على تلقي مخطوط وطباعته كتاباً ثم توزيعه كيفما اتفق؛ إذ إن العملية تبدأ من قراءة المخطوط وتقييمه، ثم تحريره، ثمّ بناء خطة متكاملة لإطلاقه، تتضمن الحملات الإعلامية والندوات والتوقيعات والتواصل مع النقاد والصحافة والمنصات الثقافية، كما تحضر الوكيل الأدبي بوصفه عنصراً رئيسياً في حماية الكاتب والتفاوض نيابة عنه، وإدارة حقوقه الفكرية والتجارية.

وتحدث عن غياب الوكيل الأدبي وغياب المعايير الاحترافية، وقال: «في الدول العربية، لا يزال الوكيل الأدبي غائباً أو محدود التأثير؛ لأن العائد الذي يحصل عليه الكاتب لا يسمح بتمويل عمل الوكيل الذي يتقاضى أجره نسبة من حقوق الكاتب، ولذلك يجد الكاتب نفسه وحيداً أمام دار النشر: يفاوض، ويوقّع».

وأيضاً لاحظ السماري أنه لا يمكن فهم أزمة النشر العربية بعيداً عن ضيق السوق القرائية أصلاً، فعدد القراء في الدول العربية، قياساً بعدد السكان، لا يزال محدوداً، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم المبيعات والعوائد المالية، ثمّ على مستوى الخدمات التي تقدمها دور النشر.

لينتهي الكاتب إلى أن صناعة النشر العربية تحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة تتجاوز الحنين الثقافي أو الشكوى التقليدية؛ فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تبدأ من تحديث التشريعات المتعلقة بحقوق المؤلف، وتطوير العقود بما يحقق العدالة لأطراف الصناعة، وتفعيل دور الجمعيات والاتحادات المهنية، ورفع مستوى الشفافية والاحترافية. كما أن النهوض الحقيقي لا يتحقق دون توسيع قاعدة القراءة نفسها؛ لأن صناعة الكتاب لا تعيش بالكتابة وحدها، وإنما تحتاج إلى قارئ حقيقي ومستدام.

وفي الملف ذاته، وتحت عنوان: «الرقمنة لم تعد ترفاً»، كتب معجب الشمري: «يتمثل وجه آخر من الأزمة في طريقة تقديم الكتاب نفسه، فبعض دور النشر ما زال يتعامل معه بوصفه منتجاً ساكناً يكفي طرحه في السوق لينال حظه، في حين أن العالم تغير جذرياً. اليوم، يعيش القارئ محاصراً بمنافسة شرسة: منصات رقمية، وفيديوهات قصيرة، وألعاب تفاعلية، ومحتوى لحظي متدفق؛ فلم يعد كافياً أن تتقن طباعة كتاب جيد، ثم ننتظر أن يجد طريقه وحده إلى أيدي القراء. يُضاف إلى ذلك أزمة القدرة الشرائية في عدد من الدول العربية التي تعصف بها الضغوط الاقتصادية».

وتحت عنوان: «العدالة الواجبة بين ثلاثة ورابعهم القارئ»، كتب أحمد شوقي علي، متسائلاً: «كيف يسعر الكتاب؟»، قائلاً: «هناك فجوة ضخمة بين تكلفة النسخة الواحدة من الكتاب وسعر إتاحته للجمهور، الذي قد يتجاوز 3 أضعاف التكلفة الأصلية. لكن أسباب هذه الفجوة تتضح عند النظر إلى القسمة المالية الكلاسيكية بين أطراف الصناعة: إذ تقدر حقوق المؤلف بنحو من 10 في المائة إلى 15 في المائة، من سعر الغلاف، وتصل فعلياً إلى 18 في المائة، أو 12 في المائة بعد التخفيضات، في حين يحصل الناشر على حصة تراوح بين 40 و50 في المائة، ليتبقى لديه هامش ربح صافٍ يقارب 10 أو 15 في المائة بعد حسم تكاليف الطباعة والإنتاج، وفي المقابل، تذهب النسبة المتبقية التي تعادل من 40 إلى 50 في المائة من سعر الغلاف إلى الموزعين وتجار التجزئة، ولا يتوقف اختلال هذه المنظومة عند لحظة توقيع العقد أو تسلم الطبعة، وإنما يمتد ليكون التوزيع هو العقدة الكبرى التي تعطل وصول الكتاب إلى القارئ، ويتفق كثير من الناشرين العرب على أن تكلفة الشحن واللوجستيات وهشاشة شبكات التوزيع، تجعل الكتاب العربي أسيراً لمسارات قصيرة ومكلفة».

ويكمل قائلاً: «في المقابل، يجد الناشر نفسه تحت وطأة تغطية تكلفة الإنتاج والمصروفات التشغيلية، وهو ما يدفعه غالباً إلى تقليص حصة المؤلف، ويضاف إلى ذلك كله الارتفاع الحاد في تكلفة مدخلات الإنتاج، ففي بيئة تعتمد كلياً على استيراد الورق والأحبار، يصبح ارتفاع أسعار الكتب انعكاساً حتمياً لتكلفة الإنتاج وتراجع أعداد الطبعات، وليس بالضرورة رغبة في مضاعفة هوامش الربح».

ويلاحظ الكاتب أنه نتيجة لهذه التحديات الإنتاجية، تكشف الأرقام والبيانات عن هشاشة البنية التحتية لصناعة النشر العربي؛ إذ يوضح رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن إجمالي العناوين المنشورة في الدول العربية بأسرها لا يتجاوز 80 ألف عنوان سنوياً، مقابل 100 ألف عنوان في تركيا وحدها، وهو رقم لا يتناسب مع كتلة سكانية تتجاوز 400 مليون نسمة. كما تراجعت أعداد النسخ المطبوعة للإصدار الواحد، وفقاً له؛ لتراوح بين 50 و1000 نسخة في حدها الأقصى، ومما يفاقم هذه الهشاشة غياب الدعم الحكومي الممنهج، وضعف الميزانيات المخصصة للتزويد والشراء المؤسسي من قبل المكتبات العامة والجامعية.

الزهاوي: شاعر التنوع الثقافي

يضمّ هذا العدد من «القافلة» مقالاً يتضمن سيرة الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي (1863 - 1936م)، بوصفه أحد روّاد التجديد الفكري والشعري، حيث يُعدّ الزهاوي أحد العلمين الشعريين مع معروف الرصافي في سنوات القرن العشرين الأولى، وهو الرجل الذي تباينت فيه آراء النقاد، وطالما لخصّ الزهاوي مواقف معاصريه منه، بقوله: «كنت في صباي اسمى (المجنون) لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولتي (الجريء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية»، وهو ما بيّن غربته عن عصره وزمنه وانفراده بالتعمق والتأمل.

كتب المقال حاتم الصكر، وفيه يؤكد نسبة الزهاوي إلى قبيلة «بابان» الكردية، متحدثاً عن تقييم معاصريه ونقاده، حيث رأوا أنه شاعر جدلي، وقد تفاوتت آراؤهم في أشعاره وأفكاره ومواقفه؛ «ذلك أنه تحرر من الأحكام المسبقة، وأبدى آراءه صريحة في تحرر الفرد والمجتمع، وفي النظر إلى الشعر والحياة والحرية».

ويضيف الكاتب أنه على الرغم من أن الزهاوي ينحدر من أسرة كردية؛ فقد جعلت منه الثقافة العربية، والوظائف التي شغلها، مثالاً لملتقى لغات وآداب مختلفة؛ فكان يحسن إلى جانب العربية، كلاً من الكردية والتركية والفارسية، ويكتب فيها ويترجم عنها. هذا التنوع في ثقافة الزهاوي وحياته، وتبدل أماكن إقامته ومهنه، انعكس في أشعاره ومواقفه، فوجدناه يكتب النثر المسترسل من دون أي ولع بالمحسنات السطحية، مثل السجع المكلف الفاقد للضرورة الدلالية والإيقاعية، وهو ما كان معاصروه التقليديون من الإحيائيين يختمون به فقرات نثرهم الفني.

وعن رأي الزهاوي في الشعر، يقول الكاتب: «كان مفهومه لماهية الشعر متقدماً قياساً إلى سياقات عصره؛ فهو لا يراه ذلك الكلام الموزون المقفى الدال على معنى كما جرى تعريفه تقليدياً؛ بل يربطه جمالياً بالشعور والتعبير الصادق، وبالشكل المناسب فنياً عمّا يحسّ به الشاعر:

ما الشعر إلا شعوري جئتُ أعرضه

فانقدْهُ نقداً شريفاً غير ذي دخلِ

الشعرُ ما عاش دهراً بعد قائلهِ

وسار يجري على الأفواه كالمثلِ

والشعرُ ما اهتزَّ منه روح سامعه

كمن تكهرب من سلك على غفلِ

يا شعرُ إنك أحلامي التي حسنتْ

وأنت ذكرى شبابي الناعم الخَضِلِ».

ويذكر الكاتب أن الزهاوي كان مناصراً للمرأة، داعياً إلى إنصافها اجتماعياً وثقافياً، ومطالباً بحقها في التعلم والمساواة الاجتماعية، كما عرف عنه تقديسه للتعلم وجعل ذلك جزءاً من رسالته. وفي مكان آخر من مسيرته، كان مدافعاً عن استقلال العراق وحريته بعد عقود من الانتداب والاحتلال، فلم يتوانَ عن مقارعة المستعمرين والمحتلين للبلاد العربية:

على كل عودٍ صاحبٌ وخليلُ

وفي كل بيتٍ رئةٍ وعويلُ

كأنّ وجوه القوم فوق جذوعهم

نجومُ سماءٍ في الصباح أفولُ

التزوير: اعتداء على الثقة

يفتح العدد الجديد من «القافلة» ملف التزوير، معتبراً أنه يمثل طيفاً واسعاً يبدأ من الجناية الواضحة، ويمر بالاحتيال الاقتصادي والثقافي، وينتهي عند أسئلة الإنسان عن الصدق والصورة والحقيقة. ولذا، هو في معظم صوره فعل جرمي واضح، تعاقب عليه القوانين وفقاً لخطورته ونتائجه؛ لأن النسخة الكاذبة يمكنها أن تهدم نظاماً كاملاً من الثقة.

يقول المقال: «العملة المزيفة تهدد قيمة النقد الوطني، والدواء المزيف يهدد الحياة، والوثيقة المزيفة تهدد العدالة والإدارة، والسلعة المزيفة تهدد الاقتصاد وحقوق الملكية، والعمل الفني المزيف يعتدي على التاريخ والذاكرة، والخبر المزيف يضرب وعي الناس وقدرتهم على الحكم، وأخطر ما فيه أنه لا يسرق الشيء فقط؛ بل يسرق أيضاً قدرتنا على تصديق الأشياء».

ويضيف: «يعيش التزوير، في جانب منه، في الأزقة الخلفية أو الورش السرية، ولكن ما إن تنتقل مخرجاته إلى العلن، حتى ترى بعضها يختال أمامنا في الأسواق الكبرى والمتاحف، ويتسلل إلى الصيدليات والمنصات الرقمية وشاشات التلفزيون».

ويكمل: «عمر التزوير من عمر الحضارات؛ إذ عثر علماء الآثار في مصر على حبيبات من الخزف، تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، مطلية باللون الأزرق لاستخدامها في الحلي بديلة عن الفيروز الثمين، ومنذ ذلك الحين، وفي كل مرة أنتجت حضارة ما شيئاً ثميناً، نشأ في الظل من يعمل على تصنيع شيء يشبهه».


الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو
TT

الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو

في هذا الصيف، تتصاعد درجات الحرارة في عواصم القارة العجوز إلى مستويات كانت حتى وقت قريب تُعدّ استثناءً، فتنبثق من ثنايا الذاكرة تلك النصوص الأدبية الكبرى التي سبقت العلماء إلى تشخيص ما يجري، وسبقت المتنبئين الجويين إلى إدراك حقيقة ساطعة: الحرارة، حين تبلغ حدّ الجحيم، لا تُغيّر المناخ وحده، بل تُغيّر الإنسان من الداخل.

ومن أهمّ سرديات القيظ ما كتبته الروائية جورج صاند في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) عام 1870، في قرية «نوهان» الصغيرة وسط فرنسا. لم تكن صاند في رحلة، ولم تكن تكتب رواية، بل كانت تُدوّن ما تراه بعيون لا تكاد تُصدّق ما ترى. الكاتبة التي أدهشت أوروبا بإنتاجها الروائي الهائل وجرأتها الاجتماعية غير المسبوقة، وقفت أمام صيف لم تعرفه فرنسا من قبل، فكتبت في «يوميات مسافر في زمن الحرب» هذه المقاطع التي نشرتها مجلة «رفيو دو دو موند»: «صيف لم أره قط، ولم أكن أظنّه ممكناً في مناخنا المعتدل: أيام كان فيها الزئبق في الظل يرتفع إلى خمس وأربعين درجة، لا بقعة عشب، لا زهرة واحدة في مطلع يوليو (تموز)، الأشجار تصفرّ وتسقط أوراقها، والأرض المتشققة تنفتح كأنها تريد أن تبتلعنا، والفزع من نقص الماء يتعاظم يوماً بعد يوم...».

وما يجعل هذا المقطع أكثر من مجرد شهادة مناخية هو ما يليه في يومياتها: «الحديث عن عطش الفلاحين الذين لا يجدون ما يسقون به مواشيهم، عن الأوبئة التي تنتشر في المناطق الريفية، عن الحرائق التي تلتهم ما أبقت عليه الشمس».

فصاند لا تصف مشهداً طبيعياً، بل تُؤرّخ لانهيار نظام كامل: نظام الحياة الريفية الفرنسية حين تتخلى عنها السماء. وقد وصفت ذلك كله بعبارة أشدّ قسوةً من أي تقرير علمي، فهو في نظرها «مظهر من مشاهد نهاية العالم».

ولأن هذا الوصف صدر من قلم جورج صاند، ولأن فرنسا كانت تخوض في الوقت ذاته حرباً مهلكة ضد بروسيا، فإن الطبيعة والتاريخ يتشابكان في يومياتها تشابكاً يجعل القيظ يبدو عقاباً كونياً لا ظاهرة عارضة.

وبعد صاند بسبعة وسبعين عاماً، فتح ألبير كامو نافذة أخرى على الحرارة، لكنها نافذة تطلّ هذه المرة على البحر الأبيض المتوسط. ففي روايته «الغريب» الصادرة عام 1942، يرتكب مورسو جريمته على شاطئ جزائري تحت وطأة شمس لا تعرف الرحمة، وما يجعل هذا المشهد علامةً في تاريخ الرواية الحديثة هو أن الشمس ليست فيه خلفيةً موصوفة بل فاعل درامي بامتياز: فهي التي تدفع الحدث نحو ذروته، وهي التي يُحاسَب عليها البطل أمام القضاء. حيث يكتب كامو ما يلي: «بدا لي الرمل المحموم أحمر قانياً، وكنا نتقدم بخطى متساوية نحو العرب، وكانت المسافة الفاصلة بيننا تتقلّص باطراد..» في هذا المقطع الموجز يختزل كامو فلسفةً بأكملها.

فيكتور جيستان

فالشمس ليست رمزاً يُقرأ من خارج النص، بل حضور شبه جسدي، كائن ذو إرادة، وهذا ما يجعل مورسو ضحيةً قبل أن يكون جانياً. وحين تسأله المحكمة لماذا أطلق النار؟ يُجيب في لحظة صدق: «بسبب الشمس». والجواب طبعاً هراءٌ في منطق القانون، لكنه يحمل عمق الحقيقة في فلسفة كامو: العالم لا يُفسَّر، والحرارة لا تُحاكَم. وفي مجموعته التأملية «أعراس» التي أصدرها عام 1936، يمنحنا كامو الوجه الآخر لهذه الشمس ذاتها: «الشمس الجزائرية التي تبسط الإنسان على الأرض وتجعله يشعر بأنه جزء من شيء أكبر منه، حرارة تصالح لا حرارة تقتل». وبين الكتابين يقيم كامو على حدّ السكين: فالشمس يمكن أن تكون نعمة ويمكن أن تكون لعنة، وما الذي يُقرّر أيّهما هي؟ الإنسان نفسه، في لحظة اختياره الكبرى.

أما لويس فرديناند سيلين، فقد اختار للحرارة وجهاً لا مراوغة فيه ولا شاعرية. ففي ملحمته الروائية «السفر إلى آخر الليل» الصادرة عام 1932، تسكن الحرارة النص منذ أولى صفحاته: باريس تخلو من بشرها في يوم صيفي «بسبب الحرارة»، وفي هذه الجملة العابرة يُقيم سيلين برنامجه السردي بأكمله.

فالحرارة عنده ليست موضوعاً يُعالَج، بل بيئة تُصنع داخلها الكوارث. وحين يصف بطله فيردينان بارداموا تجربته في أفريقيا الاستعمارية، يصنّف الحرارة المدارية بين أعداء الحياة الكبار، بكلمات قاطعة وجافَّة تُعدّد العذابات دون أن تطلب تعاطفاً. وفي «موت بالتقسيط» الصادر عام 1936، يذهب سيلين خطوةً أبعد نحو رؤية الجسد البشري كمادة قابلة للاحتراق.

جورج صاند

فالحرارة عنده لا تُؤرَّخ ولا تُحلَّل فلسفياً، بل تُعاش على مستوى الأحشاء، وتُترجَم في لغة خشنة لاهثة تبدو في ذاتها منسوجةً تحت شمس لا تعرف الرأفة. وما يُميّز سيلين عن صاند وكامو هو أنه يُجرّد الحرارة من أي بُعد شاعري: فعنده هي سجنٌ إضافي يُضاف إلى سجون الفقر والحرب والمرض، تلك السجون التي يتحمّلها صغار الناس دون أن يُسمع لهم صراخ.

وفي المشهد الأدبي الفرنسي المعاصر، يأتي فيكتور جيستان ليُثبت أن هذا التقليد لم يختفِ، بل تجدّد وتعمّق. ففي روايته «الحرارة» الصادرة عام 2019 عن دار نشر «فلاماريون»، والتي لاقت استحسان النقاد ورُشّحت لعدة جوائز، يضع بطله الشاب «ليونار» في مخيم صيفي شاطئي يعجّ بالأجساد والضجيج. هناك يكتشف جسداً ميتاً ويُقرّر، في لحظة ذعر صامت إخفاء ما رأى.

والحرارة في هذه الرواية ليست ديكوراً بل طاقة خام تُذيب الحدود بين المسموح والمحظور، بين ما نفعله وما نُقرّ بفعله. إذ قال جيستان، في أحد حواراته، إن غايته كانت «جعل الاختناق الأخلاقي يمرّ عبر الجسد»، بحيث تفضح الحرارة ما يعجز الوعي عن تسميته.

وهنا تلتقي روايته مع السلسلة الأدبية الكاملة التي سبقته: فمن يوميات صاند إلى رواية كامو إلى ملحمة سيلين، يوجد وعيٌ مشترك عميق بأن الصيف المحترق ليس فصلاً في التقويم بل اختبارا وجودي؛ مساحة تسقط فيها الحواجز المصطنعة، وينكشف فيها الإنسان على حقيقته، مشرِّفة كانت أم مُخزية.

ولعلّ ما يجعل هذه النصوص مجتمعةً أكثر من مجرد أعمال تجمعها صدفة موضوع، هو أنها تُقدّم، كلٌّ في طريقتها، إجابةً عن سؤال يطرحه اليوم المناخيون والفلاسفة والمواطنون العاديون على حدٍّ سواء: ما الذي يفعله القيظ بالروح البشرية؟

وصفت جورج صاند القيظ الذي طال فرنسا عام 1870 بأنه «نهاية العالم»، وجعل كامو الشمس شاهدةً على جريمة


معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية
TT

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة: شعراء يصغون إلى ارتعاشات اللغة، مدجّجين بأدوات النقد الأدبي، أو نقاد تعايشوا مع الشعر تطبيقياً ونظرياً. عند هذي التخوم، يقف فاضل السلطاني، في كتابه «الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة عند تجارب أربعة شعراء معاصرين - دار التكوين عام 2025»، مستنداً إلى كونه شاعراً وناقداً، ليتولى، مُجلياً، ذلك الربط الصعيب.

في صفحات الكتاب تغدو القصيدة أبعد بكثير من بناء لغوي أو ممارسة جمالية، فكأنها أداة معرفة، ونهج في مجابهة العالم، ووليمة فكرية.

يقرأ السلطاني ديريك والكوت (1930 - 2017) - شاعر ومسرحي من سانت لوسيا/ الكاريبي، حائز «نوبل» في الأدب لعام 1992، وبيرناردين إيفارستو (مواليد 1959) - كاتبة وأكاديمية بريطانية من أصل نيجيري تُوجِّت بجائزة بوكر الدولية لعام 2019 -، ولي هاروود (1939 - 2015) - شاعر بريطاني بارز -، وفرانك أوهارا (1926 - 1966) - شاعر وناقد فني أميركي من أبرز أقطاب «مدرسة نيويورك» - بوصفهم شعراء يقفون عند مفارق حضارية متوترة: استعمار ترك أثره في اللغة والاسم والأجساد، وحداثة زعزعت المكان والزمان، وما بعد حداثة دفعت اليومي الصغير إلى واجهة المعنى.

قيمة المقالات الثلاث التي يضمها الكتاب متأتية من قدرتها على تحويل الشعر إلى مختبر فلسفي بكل ما في الكلمة من معنى. فالسلطاني يتعامل مع النصوص الشعرية بوصفها وقائع فكرية حية، تكشف عن اشتباك الذات الهشّة مع قوى هائلة: الإمبراطورية، والذاكرة، والمدينة، والفضاء، والجسد، والأشياء. ولذلك تأتي قراءته أقرب إلى إقامة طويلة داخل القصيدة، متنقلاً بين النظرية والتأويل، وبين باشلار ولوفيفر ودورين ماسي، وبين ما بعد الاستعمار وجماليات المكان، وبين تحولات اللغة وأسئلة الذات. هذا الاشتغال يمنح الكتاب إيقاعاً معرفياً خاصاً يساءل الشعر من داخله، وفي الوقت نفسه يفتحه مشرعاً على حقول التاريخ، والفلسفة، والاجتماع، والجماليات.

في الفصل الأول، يقارب السلطاني ملحمة «أوميروس» لوالكوت ورواية «لارا» الشعرية لإيفارستو من زاوية الهوية الهجينة التي تتخلق في صدام الأعراق والتواريخ واللغات. عند إيفارستو، تتحرَّك الذات داخل ذاكرة عائلية ممتدة، تبحث عن جذورها بين بريطانيا ونيجيريا وأوروبا والبرازيل، وتعيد بناء نفسها عبر الإنصات إلى سلسلة الأسلاف. الهوية لديها عمل ترميمي، وشخصي، وحميم، ينطلق من الجرح الأسري كي يبلغ معنى اجتماعياً أوسع، فالذات الهجينة تئن تحت حاجتها إلى أن ترى نفسها في مرآة ماضيها، وأن تمنح تشتتها شكلاً قابلاً للسرد.

أما والكوت فيذهب أبعد في معركته ليقف أمام الفكرة الأوروبية عن التاريخ، ويعيد مساءلتها من موقع كاريبي تشكّل من الرّكام، والاقتلاع، والعبودية، والهجرات، وتداخل الأعراق. شخصياته تتحرَّك بين الجزر وأفريقيا وأوروبا وأميركا، وتبحث عن اسم ضائع، وجذور مقطوعة، ومعنى يمنح الوجود شرعية روحية. في قراءة السلطاني، تصبح الذاكرة عند والكوت مجالاً لإعادة بناء ما هشمه التاريخ، ووسيلة لاسترداد الذات من قبضة السرديّة الاستعمارية. العبارة المكثفة التي يلتقطها الكتاب، حين يصير أخيل «ذاكرته»، تزيح النقاب عن جوهر هذه الرؤية للإنسان ليس بوصفه كتلة بيولوجية تمشي في الحاضر، بل بوصفه تاريخاً مستعاداً، واسماً مسترداً، وجرحاً عميقاً ينقلب وعياً.

تتقاطع مقالات الكتاب على رؤية الهوية كمادة جدلية وعملية مستمرة. فهي عند هؤلاء الشعراء معبر، ومواجهة، وتفاعل دائم بين الذاكرة والحاضر، وبين الأصل والتحول، وبين الذات كما تراها نفسها والذات كما صاغها الآخر، فلا تظهر كجوهر صاف مغلق، وإنما كطاقة تشكّل دائمة، تولد من الاختلاط، وتتغذى على التوتر، وتكبر في الاشتباك. وتلك واحدة من أهم نقاط قوة قراءة السلطاني الذي يبتعد عن الرثاء السهل لفكرة الجذر المفقود، ويتجه إلى فهم الجذر بوصفه حركة، وبحثاً، ووعياً يكتسب نضجه من قدرته على حمل التناقض.

في الفصل الثاني، ينتقل الكتاب إلى تجربة هاروود عبر ثنائية «المكان والفضاء»، الذي يقرأه الكاتب بوصفه شاعراً تتحرك قصيدته بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والدّاخل والخارج. المكان في بدايات هذا الشاعر الذي ارتبط بحركة إحياء الشعر البريطاني وتأثر بمدرسة نيويورك يبدو حسياً، ملموساً، مشبعاً بالأشياء والمشاهد، ثم يتطور تدريجياً إلى فضاء ذهني، حيث تصبح القصيدة ميداناً لتجربة أكثر تعقيداً: عن كيف يسكن الإنسان العالم، وكيف يتحوَّل البيت إلى ذاكرة، وكيف ينتج المجتمع فضاءه، وكيف تكشف المدينة الحديثة عن اغترابها حين تهدم معالمها وتعيد تشكيل الناس وفق منطق القوة والرأسمال.

استدعاء السلطاني لباشلار ولوفيفر وماسي يمنح هذا الفصل عمقاً استثنائياً. فالمكان عند باشلار مأوى للخيال والذاكرة، والفضاء عند لوفيفر نتاج اجتماعي وسياسي، وعند ماسي مجال مفتوح لتزامن القصص وتعددها. عبر هذه الإضاءات، لا تعود قصيدة هاروود وصفاً لمنظر أو انتقالاً بين مدن بقدر ما هي اختبار لعلاقة الإنسان بما حوله. فحين يستقر الشاعر في الريف بعد تقلب عبر المنافي القلقة، يصبح المكان مصالحة داخلية، فتتراجع أشباح الغربة، وتتبلسم جروح الترحال، وتتدفق رغبة عميقة في أن يكون الإنسان هناك، في جسد واحد، وعينين في علاقة توحد مع التراب والضوء والحقول. عند هذه اللحظة، يقترب الشعر من درجة الحكمة الهادئة: الوجود يحتاج إلى مكان يصدّقه، والمكان يحتاج إلى لغة تجعله مأهولاً بالمعنى.

أما الفصل الثالث، المخصص لأوهارا، فيمثل ذروة أخرى في الكتاب تنقل التأمل من قضايا الهوية والمكان إلى جماليات اليومي والأشياء الصغيرة. السلطاني يقرأ الشاعر الأميركي خارج التصنيف المريح والمباشر الذي يحصره في مدرسة نيويورك، ويمنحه خصوصيته بوصفه مبدعاً اقترف جريمة جعل الحياة اليومية مادة شعرية كاملة. فنجان القهوة، والشوارع، والشطائر، وأضواء النيون، ووجبة الغداء، والوجوه العابرة، والجريدة اليومية، والأشياء التي تبدو عادية جداً، كلها تدخل عند أوهارا في نسيج القصيدة بوصفها إشارات إلى امتلاء العالم. إنّه يتجرأ على أن يهبط بالشعر إلى الشارع كي يرفعه من جديد إلى مستوى الوجود، وفي ذلك لا يقوم بتجميل العادي، وإنما يستدعي طاقته الداخلية. الأشياء في شعره لا تحتاج إلى نبل خارجي كي تصير مادّة شعريّة، إذ حضورها الفيزيائي نفسه يحمل دلالة، وصلابتها اليومية تمنحها قدرة على مقاومة الفراغ. وهكذا تتأسس «جماليات الأشياء الصغيرة» التي يحتفي بها السلطاني: الشعر قادر على أن يمكن القارئ من رؤية ما اعتاد الآخرون تجاوزه، وأن يعيد إلى العين دهشتها الأولى. في هذه الرؤية، يصبح اليومي ميداناً فلسفياً، والتفاصيل العابرة علامات على وحدة الحياة والموت، والسرعة وهدوء التأمل، والمدينة والفرد، والعادي والرفيع السامي.

اللافت في الكتاب أنَّ السلطاني يتعامل مع الشعراء الأربعة بتجاربهم المتباعدة كأسماء متجاورة ومسارات متداخلة في سؤال واحد: كيف يستطيع الشعر أن يقارع العالم ويفهمه؟ والكوت وإيفارستو يبارزان التاريخ من جانب الذاكرة والهوية، وهاروود يشتبك مع الاغتراب على جبهة المكان والفضاء، بينما أوهارا يحارب البلادة الحديثة من بوابة الأشياء الصغيرة وإيقاع الحياة اليومية. وفي كل حالة، تتحوَّل القصيدة إلى وسيلة مقاومة معرفية تعيد تنظيم الحساسية الإنسانية تجاه تجربة العيش برمتها.

تقرأ الكتاب فتحضر في الذهن فكرة الشعر كوليمة تنعش القلب: تجربة مشاركة، وتذوق، وإصغاء، وانفتاح على طبقات متعددة من المعنى. كتاب يقدِّم الشعر بهذه الروح، كمائدة تغص بما لذّ وطاب من عناقيد التاريخ والفلسفة والذاكرة والجمال، لا شكّ يغري بالتورط في علاقة أكثر عمقاً مع الأدب. فالقصيدة الجيدة، كما توحي النصوص الثلاثة، تمنح قارءها زاداً فكرياً وروحياً في آن، لأنها تعطي الألم شكلاً، والضياع اتجاهاً، والتفاصيل العابرة مقاماً في الوعي.

تتمظهر قوة المراجعة النقدية لدى السلطاني في ميلها إلى التوازن. فهو يشتبك مع الحداثة وما بعدها والإرث الكولونيالي ونظريات المكان واللغة، من موقع يقظ يبتعد عن الانفعال الآيديولوجي الجاهز، فلا يختزل الشعر في السياسة أو يفصله عن التاريخ، ويضعه، في المقابل، قيد منطقة أكثر خصوبة، يكون الفعل الجمالي فيها ممراً لإدراك العالم. وهذا ما يجعل الكتاب جديراً بالقراءة، إذ يعبر بالشعراء وعملهم من صرامة التحليل النقدي الأكاديميّ إلى فضاء تصبح فيه القصيدة تجربة إنسانية كاملة، تواجه الكسر، وتستعيد المعنى، وتؤسس للإنسان قدرة أوسع على تجرّع غموض المصير، وقلق الوجود.

«الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة» قراءة عميقة في الشعر بوصفه فناً للنجاة المعرفية. فالهوية فيه ليست معطى نهائياً، والمكان ليس خلفية محايدة، واليومي ليس سطحاً فارغاً، وكل شيء يتحول داخل القصيدة إلى سؤال: الاسم، والبيت، والمدينة، والعبودية، والمنفى، وأضواء الطرقات، وعلبة القهوة، والبحر، والذاكرة. بهذا الاتساع، وبهذه الجرأة، يصبح الشعر ساحة لمواجهة العالم عبر فهمه، ووسيلة لإعادة بناء الذات وسط العنف التاريخي وتحولات الأزمنة.