«حل الدولتين»... متى نشأت فكرته وكيف تطور؟

الزخم السعودي - الفرنسي يعيد الفكرة إلى الواجهة مصحوباً باعترافات دولية واسعة بفلسطين

TT

«حل الدولتين»... متى نشأت فكرته وكيف تطور؟

مهجرون فلسطينيون يعودون إلى قريتهم بعد سقوطها بيد العصابات الصهيونية في سبتمبر 1948 (أ.ف.ب)
مهجرون فلسطينيون يعودون إلى قريتهم بعد سقوطها بيد العصابات الصهيونية في سبتمبر 1948 (أ.ف.ب)

78 عاماً فاصلة في أروقة الأمم المتحدة؛ من إعلان تقسيم فلسطين لدولتين عربية ويهودية عام 1947، إلى اعترافات غربية تتوالى بإقامة دولة فلسطينية، بعد حراك قادته الرياض مع باريس وعواصم عربية وغربية قبل نحو شهرين، دعا للحل ذاته الذي تواجهه إسرائيل برفض واسع وتهديدات كبيرة.

الرحلة التاريخية التي شهدها «حل الدولتين»، يراها مفكر مصري، وخبير فلسطيني، تحدثا لـ«الشرق الأوسط»، نواة لسيناريو مطروح تعزز حالياً على الطاولة للاعتراف بدولة فلسطين رغم الظروف الراهنة، عبر تسوية حقيقية تروض فيها إسرائيل وتقوم على «الاعتراف مقابل التطبيع على أقل تقدير»، في ظل استحواذ ذلك الحل على حصة الأسد في الوعي الجمعي والسياسي العالمي لإنهاء التوتر في المنطقة.

متى بدأت الفكرة؟

«ترتبط الجذور التاريخية لمصطلح حل الدولتين، بشكل كبير بعام 1947، عندما اقترح قرار الأمم المتحدة رقم 181 إنشاء دولتين يهودية وعربية، بعد نحو عقد من شرارة الثورة الفلسطينية 1936»، وفق ما يقول المفكر المصري الدكتور عبد المنعم سعيد.

لاحقاً تراجع حلم دولة فلسطين بعد نكبة 1948، بحسب ما يروي المحلل الفلسطيني سهيل دياب، عقب سيطرة العصابات الصهيونية على نحو 78 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية، وبقيت الضفة تحت الوصاية الأردنية، وغزة تحت الوصاية المصرية.

مقاتلون فلسطينيون بالقرب من شاحنة إمدادات مدرعة محترقة على الطريق إلى القدس في عام 1948 (غيتي)

وتأتي مرحلة ثانية في تاريخ «حل الدولتين»، بحسب دياب، عقب نكسة 1967، حين احتلت إسرائيل أراضيَ عربية، فيما تراجع «حل الدولتين» إلى الخلف، لكن لم ينقطع ذلك الطرح عن المشهد، كما يرى سعيد، لا سيما منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 بهدف استعادة كل فلسطين.

محورية 1967

ويظل عام 1967 عاماً محورياً في سياق «حل الدولتين»؛ إذ تستند دول عربية وغربية تنادي بإقامة بدولة فلسطين إلى حدود 4 يونيو (حزيران) 1967 وتعني بحسب تقرير لشبكة «بي بي سي» البريطانية «وصف حالة الحدود قبل حرب 1967 التي اندلعت في 5 يونيو، واحتلت إسرائيل خلالها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وكذلك الجولان السوري وشبه جزيرة سيناء المصرية». وقالت محكمة الجنايات الدولية إن «خطوط ما قبل عام 1967 عملت بوصفها حدوداً بحكم الأمر الواقع».

جنود الجيش الإسرائيلي يعاينون الدمار الذي خَلَّفَه عدوان يونيو 1967 في أحد شوارع القدس (أ.ف.ب)

يشرح سعيد أن حل الدولتين «استمر خياراً مطروحاً، خصوصاً مع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979، مع حديث عن وثيقة ثانية كانت مطروحة بشأن الحكم الذاتي لفلسطين ولم تجد مساحة من التفاهمات وقتها».

ويمكن الذهاب لمرحلة جديدة في تاريخ «حل الدولتين» مع انتفاضة الحجارة الفلسطينية عام 1987، وما أعقبها من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 لإحياء عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية.

اتفاق أوسلو

وعلى المسار نفسه جاء الاتفاق الموقع في 13 سبتمبر (أيلول) 1993، المعروف باتفاق أوسلو (عاصمة النرويج حيث جرت المناقشات)، ثم تم توقيعه في واشنطن. وكان بمثابة أول اتفاق متبادل بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية بوصفه نواة لحكم ذاتي فلسطيني، بحضور الزعيم الفلسطيني آنذاك ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في البيت الأبيض برعاية الرئيس بيل كلينتون.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن - 13 سبتمبر 1993 (غيتي)

ويرى سعيد أن تأسيس حركات مثل «الجهاد» في عام 1981، ثم «حماس» عام 1987، كان له أثر «سلبي» على نواة حل الدولتين، ويعتقد أن «طرح السعودية في عام 2002 للمبادرة العربية للسلام، أحيا حينها الأمل مجدداً في مبدأ حل الدولتين، باقتراحها إقامة دولة فلسطينية، مقابل إقامة تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل».

ويضع سعيد «سيطرة (حماس) على قطاع غزة منذ عام 2006 ونمو التيار المتشدد في الحكومة الإسرائيلية، سببين إضافيين أسهما في تأخير (حل الدولتين)»، ويضيف: «إن 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، جاء وتغير كثير من الأمور؛ منها النظرة لحل الدولتين».

حرب الإبادة

ويقول المحلل الفلسطيني سهيل دياب، إن «قضية دولة فلسطين عادت إلى الواجهة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة ضد قطاع غزة، رغم كل التطورات الإسرائيلية - الأميركية الساعية لتهجير الفلسطينيين، ورفض حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة إقامة تلك الدولة».

وكان «حل الدولتين» على مع موعد جديد خلال أتون الحرب على غزة، عبر حراك عربي دولي قادته السعودية مجدداً برفقة فرنسا في يوليو (تموز) 2025، وأثمر توقيع إعلان يبلور تنفيذه بتوقيع 17 دولة بينها مصر وقطر والبرازيل وتركيا والأردن، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.

ودعا الإعلان إلى خطوات محددة وسريعة لتطبيق حل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين، وما كان قبل الإعلان ليس كما بعده، إذ توالت رغبات دول غربية في الإعلان صراحة عن اعتزامها الاعتراف بدولة فلسطين، حيث أعلنت 11 دولة غربية؛ بينها فرنسا وبريطانيا وكندا، اتخاذ هذا المسار، وسط رفض إسرائيلي.

«مؤتمر تحالف الدولتين»

وتتجه الأنظار إلى مؤتمر «تحالف حل الدولتين» الاثنين، الذي يأتي خلال انعقاد الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا، بعد أيام من تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 سبتمبر (أيلول) الحالي، بأغلبية ساحقة على إعلان نيويورك الذي يحدد «خطوات ملموسة ومحددة زمنياً ولا رجعة فيها» نحو حل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين.

وأخذ «حل الدولتين» الذي أعادته جهود السعودية وفرنسا للواجهة، مساحة أكبر مع اعتراف بريطانيا وكندا وأستراليا بدولة فلسطينية الأحد، لتنضم الدول الثلاث إلى ما لا يقل عن 145 دولة أخرى تدعم أيضاً تطلع الفلسطينيين، بينما يحمل قرار بريطانيا ثقلاً رمزياً بالنظر إلى الدور الرئيسي الذي اضطلعت به لندن بقيام إسرائيل عقب الحرب العالمية الثانية، بحسب ما ذكرته «رويترز».

وقالت وزيرة الدولة لشؤون وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية فارسين أغابكيان شاهين، إن تلك الاعترافات «خطوة تجعلنا نقترب من (حلم) السيادة والاستقلال».

خطوة للأمام

وبحسب سعيد، فإننا أمام خطوة للأمام ينتظر أن يصنعها مؤتمر 22 سبتمبر في نيويورك، لإعادة «حل الدولتين» للواجهة مرة أخرى، و«ضمان قيام دولة فلسطينية ولو منزوعة السلاح»، داعياً إلى أهمية «ترويض إسرائيل وإدخالها للإقليم مقابل دولة فلسطينية».

ويطرح دياب سيناريوهات مختلفة في ضوء ذلك الحراك؛ منها «الأول: العودة لحل الدولتين ولو بدولة فلسطينية منزوعة السلاح، أو الثاني: سيطرة إسرائيلية كاملة على أرض فلسطين التاريخية بالتهجير والتطهير العرقي».

ويتوقع في «ضوء استحواذ حل الدولتين على حصة الأسد في الوعي الجمعي والسياسي العالمي والاعترافات المتوالية، أن تكون هناك تسوية تاريخية تطرح الخيار الأول وتضمن قيام دولة فلسطينية»، مؤكداً أن «الغرب الأوروبي بات يستشعر أن العالم يدفع ثمناً كبيراً في تأخير تنفيذ حل الدولتين، وأنه أفسد فرصة تاريخية للذهاب لحل الدولتين منذ (اتفاق أوسلو)».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعتقل صحافياً فلسطينياً في الضفة الغربية المحتلة

المشرق العربي جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية (أ.ب)

إسرائيل تعتقل صحافياً فلسطينياً في الضفة الغربية المحتلة

اعتقلت القوات الإسرائيلية، الأربعاء، الصحافي الفلسطيني المستقل محمد عوض في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط»
المشرق العربي مشاهد الدمار في شمال قطاع غزة نتيجة الحرب (د.ب.أ) p-circle

مقتل فلسطيني بغارة إسرائيلية هي الأولى منذ أكثر من أسبوع في غزة

قُتل شاب فلسطيني وأُصيب آخرون، الأربعاء، في غارة جوية إسرائيلية على قطاع غزة، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من أسبوع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يتفقد السكان شقة الفلسطيني فاروق رمضان بعد أن هدمها الجيش الإسرائيلي في قرية تل بالضفة الغربية قرب نابلس (أ.ب)

إسرائيل تفجّر منزل فلسطيني قُتل الشهر الماضي شمال الضفة الغربية

فجَّرت القوات الإسرائيلية، صباح الثلاثاء، منزل مواطن فلسطيني في قرية تل جنوب غربي نابلس شمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل أمتعة على كتفه ويمر بمحاذاة الأنقاض في مخيم للنازحين بغزة (أ.ف.ب)

مصدر مصري: اتصالات لـ«إنقاذ اتفاق غزة» بعد رفض نتنياهو «تفاهمات القاهرة»

أكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، الأحد، أن القاهرة تجري اتصالات مكثفة مع الوسطاء والشركاء لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي مستشفى في تل أبيب بعد إطلاق «حماس» عملية «طوفان الأقصى» (أ.ف.ب)

موجة ضد الأطباء العرب في إسرائيل كسباً للأصوات الانتخابية

تشهد إسرائيل في الأيام الأخيرة حملة تحريض عنصرية جديدة على الأطباء والممرضين العرب في المستشفيات، بزعم أنهم لا يقدمون الخدمات الطبية اللازمة للمرضى اليهود.

نظير مجلي (تل أبيب)

الاستخبارات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في «داعش»

عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)
عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)
TT

الاستخبارات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في «داعش»

عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)
عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)

أعلنت الاستخبارات السورية، اليوم (السبت)، إلقاء القبض على قيادي بارز في تنظيم «داعش» الإرهابي، وفق ما أفاد مصدر في جهاز الاستخبارات العامة وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

على صعيد موازٍ، أعلنت قوى الأمن الداخلي في محافظة درعا إلقاء القبض على المقدم السابق في شرطة نظام بشار الأسد، «المدعو مصعب أبو ركبة».

وذكرت قوى الأمن الداخلي، في بيان صحافي اليوم، أنه «في إطار جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن والاستقرار، ألقت قوى الأمن الداخلي في درعا القبض على المدعو أبو ركبة، المقدّم السابق في فرع الأمن السياسي في الرقة إبان عهد النظام البائد».

وأضاف البيان أن توقيفه في قضايا الإرهاب، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».


إسرائيل تستغل أزمة «البنوك الفلسطينية» لتمرير دعم المستوطنين بالضفة

مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)
مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)
TT

إسرائيل تستغل أزمة «البنوك الفلسطينية» لتمرير دعم المستوطنين بالضفة

مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)
مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)

على الرغم من تحذير الجيش الإسرائيلي من أن الضفة الغربية على وشك فقدان السيطرة والانفجار، بسبب ضعف السلطة من جهة، وإرهاب المستوطنين المستمر، من جهة ثانية، يواصل المستوى السياسي في إسرائيل محاصرة وإضعاف السلطة، ودعم المستوطنين بكل الطرق.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، استغل مسألة حاجة السلطة الفلسطينية إلى استمرار «العلاقة البنكية»، وساوم الدول التي ضغطت من أجل ذلك، مقابل غض الطرف عن المستوطنين في الضفة والتوسع الاستيطاني.

وكانت الحكومة الإسرائيلية المصغرة قد أخذت، الشهر الماضي، قراراً بتمديد العلاقة مع البنوك الفلسطينية في اقتراح مثير قدمه سموتريتش نفسه الذي كان قد أعلن قبل ذلك أنه سيلغي الآلية التي تمكّن بنوك السلطة الفلسطينية من العمل مع البنوك الإسرائيلية.

فلسطينيون يستعملون هواتفهم فيما مستوطنون وجنود إسرائيليون خارج منزلهم في قرية القصرة قرب نابلس السبت (رويترز)

وبناءً على ذلك وجهت الحكومة للبنوك الإسرائيلية خطاب تعويض (حصانة) تتحمل بموجبه المسؤولية القانونية في حال وجود مطالبات أو غرامات في الخارج.

وقال مسؤولون إسرائيليون إن قرار تمديد العلاقة أُخذ؛ لأن الحكومة لا تريد انهيار السلطة.

ولا تملك البنوك الفلسطينية وصولاً مباشراً إلى النظام المالي العالمي؛ لذا فهي تحتاج إلى بنوك إسرائيلية تعمل كوسيط بينها وبين هذا النظام، وتقوم البنوك الإسرائيلية بتحويل الأموال إلى الخارج وإدارة التجارة المتبادلة، لكنها تخشى بحسب وسائل إعلام إسرائيلية من «مخاطر قانونية تتعلق بحظر غسل الأموال ومخاوف تمويل الإرهاب».

وقالت «يديعوت أحرونوت» في تقرير نشرته، السبت، إن سموتريتش أدرك مع الوقت أنه يمتلك سلطة هائلة، لمحاصرة السلطة، فقام بقطع خط أنبوب الأكسجين البديل الذي أنشأته الدولة بالفعل، وهي شركة حكومية كان من المفترض أن تعمل كغرفة «مقاصة» مع الفلسطينيين، وبدأ بالتلاعب بخطابات التعويض للبنوك، وراح يوقع على تمديد للحصانة أقصر بكثير، بينما كان يهاجم في الوقت نفسه صلات المصارف الفلسطينية بما يصفه «إرهاباً»، مستخدماً الابتزاز الصريح.

وبحسب الصحيفة، زاد هذا التوتر في المصارف الإسرائيلية؛ إذ لم يرغب أحد هناك في أن يجد نفسه أمام دعوى مدنية بمليارات الدولارات.

وقبل فترة قصيرة، أعلن البنكان الإسرائيليان ديسكونت وهبوعليم أنهما سيوقفان التعامل مع البنوك الفلسطينية؛ لأن الأمر «لم يكن يستحق المخاطرة».

وقالت الصحيفة إن سموتريتش كان راضياً، وأضافت: «استغل وزير المالية الوضع لصالحه، ورأى فرصة سانحة؛ إذ توافد إليه مسؤولون أوروبيون وأميركيون ودوليون، رغم المقاطعة، فاستخدم مسألة خطابات التعويض للبنوك الإسرائيلية كأداة فعالة للحصول على تنازلات، خاصة في واشنطن، لصالح توسيع المستوطنات، وإنشاء مجتمعات جديدة، والتغاضي عن البؤر الزارعية والرعوية الاستيطانية، «كان ذلك سلاحه السري».

فتى فلسطيني يلعب في شارع على مشارف قرية القصرة قرب نابلس الجمعة (رويترز)

وسياسة سموترتيش تأتي في وقت حذر فيه «الشاباك» الحكومة الإسرائيلية من أن قطع العلاقة مع البنوك الفلسطينية سيزيد احتمالات انهيار السلطة الفلسطينية.

وقال رئيس «الشاباك» للحكومة: «إذا كان هذا ما تريدونه (انهيار السلطة) فلا تعطوا خطابات التعويض للبنوك... ستتوقف الأموال وتنهار السلطة».

وتعاني السلطة الفلسطينية من خطر الانهيار بسبب غياب أفق سياسي وأزمة مالية عميقة نتيجة حجب سموترتيش أموال العوائد الضريبية من جهة، ومحاصرته البنوك من جهة ثانية.

ومنذ 2019 تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ نحو عام بشكل كامل.

وتقول السلطة إنها تواجه وضعاً صعباً ومعقداً غير مسبوق.

وضعف السلطة الفلسطينية بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، سبب إضافي في احتمال انفجار الضفة.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن الجيش الإسرائيلي يخشى أن تكون الأراضي الفلسطينية على وشك الانفجار، نتيجةً للأنشطة الإرهابية اليهودية، وتدهور وضع السلطة الفلسطينية، وتفاقم الوضع الاقتصادي.

ورأت الصحيفة أن الأحداث التي وقعت في قرية قصرة الفلسطينية قرب نابلس تعطي صورة كاملةً وموجزةً عن فقدان السيطرة في الضفة الغربية.

وحاصر مستوطنون منازل الفلسطينيين في قصرة، لأيام دون أن يستطيع الجيش الإسرائيلي إنهاء المسألة، وفي النهاية عندما طردهم عادوا عدة مرات قبل أن يعلن المنطقة منطقة عسكرية مغلقة.

مستوطنة هار حوما في القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل (أ.ف.ب)

والسبت، عاد مستوطنون إلى المنطقة وسط انتقادات متعالية داخل المنظومة الأمنية في إسرائيل لأداء الجيش واتهامات له بالتباطؤ في التعامل مع أعمال العنف بسبب «الحساسية السياسية».

وقالت مصادر أمنية بحسب «هيئة البث» (كان) إن بعض القادة في الجيش يخشون من أن تؤثر القرارات التي يتخذونها ضد مستوطنين على مكانتهم المهنية وفرص ترقيتهم، وهذا أدى إلى تأخير التعامل مع الأحداث التي جلبت على إسرائيل انتقادات دولية حادة بما في ذلك من قبل الولايات المتحدة.

وواصل الجيش، السبت، اقتحام مناطق في الضفة، وواصل المستوطنون شن هجمات في مناطق أخرى غير قصرة.

ويقتحم الجيش الإسرائيلي مدن الضفة بشكل شبه يومي، وتكثف ذلك منذ أطلق عمليته في الضفة في 24 من الشهر الماضي، ونفذ منذ ذلك الوقت سلسلة مداهمات، واعتقل عشرات الفلسطينيين، وهدم الكثير من المنازل بعد أن قطع أوصال الضفة، وحاصر مدناً وبلدات وقرى بالحواجز والبوابات والإجراءات المقيدة.

وحذر شركاء الأمم المتحدة العاملون في المجال الإنساني من أن العمل الإغاثي في الضفة الغربية يتعرض للتأخير والتقييد بسبب شبكة تضم أكثر من 900 «عائق مادي» يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، تشمل نقاط التفتيش والبوابات والحواجز على الطرق، وغيرها من القيود.

مستوطنون يتحركون على مشارف مدينة بيت ساحور بالضفة الغربية الجمعة (أ.ب)

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن هذه الحواجز تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، وتترك المحتاجين إليها دون ما يكفي من الخدمات والمساعدات.

وأضاف أن العاملين في مجال الإغاثة وفي البلدية يكافحون في سبيل تأمين الوصول إلى ثلاث عائلات فلسطينية في قرية قصرة جنوب نابلس، و«قد ظلت هذه العائلات محاصرة هناك منذ يوم الثلاثاء، عقب إقامة بؤرة استيطانية بجوار منازلها وتشديد القيود على الوصول في المنطقة».

وحذر المكتب الأممي من أن الجهود الرامية إلى حماية الفلسطينيين لم تكن فعالة.

ووصفت «يديعوت أحرونوت» ما يحدث في الضفة بالوضع الكارثي، وقالت: «تُضيّق إسرائيل الخناق على السلطة الفلسطينية، وتحافظ على علاقات اقتصادية معها؛ وتتهمها في الوقت نفسه بدعم الإرهاب، وتتوقع منها اعتقال المطلوبين، بينما تدعم شباب التلال (المستوطنين)، وتُعلن للعالم التزامها بالقانون الدولي. وهذا يعني أن السياسة الحقيقية هي الفوضى والاضطراب».

وحذرت الصحيفة من أن كل ذلك يضع المؤسسة الأمنية تحت ضغوط هائلة. مضيفة «إنها لعبة ذات رهانات عالية، وقد يكون ثمنها باهظاً. وهو باهظ بالفعل».


أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

من السيول في إدلب (سانا)
من السيول في إدلب (سانا)
TT

أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

من السيول في إدلب (سانا)
من السيول في إدلب (سانا)

حذّرت الحكومة السورية سكان محافظتي الرقة ودير الزور شرق سوريا من الزيادة ‏التدريجية في كميات المياه القادمة من «سد كديران» على نهر الفرات، السبت، ودعت إلى الحيطة والحذر، فيما سجّل هطول أمطار غزيرة وغير مألوفة في شمال البلاد وشرقها، في ظل استنفار المؤسسات الحكومية والجهات المعنية، ومخاوف من تكرار الأضرار التي سببتها موجة الفيضانات في يونيو (حزيران) الماضي.

واستجابة لارتفاع المنسوب الوارد من تركيا عبر نهر الفرات، فتحت المؤسسة العامة لـ«سد الفرات»، السبت، بوابة المفيض رقم «3» بشكل جزئي لتمرير 100 متر مكعب في الثانية، وفق ما أفادت به وسائل الإعلام الرسمي، مشيرة إلى أن هذه الخطوة «تأتي ضمن خطة تدريجية لرفع كميات المياه الممررة من 600 إلى 800 متر مكعب في الثانية، مع المراقبة المستمرة للمناسيب، بهدف ضمان سلامة السدود والمنشآت التابعة لها، في ظل الارتفاع المستمر للوارد المائي».

سد كديران (سانا)

وفي حالة جوية نادرة في سوريا، هطلت الجمعة أمطار صيفية غزيرة ورعدية مفاجئة في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، أدّت إلى تشكّل سيول جارفة وطوفان جزئي في عدة شوارع، وشلل في حركة المرور، وإغلاق عدة طرق رئيسية في مدينتي إدلب وأريحا، وبلدة معردس التابعة لسراقب، بالإضافة إلى بلدة كفرنبل في الريف الجنوبي،

كما شهد الساحل السوري هطولات مطرية غزيرة ومفاجئة، وأصدرت وزارة الطوارئ بالتنسيق مع «المديرية العامة للأرصاد الجوية» والدفاع المدني، تنبيهاً بحرياً يمتد من 14 أغسطس (آب) وحتى 18 منه، بعدما جرى رصد تيارات بحرية قوية وارتفاع غير مسبوق في الأمواج وصل في بعض الشواطئ المفتوحة إلى نحو 3 أمتار، مع رياح نشطة تتراوح سرعتها ما بين 15 و30 كم/ساعة، وقد تشتد في بعض الأوقات.

وانتشلت فرق الدفاع المدني جثمان طفل قضى غرقاً في شاطئ الكرنك في اللاذقية، نتيجة شدة الأمواج والتيارات البحرية الساحبة.

إعلان حكومي للتحذير من الاقتراب من الفرات (مديرية إعلام الرقة)

وكانت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث قد حذّرت في وقت سابق من أن «زيادة في كميات المياه قد يرافقها ارتفاع في مناسيب نهر الفرات، وزيادة في سرعة ‏الجريان في عدد من المناطق الواقعة على ضفافه، ما يستدعي اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة؛ ‏حفاظاً على السلامة العامة».

من جانبها، دعت وزارة الطاقة أهالي محافظتَي الرقة ودير الزور إلى الابتعاد عن مجرى نهر الفرات وعدم السباحة فيه ابتداءً من يوم السبت 15 أغسطس الحالي.

البوابة رقم 3 في «سد الفرات» (المؤسسة العامة لسد الفرات)

وفي إجراء احترازي جرى إغلاق الجسر الترابي في مدينة دير الزور أمام المارة. كما استنفر العاملون في المنشآت ومحطات المياه القريبة من الضفاف، لتفادي تكرار الأضرار التي حدثت في موجة الفيضانات السابقة، والتي كانت الأسواء منذ 30 عاماً؛ حيث تسببت الفيضانات في انهيار عدد من الجسور وخروج نحو 60 محطة تصفية وضخ مياه عن الخدمة، ونزوح وتضرر أكثر من 2400 عائلة، ووفاة 15 شخصاً معظمهم من الأطفال، وتسجيل 22 حالة غرق نتيجة التيارات المائية القوية المفاجئة أثناء محاولات السباحة أو العبور، إضافة إلى غمر نحو 7 آلاف دونم من الأراضي الزراعية، بالتزامن مع موسم حصاد القمح، ما تسبب في خسائر فادحة للمزارعين.