حرب ترمب على المخدرات: بين الطموح العسكري والقيود الدستورية

تصاعد الجدل والضغوط وسط معارضة في الكونغرس وانقسام حزبي عميق

الرئيس الأميركي يلقي كلمة خلال حفل عشاء في فرجينيا يوم 20 سبتمبر (رويترز)
الرئيس الأميركي يلقي كلمة خلال حفل عشاء في فرجينيا يوم 20 سبتمبر (رويترز)
TT

حرب ترمب على المخدرات: بين الطموح العسكري والقيود الدستورية

الرئيس الأميركي يلقي كلمة خلال حفل عشاء في فرجينيا يوم 20 سبتمبر (رويترز)
الرئيس الأميركي يلقي كلمة خلال حفل عشاء في فرجينيا يوم 20 سبتمبر (رويترز)

لم يكن الجدل الذي أشعلته إدارة الرئيس دونالد ترمب مؤخراً حول «الحرب على المخدرات» مجرّد نقاش سياسي عابر، بل كشف عن واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الولايات المتحدة اليوم: كيف يمكن لرئيس يسعى إلى إثبات الحزم في مواجهة أزمة الفنتانيل أن يوازن بين الطموح العسكري والقيود التي يفرضها الدستور؟

القصة بدأت في مطلع العام، حين طرحت إدارة مكافحة المخدرات مقترحات غير مسبوقة لشنّ ضربات عسكرية ضد الكارتلات المكسيكية، شملت استهداف قادة العصابات ومعامل الإنتاج داخل الأراضي المكسيكية.

لم يكن ذلك مجرد سيناريو على الورق. ديريك مالتز، الذي تولى قيادة الوكالة بالإنابة، دافع علناً عن الفكرة، قائلاً إن «الكارتلات قتلت من الأميركيين أكثر مما قتلت أي منظمة إرهابية في التاريخ، والاستجابة يجب أن تكون بمستوى التهديد». ومع ذلك، أقرّ مالتز بأن التنفيذ يتطلّب قراراً سياسياً ودعماً من البنتاغون والحكومة المكسيكية، وهو ما لم يكن متاحاً.

لقطة من فيديو نشره ترمب على منصته في 15 سبتمبر لغارة على قارب قال إنه يقل مهربي مخدرات بالبحر الكاريبي (أ.ف.ب)

لكن الفكرة سرعان ما تجاوزت حدود النقاش البيروقراطي. ففي بداية سبتمبر (أيلول) الحالي، نفّذت القوات الأميركية ضربتين في البحر الكاريبي ضد قوارب قالت إنها تابعة لشبكات تهريب فنزويلية مرتبطة بالفنتانيل. العملية، التي أسفرت عن مقتل 14 شخصاً بحسب تصريحات الرئيس دونالد ترمب، عدّها البيت الأبيض جزءاً من «حملة دفاع عن الشعب الأميركي». غير أن الأساس القانوني لمثل هذه الضربات بقي غامضاً. فقد اكتفى المسؤولون بالقول إن العمليات «متوافقة مع القانون الأميركي والدولي»، في حين رأى خبراء قانونيون أن مجرد تصنيف الكارتلات بوصفها منظمات إرهابية لا يمنح الرئيس سلطة شنّ حرب عليها.

معركة في الكونغرس

أثارت الضربات البحرية قلقاً واسعاً في أروقة الكونغرس. السيناتور الديمقراطي تيم كين، المعروف بدفاعه عن صلاحيات المشرعين في قضايا الحرب، علّق قائلاً: «لا يمكن أن نسمح لرئيس واحد بجر البلاد إلى حرب غير مبررة تحت غطاء مكافحة المخدرات. هذه ليست صلاحيات رئاسية مفتوحة». وبمشاركة النائب آدم شيف، طرح كين مشروع قرار يستند إلى «قانون صلاحيات الحرب» لعام 1973 لتقييد قدرة الرئيس على شن عمليات عسكرية دون تفويض واضح من الكونغرس.

في المقابل، تحرّكت مجموعة من الجمهوريين لمنح ترمب تفويضاً أوسع. النائب كوري ميلز قاد الجهود لتمرير مشروع قانون يسمح باستخدام «كل القوة اللازمة والمناسبة» ضد ما يُسمى «إرهابيي المخدرات»، سواء كانوا منظمات أو أفراداً أو حتى دولاً يُعتقد أنها توفر لهم المأوى. وقال ميلز أمام لجنة في مجلس النواب إن «هذه الكارتلات هي منظمات إرهابية بحكم الأمر الواقع، وإذا لم نواجهها اليوم، فسوف ندفع ثمناً أكبر غداً».

إلا أن خبراء القانون لم يترددوا في التحذير. بروس أكرمان، أستاذ القانون الدستوري في جامعة «ييل»، كتب في مقالة رأي أن «هذا التفويض يشبه شيكاً على بياض، ويمكن أن يُستخدم لتبرير تدخل عسكري في أي مكان من العالم بحجة المخدرات».

انقسام حزبي عميق

الخلاف حول هذه الحرب غير المعلنة يعكس الانقسام الحاد بين الحزبين. الديمقراطيون يرون أن ترمب يتجاوز سلطاته الدستورية ويُعرّض حياة العسكريين للخطر. النائبة ألكساندريا أوكاسيو - كورتيز قالت للصحافيين إن «هذه ليست حرباً على المخدرات، بل محاولة لفرض الهيمنة خارج الحدود، وستكون عواقبها وخيمة على الديمقراطية الأميركية».

أما الجمهوريون فيجادلون بأن تصاعد أزمة الفنتانيل، التي تسببت في أكثر من 100 ألف وفاة بجرعات زائدة العام الماضي، يُبرّر التحرك الحاسم. السيناتور تيد كروز عدّ أن «الولايات المتحدة لا تستطيع الجلوس مكتوفة الأيدي، بينما تغرق شوارعنا بالسموم القاتلة. الرئيس على حق في التعامل مع الكارتلات بوصفها منظمات إرهابية».

لكن داخل الحزب الجمهوري نفسه ثمة تباينات. بعض الأصوات المحافظة تخشى أن يقود أي تفويض مفتوح إلى «حروب أبدية جديدة»، على غرار ما حدث بعد 11 سبتمبر. محللون مقربون من التيار المحافظ يرون أن مشروع ميلز «يعطي الرئيس سلطات تتجاوز حتى تلك التي مُنحت لبوش الابن بعد الهجمات الإرهابية»، وهو ما قد يُضعف موقف الحزب أمام الناخبين المتعبين من مغامرات عسكرية طويلة الأمد.

شعبية الرئيس

الجدل حول حرب المخدرات تزامن مع تراجع شعبية ترمب في استطلاعات الرأي. وفق مسح أجرته «واشنطن بوست» مع «إبسوس»، قال 56 في المائة من الأميركيين المستطلعين إنهم لا يوافقون على أدائه العام، فيما عدّ 62 في المائة أنه تجاوز سلطاته الدستورية.

وزير الداخلية الفنزويلي يعرض خريطة لاستهداف أميركي قوارب «تهريب مخدرات» يوم 17 سبتمبر (إ.ب.أ)

الملف الأمني، الذي حاول ترمب جعله نقطة قوة من خلال نشر «الحرس الوطني» في مدن كبرى، لم يحقق له المكاسب المتوقعة. فقد عارضت غالبية المستطلعين خطواته في واشنطن ولوس أنجليس، رغم أن الجمهوريين لا يزالون يتمتعون بأفضلية طفيفة على الديمقراطيين في ملف مكافحة الجريمة.

المُحلّلة السياسية جينيفر روبين كتبت في صحيفة «واشنطن بوست»، قائلةً إن «ترمب يواجه مأزقاً مزدوجاً: يُحاول الظهور بمظهر القائد الحازم، لكن الناخبين يرونه رئيساً يتجاوز القانون. هذه معادلة خطيرة انتخابياً».

الأخطر بالنسبة للحزب الحاكم أن أكثر من نصف الأميركيين أعربوا عن رغبتهم في أن يسيطر الديمقراطيون على الكونغرس المقبل لـ«مراقبة ترمب»، ما ينذر بخسائر محتملة في انتخابات التجديد النصفي.

القانون الدولي

بعيداً عن السياسة الداخلية، يثير الملف أسئلة جوهرية حول القانون الدولي. البروفسور ستيفن فلاتو، أستاذ القانون في جامعة «جورجتاون»، يقول إن «تصنيف الكارتلات بوصفها منظمات إرهابية لا يكفي لمنح شرعية لاستخدام القوة. القانون الدولي واضح: لا يمكن ضرب أهداف داخل دولة ذات سيادة إلا بموافقتها أو في حالة دفاع شرعي عن النفس».

الحكومة المكسيكية لم تُخفِ استياءها من الخطاب الأميركي. فقد شدّد الرئيس السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور في تصريحات متكررة على أن «المكسيك لن تقبل أي تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية»، محذراً من أن أي عملية عسكرية أميركية داخل الأراضي المكسيكية ستكون «انتهاكاً صارخاً للسيادة».

هذا الموقف يزيد من تعقيد حسابات واشنطن. فبينما يريد ترمب الظهور بمظهر القائد الذي لا يتهاون في الدفاع عن الأميركيين، فإن أي عملية عسكرية غير مُنسّقة مع الحكومة المكسيكية قد تفتح جبهة دبلوماسية جديدة وتؤثر في التعاون الأمني الحدودي، الذي يُعدّ حيوياً لمكافحة تهريب المخدرات.

ما بين الطموح والقيود

في نهاية المطاف، تكشف معركة ترمب ضد «إرهابيي المخدرات» عن المعضلة الدائمة التي تواجه الرؤساء الأميركيين: كيف يُمكن التحرّك بسرعة ضد تهديدات عابرة للحدود دون تجاوز الضوابط الدستورية؟ وبينما يُصرّ الديمقراطيون على أن الحلّ يكمُن في تعزيز إنفاذ القانون والتعاون الدولي، لا في فتح جبهات عسكرية جديدة، يقول الجمهوريون، أو على الأقل جزء منهم، إن حجم الكارثة يُبرّر خطوات استثنائية، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر.

وبين هذين الموقفين، يبقى السؤال مطروحاً: هل يملك ترمب ما يكفي من الدعم السياسي والقانوني لشنّ حرب شاملة على الكارتلات؟ أم أن القيود الدستورية والتوجس الشعبي من الحروب الخارجية ستجبراه على التراجع؟

في لحظة تبدو فيها أزمة الفنتانيل أكبر من قدرة أي إدارة على معالجتها بسهولة، يجد الرئيس نفسه أمام اختبار معقد. فكلما حاول أن يظهر بمظهر الرجل القوي، ازدادت المخاطر القانونية والسياسية التي تحيط به. وبينما يراقب الناخبون والمشرعون والحلفاء الدوليون خطواته، يتضح أن معركة المخدرات قد لا تكون مجرد سياسة عامة، بل تعد اختباراً دستورياً وسياسياً حاسماً قد يُحدّد ملامح ولايته الثانية ومصير حزبه في الانتخابات المقبلة.


مقالات ذات صلة

مادورو يَمثُل أمام محكمة في نيويورك سعياً لإسقاط تهم الاتجار بالمخدرات

الولايات المتحدة​ نيكولاس مادورو (أ.ف.ب) p-circle

مادورو يَمثُل أمام محكمة في نيويورك سعياً لإسقاط تهم الاتجار بالمخدرات

يعود الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو إلى قاعة محكمة في نيويورك اليوم الخميس، في إطار مساعيه لإسقاط لائحة اتهامه بالاتجار بالمخدرات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي مكتب المدعي العام في وزارة العدل الأميركية

محكمة أميركية تدين «رجل الظل» بتجارة المخدرات والسلاح في نظام الأسد

أقرَّ قسيس بأنه كان يعمل مباشرةً مع ماهر الأسد (شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد)، وغيره من كبار المسؤولين العسكريين في النظام البائد لإتمام الصفقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي باسل السويدان رئيس (لجنة مكافحة الكسب غير المشروع) في سوريا (سانا)

«مكافحة الكسب غير المشروع» لنشر أسماء الشخصيات والشركات قيد التحقيق

تعمل (لجنة مكافحة الكسب غير المشروع) في سوريا، على إعداد لائحة شاملة سيتم نشرها عبر موقعها الرسمي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان بضربة أميركية على سفينة يشتبه في تهريبها مخدرات بالمحيط الهادئ

نفّذت القوات الأميركية ضربة جوية على سفينة يُشتبه بقيامها بتهريب مخدرات في المحيط الهادئ ما أسفر عن مقتل شخصين حسبما أعلن مسؤولون الجمعة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي أرشيفية لقوات الأمن السوري

منع تجوّل في ريف حمص بعد استهداف مبنى للأمن

أعلنت قوى الأمن الداخلي، الخميس، فرض حظر تجوّل مؤقت في عدد من القرى بريف حمص الغربي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

ناشطة أميركية مؤيدة للفلسطينيين تعلن إحباط مخطط لاغتيالها

نردين كسواني الناشطة البارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين 12 أبريل 2024 (أ.ب)
نردين كسواني الناشطة البارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين 12 أبريل 2024 (أ.ب)
TT

ناشطة أميركية مؤيدة للفلسطينيين تعلن إحباط مخطط لاغتيالها

نردين كسواني الناشطة البارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين 12 أبريل 2024 (أ.ب)
نردين كسواني الناشطة البارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين 12 أبريل 2024 (أ.ب)

أعلنت ناشطة أميركية مؤيدة للفلسطينيين، الجمعة، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) أحبط مخططاً وشيكاً لاغتيالها، من دون أن تتضح في هذه المرحلة الجهة التي تقف وراء التهديد.

وقالت نردين كسواني، وهي ناشطة بارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين، على منصة «إكس»: «أبلغتني قوة مكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي في وقت متأخر من الليلة الماضية بأن مخططاً لاستهداف حياتي كان (على وشك) التنفيذ».

وبحسب الناشطة، نُفذت عملية للشرطة في هوبوكين بولاية نيوجيرسي المجاورة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن محامي الناشطة ومصدر في الشرطة، أن شخصاً واحداً على الأقل تم توقيفه.

ومن جهتها، أوضحت السلطات أنها اعتقلت أندرو هايفلر، الذي كان بصدد تجميع زجاجات حارقة (مولوتوف) بهدف إلقائها على منزل الناشطة الفلسطينية لحظة اعتقاله.

وبحسب لائحة الاتهام، ظهر هايفلر في مكالمة فيديو خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، مع مجموعة ضمّت ضابطاً متخفياً، حيث أبدى اهتمامه بالتدريب على «الدفاع عن النفس» ورغبته في إيجاد مكان يتيح له إلقاء زجاجات حارقة.

وتقود كسواني مجموعة «ويذين أور لايفتايم» التي تتصدر تنظيم المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، خصوصاً خلال الحرب في غزة، وهي تتعرض بانتظام لهجمات عبر الإنترنت من مجموعات مؤيدة لإسرائيل.

والشهر الماضي، رفعت دعوى قضائية ضد الفرع الأميركي لحركة «بيتار»، وهي حركة يهودية دولية يمينية، متهمة إياها بالتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مضايقتها أو الاعتداء عليها.

وكتبت على «إكس» أنه «منذ أشهر، تشجع منظمات صهيونية مثل بيتار ومسؤولون سياسيون مثل راندي فاين العنف ضدي وضد عائلتي».

وكان راندي فاين، وهو نائب جمهوري من ولاية فلوريدا، قد كتب على «إكس» ردّاً على منشور لكسواني وصفت فيه الكلاب بأنها «نجسة»، قبل أن توضح لاحقاً أنه جاء على سبيل السخرية: «إذا أُجبرنا على الاختيار، فإن الاختيار بين الكلاب والمسلمين ليس صعباً».


مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تخترق البريد الشخصي لمدير «إف بي آي»

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يستمع إلى سؤال خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يستمع إلى سؤال خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تخترق البريد الشخصي لمدير «إف بي آي»

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يستمع إلى سؤال خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يستمع إلى سؤال خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)

كشفت تقارير إعلامية أميركية عن أن مجموعة قرصنة موالية لإيران نجحت في اختراق حساب البريد الإلكتروني الشخصي لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) كاش باتيل، ونشرت صوراً ومواد شخصية ووثائق على الإنترنت، في حادثة تسلط الضوء على تصاعد الحرب السيبرانية المرتبطة بالنزاع مع طهران.

وحسبما نقلته شبكة «سي إن إن» ووكالة «أسوشييتد برس» عن مصادر مطلعة، تبنّت مجموعة «حنظلة» -وهي مجموعة قرصنة موالية لإيران- مسؤولية الهجوم، مؤكدةً أنها تمكّنت من الوصول إلى مراسلات شخصية ومهنية وسجلات سفر تعود إلى الفترة بين عامَي 2011 و2022، أي قبل تعيين باتيل مديراً للمكتب من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ونشرت المجموعة عبر الإنترنت ما قالت إنها صور خاصة لباتيل، من بينها لقطات يظهر فيها إلى جانب سيارة رياضية كلاسيكية وأخرى وهو يدخن سيجاراً، بالإضافة إلى سيرة ذاتية ووثائق شخصية أخرى. كما أعلنت حصولها على رسائل بريد إلكتروني وملفات أخرى، مشيرة إلى أن كثيراً من هذه المواد يعود إلى أكثر من عقد.

تحذيرات سابقة

لم يصدر تعليق فوري من «إف بي آي» أو وزارة العدل، إلا أن مصدراً مطلعاً أكد لوكالة «أسوشييتد برس» أن حساباً شخصياً لباتيل تعرّض للاختراق بالفعل، من دون توضيح توقيت العملية. وكانت تقارير سابقة قد أفادت بأن باتيل أُبلغ في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بأنه هدف لمحاولات اختراق مرتبطة بإيران.

ويأتي هذا التطور في سياق تحذيرات أطلقتها وزارة العدل عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، من احتمال تصاعد الهجمات السيبرانية التي ينفذها فاعلون مرتبطون بطهران.

تصعيد سيبراني

كانت وزارة العدل قد أعلنت الأسبوع الماضي مصادرة أربعة نطاقات إلكترونية يُشتبه في استخدامها من قِبل قراصنة مرتبطين بوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، من بينها نطاقان يُعتقد أن مجموعة «حنظلة» استخدمتهما. وأوضحت أن هذه المواقع استُخدمت في «عمليات دعائية تستهدف خصوم النظام»، عبر نشر بيانات مسروقة والدعوة إلى استهداف صحافيين ومعارضين.

وتُعد «حنظلة» من أبرز المجموعات السيبرانية الموالية لإيران، وقد تبنّت في وقت سابق هجمات استهدفت أنظمة شركة «Stryker Corporation» الأميركية للتكنولوجيا الطبية، فيما قالت إنه ردّ على ضربات أميركية يُزعم أنها أوقعت ضحايا مدنيين في إيران.

وفي تعليق سابق له، قال باتيل إن إيران «تحاول الاختباء خلف مواقع وهمية وتهديدات إلكترونية لبث الرعب وإسكات المعارضين»، متعهداً بأن المكتب «سيلاحق جميع المتورطين في هذه الهجمات ويقدّمهم إلى العدالة».

وتعكس الحادثة اتساع نطاق المواجهة بين واشنطن وطهران إلى الفضاء الرقمي، في وقت تتزايد فيه أهمية الهجمات السيبرانية بوصفها أداة موازية للصراع العسكري التقليدي.


حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
TT

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

تكشف الحرب الأميركية على إيران، بعد أربعة أسابيع من انطلاقها، عن وجه آخر أقل ظهوراً من مشاهد القصف والتصريحات السياسية: استنزاف سريع لمخزونات الذخائر الدقيقة الهجومية والدفاعية، في وقت تحاول فيه واشنطن خوض حرب في الشرق الأوسط من دون دفع ثمن استراتيجي في أوروبا وآسيا.

لكن الأرقام التي بدأت تتسرب من داخل المؤسسة العسكرية الأميركية توحي بأن هذا التوازن يزداد صعوبة، وأن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت الحملة على إيران تحقق أهدافها، بل ما الذي تستهلكه من قدرة أميركية على الردع في مسارح أخرى، ولا سيما أوكرانيا. وتزداد حساسية هذا المشهد مع تقارير نشرتها «واشنطن بوست» و«رويترز» عن بحث البنتاغون تحويل مساعدات مخصصة لكييف إلى الشرق الأوسط، ومع الزيارة النادرة لوفد من المشرعين الروس إلى واشنطن للمرة الأولى منذ سنوات، بما تحمله من إشارات سياسية مقلقة لكييف تتجاوز بعدها البروتوكولي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

استنزاف الذخائر

حسب «واشنطن بوست»، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 850 صاروخ «توماهوك» ضد إيران خلال أربعة أسابيع فقط، وهو رقم كبير بالنسبة إلى سلاح باهظ الكلفة وبطيء التصنيع؛ إذ قد تصل تكلفة الصاروخ الواحد إلى 3.6 مليون دولار، بينما قد يستغرق إنتاجه نحو عامين، في وقت لا تتجاوز فيه الطاقة الصناعية الحالية نحو 600 صاروخ سنوياً. وهذا يعني أن التعويض لن يكون سريعاً ولا سهلاً.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

هذه الأرقام لا تعكس مجرد خيار عملياتي، بل تكشف عن طبيعة الحرب نفسها. فـ«التوماهوك» هو السلاح المفضل عندما تريد واشنطن ضرب أهداف بعيدة ودقيقة من دون المخاطرة المباشرة بطياريها. لكن الإفراط في استخدامه يحول المكسب التكتيكي إلى عبء استراتيجي، خصوصاً مع تقديرات أشارت إلى أن مخزون البحرية الأميركية قبل الحرب ربما تراوح بين 3100 و4500 صاروخ، بما يعني أن ما استُهلك قد يقترب من ربع المخزون الإجمالي وفق بعض التقديرات. وهذه ليست مسألة محاسبية، بل قضية تمس الجاهزية لأي مواجهة لاحقة، سواء في آسيا أو في أزمة أخرى مفاجئة.

ولا يقتصر الضغط على الذخائر الهجومية. «رويترز» تحدثت أيضاً عن إطلاق أكثر من 1000 صاروخ اعتراض جوي من أنظمة «باتريوت» و«ثاد» للتصدي للهجمات الإيرانية المضادة. وهذه الأنظمة تحديداً من أكثر ما تحتاج إليه أوكرانيا اليوم في مواجهة الضربات الروسية على المدن والبنية التحتية. وهنا يتضح أن الحرب على إيران لا تستنزف مخزوناً أميركياً عاماً فقط، بل تستنزف الفئات الأكثر حساسية من الذخائر التي يصعب تعويضها سريعاً ويشتد عليها الطلب عالمياً.

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي 24 مارس الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تدفع جزءاً من الفاتورة

هذا هو السياق الذي يجعل بحث البنتاغون تحويل بعض الأسلحة المخصصة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط أمراً بالغ الدلالة. «واشنطن بوست» كانت قد أفادت بأن النقاش داخل وزارة الدفاع يشمل خصوصاً صواريخ الاعتراض الجوي التي كانت تُشترى لكييف عبر برنامج «قائمة أولويات احتياجات أوكرانيا»، وهو الترتيب الذي موّلته دول أوروبية لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا حتى بعد تقليص إدارة ترمب معظم المساعدات الأمنية المباشرة.

صحيح أنه لم يُتخذ قرار نهائي بعد، وصحيح أن الأمين العام لـ«ناتو» مارك روته قال إن الإمدادات الحيوية ما زالت تتدفق، لكن مجرد فتح هذا النقاش يعني أن المنافسة بين الجبهات أصبحت واقعة. فواشنطن لم تعد تتحدث عن زيادة الإنتاج فقط، بل عن إعادة توزيع النقص. والرئيس دونالد ترمب نفسه أقرّ، عندما سئل عن إمكان نقل ذخائر من أوكرانيا إلى مسرح آخر، بأن الولايات المتحدة «تفعل ذلك طوال الوقت». وهذا الإقرار مهم لأنه ينزع عن الفكرة صفة التسريب العابر، ويجعلها جزءاً من منطق إدارة الموارد في زمن الحرب المفتوحة.

جندي أوكراني يطلق النار من مدفع «هاوتزر» باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 18 مارس الحالي (أ.ب)

ومن زاوية كييف، الخطر لا يكمن فقط في خسارة شحنة أو اثنتين، بل في تبدل الأولوية الأميركية نفسها. فأوكرانيا تحتاج إلى صواريخ الاعتراض بشكل يومي تقريباً، في حين تسعى أوروبا إلى سد الفجوة عبر التمويل أكثر من التصنيع. وإذا بدأت واشنطن تسحب من الخط المخصص لكييف لتغذية حربها ضد إيران أو لإعادة ملء مخزوناتها، فإن أوكرانيا ستشعر بأن الحرب في الخليج أصبحت تملي إيقاع صمودها في وجه روسيا.

موسكو تراقب لحظة الارتباك

في هذا التوقيت، جاءت زيارة وفد من المشرعين الروس إلى واشنطن، وهي الأولى منذ سنوات، لتضفي على المشهد بعداً سياسياً أكثر حساسية. وعُدت الزيارة مؤشراً إلى دفء نسبي في العلاقات الأميركية - الروسية مقارنة بالسنوات التي تلت غزو أوكرانيا عام 2022، وتشمل لقاءات مع مسؤولين ومشرعين أميركيين على مدى يومين.

ووصف المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الرحلة بأنها خطوة مهمة نحو تطبيع العلاقات المتوترة.

بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)

ويهدف الوفد المكون من خمسة نواب روس إلى استعادة الاتصالات البرلمانية، وفقاً لما صرح به نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما الروسي. وقال فياتشيسلاف نيكوف لوكالة الأنباء الرسمية «تاس» في واشنطن إن اجتماعات مع مسؤولين في الإدارة الأميركية مخطط لها الجمعة.

وتتولى النائبة الجمهورية آنا بولينا لونا، المؤيدة للرئيس دونالد ترمب والناقدة للمساعدات الأميركية لأوكرانيا، استضافة الوفد الروسي. وأضاف نيكوف أن المناقشات مع المشرّعين الأميركيين ركزت على إنشاء مجموعة برلمانية مشتركة وإمكانية زيارة متبادلة لموسكو في مايو (أيار). وتم رفع العقوبات الأميركية مؤقتاً عن عضو بارز في حزب روسيا الموحدة الحاكم للسماح بالزيارة.

فني من شركة أوكرانية مختصة بإنتاج المسيَّرات خلال عرضها داخل موقع غير محدد بأوكرانيا 19 مارس الحالي (أ.ف.ب)

قد لا يكون من الدقة ربط الزيارة مباشرة بقرارات الذخائر، لكن التزامن مهم. فموسكو ترى، على الأرجح، أن الولايات المتحدة منشغلة بحرب مكلفة في الشرق الأوسط، وأن أوكرانيا قد تصبح أقل أولوية كلما طال أمد القتال مع إيران. أما كييف وحلفاؤها الأوروبيون، فيقرأون المشهد من زاوية أكثر قتامة: روسيا لا تستفيد فقط من احتمال تراجع الإمدادات إلى أوكرانيا، بل تستعيد أيضاً مساحة سياسية في واشنطن في لحظة ارتباك أميركي متعدد الجبهات.

صورة وزَّعتها البحرية الأميركية لصاروخ «توماهوك» 5 مارس الحالي (أ.ف.ب)

في المحصلة، لا تكمن أهمية استنزاف «التوماهوك» في كونه نقصاً فنياً قابلاً للعلاج بالإنتاج وحده، بل في أنه يكشف عن حدود القدرة الأميركية على خوض حروب مكثفة ومتزامنة من دون تكلفة استراتيجية على شركائها وردعها العالمي. فحين تبدأ الذخائر التي تحمي أوكرانيا في منافسة الذخائر التي تُستخدم في إيران، تصبح الحربان مترابطتين عملياً، حتى لو تباعد المسرحان. وحين يزور مشرعون روس واشنطن في هذا المناخ، تبدو الرسالة السياسية مقلقة: موسكو تراقب لحظة إعادة ترتيب الأولويات الأميركية، وكييف تخشى أن تكون هي أول من يدفع الثمن.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال ترؤسه اجتماعاً بالكرملين (أ.ب)

بوتين «لم يطلب تبرعات» للحرب

أفاد موقع ‌«ذا بيل» الإلكتروني الإعلامي نقلاً عن مصادر لم يسمها بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طلب من ​رجال الأعمال المقربين من الدولة التبرع لميزانية المجهود الحربي. وقال الموقع إن بوتين التقى كبار رجال الأعمال الروس في اجتماع مغلق، الخميس. ونشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أيضاً تقريراً مشابهاً ‌عزت ‌فيه المعلومات إلى ثلاثة مصادر ​مطلعة.

ونقل ‌ذا ⁠بيل ​عن المصادر ⁠القول إن بوتين ناقش تمويل الجيش واستمرار الحرب. وقال ‌الموقع أيضاً إن الملياردير ​سليمان كريموف تعهد ‌خلال اجتماعه مع بوتين بالتبرع بمائة مليار ‌روبل (1.23 مليار دولار). لكن نفى المتحدث باسم ​الكرملين دميتري بيسكوف، الجمعة، صحة التقارير. وقال بيسكوف إن أحد رجال ⁠الأعمال ⁠المشاركين في الاجتماع اقترح التبرع بأموال للدولة، ورحب بوتين بهذه المبادرة.