500 جيل من الفئران يُغيّر وجه نيويورك

طفرات وراثية وسلوكيات جديدة تجعل القضاء عليها شبه مستحيل

سكان الظلّ في نيويورك (غيتي)
سكان الظلّ في نيويورك (غيتي)
TT

500 جيل من الفئران يُغيّر وجه نيويورك

سكان الظلّ في نيويورك (غيتي)
سكان الظلّ في نيويورك (غيتي)

قدَّمت دراسة أجراها فريق من الباحثين في نيويورك إجابات عن سؤال بالغ الأهمية، هو: كيف تستطيع الفئران أن تعتاد على حياة المدينة؟ يقول الباحثون إنّ الفئران تعيش في مجتمع موازٍ للمجتمعات البشرية في المدن الرئيسية، إذ تجدها في الشوارع الخلفيّة والأزقة، وتراها في محطات مترو الأنفاق وحول مجارير الصرف، وفي المتنزهات والحدائق العامة. وعادةً ما تُهيمن على مستودعات النفايات وصناديق القمامة، مثل جَمْع من البشر يصطفّ في طابور انتظاره لدخول مطعم أو قاعة سينما.

يعيش في نيويورك ما يُقدَّر بثلاثة ملايين من الفئران، أي ما يعادل فأراً واحداً في المتوسط لكل 3 أفراد. ومعظم هذه الفئران من فصيلة الفئران البنية النرويجية التي وصلت إلى نيويورك على متن السفن في مطلع القرن الثامن عشر. ومنذ ذلك الحين، تعاقب نحو 500 جيل من هذه الفئران على المدينة، وظهرت لديها طفرات وراثية تتعلّق بطبيعة الغذاء، وعملية الأيض، والحركة، والجهاز العصبي، بل إن شكل رؤوسها تغيّر مع مرور الزمن. ومن أجل البقاء، لا تحتاج هذه القوارض سوى إلى أونصة واحدة من الغذاء والماء يومياً.

وخلال الدراسة التي أوردتها «وكالة الأنباء الألمانية»، وضع الفريق البحثي كاميرات حرارية وأجهزة تسجيل صوتي لاسلكية متخصّصة في 3 مواقع بمنطقة مانهاتن في نيويورك، للتنصّت على «حوارات» الفئران غير المسموعة للبشر، ولمتابعة حركاتها في الأماكن المظلمة إذ تبدو مثل أجسام مضيئة أمام عدسات الكاميرات الحرارية. واستخدموا تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحويل مقاطع الفيديو ثنائية البُعد إلى مقاطع ثلاثية مجسّمة، تتيح قياس الحجم الحقيقي لهذه القوارض وطريقة تحرّكها للوصول إلى نتائج أكثر دقّة.

وفي تصريحات لموقع «ساينتفيك أميركان» المتخصّص في البحوث العلمية، تقول اختصاصية طب الأعصاب من مركز «بيزيس» البحثي في الولايات المتحدة، إيميلي ماكفيشيوس: «إنها مخلوقات ثرثارة تتواصل بلغة سرّية نكاد لا نسمعها». ويعقّب عضو فريق الدراسة، الباحث رالف بيترسون: «إنها حيوانات اجتماعية تتحلّى بالمرونة والإصرار، وتستطيع العيش في ظروف بيئية صعبة جداً». وتوصَّلت الدراسة إلى أنّ الفئران تتواصل عبر موجات فوق صوتية لا يسمعها البشر، تختلف شدّتها وفق الضجيج في البيئة المحيطة. وقد وجدت الباحثة ماكفيشيوس أنّ صرير الفئران في إحدى المرّات كان أعلى - وفق مقياس الموجات فوق الصوتية - من صافرة سيارة إسعاف خلال مرورها. وتضيف: «كان يبدو كما لو كانت تصرخ بعضها لبعض، لكننا لا نستطيع سماعها».

ذكاء اجتماعي يُربك العلماء ويثير إعجابهم (غيتي)

كما كشفت الدراسة صلة بين حجم الفئران وسلوكياتها؛ فالفئران الأصغر سناً تتحرّك في جماعات يصل عدد أفرادها إلى 20. وتقول ماكفيشيوس: «الفئران الأصغر سنّاً تسير كما لو كانت لا تزال تتعلّم كيفية الحصول على الغذاء، وهي تتحرّك بوتيرة أبطأ ومن دون تنسيق، عبر انطلاقات مفاجئة». ورصد الباحثون أيضاً فئراناً تسير بمفردها، وذكر بيترسون: «إنها ضخمة، ويبدو أنّ دورها يتمثّل في استكشاف البيئة ونقل المعلومات إلى بقية أفراد المستعمرة». وقد طرحت هذه الملاحظة تساؤلات حول التسلسل الاجتماعي وتوزيع الأدوار والمهّمات داخل مجتمع الفئران.

عام 1944، قدّم الكاتب الأميركي الشهير جوزيف ميتشل سلسلة مقالات عن الشخصيات المغمورة في نيويورك، وتطرَّق في أحدها إلى الفئران التي تجوب شوارع المدينة. ونقل عن عامل في مجال إبادة الفئران قوله إنّ «الفئران التي تعيش حتى سنّ الرابعة هي أحكم الوحوش على وجه الأرض وأكثرها ارتياباً بالآخرين، وتتحرّك كما لو كانت تعرف ما الذي تفعله». وردّاً على سؤال بشأن إمكان إيجاد بنايات خالية من الفئران، أجاب هذا الخبير بأنّ محاولة القضاء عليها «إهدار للوقت»، مضيفاً أنّ قتلها يشبه «ابتلاع قرص أسبرين لعلاج السرطان».

ويشير المتخصّصون إلى أنّ قتل الفئران بالسمّ يُهدّد الحيوانات الأليفة والأنظمة البيئية، كما أنها تتكاثر بسرعة تفوق فترة سريان السمّ نفسه. فالفئران تبلغ سنّ التكاثر بعد مولدها بشهرين إلى 3، وتستغرق فترة حملها 3 أسابيع فقط، وتنجب في المرّة الواحدة من 6 إلى 12 صغيراً. وفي الظروف المثالية، يستطيع الزوجان إنجاب آلاف الفئران الوليدة كل عام، رغم أنّ معدلات بقاء الصغار على قيد الحياة تظلّ منخفضة بشكل كبير.

وترى ماكفيشيوس أنّ التخلّص من الفئران يتطلّب توفير بيئة غير ملائمة لمعيشتها، فالقوارض مثلاً لا تحبّذ العيش في الأماكن المفتوحة كما بيَّنت التجارب. ولهذا السبب يحرص عمال الحدائق في نيويورك على إزالة أي تجمعات للعشب والشجيرات غير المشذّبة، للاستفادة من هذه المعلومة في مقاومة الفئران. ويقول بيترسون: «البشر يستخفّون بذكاء الفئران»، مشيراً إلى ضرورة إيجاد حلول مستقبلية مثل ابتكار أنظمة روبوتية لمتابعة تحرّكاتها، ووضع أنظمة مراقبة لتحديد أماكن تجمّعاتها حتى تتمكّن السلطات البلدية من تركيز جهودها في مواقع معيّنة بالمدينة لضمان تحقيق نتائج أفضل.

وخلال إجراء الدراسة، أبدى كثير من سكان نيويورك اهتماماً بالفكرة والبحث العلمي، ولكلّ منهم قصة أو تجربة شخصية يرويها عن الفئران؛ فبعضهم يقول إنه رأى فئراناً كبيرة بحجم القطط، وآخرون يقصّون روايات عن فئران تستطيع قرض قضبان الحديد. ويبدو أنه في خضم عالم حافل بالاختلافات، اتّفق البشر على أمر واحد... وهو الفئران.


مقالات ذات صلة

«فلوسي»... أكبر قطة في العالم تحتفل بعيد ميلادها الـ30

يوميات الشرق القطة فلوسي التي بلغت من العمر 30 سنة (موسوعة غينيس للأرقام القياسية)

«فلوسي»... أكبر قطة في العالم تحتفل بعيد ميلادها الـ30

بلغت القطة المعمرة الثلاثين من عمرها في التاسع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)، لتُعزز بذلك سجلها في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فرق اصطياد التماسيح تعمل على تمشيط المصارف في الدلتا (محافظة الشرقية)

ظهور تمساح جديد بدلتا مصر يثير الذعر بين السكان

جددت أنباء عن ظهور تمساح في محافظة الشرقية (دلتا مصر) التساؤل حول كيفية وصوله إلى هذه المنطقة، مما أثار الذعر بين السكان.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق صورة لكنغر من الدراسة مع علامات لفريق البحث تظهر ملامح الحركة ثلاثية الأبعاد (كريغ ماكجوان - جامعة صن شاين كوست)

ما السر وراء قفزات الكنغر المميزة؟

تتميز حيوانات الكنغر بشكلها الفريد وأسلوب حركتها المميز. عند السرعات المنخفضة، تستخدم هذه الحيوانات مشية خماسية الأرجل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الصداقة تحمي الجسد من الشيخوخة (شاترستوك)

حتى الدلافين تشيخ ببطء مع الأصدقاء!

بيَّنت دراسة علمية جديدة أنّ ذكور الدلافين قارورية الأنف التي تنسج صداقات قوية وطويلة الأمد تتقدَّم في العمر بوتيرة أبطأ مقارنة بأقرانها الأكثر عزلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يظهر دب قطبي أمام محطة أبحاث مهجورة بجزيرة كولوتشين قبالة تشوكوتكا في روسيا (أ.ب)

هل تنجح الدببة القطبية في خداع الاحترار؟

دراسة تكشف تغيّرات جينية لدى دببة جنوب شرقي غرينلاند قد تساعدها على التكيّف مع الاحترار المناخي رغم تهديد فقدان الجليد ونقص الغذاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.