إلياس خوري كاتباً قصة البطل الذي يموت

ومكرَّماً في الذكرى الأولى لرحيله

رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
TT

إلياس خوري كاتباً قصة البطل الذي يموت

رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة

«يوم إلياس خوري» في المكتبة الوطنية اللبنانية كان عامراً بالمحبة للأديب، حيث تحلَّق الأحبة والعائلة والأصدقاء والقراء، لإحياء الذكرى الأولى لرحيله، بالكلمة والموسيقى والأغنية والصورة، والتكريمان بالجملة.

فقد سلم رئيس الوزراء نواف سلام عائلة الفقيد وسام الأرز الوطني الذي منحه إياه رئيس الجمهورية، قائلاً: «أتشرف بتسليم هذا الوسام إلى عائلة إلياس، التي هي أيضاً عائلتي».

كما أعلن نائب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت «تخصيص جائزة سنوية بادر إلى تأسيسها أصدقاء الكاتب الراحل إلى متفوق أو متفوقة في الأدب.

وأعلن رئيس بلدية بيروت إبراهيم زيدان، بدوره، تكريم إلياس خوري بإطلاق اسمه على المكتبة العامة في بيروت.

وكانت فاتحة الكلمات مع ابنة الروائي الراحل، المخرجة عبلة خوري التي تحدثت بكلمة مقتضبة عن مشاعر الشوق والفقد، وكم من مرة خطر لها أن تتصل به، وكأنه لا يزال موجوداً، وكيف لها أن تختار صوره لهذه الاحتفالية ولا يكون مشاركاً في اختيارها. أما السؤال اللافت الذي طرحه عدد من المتحدثين، فهو عما سيكون رأيه في الأحداث الأخيرة في غزة، وما يتدحرج من متغيرات؟

وشدد وزير الثقافة غسان سلامة في كلمته على قيمة الحرية بشكل خاص عند إلياس خوري. قال: «ثمة جيل أبصر النور في منتصف القرن العشرين. تجنب ذلك الجيل دوماً، لا السقطات ولا الهفوات ولا الخيبات. لكن بإمكانه أن يعتز ويفتخر، بهوسٍ أصابه وطبع ذلك الجيل حتى اليوم. وهو هوس بالحرية، الذي جعل ذلك الجيل يفكّك قيود الطائفية السياسية ويتعامى عنها ويتجاوزها، وهو ينظر إلى الجيل الحالي الغائر بالطائفية ويقول: ماذا حصل له؟ لقد خرجنا من ذلك القيد، فلماذا ترجعون إليه؟».

أضاف سلامة أن خوري «بسبب هوسه بالحرية تبنّى قضية فلسطين عن قناعة، وعن اعتقاد بأن للحق يوماً كما اليوم، وعن قناعة بأنه من حق لبنان أن تكون هناك دولة فلسطين، ومن حق المنطقة ألّا تجد استقراراً إن لم يكن للفلسطينيين حق تقرير المصير. وبسبب ولعه بالحرية، فإن ذلك الجيل لم يقبل يوماً باستمرار التسلط في بلداننا العربية، لذلك صفّق لكل انتفاضة ديمقراطية في كلّ بلد عربي».

وفي جلسة أولى أدارها الباحث ماهر جرار، تحدث نقيب المهندسين السابق جاد ثابت عن صديقه إلياس متعدد القدرات والأبعاد والاهتمامات، مستذكراً محطاته معه: جولة في أسواق بيروت المدمرة بعد الحرب، وكيف أنهما شعرا بأن قلبها لا يزال ينبض، ولا بد من إنقاذها بالحفاظ على ما تبقى من ذاكرة المدينة، وقادا مع آخرين حملة ضد الهدم وتغيير الملامح. وفي جولة أخرى اصطحب ثابت إلياس خوري إلى أحياء وأسواق طرابلس القديمة التي تدور فيها أحداث من روايته «سينالكول». كما تحدث عن علاقة الروائي الخاصة ببيروت التي كان يعتقد أنها «عالم لا يشبه أي عالم آخر، فكل وجع مهما بلغ يخفي في جوفه أغنية. إنها الحياة حين تضحك بفم مكسور».

المخرج محمد علي الأتاسي الذي عرف إلياس خوري في التسعينات، وكتب تحت إدارته في ملحق «النهار»، كانت له شهادته حيث استذكر بعض محطاته معه. وتحدث عن رمزية التفاح لديه، واستخدامه لليمون بوصفه استعارة في أحد مقاطع روايته «باب الشمس»، وعن بطلها يونس الذي يقول: «يجب أن نأكل كل برتقال العالم ونكسر الحائط»، رافضاً الاحتفاظ بليمون فلسطين الذي جاءت به أم حسن من هناك، وارتأت أن تخبئه، لأنه هو فلسطين، هو الوطن.

وجه مختلف من وجوه إلياس خوري اطلع عليه الحضور، من الفنان البصري، المخرج ربيع مروة، خصوصاً أولئك القراء الذين لا يعرفون منه إلا بُعده الروائي، ألا وهو دوره في «مسرح بيروت» الذي ضخ فيه الحياة بعد توقف الحرب، وفتحه للشباب، كما سعى لأن يعيد مسرحيين مخضرمين مثل ريمون جبارة وروجيه عساف إلى الخشبة، وكان له ما أراد، وكذلك اهتمامه بكتابة نصوص مسرحية، وإن كان مُقلّاً.

كما تحدث ربيع مروة عن الاحتضان الذي لقيه من إلياس خوري، حين عرض عليه أن يحول جزءاً من روايته «رحلة غاندي الصغير» إلى مسرحية وكان لا يزال مبتدئاً. «لم يكن داعماً فقط، بل ترك لنا مطلق الحرية أن نتصرف بالنص، ونفعل ما نشاء».

جلسة ثانية أدارها عقل العويط ضمت رفيف صيداوي ولطيف زيتوني وعبدو وازن

تلت الاستراحة الموسيقية الغنائية مع الفنانة ريما خشيش، جلسة نقاش لأعمال إلياس خوري، وانطباعات حولها في جلسة أدارها الشاعر والناقد عقل العويط، والذي تساءل عمن يكون حقاً إلياس خوري، وإن كان بمقدورنا أن نعثر عليه في شخصياته: في كمال الذي يعيش هواجس الانتماء، أو في الذات الممزقة لآدم حنون في رواية «أولاد الغيتو»، أم هو يونس في «باب الشمس»، أم الشاهد الصامت خليل أحمد جابر؟ و«هل يتماهى خوري مع بطل (يالو) السرياني الذي يكتب اعترافاته تحت التعذيب، ثم يعاود كتابتها وسردها دون أن يروي الحقية كاملة؟ وتسهل يختفي خلفه». وتساءل: «كيف يكون ألم خوري الأخير هو الرواية التي يجب أن تكتب وتقرأ؟» وذكّر العويط أن إلياس خوري آمن بأن الرواية بمجرد نشرها لا تعود ملكاً لمؤلفها، بل للعلاقات التي يبنيها القراء مع شخصيات الرواية. وإذا كان الفرق بين الكاتب وشخصيات الرواية هو أن الكاتب يموت، أي يكمل بالموت، فإن الشخصيات تبقى حية، لأنها تتجدد بالقراءة.

وهكذا تجدد حضور الشخصيات من خلال دراسة نقدية قدمتها الدكتورة رفيف صيداوي التي اعتبرت أن خوري «شكل علامةً مميزة في الرواية اللبنانية والعربية بسياقاتها الجديدة، قطعت نهائياً مع صراع الخير والشر وحمولاته الواقعية الفجة، هو الذي تعدى عدد رواياته الاثنَتيْ عشرة رواية، وكأنها نص واحد مُحور عن رؤيتهِ لواقعٍ لبناني وفلسطيني وعربي، تجري أحداثه ووقائعه بعكس ما كان يجدر بها أن تجري». كما لفتت صيداوي إلى توالد الحكايات وتواليها عند خوري «حيث لكل شخصيةٍ زمنُها الخاص وحيثيتُها وحكاياتُها التي تَرفد الخطابَ الروائي، بالاستناد إلى أسلوبٍ سردي يُحاكي الأسلوبَ العربي القديم، المتمثل بإدراج قصةٍ ما داخل قصة أخرى على غرار قصصِ وحكاياتِ (ألف ليلة وليلة) ونمطِها الحكائي، مُشتغلاً على تجاوُرِها أحياناً وتقاطُعِها أحياناً أُخر بطُرقٍ فنية مختلفة».

بينما لفت الباحث الدكتور لطيف زيتوني إلى أن فعل النضال عند إلياس خوري جاء مدفوعاً بشعور من يكره اللامبالاة، ويكره الظلم. هو شعور أقرب إلى ثورة داخلية، أخلاقية.

رغم أنه كتب عن فلسطين الكثير، ذكر د. زيتوني أنه «لم يكتب كأصحاب الأرض الذين يحكون عن وطن وهوية وانتماء إلى قرى نزحوا منها، لا تزال تحمل ذكرياتهم وحكاياتهم وعظام أجدادهم. لم يكتب عن فلسطين، وإنما عن الفلسطينيين. تعزز ذلك نتيجة تواصله الطويل مع الناس في المخيمات ليجمع الحكايات ويحولها إلى روايات. كل ذلك ربطه خوري لا بالقضية وحدها، بل بالجماعة الفلسطينية والشخصيات. كانت علاقته بالفلسطينيين كجماعة مظلومة مقهورة ومقتلعة». يقول د. زيتوني إن «باب الشمس» شكلت منعطفاً في الكتابة عن القضية، بعدها «صارت الروايات حكايات اللاجئين، صارت ذاكرة جمعها من أفواه العجائز، وشكلت لوناً روائياً جديداً، اعتمده المؤلف في كل رواياته اللاحقة، وصولاً إلى أولاد (الغيتو)».

ميزة إلياس خوري أنه «تنبه إلى أننا شعوب بلا ذاكرة لا ندون الأحداث وإنما نتركها تُتداول شفاهياً وتضيع ملامحها. لم يدون اللبنانيون أحداث 1840 ولا 1860 ولا أحداث الاستقلال ولا حرب 1975، اقتصرت الكتابة على وجهات النظر الرسمية والأحزاب والطوائف والدول المشاركة فيها. وبقيت وجهات نظر الناس على اختلاف تجاربهم حكايات شفهية».

وقدم الشاعر والناقد الزميل عبدو وازن قراءة مؤثرة لما كتبه إلياس خوري من مقالات خلال 14 شهراً من المرض، متحرياً موقفه من الموت والألم والدين. في تلك المقالات التي أملاها على ابنته عبلة فيض من المشاعر والرؤى، لهذا يتساءل وازن: «لو قدّر للروائي إلياس خوري أن يقاوم المرض وينتصر على الموت، فهل كان له أن يكتب هذا الاختبار الممض والقاسي. هذه التجربة التي خاضها بعينين مفتوحتين وعقلٍ حاد لكن بجسد مريض كاد أن يصبح في الفترة الأخيرة طيف جسد. هي من أقسى التجارب التي يواجهها الإنسان»، معتبراً أن «جبهة المحاربة هذه من أشد الجبهات عنفاً. فهو وحده يقاوم هنا داخل السرير فارغ اليدين منهكاً». فقد كان في هذه المعركة أقرب إلى أيوب الذي استوحى اسمه في روايات له، كما في مسرحيته «مذكرات أيوب» الشهيرة التي أخرجها روجيه عساف.

كتب خوري: «ضربني ألم لا قدرة للإنسان على تحمله، فصرت أطلب المورفين من الممرض، ثم طلبت الموت، ثم غبت عن الوعي. لحظة من لحظات الوجع المستديم على طريق جلجلته الأخيرة وقد خضع لست عمليات جراحية أعمل فيها الجراحون مباضعهم في منطقة وعرة من جسمه». وقال وازن شارحاً أن إلياس رغم ذلك «ظلّ في حالة من الرجاء، ظلّ يصرّ على الأمل والحب الذي صار ندّ الألم الذي يمهد للانتصار عليه، كما أملى على عبلة حرفياً».

وهدية ثمينة لمن حضر هذا اللقاء حول ذكرى إلياس خوري كتيب «الورقة البيضاء» الذي وُزع على الحضور، ويضم الفصل الأول من «رواية الربيع» التي كان يخطها خوري في البدايات، ونشر هذا الجزء منها في مجلة «مواقف» عام 1980.

لكن الخبر السعيد أن روايتين غير مكتملتين وُجدتا بين أوراق الراحل «رواية الربيع»، وأخرى لاحقة أنجز منها تسعة فصول.

يكتب في «الورقة البيضاء»: «البطل يموت، يجب أن يموت البطل في النهاية حتى يبقى بطلاً. هل تستطيع أن تتخيل بطلاً لا يموت، يصبح كهلاً ويفقد ذاكرته ويبول على نفسه في الفراش... مستحيل... يجب أن يموت البطل... إذن، فالقصة صارت جاهزة. إنها قصة بطل يموت».


مقالات ذات صلة

حفلات الزفاف الأعلى سعراً... أحدها بلغ مليار دولار

يوميات الشرق حفلات الزفاف الأعلى تكلفةً في التاريخ (وكالات)

حفلات الزفاف الأعلى سعراً... أحدها بلغ مليار دولار

يأتي الصيف وتأتي معه حفلات الزفاف. منهم من يحتفل ببساطة فيما يختار آخرون البذخ عنواناً. فأي أعراس كانت الأغلى عبر التاريخ؟

كريستين حبيب (بيروت)
رياضة سعودية هدف السباق إلى إحياء روح الإبحار السعودي (الشرق الأوسط)

ساحل أملج يتزين بسباق «البحر الأحمر كلاسيك» للإبحار الشراعي

أُقيم سباق «البحر الأحمر كلاسيك» للإبحار الشراعي، الذي نظَّمته شركة «54» العالمية للرياضة والترفيه، بالتعاون مع شركة «البحر الأحمر العالمية»، والمجتمع المحلي.

«الشرق الأوسط» (أملج)
يوميات الشرق شاب يفاجئ شريكته بعرض الزواج في ساحة تروكاديرو بالقرب من برج إيفل بمناسبة عيد الحب (أ.ف.ب)

«عيد الحب» يغزو شوارع العالم... فكيف بدأ؟ وإلى ماذا يرمز؟ (صور)

تتزين الشوارع في معظم المدن والبلدات بالورود الحمراء و«الدباديب» اللطيفة والبالونات التي تتضمن شعارات مليئة بالمشاعر وعبارات الحب

تمارا جمال الدين (بيروت)

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»


«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين
TT

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

تشغل الرواية العراقية المعاصرة موقعاً ريادياً ضمن ما يُعرف بـ(أدب الصدمة والاعتراف)؛ إذ لم يعد السرد الروائي يكتفي بنقل الأحداث أو تصويرها، بل أصبح وسيلة للكشف عن الآثار العميقة التي خلفتها الحروب والحصار، والقمع في حياة الإنسان العراقي، ولا سيما المثقف، وما تركته من جروح وتحولات في رؤيته لنفسه والعالم.

وفي رواية «خيانات صاخبة» للكاتب علي حسن الفواز، الصادرة عن مؤسسة «أبجد»، 2023، لا يكتفي السرد بتوثيق الأحداث، بل يكشف عما خلّفته التحولات العنيفة من آثار نفسية وروحية في الإنسان العراقي. والكتابة وسيلة لفهم هذا الخراب الداخلي وكشف زيف الخطاب الرسمي.السرد الخائن وتعدد الأصوات

تقوم رواية «خيانات صاخبة» على فكرة أن السرد لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله للكشف عن أبعاده الخفية. لذلك لا تبدو الخيانة في الرواية فعلاً أخلاقياً، بل وسيلة فنية لفهم الواقع وتمثيله. ويعلن السارد هذه الرؤية منذ البداية بقوله: «السرد يخون الواقع حتماً، يناقضه، يشاكه، يصطنع له نصاً خائناً» (ص 7).

كما تنتقل الرواية من السارد العليم في بدايتها إلى تعدد الأصوات في الفصول اللاحقة، حيث تمنح الشخصيات فرصة الحديث عن تجاربها وذكرياتها وآلامها، فتتحول من شخصيات يُحكى عنها إلى شخصيات تروي حكاياتها بنفسها.

وفي الملحق، يقترب السارد من القارئ، معترفاً بأن هذه الشخصيات ليست سوى أقنعة وزع عليها أجزاء من ذاكرته وتجربته، ليستعيد من خلالها ما تركته الحروب والهزائم والاغتراب من آثار عميقة. ولهذا يؤكد أن «السرد الخائن هو اللعبة التي تدفع السارد إلى الحفر في مخزن الذاكرة والمكتبة، بحثاً عن أشباح، أو أقنعة» (ص 15).

ومن هنا يصبح التخييل والحيلة الفنية وسيلتين للتعبير عن واقع معقد ومؤلم، وهو ما يوضِّحه السارد بقوله: «لا تتطلب براءة في الكتابة، بقدر ما تستدعي كثيراً من الحيل النسقية، أو حتى الكذب الذي يسوغ تمثيل تلك اليوميات المريبة» (ص 8).

السيولة والصلابة

تقوم الرواية على تقسيم الفضاء إلى عالمين متقابلين يعكسان الصراع بين الحرية والقمع؛ الأول الفضاء السائل، ويمثله شارع أبي نواس في بغداد؛ وهو مكان يهرب إليه الفارّون من الحرب ليجدوا مساحة أقل خضوعاً للسلطة: «وحين هربوا إلى (الشارع السكران) ليدونوا سردياتهم، وجدوا فيه الفضاء الوحيد الذي لا يخدعهم ولا يطالبهم بطقوس الطاعة، فظلوا يمارسون في لياليه الغرائبية خياناتهم الصاخبة» (ص 24)

في هذا المكان، تتحول مظاهر اللهو كــ(السكر والثرثرة) إلى مقاومة صامتة ضد الحرب والخطاب الرسمي. لكنه لا يبقى آمناً؛ إذ سرعان ما تمتد إليه يد الرقابة الحكومية: «بات الحديث عن الشارع وكأنه حديث عن جبهة أخرى، فالخوف أصاب الكثيرين بهلع غريب، بعد أن قامت الحكومة بإخضاع الشارع إلى رقابتها» (ص 81). ثم يشتد القمع بقرار سياسي يغير ملامح المكان ويحجب الحياة عنه: «غيبت الحكومة، وبقرار رئاسي، ضفة الشارع الطينية لتكون ضفة أمنية ومحروسة، ومغطاة بمتاريس تحجب عنه رائحة الماء» (ص 120).

والثاني: الفضاء الصلب، وتمثله السجون ومصحة الشماعية، وهما رمزان لأجهزة الدولة القمعية التي تراقب الفرد وتعيد تشكيله بالقوة، حيث يُختزل الإنسان الأعزل في تهمة جاهزة: «الفرد هو الخائن، هكذا وجدت نفسي أمام هذا الديناصور، فالجماعة لا تخون، ربما لسهولة توريط هذا الفرد بالخيانة» (ص 31). ولا يقتصر القمع هنا على الجسد، بل يمتد لمحاكمة الفكر والنوايا داخل أقبية التحقيق: «نحن نحاسبك اليوم على النوايا، فأنت تُضمر للوطن كراهية، وأن علمانيتك الفاضحة هي موقف سلبي من الإيمان الوطني» (ص 52). ويتحول هذا الفضاء المغلق إلى أداة لإسكات المختلف عبر صناعة تهمة «الخيانة» وتعميمها لتبرير الإعدام والتصفية: «السلطة تقول كلمة الخيانة بعمومية سطحية وفجة، وتجاهر بها... فكل أوهام وحكايات الحد والقتل والزندقة والإعدام... كانت بسبب الترويج الفاضح والمجاني للعنة الخيانة» (ص 30).

التفكيك النفسي والثقافي للأقنعة

تعيش شخصيات الرواية ضياعاً واغتراباً عميقَين يجعلانها قريبة من أجواء الفلسفة الوجودية، حيث يتحول صمتها إلى عذاب وخوف دائم من القمع: «ويتحول صمتهم إلى جحيم دانتوي بعيداً عن الفرح، وقريباً من اللعنة، واستغراقاً في النفي الداخلي» (ص 23).

وقد توزّع هذا الاغتراب على أربعة أقنعة تمثل حال المثقف:

* سيف المقداد: يحتمي بالتهكم والضحك الأسود لتغطية هشاشته الداخلية؛ فالسخرية عنده ليست ترفاً، بل وسيلة وحيدة للبقاء بعد انهيار الأحلام وتعاظم الخوف.

* غالي التلف: يهرب من قسوة الواقع إلى الحلم والانتظار، ويخلط بين الحقيقة والأسطورة ليخفف عبء الحاضر: «أصرّ (غالي) على دعوته لمشاطرة الجالسين هذا الليل الدسم بالسكرة والباجة، ليعرف أن الزمن الضائع هنا، وليس هناك في باريس، فالجميع هنا ضائعون تماماً» (ص 106).

* سطوع البارد: يعيش أزمة ضعف وانكسار داخلي، ويبحث عن أمان مؤقت في علاقات عابرة (المرأة الباشا) مثلاً، لكنه يكتشف أنها امتداد آخر لتبعية السلطة.

* خالد الخالد (قمع العقل): يمثل التصفية الكاملة للمثقف؛ حيث حوّلت السلطة فكره واختلافه إلى مرض وجنون داخل المصحة النفسية، لتوجه القمع نحو العقل ذاته ومحوه كلياً.

الحرب... والجسد

تنظر الرواية إلى الحرب بوصفها سبب الخراب الأساسي، وترفض الخطاب الذي يقدّسها. فالهروب منها ليس جبناً، بل رفضاً لها. كما تسخر من الواقع السياسي الذي يقوم على الإغراء والطاعة عبر المصالح المادية التي تُستعمل لتدجين الناس.

وفي ظل القمع والخوف، يظهر الجسد بوصفه مساحة للهرب والتعويض، خاصة في فضاء (المرأة الباشا)، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة مؤقتة لمواجهة الرعب والضعف. وتكشف الرواية عن جانب خطير من القمع، حيث تُستعمل المصحات النفسية أداة لإخضاع المعارضين ومحو ذاكرتهم عبر العلاج القسري والصدمات: «وأن إخضاعهم للتعقيم، ولتخريب ذاكرتهم أهداف تأتي من جهات عليا... وبما يجعل ذاكرتهم قابلة للتآكل والمحو» (الرواية: 100 - 101).

وأخيراً، تظهر الرواية كيف يتسرب (وحش) السلطة إلى حيوات الأبطال ليُجبرهم على الانكسار بطرق مختلفة: سيف انكسر قانونياً بتوقيع «تعهدٍ» جعله يراقب نفسه ويخاف ظله، وسطوع انكسر عاطفياً باحتماءٍ زائف في علاقةٍ سلبت استقلاله، وخالد انكسر جسدياً وعقلياً بصدماتٍ ومحوٍ للذاكرة في المصحة، بينما غالي انكسر زمنياً بهروبه من الواقع إلى الخمر والعيش في أوهام الحلم والانتظار.

بذلك، تقدم رواية «خيانات صاخبة» شهادة حيّة على مأساة جيل كامل من المثقفين الذين تآكلت أحلامهم؛ فهي تجسيد حقيقي لكيفية اشتغال الخوف الذي يقتل الإنسان ببطء ويسلبه هويته وكرامته، يرويها كاتبٌ عاصر هذه المرحلة وعاش تفاصيل رعبها بوعيه ونقده.

* ناقد عراقي


دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية
TT

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

تقدم الباحثة د. مي خالد بكليزي، في كتابها «ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية» قراءة في شعر «واحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة الإنسانية بكل صراعاتها وآلامها وأحلامها إلى شعر متجذر»، وهي ليلى الأخيلية.

ولا يكتفي الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) «بتتبع سيرة ليلى الأخيلية أو جمع أخبارها، بل يتجه إلى تحليل تجربتها الشعرية من خلال منهج نقدي حديث، هو الأسلوبية التكوينية، في محاولة للكشف عن العلاقة بين اللغة الشعرية وشخصية الشاعرة وبيئتها وتجربتها الإنسانية بعامة» كما كتب الناشر.

يتضمن الكتاب مقدمة ومدخلاً وتمهيداً وأربعة فصول رئيسية، تناول أولها «الإطار اللغوي للأسلوب»، ودور الكلمات والأفعال والتراكيب في تشكيل المعنى الشعري، بينما بحث الفصل الثاني في «الأسلوب الفني» عند الشاعرة، مثل الانزياح والمفارقة والثنائيات الضدية والصورة الشعرية، بما فيها التشبيه والاستعارة والكناية، أما الفصل الثالث فتناول «الإيقاع الشعري التطبيقي» سواء الخارجي أو الداخلي، من البحور والقوافي إلى التكرار والجناس والتوازي، في حين خصص الفصل الرابع «قراءات نصية وفق منظور الأسلوب والأسلوبية» لتحليل تجربتين شعريتين لليلى؛ إحداهما في رثاء توبة، والأخرى في مدح الحجاج.

تكمن أهمية هذا الكتاب في اختيار شخصية شعرية لها أهمية كبيرة؛ فليلى الأخيلية لم تكن شاعرة تقليدية في زمنها، بل كانت امرأة ذات حضور اجتماعي وفكري، عرفت بقوة شخصيتها وفصاحتها، وعاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، وارتبط اسمها بقصة حبها الشهيرة مع الشاعر توبة بن الحمير، وهي القصة التي شكلت جانباً لا يُستهان به من تجربتها الشعرية.

وترى المؤلفة د. مي في كتابها أن شعر «ليلى كان فضاءً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع قضايا المجتمع والقبيلة والسلطة والمرأة، وقد استطاعت الشاعرة أن تجعل من تجربتها الخاصة مادة شعرية واسعة، تكشف عن شخصية امرأة تواجه ظروف عصرها بصوت واضح وحضور قوي».

وتشير الباحثة إلى أن جرأة ليلى الأخيلية تمثلت في إعلان حبها لتوبة دون خوف أو تردد، وهو أمر لم يكن مألوفاً في السياق الاجتماعي آنذاك؛ إذ كان صوت الرجل العاشق غالباً هو المسيطر في قصص الحب، بينما جاءت ليلى الأخيلية لتمنح التجربة العاطفية صوتاً أنثوياً صريحاً ومباشراً أيضاً.

وتكشف بكليزي أن الشاعرة ليلى الأخيلية حازت على تقدير كبار الأدباء والنقاد قديماً، إذ أشاد بها عدد من الشعراء والعلماء، ورأى بعضهم أنها تجاوزت عدداً من الشعراء الفحول في جودة القول وقوة التعبير، ونبعت هذه المكانة من شعرها ومن حضور شخصيتها، إذ عرفت مجالس الخلفاء والأمراء، وكانت قادرة على الحوار والمواجهة بثقة، كما يظهر في مواقفها مع معاوية وعبد الملك والحجاج.

وفي جانب اللغة، تؤكد المؤلفة أن لغة ليلى الأخيلية امتلكت قدرة عالية على تحويل التجربة الشخصية إلى بناء فني متكامل، فقد وظفت البيئة من حولها في شعرها، واستحضرت المكان والطبيعة والرموز المرتبطة بحياة البادية، كما استخدمت الإيقاع بما يخدم الحالة النفسية للنص، لتثبت عبر كل ذلك حضورها الأدبي والفني وامتلاكها أدوات البلاغة العربية والقدرة على توظيفها في شعرها، إلى جانب أنها لم تترك باباً من أبواب الإبداع إلا وطرقته، سواء في الصورة الشعرية أو الموسيقى أو في بناء المعنى.