ترمب وشي يسعيان لكسر الجمود الأميركي - الصيني من بوابة «تيك توك»

العالم يترقب المكالمة الهاتفية وقمة محتملة نهاية أكتوبر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء عام 2019 على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة أوزاكا اليابانية (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء عام 2019 على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة أوزاكا اليابانية (أ.ب)
TT

ترمب وشي يسعيان لكسر الجمود الأميركي - الصيني من بوابة «تيك توك»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء عام 2019 على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة أوزاكا اليابانية (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء عام 2019 على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة أوزاكا اليابانية (أ.ب)

يسعى الرئيس دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، الجمعة، إلى التوصل إلى اتفاق للمساعدة في إبقاء تطبيق الفيديو «تيك توك» متاحاً عبر الإنترنت في الولايات المتحدة وتخفيف التوترات بين القوتين العظميين المتورطتين في مواجهة تجارية.

وقال مسؤولون أميركيون إن الاتفاق يتصدر جدول أعمال أول مكالمة هاتفية معلنة بين الزعيمين منذ ثلاثة أشهر، والمتوقعة صباح الجمعة. بينما لم تؤكد الصين خططها للمكالمة.

وتأتي جهود ترمب وشي لاستقرار العلاقات في الوقت الذي تناقش فيه الحكومتان إمكانية عقد قمة شخصية بين شي وترمب خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في كوريا الجنوبية في الفترة من 30 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 1 نوفمبر (تشرين الثاني)، حسبما ذكرت «رويترز».

وتعد موافقة بكين إحدى العقبات التي كان على ترمب تذليلها لإبقاء «تيك توك» مفتوحاً. وكان الكونغرس قد أمر بإغلاق التطبيق أمام المستخدمين الأميركيين بحلول يناير (كانون الثاني) 2025 ما لم تبِع شركة «بايت دانس» الصينية أصوله الأميركية.

ورفض ترمب تطبيق القانون ريثما تبحث إدارته عن مالك جديد، ولكنه رفض ذلك أيضاً لقلقه من أن يُغضب حظر التطبيق قاعدة مستخدمي «تيك توك» الضخمة ويُعطل الاتصالات السياسية.

وقال ترمب خلال مؤتمر صحافي، الخميس، أثناء زيارته إلى بريطانيا: «أنا معجب بـ(تيك توك)؛ لقد ساعدني في الفوز بالانتخابات». وأضاف: «(تيك توك) ذو قيمة هائلة. الولايات المتحدة تملك هذه القيمة لأننا من يملك الموافقة عليه».

• أسئلة عالقة

ولا تزال هناك أسئلة رئيسية حول الصفقة؛ إذ لم يتضح بعد هيكل ملكية الشركة بدقة، أو مدى السيطرة التي ستحتفظ بها الصين، أو ما إذا كان الكونغرس سيوافق.

وأفادت «رويترز» بأن الصفقة ستنقل أصول «تيك توك» الأميركية من «بايت دانس» إلى مالكين أميركيين. وقالت مصادر مطلعة على الصفقة إن «تيك توك» الأميركية ستظل تستخدم خوارزمية «بايت دانس». ويُثير هذا الترتيب قلق المشرعين الذين يخشون أن تتمكن بكين من التجسس على الأميركيين أو إجراء عمليات تأثير عبر التطبيق. وقد صرّحت الصين بأنه لا يوجد دليل على أن التطبيق يُشكّل تهديداً للأمن القومي.

• علاقات متوترة

وصوّر ترمب نهجه في السياسة الخارجية على أنه نهج قائم على السعي إلى السلام وعقد الصفقات. ولا تزال العلاقات متوترة بين أكبر اقتصادين في العالم.

وقال ترمب، الخميس، في إشارة واضحة إلى محادثات تجارية أوسع نطاقاً: «نحن قريبون جداً من التوصل إلى اتفاق. قد نمدد الاتفاق مع الصين، لكنه تمديد قائم على الشروط الحالية نفسه، وهي شروط جيدة جداً».

وتشمل القضايا الرئيسية الأخرى المنافسة بين الجانبين في مجال أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات المتقدمة. وتريد الولايات المتحدة المزيد من المشتريات الصينية من فول الصويا الأميركي وطائرات «بوينغ».

كما تُطالب الولايات المتحدة الصين باتخاذ إجراءات صارمة ضد تصدير المواد الكيميائية المتعلقة بالفنتانيل، وهو سبب رئيسي لوفيات الأميركيين بسبب جرعات زائدة. واتهمت بكين واشنطن بتشويه القضية.

وتشير البيانات الأخيرة إلى تباطؤ الاقتصاد في كل من الصين والولايات المتحدة. ومنذ توليه منصبه في يناير، رفع ترمب التعريفات الجمركية بشكل حاد في جميع المجالات، وخص الاقتصاد الصيني الموجه نحو التصدير بمعدلات عقابية بشكل خاص. ودفع ذلك الصين إلى الرد بالمثل. وارتفعت معدلات التعريفات الجمركية على جانبي المحيط الهادئ إلى نسب مئوية من ثلاثة أرقام في أبريل (نيسان).

وأوقفت سلسلة من الاتفاقيات المحدودة منذ مايو (أيار) حرب التعريفات الجمركية المتبادلة بين البلدين. كما تجاهلت هذه الاتفاقات القضايا التي أدت إلى خنق الصين لأسواق مغناطيسات المعادن النادرة التي تحتاج إليها واشنطن لصنع أدوات عالية التقنية. بينما كان ترمب قد منع بكين من الوصول إلى برامج تصميم أشباه الموصلات، ومحركات الطائرات، وبعض المواد الكيميائية.

* العصا والجزرة

وقال سكوت كينيدي، رئيس برنامج الأعمال والاقتصاد الصيني في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث: «إن استخدام الصين الفعال للعصا (المعادن النادرة) والجزرة (تيك توك) قد قلب الأمور لصالحها بشكل كبير... لطالما كانت التعريفات الجمركية، وهي ضريبة تُفرض على المستوردين الأميركيين، ركيزةً أساسيةً في سياسة ترمب الاقتصادية. وقد رفعها إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من قرن».

وصوّر الجمهوريون التعريفات الجمركية على أنها «إكسيرٌ» قادرٌ على تعويض الوظائف المفقودة في قطاع التصنيع، وخفض عجز الحكومة الفيدرالية المزمن، وتصحيح الاختلالات التجارية المُتصوَّرة، وإخضاع الدول الأجنبية لإرادة واشنطن.

وعلى الرغم من التعريفات الجمركية، لا تزال الصين ثالث أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، ومصدر أكبر عجز تجاري ثنائي لها في السلع.

وهدَّد ترمب بفرض تعريفات جمركية عقابية على الصادرات الصينية المتعلقة بمشتريات البلاد من النفط الروسي، لكنه امتنع حتى الآن عن تطبيقها.

وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف الإقليمية بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي، وهما بؤرتا توتر خطيرتان تكافحان لجذب القدر نفسه من الاهتمام في واشنطن الذي تحظى به حربا روسيا وأوكرانيا وغزة.

وقال ليو بينغيو، المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن: «تلعب دبلوماسية رؤساء الدول دوراً لا غنى عنه في توفير التوجيه الاستراتيجي للعلاقات الصينية الأميركية». وفي إشارة مبكرة لحسن النية قبل المكالمة، سمحت الصين بمغادرة تشينيو ماو، المصرفي في ويلز فارغو، الذي مُنع من العودة إلى الولايات المتحدة لأشهر عدة.


مقالات ذات صلة

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

الاقتصاد جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

رغم قرار إدارة ترمب وقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا في فبراير (شباط) الماضي، فإن المصالح الاستراتيجية العليا فرضت واقعاً مغايراً.

«الشرق الأوسط» (فالابوروا (جنوب أفريقيا))
الاقتصاد سفينة تبحر قبالة مصفاة نفطية في المنطقة الصناعية بمدينة كاوازاكي اليابانية جنوب العاصمة طوكيو (رويترز)

اليابان تؤكد أن اختناقات سلسلة التوريد المتعلقة بالطاقة يمكن حلها في غضون أيام

قال وزير الصناعة الياباني إن اختناقات سلسلة التوريد الناجمة عن تعطل عمليات شراء المواد الخام يمكن حلها في غضون أيام

«الشرق الأوسط» (طوكيو- بكين)
الاقتصاد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

الصين تُشيد بالعلاقات التجارية مع إيطاليا

أشادت الصين بتعزيز العلاقات التجارية مع إيطاليا خلال محادثاتها مع نائب رئيس وزرائها الزائر

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشاركون في الجلسة العامة للجنة التنمية التابعة لصندوق النقد والبنك الدوليين خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (د.ب.أ)

صندوق النقد والبنك الدوليان يعلنان استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا

أعلن صندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الخميس، استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا، التي كانت متوقفة منذ عام 2019.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل ينظر إلى شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ ف ب)

«نيكي» يتخلى عن قمته متأثراً بتراجع أسهم التكنولوجيا

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم يوم الجمعة من أعلى مستوى قياسي سجله في اليوم السابق

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«وكالة الطاقة» تقترح إنشاء خط أنابيب بين العراق وتركيا لتجاوز مضيق هرمز

خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
TT

«وكالة الطاقة» تقترح إنشاء خط أنابيب بين العراق وتركيا لتجاوز مضيق هرمز

خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)

اقترح المدير التنفيذي لـ«وكالة الطاقة الدولية»، فاتح بيرول، إنشاء خط أنابيب نفط جديد يربط حقول النفط في البصرة بالعراق، بمحطة «جيهان» النفطية التركية على البحر المتوسط؛ بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وفق ما نقلته صحيفة «حرييت» التركية الأحد.

وأضاف بيرول: «أعتقد أن (خط أنابيب البصرة - جيهان) سيكون مشروعاً جذاباً للغاية ومهماً جداً لكل من العراق وتركيا، وكذلك لأمن الإمدادات في المنطقة، خصوصاً من وجهة نظر أوروبا».

وقال بيرول: «أعتقد أيضاً أنه يمكن التغلب على مشكلة التمويل. الآن هو الوقت المناسب تماماً». وتابع بيرول: «لقد انكسرت المزهرية مرة، ومن الصعب جداً إصلاحها»، في إشارة إلى مضيق هرمز.

وأوضح بيرول أن «خط أنابيب النفط الجديد يعدّ ضرورة للعراق، وفرصة لتركيا، كما أنه يمثل فرصة كبيرة لأوروبا بشأن أمن الإمدادات. وأعتقد أنه ينبغي عدّ هذا المشروع استراتيجياً».

وتسببت حرب إيران في تعطل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية؛ مما أدى إلى نقص في الإمدادات رفع الأسعار لمستويات قياسية.

ولدى العراق وتركيا «خط أنابيب كركوك - جيهان»، وهو ممر استراتيجي لنقل النفط الخام من شمال العراق إلى ميناء «جيهان» التركي، بدأ تشغيله عام 1976.

ويسعى العراق حالياً لإعادة تأهيله لتجاوز مشكلات التصدير، مع مقترحات بإنشاء خط جديد من البصرة إلى «جيهان» بوصفه بديلاً آمناً لمضيق هرمز ولتعزيز أمن الطاقة الأوروبي. وهو ما اقترحه بيرول الأحد.


28 مليار دولار تقود «الهجرة العكسية» نحو الأسواق الأميركية

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

28 مليار دولار تقود «الهجرة العكسية» نحو الأسواق الأميركية

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

يشهد المشهد الاستثماري العالمي حالياً زلزالاً في التوجهات، حيث أدى إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في أوائل أبريل (نيسان) 2026 إلى إعادة إحياء ما يعرف بتداولات «TINA» (There Is No Alternative لا بديل سوى الأسهم الأميركية). هذا التحول لم يكن مجرد رد فعل لحظي، بل أطاح باستراتيجية «TIARA» (There Is A Real Alternative هناك بديل حقيقي) التي سادت مطلع العام، حين حاول المستثمرون الهروب من الأسواق الأميركية نحو أوروبا وآسيا بحثاً عن تقييمات أرخص وعوائد مدعومة بضعف الدولار.

لقد كان إعلان الرئيس دونالد ترمب في السابع من أبريل بمثابة نقطة التحول؛ فمنذ ذلك التاريخ، تدفقت نحو 28 مليار دولار إلى الأسهم الأميركية، ما يعكس ثقة متجددة في «المحرك الأميركي» الذي أثبت قدرة فائقة على عزل نفسه عن صدمات الطاقة العالمية، وفق «رويترز».

وفي هذا السياق، يضع مايكل براون، الاستراتيجي الاستثماري العالمي في معهد «فرانكلين تمبلتون»، تفسيراً هيكلياً لهذا الاندفاع، معتبراً أن العالم واجه مؤخراً صدمته الخارجية الرابعة في غضون ست سنوات فقط. ويرى براون أنه «بالنظر إلى طبيعة هذه الصدمة، فليس من المستغرب أن يعود المستثمرون إلى الاقتصاد الذي حقق أفضل أداء على المدى الطويل جداً، وهو الاقتصاد الذي يستثمر بكثافة في المدى القصير ويحقق أفضل مجموعة من النتائج».

هذه العودة لم تكن مدفوعة بالعواطف، بل بالأرقام؛ فقد أظهر مؤشر «ستاندرد آند بورز» صموداً استثنائياً بارتفاعه بنسبة 2 في المائة فوق مستويات ما قبل الحرب، متجاوزاً حاجز الـ7 آلاف نقطة في قفزة تاريخية. وفي مقابل هذا الزخم الأميركي، تدفع الأسواق الأوروبية والآسيوية ضريبة قاسية؛ حيث شهدت صناديق الأسهم الأوروبية نزوحاً بقيمة 4.7 مليار دولار، وهو الأكبر منذ عام 2024. وهنا، يشير براون إلى حقيقة جيوسياسية مهمة، وهي أن تداعيات الحرب واضطراباتها ستمارس ضغوطاً أكبر بكثير على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية مقارنة بالاقتصاد الأميركي، الذي يستفيد من كونه «مصدّراً صافياً للطاقة»، مما يمنحه حصانة استراتيجية تفتقر إليها القارة العجوز واليابان.

وعلى صعيد الأرباح، تظهر الفجوة بوضوح؛ إذ يُتوقع لشركات مؤشر «ستاندرد آند بورز» تحقيق نمو في الأرباح بنسبة تقارب 14 في المائة، مدفوعة بمرونة قطاع التكنولوجيا، بينما يقتصر نمو الشركات الأوروبية على 4.2 في المائة، يعود معظمها لقطاع النفط والغاز.

هذا الفارق الشاسع في الأداء التشغيلي جعل كبرى بنوك الاستثمار ترفع تصنيف الأسهم الأميركية إلى «وزن زائد»، في اعتراف ضمني بأن الاقتصاد الأميركي يظل الوجهة الأكثر أماناً وقوة في مواجهة الصدمات الخارجية المتلاحقة.

وقد أكد صندوق النقد الدولي هذه الرؤية بتعديل توقعاته للنمو؛ فبينما خفض نمو منطقة اليورو بشكل ملحوظ ليصل إلى 1.1 في المائة، حافظ الاقتصاد الأميركي على زخم متوقع عند 2.3 في المائة. إن المشهد اليوم يلخصه استراتيجيون عالميون في عبارة واحدة: «بعد أربع صدمات عالمية في ست سنوات، من الطبيعي أن يعود المال إلى الاقتصاد الذي يثبت دوماً أنه الأفضل أداءً والأكثر قدرة على الاستثمار في المستقبل».


«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
TT

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

في قلب مدينة فالابوروا بجنوب أفريقيا، تبرز تلال رملية عملاقة لا تمثل مجرد مخلَّفات لمصنع كيماويات قديم، بل تتحول اليوم إلى ساحة معركة مفصلية في الحرب الباردة التكنولوجية بين واشنطن وبكين. ورغم سحب التوتر الدبلوماسي التي تخيم على العلاقات الثنائية، فإن إدارة ترمب اختارت مساراً براغماتياً حاسماً باستثمار 50 مليون دولار في مشروع استخراج العناصر الأرضية النادرة من النفايات الصناعية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً أميركياً عميقاً بأن تحصين سلاسل التوريد للصناعات العسكرية والتقنية هو ضرورة استراتيجية تسمو فوق الخلافات السياسية العابرة، في محاولة جادة لكسر قبضة الصين الاحتكارية على هذه المعادن التي تمثل الشريان الحيوي للصناعات الدفاعية، الروبوتات، والسيارات الكهربائية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

استثمار «كنوز النفايات» بدل المناجم

يرتكز مشروع «فالابوروا» على رؤية تقنية مبتكرة تقلب موازين التعدين التقليدي؛ حيث يستهدف تلك «الكثبان الصناعية» التي تضم 35 مليون طن من مادة «الفوسفوجيبسوم» الناتجة عن معالجة الفوسفات والأسمدة. وتكمن الميزة التنافسية الكبرى في أن هذه المواد قد خضعت تاريخياً لعمليات سحق وتسخين، مما يوفر على المستثمرين المراحل الأكثر استهلاكاً للطاقة والتكلفة في التعدين التقليدي.

وبفضل هذا الإرث الصناعي، يطمح المشروع لإنتاج عناصر نادرة بتكلفة منخفضة تضاهي الأسعار الصينية، مع الالتزام بمعايير بيئية صارمة تعتمد على الطاقة المتجددة بنسبة 90 في المائة في عمليات الاستخراج كافة.

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

المعادن النادرة

لا تبحث واشنطن في رمال جنوب أفريقيا عن عوائد مالية فحسب، بل تسعى لتأمين خمسة عناصر أساسية، يتصدرها النيوديميوم، والديسبروسيوم، والتربيوم. فهذه العناصر هي حجر الزاوية في صناعة المغناطيسات فائقة الأداء التي تشغل محركات المستقبل؛ من توربينات الرياح والسيارات الكهربائية وصولاً إلى أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة. ومع استهداف شركة «رينبو رير إيرثز» لبدء التشغيل الفعلي في عام 2028، ستضمن الولايات المتحدة تدفقاً مستداماً لهذه المواد بعيداً عن تقلبات القرار في بكين، وهو ما يدعم استراتيجية ترمب الشاملة التي خصصت 12 مليار دولار لبناء احتياطي استراتيجي من المعادن الحرجة.

الالتفاف الدبلوماسي لحماية الأمن القومي

يكشف الإصرار على دعم هذا المشروع، رغم الأوامر التنفيذية القاضية بوقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا، عن عمق القلق الأميركي من التبعية التقنية للصين. وبما أن حكومة جنوب أفريقيا لا تملك حصة مباشرة في المشروع، وجدت واشنطن مخرجاً دبلوماسياً عبر دعم شركة «تيكميت» الشريكة، لضمان وصول هذه الموارد إلى المصانع الأميركية. هذا التحرك يجعل من «فالابوروا» ركيزة أساسية في حماية الأمن القومي الأميركي ضد أي تقلبات في المشهد السياسي الدولي أو ضغوط جيوسياسية محتملة.

السباق الأفريقي الكبير

لا يمثل مشروع جنوب أفريقيا سوى قطعة واحدة في أحجية استراتيجية كبرى ترتبها واشنطن عبر القارة السمراء لمزاحمة النفوذ الصيني المتغلغل. فمن تمويل دراسات الجدوى في مناجم موزمبيق، إلى تطوير «ممر لوبيتو» للسكك الحديدية لربط مناجم الكونغو وزامبيا بالموانئ الأطلسية، تبدو الولايات المتحدة في حالة استنفار شامل لاستعادة المبادرة.

لن يكون نجاح «فالابوروا» المرتقب مجرد انتصار تقني، بل سيثبت للعالم أن الابتكار في استغلال النفايات الصناعية يمكن أن يعيد رسم خريطة القوة التكنولوجية العالمية، انطلاقاً من كثبان جنوب أفريقيا.