«الشرق الأوسط» تزور أول مصنع لـ«بي إم دبليو» بالمجر يعمل بالكهرباء المتجددة بالكامل

من التوأم الرقمي إلى الطلاء الأخضر

المصنع صُمِّم وبُني وفق استراتيجية «iFACTORY» ليكون رقمياً من البداية مع نسخة توأم رقمي اختُبرت قبل البناء الفعلي (بي إم دبليو)
المصنع صُمِّم وبُني وفق استراتيجية «iFACTORY» ليكون رقمياً من البداية مع نسخة توأم رقمي اختُبرت قبل البناء الفعلي (بي إم دبليو)
TT

«الشرق الأوسط» تزور أول مصنع لـ«بي إم دبليو» بالمجر يعمل بالكهرباء المتجددة بالكامل

المصنع صُمِّم وبُني وفق استراتيجية «iFACTORY» ليكون رقمياً من البداية مع نسخة توأم رقمي اختُبرت قبل البناء الفعلي (بي إم دبليو)
المصنع صُمِّم وبُني وفق استراتيجية «iFACTORY» ليكون رقمياً من البداية مع نسخة توأم رقمي اختُبرت قبل البناء الفعلي (بي إم دبليو)

على أطراف سهل شاسع في شمال شرقي المجر، تنهض مبانٍ بيضاء لامعة، حيث كانت قبل أعوام قليلة حقولاً زراعية هادئة. في مصنع مجموعة «بي إم دبليو» بمدينة دبرتسن، تدخل الشركة «المرحلة النهائية» قبل انطلاق الإنتاج المتسلسل لسيارة «BMW iX3»، أول طراز من جيل «نويه كلاسه» (Neue Klasse)، المقرر خروجها إلى العالم في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

لكن ما يتبلور في دبرتسن ليس مجرد «خط إنتاج» جديد؛ بل قالبٌ تصنيعي يعيد تعريف بناء السيارة من جذوره بدءاً من هندسة المنصّة، إلى تشغيل المصنع بالاعتماد الكامل على الكهرباء المتجددة، وصولاً إلى منصّات ذكاء اصطناعي. وإلى جانب ذلك، سجّلت المجموعة براءات لعدد كبير من الأنظمة والعمليات المبتكرة في هذا الموقع، بما يرسّخ تفرّده داخل شبكة إنتاج «بي إم دبليو عالمياً».

الحقل الشمسي الذي تبلغ مساحته 50 هكتاراً يوفّر نحو ربع احتياجات المصنع من الكهرباء مع نظام تخزين حراري متقدم (بي إم دبليو)

خلال دعوة خاصة لـ«الشرق الأوسط» إلى المصنع، يقول ميلان نيدلجوفيتش، عضو مجلس إدارة مجموعة «بي إم دبليو» والمسؤول عن الإنتاج إن «انطلاق الإنتاج المتسلسل لـ(iX3) يعلن حقبةً جديدة في صناعة السيارات».

صُمّم مصنع دبرتسن وبُني وفق رؤيتنا الاستراتيجية (iFACTORY،) وهو مصنع رقمي منذ اللحظة الأولى وخالٍ من الوقود الأحفوري. ويضيف نيدلجوفيتش: «هذه ليست لغة دعائية، بل هدفٌ لتصنيع سيارة كهربائية بمتطلبات الجودة الفاخرة، لكن بتكلفة وتعقيد أقل، وببصمة كربونية أدنى جذرياً». ومع أي طراز جديد، ستُرفع القدرة الإنتاجية تدريجياً وعلى مراحل بعد بدء التشغيل المتسلسل.

ميلان نيدلجوفيتش عضو مجلس إدارة مجموعة «بي إم دبليو» والمسؤول عن الإنتاج (بي إم دبليو)

لماذا دبرتسن؟

بدأت القصة عام 2018، عندما قررت «بي إم دبليو» إضافة مصنع أوروبي جديد يتبع قاعدة «الإنتاج يتبع السوق». فاز الموقع المجري بسباق ضمّ عشرات الخيارات. يشرح نيدلجوفيتش أن «القرار لم يُبنَ على الإعفاءات أو المنح، بل اختارت الشركة المجر لأن البنية التحتية قوية، والتعليم رفيع، والجامعات قريبة، ونوعية العيش جيّدة».

لم يبدأ المصنع على أرض الواقع، بل بدأ افتراضياً عبر «المصنع الرقمي» لدى الشركة، حيث جرى بناء نسخة رقمية كاملة لكل المباني والخطوط ومسارات الروبوتات. أُجريت «انطلاقة إنتاج افتراضية» مبكراً في مارس (آذار) 2023، فاختُبرت كل مهمة قبل التنفيذ؛ ما أتاح تركيب الخطوط داخل المباني مطابقةً للتوأم الرقمي.

تقليل التعقيد

على مدى أجيال، تضخّم تعقيد السيارة الفاخرة من حيث تنويعات المواد والمثبتات وخطوات التجميع. توضح «بي إم دبليو» أن فلسفة «نويه كلاسه» تقوم على إعادة التفكير في السيارة نفسها؛ كيف تُبنى على مستوى كفاءة مختلف. في دبرتسن، انخفض عدد «تركيبات التثبيت» من نحو 3000 إلى 250 فقط، وتم تقليص عدد «طرق الوصل» نفسها على نحو ملموس لخفض التعقيد، إلى جانب توحيد وحدات كاملة، مثل الواجهة الأمامية من 17 جزءاً إلى 12، وتقليل تنوّع المواد، حيث لا تضيف قيمة للزبون.

المحصلة هي خفض تكلفة التصنيع بنحو 20 في المائة مع إبقاء «التنوع الذكي» الذي يريده العميل. كما تظهر تفاصيل التصميم المبكّرة في «الختم غير المرئي» للأبواب الذي يصل بصرياً بين الزجاج والباب، وفي تعظيم حيز البطارية داخل الهيكل لزيادة المدى والأداء.

مصنع «بي إم دبليو» في دبرتسن هو أول موقع إنتاج متسلسل للمجموعة يعمل بالكامل بالكهرباء المتجددة (بي إم دبليو)

طلاء «أخضر بالكامل»

تاريخياً، «الطلاء» هو الأكثر استهلاكاً للطاقة، ببلوغ الأفران حتى 180°م وغالباً بالغاز. هنا يختلف كل شيء، حيث سيكون مصنع دبرتسن أول مصنع سيارات للمجموعة يعمل بالكهرباء المتجددة فقط في الظروف التشغيلية الطبيعية. وفي ورشة الطلاء وحدها، يؤدي التحول إلى الكهرباء المتجددة إلى خفض سنوي يصل إلى 12 ألف طن «مكافئ ثاني أكسيد الكربون» ( CO₂e). كما جرى تنفيذ «شبكة حرارة» تسترد طاقة من الهواء المضغوط والأفران وأنظمة التبريد، بما يحقق توفيراً إضافياً يصل 10 في المائة. ويؤمّن الحقل الشمسي على مساحة 50 هكتاراً (نحو نصف كيلومتر مربع تقريباً) نحو ربع احتياجات الطاقة السنوية للمصنع، مع تخزين حراري مائي بسعة 1,800م³ (قدرة 130م.و.س) لاستغلال الفائض أيام التوقف وضخّه عند ذروة الطلب.

إجمالاً، يبلغ الأثر الكربوني لإنتاج «iX3» نحو 80 كغم «CO₂e» بينما ينخفض بصمة موقع دبرتسن نفسه إلى نحو 34 كغم CO₂e لكل سيارة، شاملة البطارية، عند التشغيل بطاقته، أي انخفاض يقارب الثلثين مقارنة بمشتقات «بي إم دبليو» الحالية ونحو 90 في المائة للموقع نفسه بالمقارنة بمرافق المجموعة الأخرى.

ورشة الكبس والهياكل

يوفّر تدفق القيمة المحسّن وأنظمة الكبس كفاءة عالية؛ إذ تتبع المجموعة استراتيجيتها المعهودة باستخدام الأدوات والمكابس نفسها عبر مواقعها عالمياً.

هذا يعظّم استغلال القدرة ويتيح تدوير القوالب وتدريب الطواقم داخل الشبكة. وفي ورشة الهياكل، أتاحت المحاكاة الرقمية المسبقة تحديد القيمة المثلى للتدفق وتموضع قرابة ألف روبوت بأفضل شكل.

رشة الطلاء تعمل بالطاقة المتجددة حصراً ما يقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 12 ألف طن سنوياً (بي إم دبليو)

من الاستشعار إلى القرار

خلال تجوال «الشرق الأوسط» في أقسام المصنع، تم فهم طريقة عمل منصة AIQX» (Artificial Intelligence Quality Next)» التي طورتها «بي إم دبليو» داخلياً. إنها عبارة عن كاميرات ومستشعرات على طول الخط تُغذي خوارزميات تتحقق من المطابقة في الزمن الفعلي وتعيد ملاحظات فورية للعامل. وتتجه الرؤية إلى أبعد من ذلك؛ إذ ستغدو السيارة نفسها «عنصراً متصلاً» في إنترنت الأشياء الصناعي، تُجري تحليلاً ذاتياً، وتتفاعل مع المشغّلين، وتُشارك رسائل موثّقة تلقائياً عبر أنظمة وكاميرات على متنها. وبالفعل، فإن المعدات والأدوات والمكونات وكل مركبة داخل صالات التجميع مرتبطة رقمياً بمنظومة إنتاج «بي إم دبليو».

لوجيستيات «هيكل الأصابع»

تتبنّى مباني التجميع بنية «الأصابع» وهي نسخة مُحسّنة عن تصميم مصنع الشركة في مدينة لايبتسيغ في شرق ألمانيا بحيث يُسلَّم 80 في المائة من القطع مباشرةً إلى نقطة التركيب الصحيحة على الخط. وتستفيد اللوجيستيات الكهربائية الداخلية من قطارات سحب ذاتية تنقل البطاريات عالية الجهد من الإنتاج إلى التركيب، ومن روبوتات نقل ذكية توصل المكونات الصغيرة إلى الخط. كما يتيح ربط قواعد البيانات الداخلية والخارجية أتمتة تحليلات مترابطة كانت تُجرى يدوياً، لتصبح «بضغطة زر» وبمعلومة مُهيكلة متاحة دائماً.

المشروع يرسخ نموذجاً مستقبلياً لصناعة سيارات منخفضة الكربون ورقمية يمكن توسيعه عالمياً لعقود مقبلة (بي إم دبليو)

بطاريات الجيل السادس

ابتكرت المجموعة عمليات شديدة الذكاء لإنتاج بطارياتها عالية الجهد المطوَّرة داخلياً؛ وسيكون دبرتسن أول خمسة مواقع عالمياً يبدأ إنتاج «الجيل السادس» (Gen6) على نطاق متسلسل. طُوِّرت العمليات واختُبرت في مواقع تجريبية، وتدعمها توأمات رقمية وقواعد بيانات ذكاء اصطناعي تُحسّن الضبط وتُسرِّع تدريب العاملين. وتتبنّى الفلسفة «صفر عيوب» عبر فحوص مضمّنة على الخط ورصد 100 في المائة في نهاية الخط. ووفق مبدأ (local for local)، يجري تجميع البطاريات في الموقع نفسه لاستغلال كفاءة البنية التحتية وقِصر المسافات.

مصنع «شبكي» داخل المنظومة

يُعدّ دبرتسن أول موقع إنتاج في شبكة المجموعة لا يتبع مصنعاً «أُمّاً» بعينه؛ بل يعمل بصفته مصنعاً شبكياً يجمع أفضل الممارسات من مواقع متعددة حول العالم. وتكمن ميزة ذلك في قدرة القوى العاملة الحالية وهم أكثر من 2000 موظف، على التدريب ضمن الشبكة، ومشاركة الخبرات مع مواقع في الصين وجنوب أفريقيا والمكسيك والولايات المتحدة وألمانيا، ثم إعادة نقل خبرة «نويه كلاسه» (Neue Klasse) إلى مواقعهم، في معادلة تصفها الشركة بـ«ربح للجميع».

تعتزم «بي إم دبليو» طرح نحو 40 طرازاً جديداً أو محدَّثاً ضمن «نويه كلاسه» بحلول 2027 (بي إم دبليو)

ما بعد «iX3»

ستكون سيارة «iX3» مجرد البداية. فبحلول عام 2027 تعتزم «بي إم دبليو» دمج «تقنيات» «Neue Klasse» في 40 طرازاً جديداً أو محدثاً، على أن يصبح مصنع دبرتسن مختبراً حياً لأساليب التصنيع المستقبلية. وستصبح السيارات نفسها عناصر فاعلة في «إنترنت الأشياء» الصناعي، قادرة على تحليل ذاتها ومشاركة البيانات مع المصنع في الوقت الفعلي. ورغم الجدل الأوروبي حول حظر محركات الاحتراق بحلول 2035، يتوقع نيدلجوفيتش أن يواصل الطلب على السيارات الكهربائية صعوده قائلاً: «تكنولوجيا البطاريات ناضجة ولها مستقبل، لكن الانفتاح التكنولوجي أمر حاسم. يذكر: «نحتاج إلى بنية تحتية وأسعار طاقة تنافسية إذا أردنا المضي في هذا المسار».

نموذج يُحتذى في الصناعة

من يقف على أرض المصنع، يدرك أن دبرتسن أكبر من مجرد موقع إنتاج. فهو بمثابة قالب لما يمكن أن تكون عليه صناعة السيارات عالمياً وهي تواجه تحديات إزالة الكربون والتحول الرقمي وخفض التكاليف. كل عنصر، من الحقل الشمسي إلى منصة الجودة المعززة بالذكاء الاصطناعي، صُمم ليكون قابلاً للتوسع. ويختم نيدلجوفيتش حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «البساطة قد تبدو سهلة، لكنها الأصعب. لقد قللنا التعقيد، وحققنا التحقق الرقمي لكل عملية، واستفدنا من خبرات شبكتنا العالمية. اليوم نحن مستعدون للإطلاق».

ومع خروج أولى سيارات «Neue Klasse iX3» من خطوط التجميع في الأسابيع المقبلة، سيخضع رهان «بي إم دبليو» على مصنع كهربائي ورقمي بالكامل لاختبار حقيقي. نجاح هذا المشروع قد يحدد ملامح صناعة السيارات لعقود مقبلة.


مقالات ذات صلة

ترمب يقلب قواعد بايدن لكفاءة السيارات الأميركية

الاقتصاد مركبات متوقفة خارج مصنع تجميع «جنرال موتورز» (رويترز)

ترمب يقلب قواعد بايدن لكفاءة السيارات الأميركية

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، قواعد جديدة لخفض متطلبات كفاءة استهلاك الوقود للسيارات، في أحدث خطوة لتسهيل بيع المركبات العاملة بالبنزين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سيارة كهربائية موصولة بمحطة شحن في موقف سيارات بمدينة بلباو الإسبانية (رويترز)

ارتفاع أسعار الديزل قد ينعش سوق الشاحنات الكهربائية في أوروبا

كشف تحليلٌ أجرته منظمة النقل والبيئة أن الارتفاع الحاد بأسعار الديزل الناتج عن حرب إيران، هذا العام، جعل تكاليف امتلاك وتشغيل الشاحنات الكهربائية أرخص.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد عرض أسعار البنزين مقابل علم الولايات المتحدة خارج مصفاة ماراثون بتروليوم في لوس أنجلوس (أ.ف.ب)

ترمب يمهّد لقلب قواعد بايدن لكفاءة السيارات الأميركية

تعتزم إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خفض معايير كفاءة استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات الجديدة بصورة حادة حتى عام 2031.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سيارات مخصصة للتصدير في ميناء بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو الصينية (أرشيفية - رويترز)

بروكسل تطالب لندن بزيادة الرسوم الجمركية على السيارات الصينية

أبلغت بروكسل رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام بأن المملكة المتحدة بحاجة إلى رفع الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الصينية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق شركته «Delivrd» تتقاضى رسماً ثابتاً قدره 1000 دولار للتفاوض على شراء سيارة نيابة عن الأشخاص الذين لا يرغبون في خوض التجربة (بكسلز)

«الفصال» عن الغير... موهبة أميركي تكسبه 2.3 مليون دولار

بدأ توميسلاف ميكولا، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Delivrd» الأميركية والمتخصصة في التفاوض على شراء السيارات، مشروعه بطريقة غير تقليدية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

السعودية تنتقل من بناء القدرة الحاسوبية إلى تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع

لا تقتصر السيادة في الذكاء الاصطناعي على وجود البيانات والخوادم بل تشمل السيطرة على النماذج والوكلاء والعمليات والقدرات التشغيلية (شاترستوك)
لا تقتصر السيادة في الذكاء الاصطناعي على وجود البيانات والخوادم بل تشمل السيطرة على النماذج والوكلاء والعمليات والقدرات التشغيلية (شاترستوك)
TT

السعودية تنتقل من بناء القدرة الحاسوبية إلى تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع

لا تقتصر السيادة في الذكاء الاصطناعي على وجود البيانات والخوادم بل تشمل السيطرة على النماذج والوكلاء والعمليات والقدرات التشغيلية (شاترستوك)
لا تقتصر السيادة في الذكاء الاصطناعي على وجود البيانات والخوادم بل تشمل السيطرة على النماذج والوكلاء والعمليات والقدرات التشغيلية (شاترستوك)

بعد أن قطعت السعودية شوطاً واسعاً في بناء البنية التحتية وإطلاق تجارب الذكاء الاصطناعي، تنتقل المرحلة التالية إلى تحويل هذه الاستثمارات إلى أنظمة إنتاج تعمل على نطاق واسع وتربط البيانات والأمن والحَوْكمة بالنتائج التشغيلية.

ويرى الدكتور معتز بن علي، الرئيس التنفيذي لشركة «ماغنا إيه آي» (Magna AI) أن التحدي في هذه المرحلة يتمثل في نموذج التشغيل الذي يجمع البنية التحتية والبيانات والأمن والحَوْكمة والمهارات ضمن منظومة واحدة واضحة المسؤولية، بما يسمح بنقل التجارب الناجحة إلى تشغيل فعلي ومستدام. ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن المملكة أنجزت بالفعل جانباً مهماً من بناء القدرة الحاسوبية وتحديد الاتجاه الوطني، فيما توجد لدى مؤسسات عدة تجارب عملية في الذكاء الاصطناعي.

من التجارب إلى التشغيل

يفرّق بن علي بين نجاح تجربة داخل بيئة محدودة وبين تشغيل نظام ذكاء اصطناعي بصورة دائمة داخل مؤسسة أو جهة حكومية. ففي مرحلة الإنتاج، لا يكفي إثبات أن حالة استخدام ما تعمل تقنياً، بل تظهر أسئلة تتعلق بمن يتحمل مسؤولية النتيجة، وكيف تُدار البيانات بصورة يومية، وكيف تُطبق الضوابط الأمنية، وكيف يستمر الامتثال مع التوسع، وكيف تُربط النتائج بقيمة تشغيلية أو اقتصادية واضحة.

ويقول إن هذه العناصر لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، لأن انتقال الذكاء الاصطناعي إلى الإنتاج يتطلب بيئة متكاملة تتضمن ملكية واضحة للمسؤوليات، وأمناً وحَوْكمة مدمجين منذ البداية، ومهارات مناسبة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

ويصف التحدي الأساسي بأنه «التنفيذ»، وبصورة أدق نموذج التشغيل الذي يوحد البنية التحتية والبيانات والأمن والحَوْكمة والعمليات داخل نظام واحد قابل للمساءلة. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن المرحلة المقبلة في السعودية ترتبط بتحويل «البنية التحتية السيادية» إلى «قدرة سيادية» تعمل داخل مسارات العمل الفعلية وتنتج قيمة يمكن قياسها.

معتز بن علي الرئيس التنفيذي لشركة «ماغنا إيه آي» (Magna AI)

تعدد الموردين مقابل تعدد الأنظمة

مع توسع مشروعات الذكاء الاصطناعي، تعتمد المؤسسات عادة على أكثر من مزود للتقنيات والبنية التحتية والمنصات والتطبيقات والخدمات الأمنية. لكن بن علي يلفت إلى أن الخطر لا يكمن في تعدد الشركاء بحد ذاته، بل في إدخال هذه المكونات من دون معمارية مشتركة أو نموذج تشغيل موحد.

فإذا جرى تحسين كل طبقة بصورة مستقلة، قد تظهر ازدواجية في الأدوات، وصوامع تشغيلية، وفجوات بين حدود مسؤولية مزود وآخر، كما قد تصبح الحَوْكمة والأمن إضافات لاحقة بدلاً من أن تكون جزءاً من تصميم البيئة منذ البداية.

ويحذر من أن تعدد الموردين من دون إطار واضح قد يدفع المؤسسة إلى تحمل عبء التكامل بين الأنظمة بنفسها، بدلاً من التركيز على تشغيل الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه.

ولهذا، لا يطرح تقليل عدد التقنيات أو الشركاء باعتباره الهدف، بل جعلها تعمل داخل منظومة واحدة ذات مسؤوليات محددة عبر دورة حياة المشروع، من البنية الحاسوبية إلى البيانات والنماذج والتطبيقات والأمن والحَوْكمة.

أكثر من مجرد طبقة تنسيق

في هذا السياق، تقدم «Magna AI» منصة «MagnaVERSE» باعتبارها بيئة تشغيل تجمع النماذج والوكلاء والتطبيقات والبنية التحتية والحَوْكمة. ويقول بن علي إن الفرق بينها وبين طبقات التنسيق التقليدية يكمن في أن مجرد إضافة واجهة موحدة فوق بنية مجزأة لا يزيل بالضرورة التبعيات والفجوات الموجودة في الأسفل. فقد تستطيع طبقة تنسيق توجيه الأحمال أو ربط النماذج، لكن البيئة الأصلية قد تبقى موزعة بين نظم وشروط ومسؤوليات مختلفة.

وبحسب وصفه، المطلوب هو تشغيل الذكاء الاصطناعي بصورة متسقة عبر البيئات السحابية والسيادية والمحلية، مع الاحتفاظ بالرؤية والتحكم والامتثال والأمن، وهو ما يجعل التنسيق جزءاً من نموذج تشغيل أوسع وليس الغاية في حد ذاته.

«ماغنا AI»: التحدي الأبرز يتمثل في نموذج التشغيل الذي يوحد البيانات والأمن والحَوْكمة والمهارات ضمن منظومة واضحة المسؤولية (شاترستوك)

الوكلاء ترفع متطلبات الحَوْكمة

تتغير متطلبات التشغيل بصورة أكبر مع الانتقال من المساعدات الرقمية إلى الوكلاء القادرين على تنفيذ إجراءات داخل الأنظمة. فحين يبدأ الذكاء الاصطناعي في اتخاذ خطوات فعلية داخل مسار عمل، لا تعود الحَوْكمة مرتبطة فقط بمراجعة ما يولده النموذج، بل تمتد إلى تحديد البيانات والأنظمة التي يمكن للوكيل الوصول إليها، والإجراءات المسموح له بتنفيذها، والمواضع التي تبقى فيها المراجعة البشرية إلزامية.

ويرى بن علي أن كل استدعاء للنموذج، وكل إجراء آلي، وتفاعل مع البيانات، وصلاحية وصول، وتكامل مع نظام آخر، ينبغي أن يكون قابلاً للرصد والحَوْكمة.

وفقاً لمعتز بن علي، يجب أن تعمل الضوابط والسياسات أثناء التشغيل، بحيث يمكن منع الإجراءات غير الآمنة تلقائياً، مع توفير مراقبة مستمرة وسجلات تدقيق ونقاط مراجعة بشرية للقرارات مرتفعة التأثير.

ويؤكد أن زيادة استقلالية النظام لا تعني خفض مستوى الرقابة، بل العكس؛ إذ ترتفع معها الحاجة إلى رؤية أوضح وأمن أقوى ومسؤولية محددة.

السيادة لا تتوقف عند موقع البيانات

يشدد بن علي على أن توطين البيانات والبنية التحتية داخل المملكة يمثل أساساً مهماً للسيادة، لكنه لا يكفي وحده ما لم يمتد التحكم إلى النماذج والعمليات والوكلاء والقدرات التشغيلية.

فبحسب تعريفه، تبدأ السيادة من مكان وجود البيانات ومن يستطيع الوصول إليها وتحت أي شروط، ثم تمتد إلى كيفية نشر النماذج وضبطها وحَوْكمتها، والبنية التي تعمل عليها، والوكلاء الذين يتصرفون نيابة عن المؤسسة، إضافة إلى منظومة الأمن والتشغيل المحيطة بها.

ويضيف بعدين آخرين هما المعرفة التي تتراكم مع مرور الوقت والقدرة المحلية على إدارتها. فكل قرار أو استنتاج أو تحسين للنموذج يولد قيمة معرفية للمؤسسة، وإذا نشأت هذه القيمة داخل منصة لا تسيطر عليها المؤسسة بصورة كافية، فإن قدرتها على الاحتفاظ بها وتطويرها قد تصبح محدودة.

كما أن امتلاك الخوادم أو ترخيص النماذج لا يعوض، بحسب بن علي، عن الحاجة إلى بناء خبرة محلية في تشغيل الذكاء الاصطناعي وتأمينه وحَوْكمته وتحسينه باستمرار، وهو ما يعتبره الفارق بين امتلاك التكنولوجيا وامتلاك قدرة سيادية مستدامة.

يتطلب الانتقال إلى الأنظمة الوكيلية ضوابط أقوى تشمل تحديد الصلاحيات والمراقبة المستمرة والتدقيق ونقاط تدخل بشري للقرارات ذات التأثير المرتفع (غيتي)

الذكاء العربي أبعد من الترجمة

يمتد هذا التصور إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية. ويعد بن علي أن النماذج العالمية حققت تقدماً ملحوظاً في التعامل مع العربية، لكن ثمة فارقاً بين نموذج يستطيع التحدث باللغة ونظام مصمم منذ البداية للسياق اللغوي والثقافي والتشغيلي الذي تعمل فيه المؤسسات الحكومية والشركات في المنطقة. ويعتبر أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي العربي يحتاج إلى التعامل مع الوثائق المحلية ومسارات العمل الحقيقية ومتطلبات الأمن والحَوْكمة والتنظيم، وليس الاكتفاء بالقدرة اللغوية.

كما يمكن أن يشمل ذلك مساعدين رقميين وفهم المستندات والترجمة والتطبيقات الوكيلية، شرط أن تعمل داخل بنية سيادية تحافظ فيها المؤسسة على السيطرة على بياناتها وأنظمتها وعملياتها. ويشير إلى أن تعاون «Magna AI» مع «Arabic.AI» يستند إلى هذا التصور، عبر الجمع بين نموذج لغوي عربي سيادي وقدرات وكيلية تعمل فوق بنية ذكاء اصطناعي سيادية.

اختبار 2030

بحلول 2030، يرى بن علي أن قياس نجاح التحول السعودي في الذكاء الاصطناعي لن يعتمد على حجم البنية التي تم بناؤها بقدر ما سيعتمد على ما يعمل فوقها يومياً. ويحدد عدة مؤشرات لذلك، في مقدمتها وجود أحمال إنتاجية واسعة يكون فيها الذكاء الاصطناعي جزءاً من العمليات الحكومية والمؤسسية الفعلية، وظهور ملكية فكرية مطورة محلياً تشمل نماذج ومنصات وتطبيقات سعودية وذكاءً عربياً يمكن تطويره وحَوْكمته وتشغيله داخل المملكة.

كما يضع الاستخدام المسؤول للأنظمة الوكيلية والمستقلة في القطاعات الحساسة ضمن علامات النضج، شريطة أن تعمل تحت حَوْكمة وأمن محليين واضحين وإشراف بشري عند الحاجة.

لكن المؤشر الذي يصفه بأنه من أوضح علامات النجاح سيكون التصدير. فعندما لا تكتفي السعودية بتشغيل منصات الذكاء الاصطناعي السيادي داخلياً، بل تبدأ أيضاً في نقل تطبيقات وخدمات وقدرات مطورة في المملكة إلى أسواق دولية، يرى بن علي أن ذلك سيكون دليلاً على الانتقال من مرحلة تبني الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة إنتاجه وتطويره.


«لينوفو» تُطلق «AI Express» لتسريع نشر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

تعتمد الخدمة على 3 فئات من البنية التحتية الجاهزة تبدأ من أحمال أصغر لعشرات المستخدمين وتصل إلى نماذج بحجم تريليون معامل (أدوبي)
تعتمد الخدمة على 3 فئات من البنية التحتية الجاهزة تبدأ من أحمال أصغر لعشرات المستخدمين وتصل إلى نماذج بحجم تريليون معامل (أدوبي)
TT

«لينوفو» تُطلق «AI Express» لتسريع نشر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

تعتمد الخدمة على 3 فئات من البنية التحتية الجاهزة تبدأ من أحمال أصغر لعشرات المستخدمين وتصل إلى نماذج بحجم تريليون معامل (أدوبي)
تعتمد الخدمة على 3 فئات من البنية التحتية الجاهزة تبدأ من أحمال أصغر لعشرات المستخدمين وتصل إلى نماذج بحجم تريليون معامل (أدوبي)

أعلنت «لينوفو» عن إطلاق «Lenovo AI Express»، وهو مسار جديد لتسريع نشر البنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع «إنفيديا»، بهدف تقليل تعقيدات الشراء والتنفيذ وتقصير الفترة بين اختيار البنية وبدء تشغيلها الفعلي.

وتقول الشركة إن المؤسسات التي انتقلت من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى التنفيذ على نطاق أوسع تتوقع، وفق «Lenovo 2026 CIO Playbook»، عائداً متوسطاً يبلغ 2.78 دولار، مقابل كل دولار يتم استثماره، فيما يتوقع 94 في المائة من المشاركين من المؤسسات تحقيق عائد إيجابي. إلا أن فترات التوريد الطويلة وتعقيد التكامل وعدم الجاهزية التشغيلية قد تؤخر الوصول إلى هذه العوائد.

ويعتمد «AI Express» على 3 تكوينات جاهزة ومتحقق منها مسبقاً، صممت وفق حجم النماذج وعدد المستخدمين ومستوى الأداء المطلوب، مع إمكان البدء بتكوين أصغر، ثم التوسع مع نمو عدد الوكلاء والنماذج والمستخدمين وحجم البيانات ومتطلبات الاستدلال.

3 فئات حسب حجم الاستخدام

الفئة الصغيرة تبدأ، وفق الشركة، من فترة شحن تبلغ 15 يوم عمل للتكوينات المؤهلة، وتستهدف مهام الاستدلال لعشرات المستخدمين، بسرعة تتجاوز 30 رمزاً في الثانية. وتدعم نماذج بمتوسط أحجام بين 7 و70 مليار معامل، اعتماداً على خوادم «Lenovo ThinkSystem SR650a V4» المجهزة بوحدتي «NVIDIA RTX 6000 PRO Blackwell Server Edition».

أما الفئة المتوسطة فتبدأ من 20 يوم عمل، وتستهدف مئات المستخدمين مع أحمال أعلى للاستدلال والذكاء الاصطناعي الوكيلي. وتغطي نماذج تتراوح في المتوسط بين 70 و400 مليار معامل، باستخدام «ThinkSystem SR675 V3» مع 8 وحدات «RTX 6000 PRO Blackwell Server Edition».

الفئة الكبيرة تبدأ من 25 يوم عمل، وهي موجهة إلى النماذج التوليدية واسعة النطاق التي تخدم آلاف المستخدمين، مع دعم نماذج تصل إلى تريليون معامل، اعتماداً على «ThinkSystem SR680a V4» ومنصة «NVIDIA HGX B300».

آشلي غوراخبروالا رئيس مجموعة «حلول البنية التحتية» في «لينوفو» (الشركة)

خيارات أوسع للمعالجات والبرمجيات

إلى جانب وحدات «إنفيديا» الرسومية، يدعم «AI Express» أحدث تقنيات المعالجات المركزية من «AMD» و«إنتل»، ما يتيح للمؤسسات اختيار تكوينات معتمدة تتناسب مع طبيعة أحمالها.

كما يمكن توسيع البنية ببرمجيات مؤسسية للذكاء الاصطناعي، من بينها «Red Hat AI Factory with NVIDIA» أو «NVIDIA AI Enterprise»، إضافة إلى «Veeam Kasten» لحماية تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات والنماذج وخطوط المعالجة.

وتضع «لينوفو» الحل ضمن إطار أوسع تسميه «Lenovo Hybrid AI Factory with NVIDIA»، الذي يُركز على إنشاء بنية هجينة قابلة للتوسع بحسب احتياجات المؤسسة، بدلاً من بناء بيئة كبيرة منذ البداية قد تتجاوز الحاجة الفعلية.

تقليل مخاطر المبالغة في البناء

قال آشلي غوراخبروالا، رئيس مجموعة حلول البنية التحتية في «لينوفو»، إن المؤسسات تبحث عن طريقة لإدخال الذكاء الاصطناعي إلى بيئات الإنتاج بسرعة أكبر، من دون تحمل مخاطر بناء بنية أكبر من احتياجاتها أو مواجهة تأخيرات مكلفة.

وترتكز الفكرة على منح العميل نقطة بداية واضحة، مع إمكان التوسع لاحقاً، بدلاً من تصميم كل مشروع من الصفر. وتقول الشركة إن ذلك يُساعد على جعل عملية الشراء والتوريد أكثر قابلية للتوقع، خصوصاً في المشروعات التي تحتاج إلى سعات حوسبة عالية أو تجهيزات رسومية متخصصة.

بير أوفرغارد المدير العام لمجموعة «حلول البنية التحتية في أوروبا والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا» لدى «لينوفو» (الشركة)

خدمات تمتد إلى التشغيل

ولا يقتصر «AI Express» على توفير الخوادم، إذ يشمل مجموعة من الخدمات التي تبدأ من تحديد حالات الاستخدام والتحقق من الجدوى والعائد المتوقع، ثم الانتقال إلى إثبات المفهوم، وانتهاء بتحسين بيئات وحدات المعالجة الرسومية من حيث الأداء والاستخدام والتكلفة.

كما أعلنت الشركة عن «Premier Support Plus for Servers»، وهي خدمة دعم تضيف قدرات استباقية وتنبؤية لرصد المشكلات في وقت مبكر، بهدف الحفاظ على استمرارية التشغيل في البيئات ذات الأهمية العالية.

وصرح بير أوفرغارد، المدير العام لمجموعة حلول البنية التحتية في أوروبا والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا لدى «لينوفو»، بأن المؤسسات تستطيع البدء بحالة الاستخدام الأكثر أهمية حالياً، ثم توسيع بنيتها مع تطور البيانات وأحمال العمل ومستوى نضج استخدام الذكاء الاصطناعي.

توسيع الاعتماد عبر الشركاء

وتوسع «لينوفو» أيضاً من توفر «AI Express» عبر شبكة شركائها العالمية، من خلال إطار «Lenovo 360»، بما يسمح لشركاء القنوات بتقديم تكوينات «Hybrid AI Factory» المعتمدة للعملاء.

وتقول الشركة إن البرنامج يبني على نموذج «Top Choice Express»، الذي يركز على مرونة التكوين ووضوح الأسعار وإمكانية توقع مواعيد التوريد، مع نقل الفكرة نفسها إلى مشروعات الذكاء الاصطناعي المؤسسية.

وتختلف أهلية التكوينات ومواعيد التوفر وآليات الطلب وفق المنطقة، فيما تشير «لينوفو» إلى أن الهدف الأساسي هو تقليل الوقت المطلوب للانتقال من اختيار البنية إلى تشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي الفعلية، مع إبقاء المجال مفتوحاً للتوسع مع نمو المتطلبات.


هاتف جذاب مصُمم لإبعاد الأطفال عن إدمان الشاشات

هاتف جذاب مصُمم لإبعاد الأطفال عن إدمان الشاشات
TT

هاتف جذاب مصُمم لإبعاد الأطفال عن إدمان الشاشات

هاتف جذاب مصُمم لإبعاد الأطفال عن إدمان الشاشات

لا يعتقد سام تيريس أن التكنولوجيا ضارة بطبيعتها للأطفال. وهو يعتقد أن المشكلة تكمن في أن وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية صُممت عمداً لجعلنا ندمنها. وتيريس رائد أعمال متسلسل شارك في تأسيس «Nuggs» - العلامة التجارية لقطع الدجاج النباتي.

تكنولوجيا تنمّي استقلالية الأطفال

ولكن، ماذا لو أمكننا تصميم تكنولوجيا تساعد الأطفال على تنمية استقلاليتهم، وبناء علاقات اجتماعية، والحفاظ على سلامتهم؟

يطرح تيريس اليوم جهازاً جديداً صُمم خصيصاً لتحقيق هذا الهدف، وهو هاتف «فريكل» Freckle المخصص للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 عاماً، ويبلغ سعره 199 دولاراً، مع خطة اشتراك لاسلكي بتكلفة 25 دولاراً شهرياً.

مكالمات متفق عليها بلا إنترنت أو منصات التواصل

يخلو الهاتف من متصفح الويب، ومتجر التطبيقات، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومنصة «يوتيوب»، إذ يقتصر التواصل فيه (سواء عبر المكالمات أو الرسائل النصية) على جهات الاتصال التي يوافق عليها الوالدان. ​​وبفضل تزويده بتقنية التتبع، يتيح «فريكل» للوالدين متابعة موقع طفلهم على الخريطة، أو تحديد «مناطق آمنة» ترسل تنبيهاً فورياً في حال غادر الطفل حدودها. ويقول تيريس: «يمكنك اختيار تتبع كل تحركاتهم، ولكن يمكنك أيضاً الاكتفاء بالاعتماد على تنبيهات الجهاز». ويتوفر هاتف «فريكل» للطلب المسبق حالياً، على أن يبدأ شحنه في شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

هاتف يستمتع الأطفال باستخدامه

رغم أن «فريكل» صُمم لتهدئة مخاوف الوالدين، فإنه صُمم أيضاً ليكون ممتعاً للأطفال، إذ يتميز الجهاز بملمس ناعم وألوان زاهية وأزرار بارزة الملمس، كما يعتمد في تصميمه على شاشة صغيرة مربعة تعمل باللمس.

يحتوي الهاتف على ميزة «كاميرا الاستكشاف» (Discovery Camera) التي تتعرف على الحشرات والطيور والنباتات وتضيفها إلى ألبوم ملصقات رقمي. ويصف تيريس التجربة قائلاً: «إنها تشبه إلى حد ما لعبة (بوكيمون غو Pokémon Go) ولكن في العالم الواقعي».

استكشاف الطبيعة والحياة

* مهمات ممتعة. يمكن للوالدين إرسال «مهمات» لأطفالهم، مثل العثور على خمسة أنواع من الحشرات في الحديقة أو تصوير ثلاث لوحات انطباعية في المتحف.

* اتصال لاسلكي. عندما يلامس طفلان جهازيهما ببعضهما بعضاً، يتم تفعيل وضع الاتصال اللاسلكي المباشر (walkie-talkie).

* محفظة رقمية. كما يضم الهاتف محفظة رقمية تدعم الدفع باللمس، حيث يمكن للوالدين شحنها بمبلغ مخصص للمصروف الشخصي، ليتمكن الطفل من استخدامه -على سبيل المثال- عند شراء البوظة.

اسم غريب

ويقول «تيريس» إن الاسم «فريكل» (ويعني بالعربية: النَمَشْ) يهدف إلى استحضار أجواء الوجود في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس، والعودة إلى المنزل لاكتشاف أن ذلك الوقت الذي قُضي في الخارج قد ترك أثراً على البشرة. ويضيف قائلاً: «هناك انطباع سائد بأن التكنولوجيا ترتبط بالأماكن المغلقة والعزلة، ولكن إذا صُممت بعناية، فقد تصبح وسيلة ممتازة لتعزيز تجارب الهواء الطلق وتشجيع التفاعل الاجتماعي الإيجابي».

تكنولوجيا لا تتسبب في الإدمان

كيف تبدو التكنولوجيا غير المسببة للإدمان؟ عند تصميم هذا الجهاز، واجه «تيريس» تحدياً صعباً يتمثل في كيفية ابتكار جهاز يحبه الأطفال دون أن يكون جذاباً ومسبباً للإدمان لدرجة تجعلهم عاجزين عن تركه. وهذه المشكلة تحاول مجموعة متزايدة من الشركات العاملة في مجال تكنولوجيا الأطفال حلها.

وقد تعاونت شركة «تونيز» أخيراً (Tonies) مع شركة «هاسبرو» (Hasbro) لتحويل ألعاب لوحية شهيرة -مثل «مونوبولي» (Monopoly) و«خمن من؟» (Guess Who?) إلى ألعاب صوتية تعمل عبر جهاز «تونيبوكس» (Toniebox) الذي لا يحتوي على شاشة. كذلك، يتميز جهاز «بادي» (Buddy) من شركة «سكاي لايت» (Skylight) -وهو جهاز صغير يساعد الأطفال على إنجاز مهامهم اليومية- برسومات بسيطة صُممت عمداً لجذب انتباه الطفل للمدة اللازمة لإتمام المهمة فقط، وليس أكثر من ذلك.

هاتف لا يتفاعل مع العالم الرقمي

بالنسبة لـ«تيريس»، يتمثل أحد المبادئ التوجيهية في أن يساعد الجهازُ الطفلَ على التفاعل مع العالم المحيط به. ويقول موضحاً: «نريد للجهاز أن يدعو دائماً طرفاً ثالثاً للمشاركة، سواء كان ذلك غرضاً آخر، أو شخصاً آخر، أو البيئة المحيطة، فهو ليس أبداً بوابة لعالم رقمي».

هواتف مخصصة للأطفال

يُعد هاتف «فريكل» جزءاً من موجة متنامية من الهواتف المخصصة للأطفال، إذ تخلو الهواتف الذكية المبسّطة -مثل «غاب» (Gabb) و«بينويل» (Pinwheel) و«ترومي» (Troomi)- من منصات التواصل الاجتماعي ومتصفحات الويب ومتاجر التطبيقات. أما هاتف «بارك» (Bark Phone) -وهو في الأصل هاتف «سامسونغ غالاكسي» - فيقوم بمسح رسائل الأطفال بحثاً عن أي مؤشرات خطر، كما يتيح المزيد من الميزات مع تقدمهم في العمر. وبالنسبة للأطفال الأصغر سناً الذين يقضون معظم وقتهم في المنزل، تتوفر هواتف تشبه الهواتف الأرضية التقليدية -مثل «تين كان» (Tin Can) و«بينويل هوم» (Pinwheel Home)- والتي تقتصر اتصالاتها على جهات الاتصال التي وافق عليها الوالدان. ​​ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح أي من هذه الهواتف سيحقق رواجاً واسعاً؛ فالعديد من الآباء ينتهي بهم المطاف إلى اختيار هاتف «آيفون» (iPhone) نظراً لانتشاره الواسع بين الجميع.

* مجلة «فاست كومباني».