طلاب الجامعات والذكاء الاصطناعي: أداة المستقبل.. أم رأس الأخطاء القاتلة؟

أكثر من 80 % منهم يستخدمونه في الدراسة

طلاب الجامعات والذكاء الاصطناعي: أداة المستقبل.. أم رأس الأخطاء القاتلة؟
TT

طلاب الجامعات والذكاء الاصطناعي: أداة المستقبل.. أم رأس الأخطاء القاتلة؟

طلاب الجامعات والذكاء الاصطناعي: أداة المستقبل.. أم رأس الأخطاء القاتلة؟

بالنسبة لكثير من طلاب الجامعات، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية.

مع ذلك، يُمثل التبني اليومي الواسع النطاق لأدواته تناقضاً صارخاً مع ما كان عليه الحال قبل عامين: فعندما طرحت «أوبن إيه آي» روبوت الدردشة الخاص بها للجمهور لأول مرة في عام 2022، أثارت فكرة الذكاء الاصطناعي في البيئات المدرسية جدلاً حاداً حول كيفية استخدام هذه التكنولوجيا في الفصول الدراسية، إنْ استخدمت أصلاً... ولكن وبعد ثلاث سنوات فقط، انتشر استخدامها بسرعة، كما كتبت ماريا خوسيه غوتيريز تشافيز (*).

80 - 90 % من الطلاب يستخدمونه يومياً

أظهرت دراسة وطنية حديثة أجرتها شركة «غرامرلي» Grammarly أن 87 في المائة من طلاب التعليم العالي يستخدمون الذكاء الاصطناعي في دراستهم، و90 في المائة يستخدمونه في حياتهم اليومية، حيث يقضون 10 ساعات أسبوعياً في المتوسط، بينما توصلت دراسة أخرى أجراها مجلس التعليم الرقمي إلى نتائج مماثلة، حيث وجدت أن 86 في المائة من الطلاب حول العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

ومع ذلك، لا تزال الكليات لا تطبق معايير موحدة لما يُعدُّ استخداماً مقبولاً للذكاء الاصطناعي وما يُعدّ محظوراً. وفي مختلف التخصصات والجامعات في الولايات المتحدة، اكتشفت «غرامرلي» أيضاً أنه بينما يقول 78 في المائة من الطلاب إن مدارسهم لديها سياسة للذكاء الاصطناعي، يقول 32 في المائة إن هذه السياسة هي عدم استخدامه. وأعرب ما يقرب من 46 في المائة من الطلاب عن قلقهم من الوقوع في مشاكل بسبب استخدامهم الذكاء الاصطناعي.

قلق طلابي مشروع

على سبيل المثال، قد يكون استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل المواضيع المعقدة التي تُناقش في الفصل الدراسي أمراً مقبولاً بشكل عام، لكن استخدام «تشات جي بي تي» لتحرير مقال قد يثير بعض التساؤلات.

المهارة الأكثر طلباً

في هذه الأثناء، وبينما يتفاعل الطلاب مع العالم الحقيقي ويدرسون خياراتهم المهنية، يشعرون بأنهم سيتخلفون عن الركب إذا لم يطوّروا خبرتهم في الذكاء الاصطناعي، خاصةً مع إتمامهم فترات التدريب، حيث يُقال لهم ذلك وجهاً لوجه. وقد وُصفت معرفة الذكاء الاصطناعي بأنها المهارة الأكثر طلباً للعاملين في عام 2025.

وهذا ما يُثير مشاعر متضاربة بين طلاب الجامعات، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين محاولة اتباع مجموعتين مختلفتين من القواعد في آنٍ واحد.

استطلاع آراء طلاب الجامعات

لفهم مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على حياة الشباب؛ تواصلت شركة «فاست كومباني» مع طلاب جامعيين في جميع أنحاء البلاد لمعرفة كيفية تعاملهم مع هذه المتطلبات المتضاربة. وقد وجدنا أنه مع استمرار تطور التكنولوجيا الجديدة، فإنها تحفر مكاناً لها في حياة طلاب الجامعات - سواءً شاء الكبار (أو الطلاب أنفسهم) ذلك أم أبوا.

وفي هذا المقال المتميز، ستتعرف على:

الطرق الإبداعية التي يدمج بها طلاب الجيل «زد» الذكاء الاصطناعي في حياتهم ليصبحوا بارعين فيه، حتى لو لم يتمكنوا من استخدامه في دراساتهم. والجيل زد (Generation Z) هم الأفراد الذين وُلدوا بين منتصف التسعينات وأوائل العقد الثاني من الألفية، وعادةً ما يمتد تاريخ ميلادهم بين عامي 1997 و2012. ويتميز هذا الجيل بكونه الجيل الرقمي الأصلي.

• لماذا بدأت شعبية الذكاء الاصطناعي بصفته مساعدَ برمجة تُغير نظرة الجامعات إليه في الصفوف الدراسية؟

• كيف يُحقق الطلاب الحاليون والجدد التوازن بين أساليب التعليم التقليدية والحديثة؟

رفيق يومي

استخدام الطلاب «تشات جي بي تي»:

- مات كوبر، لاعب جامعة ولاية أوهايو، اكتشف طرقاً جديدة لدمج التكنولوجيا في حياته. يقول: «لقد ساعده الذكاء الاصطناعي بشكل لا بأس به، بطرق لا يتوقعها الناس عادةً»... من إنشاء نوتات موسيقية، إلى مساعدته في حفظ السلالم الموسيقية الكبرى وقراءة المفاتيح، أصبح «جي بي تي» مدربه الافتراضي الموثوق. يقول: «في غضون 20 ثانية، يمكنه إنشاء نوتة موسيقية كاملة للتدرب على أي مستوى صعوبة»، وعلاوة على ذلك، يقوم روبوت الدردشة بكل ذلك مجاناً.

- كايتلين كونواي، طالبة في السنة الأخيرة بجامعة لويولا ماريماونت في لوس أنجليس، عادت إلى الجامعة بعد فترة تدريب بدوام كامل في مجال التسويق، وجدت أن الحياة الجامعية أشبه بصدمة ثقافية عكسية بعد خروجها من سوق العمل. لكنها وجدت روبوتات الدردشة سهلة الاستخدام مثل «جي بي تي» مفيدة في إضافة المزيد من التنظيم لأيامها. تقول كونواي: «أستخدمه لإنشاء جدول زمني. على سبيل المثال: (أريد هذا القدر من الوقت للدراسة، ولأداء واجباتي المدرسية، وحضور حصة يوغا)، وسيُخرج لي جدولاً زمنياً سهلاً لأتبعه».

- مليحة محمود، طالبة في السنة الأخيرة في إدارة الأعمال والإعلان بجامعة فلوريدا، تستخدم الذكاء الاصطناعي لتبسيط المهام اليومية خارج الفصل الدراسي. تطلب من «جي بي تي» إعداد سلسلة من الوصفات باستخدام المكونات المتبقية في ثلاجتها (بدلاً من الاعتماد على الوجبات سريعة التحضير كما فعلت أجيال من طلاب الجامعات قبلها). أما في المدرسة، فتعتمد مليحة على الذكاء الاصطناعي بصفته معلمة خاصة، مستعدة للإجابة عن الأسئلة في أي وقت. تقول: «أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يُبسّط لي مفهوماً ما كما لو كان يتحدث إلى طالب في المرحلة الإعدادية لفهمه بشكل أفضل».

أدوات «غوغل» و«مايكروسوفت»

• استخدام «غوغل نوتبوك» الذكي. كما ذكر كثير من الطلاب أداة Google Notebook LM، وهي أداة ذكاء اصطناعي تساعد في تحليل المصادر التي تُحمّلها، بدلاً من البحث على الإنترنت عن إجابات. يمكن للطلاب تحميل ملاحظاتهم وقراءاتهم المطلوبة ومذكراتهم على المنصة، وطلب من «نوتبوك إل إم» إنشاء ملخصات صوتية مخصصة بأصوات بشرية.

ومع ذلك، غالباً ما كانت اداة الذكاء الاصطناعي تُدرّس خارج الفصول الدراسية، في بيئة العمل. يقول كثير من الطلاب إنه لم يُسمح لهم باستخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل شُجِّعوا على استخدامه خلال فترة تدريبهم. وتقول أنيكا تشاكرافارتي، طالبة في السنة الأخيرة بجامعة نيويورك، إنها شعرت في أول تدريب لها في شركة علاقات عامة متخصصة في التكنولوجيا، بأنه «لكي تكون شخصاً ناجحاً، عليك أن تُتقن الذكاء الاصطناعي؛ لذا هناك توتر في هذا الجانب أيضاً».

وتتفق مليحة محمود مع تجربة تشاكرافارتي. وتقول: «خلال فترة تدريبي، شُجِّعت على استخدام الذكاء الاصطناعي». «في البداية، ظننت أنه بديل، أو أنه لا يسمح لنا بالتفكير النقدي. (لكن) كان موفراً للوقت بشكل كبير».

استخدام «مايكروسوفت كوبايلوت». استخدمت مليحة محمود برنامج Copilot من «مايكروسوفت» لنسخ الاجتماعات تلقائياً، وتدوين الملاحظات، وإرسالها إلى المشاركين - وهي مهام كان المتدربون يقومون بها يدوياً في الماضي. كل هذا بعيد كل البعد عن الطريقة التي رُوِّض بها طلاب الجامعات للنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه سبباً محتملاً للطرد.

ماضٍ وحاضرٍ متقلبان

نشأ جيل الجامعات اليوم على قلق الانتحال. كان عالمهم قبل اختبار «جي بي تي» يتضمن إعادة التحقق من الاستشهادات واللجوء إلى برامج التحقق من الانتحال عبر الإنترنت.

يقول غرانت دوترو، خريج الاقتصاد والاتصالات حديثاً من كلية ويتون في إلينوي: «كنت أقول لنفسي: (لا أريد التطرق لهذا؛ لأنني لا أريد أن أُتهم يوماً بالانتحال). بالتأكيد، قد يُنظر إليه على أنه أمر محظور للغاية».

على الرغم من أن أكثر من نصف الطلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل روتيني الآن، فإنه لم يكن دائماً موضع ترحيب - خاصة للطلاب الذين بدأوا دراستهم الجامعية دون استخدام الذكاء الاصطناعي. أعرب معظم الطلاب الذين تمت مقابلتهم عن ترددهم في البداية تجاه الذكاء الاصطناعي؛ بسبب ذلك الخوف المعروف من التعرض للانتحال.

لعقود، أُخبر الطلاب أنهم قد يواجهون عواقب وخيمة عند استخدامهم الإنترنت لتنزيل مقالات جاهزة، أو نسخ مواد من كتب أو مدونات، وغيرها. ومع تقدم التكنولوجيا، ازدادت فرص الانتحال، لا سيما مع ظهور خدمات مثل TurnItIn، التي تُحدّد المصادر المنسوخة وغير المُستشهد بها في المقالات.

على الرغم من أن الكليات تمكنت من اللحاق بوضع الإرشادات المناسبة، فإن السياسات غالباً ما تكون مُقيدة أو غير واضحة أو متروكة للمدرسين. بالنسبة لكثير من المعلمين، فإن سياسات الذكاء الاصطناعي في فصولهم الدراسية ليست شاملة؛ ما يُربك الطلاب وقد يُوقعهم في مشاكل عن غير قصد.

وبالنسبة للطلاب الذين تعتمد سياستهم على أساس كل مُدرّس على حدة، قد يعني هذا أحياناً أن الطلاب الذين يدرسون المقرر الدراسي نفسه، ولكن مع أساتذة مختلفين، قد تكون لديهم تجارب مختلفة تماماً مع الذكاء الاصطناعي، على الأقل في الفصل الدراسي.

غموض السياسات الدراسية

تقول جيني ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في «غرامرلي»: من غير المفهوم أخلاقياً بالنسبة لي ألا تُولي مؤسسة كبيرة اهتماماً بالغاً لتحديد سياساتها، والتأكد من اتساقها داخل الأقسام». وأضافت: «نظراً لعدم وضوح المؤسسة بشأن سياستها؛ فإن طلابها يتضررون بسبب هذا النقص في التواصل».

في حين يبدو أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس يتراجع تدريجياً بين الطلاب، فإنه يتراجع بالتأكيد في بيئة العمل. قال بعض الطلاب الذين أكملوا تدريباً عملياً أخيراً إنه لم يُسمح لهم باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل فحسب، بل شُجِّعوا على ذلك أيضاً (وبالفعل، يُوصي الخبراء الخريجين الجدد بتطوير مهاراتهم في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما يقول واحد من كل ثلاثة مديرين إنهم سيرفضون توظيف مرشحين لا يمتلكون مهارات الذكاء الاصطناعي).

طريقة جديدة للتعلم

إن الرسائل المتضاربة حول أن «الذكاء الاصطناعي يُوقعك في المشاكل» وأن «الذكاء الاصطناعي هو المستقبل» تُعقّد وجود التكنولوجيا في حياة طلاب الجامعات، سواءً في الصف الدراسي أو خلال التدريب أو في السكن الجامعي. ولكن بالنسبة للكثيرين، تُغيّر هذه التكنولوجيا ببساطة شكل التعلم.

على سبيل المثال، ربما كان إطار تقييم نجاح الطلاب يعتمد على المقالات في الماضي. ولكن اليوم، قد يكون من الأنسب تقييم كلٍّ من المقالة وعملية الكتابة باستخدام التكنولوجيا، كما تقول ماكسويل.

أما الكثير من الطلاب فيقولون إن المعايير تتغير لقياس تعلمهم بالفعل. وأوضحت كلير شو، طالبة الهندسة السابقة في جامعة تورنتو التي تخرجت عام 2024، أنها عندما بدأت دراستها الجامعية، تعلمت أساسيات البرمجة في الوقت نفسه الذي أثار فيه الذكاء الاصطناعي اهتمام أساتذتها. تعلمت بالطريقة «التقليدية» بينما شجعها بعض معلميها على تجربة التقنيات الحديثة. ومع ذلك، لم تبدأ شو باستخدام الذكاء الاصطناعي في المدرسة إلا في عامها الرابع. الآن، تعتقد أنه يمكن تحقيق التوازن بين المدرسة القديمة والمدرسة الحديثة. تقول شو: «يُسمح لك باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؛ لذا فقد تم رفع مستوى هذا النوع من مهام البرمجة». يشير هذا إلى تحول كبير: في الأوساط الأكاديمية، حيث كان الذكاء الاصطناعي (وفي كثير من الحالات، لا يزال) محظوراً، يتم تبنيه أيضاً، حتى في الصف الدراسي.

تعلم المهارات الأساسية... قبل الذكاء الاصطناعي

ولكن الآن بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي أداة متوقعة، فقد زادت صعوبة مهام البرمجة، كما تقول؛ ما أدى إلى مشاريع أكثر تقدماً في مرحلة مبكرة من حياة الطالب المهنية. وبينما قد يكون هذا مثيراً، ويمثل تحضيراً رائعاً للمستقبل، لا تزال شو تُسلّط الضوء على ضرورة فهم الأساسيات - المهارات التي تتعلمها بنفسك دون مساعدة الذكاء الاصطناعي - قبل الاندفاع. وأوضحت قائلةً: «هناك لحظات معينة لا نزال نحتاج فيها إلى اختبار المهارات الأولية لشخص ما من خلال إعداد بيئات لا تتوفر فيها أدوات الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى الامتحانات الشخصية التي لا تتوفر فيها أدوات الذكاء الاصطناعي.

تخيل الأمر كما لو كنت تتعلم قيادة السيارة ذات ناقل الحركة اليدوي، بينما توجد السيارات الأوتوماتيكية - فدمج الذكاء الاصطناعي مع أساليب التدريس التقليدية قد يُنشئ تعليماً أكثر شمولية. وبالمثل، بالنسبة لطلاب العلوم الإنسانية، يقوم بعض المدربين بتدوين ملاحظات من الكتب القديمة لقياس هذه «المهارات الأولية»، مثل المناظرة والتواصل والتفكير النقدي أو كتابة نصوص بخط اليد.

يعلم طلاب الجامعات أن الذكاء الاصطناعي لن يختفي. على الرغم من أن الجميع - طلاباً ومعلمين ومدارس ومديرين - لا يزالون يتعثرون في طريقهم نحو تبنيه، فإن بعض جوانب تجربة الدراسة الجامعية قد لا تُنسى.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات«تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

تفاهم بين «أرامكو» و«مايكروسوفت» لتطوير الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي

الاقتصاد من حفل توقيع مذكرة التفاهم التي تهدف لتسريع تطوير المهارات الرقمية والتقنية في السعودية (أرامكو)

تفاهم بين «أرامكو» و«مايكروسوفت» لتطوير الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي

وقّعت «أرامكو السعودية» مذكرة تفاهم غير ملزمة مع «مايكروسوفت»؛ لمساعدة الأولى على استكشاف مبادرات رقمية مصممة لتسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
صحتك القرار بين عقلين

القرار والمسؤولية في عصر الخوارزميات الطبية

ضرورة تأسيس شراكة منضبطة تُحفظ فيها المسؤولية واضحة، ويظل مركز القرار إنسانياً حتى وهو يستعين بالأرقام

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
خاص التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)

خاص التعليم الرقمي كبنية تحتية… هل هو الرهان الحاسم لعقد الذكاء الاصطناعي؟

التحول الرقمي يبدأ ببناء المهارات والتعليم لا بالبنية التحتية وحدها والفجوة الرقمية تهدد الابتكار والتنافسية والتنويع الاقتصادي.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«بوسطن غروب»: 40 % من مؤسسات السعودية ضمن فئة «رواد الذكاء الاصطناعي»

كشفت دراسة حديثة صادرة عن مجموعة «بوسطن كونسلتينغ غروب»، عن أن السعودية أحرزت تقدماً لافتاً في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تصنّف 40 % من مؤسساتها ضمن فئة الرواد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المملكة تنتقل من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى بيئات الإنتاج الفعلية داخل القطاعات الحيوية (شاترستوك)

خاص رئيس «مايكروسوفت السعودية»: المملكة تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي للذكاء الاصطناعي

السعودية تنتقل من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى التنفيذ الفعلي مدعومة ببنية «أزور» محلية وحوكمة ومهارات وتمكين مؤسسي واسع النطاق.

نسيم رمضان (الرياض)

تحسين «اليانصيب الجيني» البشري: فخّ تجاري... أم اختراق بيولوجي؟

تحسين «اليانصيب الجيني» البشري: فخّ تجاري... أم اختراق بيولوجي؟
TT

تحسين «اليانصيب الجيني» البشري: فخّ تجاري... أم اختراق بيولوجي؟

تحسين «اليانصيب الجيني» البشري: فخّ تجاري... أم اختراق بيولوجي؟

«لماذا يقتصر الحصول على جينات الطول على طوال الناس؟ ولماذا يقتصر الحصول على جينات الذكاء على الأذكياء منهم؟ هذه تساؤلات طرحتها شركة «بوتستراب بايو» (Bootstrap Bio) الناشئة، وأجابت: «هدفنا منح أكبر عدد ممكن من الناس فرصة اختيار جيناتهم لأنفسهم (ولأحفادهم) بدلاً من قبول التفاوت الجيني الموروث، لأن علم الوراثة ينبغي ألا يكون ضرباً من ضروب اليانصيب»، كما كتب مايكل لو بيج(*)

تحسين جينات الأطفال

تقول الشركة إنها تهدف إلى منح الآباء والأمهات الراغبين في الإنجاب فرصة تحسين جينات أطفالهم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكننا حقاً تحسين جينات أطفالنا إذا أردنا؟

للوقوف على ما قد يكون ممكناً، بدأتُ بالتمعُّن في قائمة المتغيرات الجينية «الوقائية والمحسّنة» التي يحتفظ بها عالم الأحياء جورج تشيرش في جامعة هارفارد.

قائمة من 100 متغيّر جيني

تحظى هذه القائمة بشعبية بين دعاة «ما بعد الإنسانية» (تجاوز الإنسانية Transhumanism)، الذين يرغبون في استخدام الهندسة الوراثية لخلق بشر خارقين، وهي قائمة متنوعة. تحتوي القائمة على أكثر من 100 بند، لكن نصفها تقريباً عبارة عن طفرات أو متغيرات جينية محددة تم رصدها لدى البشر وربطها بتأثيرات معينة.

وقد اختار تشيرش طفرات قد يكون لها «تأثير إيجابي» كبير بشكل غير معتاد، بدءاً من تقليل العدوانية لدى الذكور، وصولاً إلى توفير الحماية من أمراض معينة.

صفات غير مرغوب فيها

وربما تكون بعض الصفات المذكورة في القائمة غير مرغوب فيها على الإطلاق. على سبيل المثال، تنص القائمة على أن تغييرات غير محددة في جين واحد قد تُحسّن «القدرة على استخدام اليدين» لدى الشخص بمنحه ست أصابع في كل يد. هل هذا صحيح؟ هل ترغب في ستّ أصابع، حتى لو كان الأمر كذلك؟

كما تتضمن القائمة إشارة إلى أن حذف جينين يؤدي إلى فقدان الإحساس بالألم. لكن هذا ليس تحسيناً: فالأطفال الذين لا يشعرون بالألم يتعرضون في العادة إلى إصابات بالغة.

أما معظم الصفات المتبقية في القائمة، فتقع في رأيي ضمن فئة «صفات مرغوبة، لكنها لا تستحق اللجوء إلى الهندسة الوراثية من أجلها». بالتأكيد، أودّ (مثلاً) أن أتمكن من حبس أنفاسي لفترة أطول، أو التأقلم بشكل أفضل مع الارتفاعات الشاهقة، لكنني لست متأكداً من أن أياً من أحفادي سيهتم بذلك.

-----

* إدخال أحد المتغيرات المرتبطة بارتفاع مستوى الذكاء يزيد من خطر الإصابة بالعمى لاحقاً في الحياة *

-----

صفات مرغوبة على نطاق واسع

ارتبطت بضعة متغيرات فقط في القائمة بصفات مرغوبة على نطاق واسع، مثل طول العمر أو ارتفاع مستوى الذكاء. لكننا ما زلنا بعيدين جداً عن النقطة التي يمكننا فيها التأكد من أن إدخال هذه المتغيرات في الأطفال سيجعلهم أذكى أو يعيشون لفترة أطول... ببساطة، لا نملك معلومات كافية.

علاوة على ذلك، غالباً ما تكون هناك مقايضات. وعلى سبيل المثال؛ فقد يزيد أحد المتغيرات المرتبطة بارتفاع مستوى الذكاء من خطر الإصابة بالعمى لاحقاً في الحياة، وفقاً لقائمة تشيرش. لذا أعتقد أنني أفضل أن أكون أقل ذكاءً بقليل. ولم تُذكر في القائمة أي سلبيات لمعظم المتغيرات المذكورة فيها، لكن هذا لا يعني عدم وجودها.

لا يزال فهمنا في مراحله الأولى، وقد لا نتمكن أبداً من التأكد من أن المتغيرات النادرة جداً مفيدة حقاً؛ ذلك لأن تحديد الآثار الإيجابية والسلبية لمتغير جيني؛ ما يتطلب من علماء الأحياء دراسة عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يحملونه، أو حتى أكثر.

طبيعة احتمالية للمعارف لا تقدم نتائج قاطعة

إن الطبيعة الاحتمالية لمعرفتنا تعني أنه لزيادة احتمالية استفادة أي شخص من الهندسة الوراثية، سيتعين إجراء عشرات التغييرات. ينطبق هذا بشكل خاص على الصفات التي ذكرها موقع «Bootstrap Bio»، لأن الطول والذكاء يتحددان بمئات المتغيرات التي لكل منها تأثير طفيف. ومع ذلك، فاننا لا نزال لا نمتلك القدرة على إجراء تغييرات قليلة على الأجنّة البشرية بأمان، فضلاً عن إجراء مئات التغييرات في وقت واحد.

الأهم - دراسة مزايا الجينات وعيوبها

وللوصول إلى مرحلة التفكير الجاد في هذا الأمر. لسنا بحاجة إلى شركات ناشئة، مثل «بوتستراب بايو». ما نحتاج إليه هو توسيع نطاق دراسات، مثل بنك المملكة المتحدة الحيوي، الذي يتابع أعداداً كبيرة من الناس على مدى عقود، لنحصل على فهم أوضح لمزايا وعيوب المتغيرات الجينية كتلك المذكورة في «قائمة تشيرش».

أما فكرة أن الشركات التي تروج وتسوق للتحسينات الجينية ستجعل العالم أكثر عدلاً؛ فهي محض هراء.

---------

* تحقيق كامل الإمكانات الجينية الكامنة للأطفال - أفضل من تحسينها *

---------

إن خُمس الأطفال المولودين اليوم يُولدون أقصر من طولهم الطبيعي، ويعانون من ضعف في القدرات الإدراكية بسبب سوء التغذية. لذا، فإن على أي شخص أو جهة قلقين بهذا الشأن التركيز على ضمان وصول هؤلاء الأطفال إلى كامل إمكاناتهم الجينية، بدلاً من محاولة تحسين جينات عدد قليل منهم.

* مجلة «نيوساينتست» - خدمات «تريبيون ميديا»


ما سر السعادة؟

ما سر السعادة؟
TT

ما سر السعادة؟

ما سر السعادة؟

تُعدّ الدكتورة سونيا ليوبوميرسكي، باحثة رائدة في علم السعادة منذ عقود. ولطالما سألها الناس: ما السر (أي ما سر السعادة)؟ ولطالما انزعجت هذه الأستاذة المتميزة في علم النفس بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، من هذا السؤال.

سر السعادة

سر السعادة؟ يا له من سؤال سخيف ومُبسط! كان جوابها. وعندما ألححت عليها، قالت إنها تميل إلى قول شيء من هذا القبيل: «التواصل والعلاقات. التفكير الإيجابي، الذي يشمل الامتنان. والشعور بالسيطرة على حياتك».

ولكن إذا كان عليها حقاً اختيار شيء واحد، قالت إن سر السعادة هو «الشعور بالحب».

هذا هو أساس كتابها الأخير، «كيف تشعر بالحب؟ (?How to Feel Loved)»، الصادر أمس، الذي شاركت في تأليفه مع هاري ريس، أستاذ علم النفس في جامعة روتشستر والمتخصص في دراسة العلاقات الوثيقة.

السعادة- مدى شعورنا بالحب

غالباً ما تركز الأبحاث حول الحب والسعادة على الحب الذي يشعر به المرء تجاه الآخرين. لكن في الواقع، كما تجادل الدكتورة ليوبوميرسكي والدكتور ريس في كتابهما، فإن ما يجعلنا سعداء حقاً هو مقدار الحب الذي نشعر به في المقابل.

يكتب المؤلفان أن الأشخاص الذين يرغبون في الشعور بمزيد من الحب يميلون إلى اتباع أحد نهجين ليسا بالضرورة فعالين: إما محاولة إصلاح أنفسهم (لو كنتُ أفضل، ألطف، أكثر جاذبية، إلخ) أو محاولة إصلاح الشخص الآخر (لو أن شريكي يفهم لغة حبي أخيراً!).

لكن إذا كنت ترغب في الشعور بمزيد من الحب، كما تؤكد الدكتورة ليوبوميرسكي والدكتور ريس، فلا تُركز طاقتك على محاولة تغيير أي شخص. بدلاً من ذلك، غيّر طريقة حديثك.

أحسِنْ الاستماع لتحصل على المزيد من الحب

يقول المؤلفان إنه لكي تشعر بمزيد من محبة الآخرين، عليك أن تبدأ بجعلهم يشعرون بمحبتك. ويُعدّ تحسين مهارات الاستماع أحد أقوى الطرق لتحقيق ذلك.

تقول الدكتورة ليوبوميرسكي: «يعتقد الكثير منا أننا مستمعون جيدون، لكننا في الواقع ننتظر دورنا في الكلام في أغلب الأحيان». لذا، تنصح بتبني عقلية «الاستماع للتعلم». أي باختصار: حوّل تركيزك من الرد إلى الفهم.

ويكتب المؤلفان: «عندما يشعر شخص ما بأنك تُقدّره وتفهمه بعمق، يصبح أكثر استعداداً وتحفيزاً، بل وحتى شوقاً، لفعل الشيء نفسه من أجلك».

لكن إتقان فن الإنصات يتطلب ممارسة. ومن أفضل الممارسات البسيطة: عدم المقاطعة، كما تقول الدكتورة ليوبوميرسكي، وعدم تقديم النصائح إلا إذا طلبها الشخص الذي تتحدث إليه.

ركّز على علاقة واحدة في كل مرة

بدلاً من محاولة تغيير طريقة تعاملك مع كل شخص في حياتك، تنصح الدكتورة ليوبوميرسكي باختيار شخص واحد ترغب في أن تشعر بمزيد من الحب منه، والبدء به. قد يكون شخصاً تربطك به علاقة وثيقة بالفعل، كشريك حياتك أو أحد والديك، كما قالت. أو قد يكون زميلاً في العمل ترغب في التعرّف عليه بشكل أفضل.

يؤكد المؤلفان أن العلاقات العاطفية ليست المصدر الوحيد للشعور بالحب، كما أن الشعور بالحب لا يقتصر على عدد قليل من العلاقات الوثيقة.

بمجرد تحديد الشخص الذي ترغب في تعزيز علاقتك به، ضع خطة لتحدّي نفسك: خلال الأسبوع المقبل مثلاً، أجرِ 3 محادثات مع هذا الشخص، واحرص على إظهار فضول (حب اطلاع) حقيقي، كما أوصت الدكتورة ليوبوميرسكي.

ويعتقد المؤلفان أن منح الحب وتلقّيه يعملان معاً كالميزان: فأنت ترفع الشخص الآخر بثقل فضولك واهتمامك، وهو بدوره يفعل الشيء نفسه.

قال الدكتور ريس: «الطرف الآخر مهم للغاية أيضاً. أن تشارك ما يهمك، وأن تشارك ما يقلقك، حتى يصبح الأمر تفاعلاً متبادلاً». وأضاف أن المعاملة بالمثل ليست مضمونة، لكنها عرف اجتماعي قوي. لدينا ميلٌ للردّ بلطف وعناية على من يُظهرون لنا ذلك.

اعرف متى تتوقف

بالطبع، أحياناً تبذل قصارى جهدك للاستماع والانفتاح، ولا يُبادلك الطرف الآخر أي شيء. إذا كان هذا هو الحال - أو إذا كنت تجد صعوبة في إظهار فضول حقيقي - فهذه علامات على أن هذه ليست العلاقة المناسبة التي تستحق بذل الكثير من الجهد والطاقة فيها.

قالت الدكتورة ليوبوميرسكي: «أحياناً نختار الشخص الخطأ الذي نرغب في أن نشعر بمزيد من الحب منه».

فكّر في أسئلة مثل: هل يبدو أن هذا الشخص يفهمني على مستوى ما، أو على الأقل يُظهر اهتماماً بذلك؟ عندما شاركتهُ معاناتي أو نقائصي، هل أبدى فضولاً واستمع بحماس؟

الشعور بالحب ليس أمراً خارجاً عن سيطرتك

في النهاية، تأمل الدكتورة ليوبوميرسكي أن يشعر الناس بالقوة من خلال رسالة مفادها أنهم إذا أحسنوا الاختيار - وركزوا على أسلوبهم في الحوار - فسيبدأون بالشعور بمزيد من الحب، وبالتالي السعادة، في طريقهم إليهم.

ويؤكد المؤلفان أن «الشعور بالحب ليس أمراً خارجاً عن سيطرتك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»