طلاب الجامعات والذكاء الاصطناعي: أداة المستقبل.. أم رأس الأخطاء القاتلة؟

أكثر من 80 % منهم يستخدمونه في الدراسة

طلاب الجامعات والذكاء الاصطناعي: أداة المستقبل.. أم رأس الأخطاء القاتلة؟
TT

طلاب الجامعات والذكاء الاصطناعي: أداة المستقبل.. أم رأس الأخطاء القاتلة؟

طلاب الجامعات والذكاء الاصطناعي: أداة المستقبل.. أم رأس الأخطاء القاتلة؟

بالنسبة لكثير من طلاب الجامعات، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية.

مع ذلك، يُمثل التبني اليومي الواسع النطاق لأدواته تناقضاً صارخاً مع ما كان عليه الحال قبل عامين: فعندما طرحت «أوبن إيه آي» روبوت الدردشة الخاص بها للجمهور لأول مرة في عام 2022، أثارت فكرة الذكاء الاصطناعي في البيئات المدرسية جدلاً حاداً حول كيفية استخدام هذه التكنولوجيا في الفصول الدراسية، إنْ استخدمت أصلاً... ولكن وبعد ثلاث سنوات فقط، انتشر استخدامها بسرعة، كما كتبت ماريا خوسيه غوتيريز تشافيز (*).

80 - 90 % من الطلاب يستخدمونه يومياً

أظهرت دراسة وطنية حديثة أجرتها شركة «غرامرلي» Grammarly أن 87 في المائة من طلاب التعليم العالي يستخدمون الذكاء الاصطناعي في دراستهم، و90 في المائة يستخدمونه في حياتهم اليومية، حيث يقضون 10 ساعات أسبوعياً في المتوسط، بينما توصلت دراسة أخرى أجراها مجلس التعليم الرقمي إلى نتائج مماثلة، حيث وجدت أن 86 في المائة من الطلاب حول العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

ومع ذلك، لا تزال الكليات لا تطبق معايير موحدة لما يُعدُّ استخداماً مقبولاً للذكاء الاصطناعي وما يُعدّ محظوراً. وفي مختلف التخصصات والجامعات في الولايات المتحدة، اكتشفت «غرامرلي» أيضاً أنه بينما يقول 78 في المائة من الطلاب إن مدارسهم لديها سياسة للذكاء الاصطناعي، يقول 32 في المائة إن هذه السياسة هي عدم استخدامه. وأعرب ما يقرب من 46 في المائة من الطلاب عن قلقهم من الوقوع في مشاكل بسبب استخدامهم الذكاء الاصطناعي.

قلق طلابي مشروع

على سبيل المثال، قد يكون استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل المواضيع المعقدة التي تُناقش في الفصل الدراسي أمراً مقبولاً بشكل عام، لكن استخدام «تشات جي بي تي» لتحرير مقال قد يثير بعض التساؤلات.

المهارة الأكثر طلباً

في هذه الأثناء، وبينما يتفاعل الطلاب مع العالم الحقيقي ويدرسون خياراتهم المهنية، يشعرون بأنهم سيتخلفون عن الركب إذا لم يطوّروا خبرتهم في الذكاء الاصطناعي، خاصةً مع إتمامهم فترات التدريب، حيث يُقال لهم ذلك وجهاً لوجه. وقد وُصفت معرفة الذكاء الاصطناعي بأنها المهارة الأكثر طلباً للعاملين في عام 2025.

وهذا ما يُثير مشاعر متضاربة بين طلاب الجامعات، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين محاولة اتباع مجموعتين مختلفتين من القواعد في آنٍ واحد.

استطلاع آراء طلاب الجامعات

لفهم مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على حياة الشباب؛ تواصلت شركة «فاست كومباني» مع طلاب جامعيين في جميع أنحاء البلاد لمعرفة كيفية تعاملهم مع هذه المتطلبات المتضاربة. وقد وجدنا أنه مع استمرار تطور التكنولوجيا الجديدة، فإنها تحفر مكاناً لها في حياة طلاب الجامعات - سواءً شاء الكبار (أو الطلاب أنفسهم) ذلك أم أبوا.

وفي هذا المقال المتميز، ستتعرف على:

الطرق الإبداعية التي يدمج بها طلاب الجيل «زد» الذكاء الاصطناعي في حياتهم ليصبحوا بارعين فيه، حتى لو لم يتمكنوا من استخدامه في دراساتهم. والجيل زد (Generation Z) هم الأفراد الذين وُلدوا بين منتصف التسعينات وأوائل العقد الثاني من الألفية، وعادةً ما يمتد تاريخ ميلادهم بين عامي 1997 و2012. ويتميز هذا الجيل بكونه الجيل الرقمي الأصلي.

• لماذا بدأت شعبية الذكاء الاصطناعي بصفته مساعدَ برمجة تُغير نظرة الجامعات إليه في الصفوف الدراسية؟

• كيف يُحقق الطلاب الحاليون والجدد التوازن بين أساليب التعليم التقليدية والحديثة؟

رفيق يومي

استخدام الطلاب «تشات جي بي تي»:

- مات كوبر، لاعب جامعة ولاية أوهايو، اكتشف طرقاً جديدة لدمج التكنولوجيا في حياته. يقول: «لقد ساعده الذكاء الاصطناعي بشكل لا بأس به، بطرق لا يتوقعها الناس عادةً»... من إنشاء نوتات موسيقية، إلى مساعدته في حفظ السلالم الموسيقية الكبرى وقراءة المفاتيح، أصبح «جي بي تي» مدربه الافتراضي الموثوق. يقول: «في غضون 20 ثانية، يمكنه إنشاء نوتة موسيقية كاملة للتدرب على أي مستوى صعوبة»، وعلاوة على ذلك، يقوم روبوت الدردشة بكل ذلك مجاناً.

- كايتلين كونواي، طالبة في السنة الأخيرة بجامعة لويولا ماريماونت في لوس أنجليس، عادت إلى الجامعة بعد فترة تدريب بدوام كامل في مجال التسويق، وجدت أن الحياة الجامعية أشبه بصدمة ثقافية عكسية بعد خروجها من سوق العمل. لكنها وجدت روبوتات الدردشة سهلة الاستخدام مثل «جي بي تي» مفيدة في إضافة المزيد من التنظيم لأيامها. تقول كونواي: «أستخدمه لإنشاء جدول زمني. على سبيل المثال: (أريد هذا القدر من الوقت للدراسة، ولأداء واجباتي المدرسية، وحضور حصة يوغا)، وسيُخرج لي جدولاً زمنياً سهلاً لأتبعه».

- مليحة محمود، طالبة في السنة الأخيرة في إدارة الأعمال والإعلان بجامعة فلوريدا، تستخدم الذكاء الاصطناعي لتبسيط المهام اليومية خارج الفصل الدراسي. تطلب من «جي بي تي» إعداد سلسلة من الوصفات باستخدام المكونات المتبقية في ثلاجتها (بدلاً من الاعتماد على الوجبات سريعة التحضير كما فعلت أجيال من طلاب الجامعات قبلها). أما في المدرسة، فتعتمد مليحة على الذكاء الاصطناعي بصفته معلمة خاصة، مستعدة للإجابة عن الأسئلة في أي وقت. تقول: «أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يُبسّط لي مفهوماً ما كما لو كان يتحدث إلى طالب في المرحلة الإعدادية لفهمه بشكل أفضل».

أدوات «غوغل» و«مايكروسوفت»

• استخدام «غوغل نوتبوك» الذكي. كما ذكر كثير من الطلاب أداة Google Notebook LM، وهي أداة ذكاء اصطناعي تساعد في تحليل المصادر التي تُحمّلها، بدلاً من البحث على الإنترنت عن إجابات. يمكن للطلاب تحميل ملاحظاتهم وقراءاتهم المطلوبة ومذكراتهم على المنصة، وطلب من «نوتبوك إل إم» إنشاء ملخصات صوتية مخصصة بأصوات بشرية.

ومع ذلك، غالباً ما كانت اداة الذكاء الاصطناعي تُدرّس خارج الفصول الدراسية، في بيئة العمل. يقول كثير من الطلاب إنه لم يُسمح لهم باستخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل شُجِّعوا على استخدامه خلال فترة تدريبهم. وتقول أنيكا تشاكرافارتي، طالبة في السنة الأخيرة بجامعة نيويورك، إنها شعرت في أول تدريب لها في شركة علاقات عامة متخصصة في التكنولوجيا، بأنه «لكي تكون شخصاً ناجحاً، عليك أن تُتقن الذكاء الاصطناعي؛ لذا هناك توتر في هذا الجانب أيضاً».

وتتفق مليحة محمود مع تجربة تشاكرافارتي. وتقول: «خلال فترة تدريبي، شُجِّعت على استخدام الذكاء الاصطناعي». «في البداية، ظننت أنه بديل، أو أنه لا يسمح لنا بالتفكير النقدي. (لكن) كان موفراً للوقت بشكل كبير».

استخدام «مايكروسوفت كوبايلوت». استخدمت مليحة محمود برنامج Copilot من «مايكروسوفت» لنسخ الاجتماعات تلقائياً، وتدوين الملاحظات، وإرسالها إلى المشاركين - وهي مهام كان المتدربون يقومون بها يدوياً في الماضي. كل هذا بعيد كل البعد عن الطريقة التي رُوِّض بها طلاب الجامعات للنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه سبباً محتملاً للطرد.

ماضٍ وحاضرٍ متقلبان

نشأ جيل الجامعات اليوم على قلق الانتحال. كان عالمهم قبل اختبار «جي بي تي» يتضمن إعادة التحقق من الاستشهادات واللجوء إلى برامج التحقق من الانتحال عبر الإنترنت.

يقول غرانت دوترو، خريج الاقتصاد والاتصالات حديثاً من كلية ويتون في إلينوي: «كنت أقول لنفسي: (لا أريد التطرق لهذا؛ لأنني لا أريد أن أُتهم يوماً بالانتحال). بالتأكيد، قد يُنظر إليه على أنه أمر محظور للغاية».

على الرغم من أن أكثر من نصف الطلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل روتيني الآن، فإنه لم يكن دائماً موضع ترحيب - خاصة للطلاب الذين بدأوا دراستهم الجامعية دون استخدام الذكاء الاصطناعي. أعرب معظم الطلاب الذين تمت مقابلتهم عن ترددهم في البداية تجاه الذكاء الاصطناعي؛ بسبب ذلك الخوف المعروف من التعرض للانتحال.

لعقود، أُخبر الطلاب أنهم قد يواجهون عواقب وخيمة عند استخدامهم الإنترنت لتنزيل مقالات جاهزة، أو نسخ مواد من كتب أو مدونات، وغيرها. ومع تقدم التكنولوجيا، ازدادت فرص الانتحال، لا سيما مع ظهور خدمات مثل TurnItIn، التي تُحدّد المصادر المنسوخة وغير المُستشهد بها في المقالات.

على الرغم من أن الكليات تمكنت من اللحاق بوضع الإرشادات المناسبة، فإن السياسات غالباً ما تكون مُقيدة أو غير واضحة أو متروكة للمدرسين. بالنسبة لكثير من المعلمين، فإن سياسات الذكاء الاصطناعي في فصولهم الدراسية ليست شاملة؛ ما يُربك الطلاب وقد يُوقعهم في مشاكل عن غير قصد.

وبالنسبة للطلاب الذين تعتمد سياستهم على أساس كل مُدرّس على حدة، قد يعني هذا أحياناً أن الطلاب الذين يدرسون المقرر الدراسي نفسه، ولكن مع أساتذة مختلفين، قد تكون لديهم تجارب مختلفة تماماً مع الذكاء الاصطناعي، على الأقل في الفصل الدراسي.

غموض السياسات الدراسية

تقول جيني ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في «غرامرلي»: من غير المفهوم أخلاقياً بالنسبة لي ألا تُولي مؤسسة كبيرة اهتماماً بالغاً لتحديد سياساتها، والتأكد من اتساقها داخل الأقسام». وأضافت: «نظراً لعدم وضوح المؤسسة بشأن سياستها؛ فإن طلابها يتضررون بسبب هذا النقص في التواصل».

في حين يبدو أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس يتراجع تدريجياً بين الطلاب، فإنه يتراجع بالتأكيد في بيئة العمل. قال بعض الطلاب الذين أكملوا تدريباً عملياً أخيراً إنه لم يُسمح لهم باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل فحسب، بل شُجِّعوا على ذلك أيضاً (وبالفعل، يُوصي الخبراء الخريجين الجدد بتطوير مهاراتهم في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما يقول واحد من كل ثلاثة مديرين إنهم سيرفضون توظيف مرشحين لا يمتلكون مهارات الذكاء الاصطناعي).

طريقة جديدة للتعلم

إن الرسائل المتضاربة حول أن «الذكاء الاصطناعي يُوقعك في المشاكل» وأن «الذكاء الاصطناعي هو المستقبل» تُعقّد وجود التكنولوجيا في حياة طلاب الجامعات، سواءً في الصف الدراسي أو خلال التدريب أو في السكن الجامعي. ولكن بالنسبة للكثيرين، تُغيّر هذه التكنولوجيا ببساطة شكل التعلم.

على سبيل المثال، ربما كان إطار تقييم نجاح الطلاب يعتمد على المقالات في الماضي. ولكن اليوم، قد يكون من الأنسب تقييم كلٍّ من المقالة وعملية الكتابة باستخدام التكنولوجيا، كما تقول ماكسويل.

أما الكثير من الطلاب فيقولون إن المعايير تتغير لقياس تعلمهم بالفعل. وأوضحت كلير شو، طالبة الهندسة السابقة في جامعة تورنتو التي تخرجت عام 2024، أنها عندما بدأت دراستها الجامعية، تعلمت أساسيات البرمجة في الوقت نفسه الذي أثار فيه الذكاء الاصطناعي اهتمام أساتذتها. تعلمت بالطريقة «التقليدية» بينما شجعها بعض معلميها على تجربة التقنيات الحديثة. ومع ذلك، لم تبدأ شو باستخدام الذكاء الاصطناعي في المدرسة إلا في عامها الرابع. الآن، تعتقد أنه يمكن تحقيق التوازن بين المدرسة القديمة والمدرسة الحديثة. تقول شو: «يُسمح لك باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؛ لذا فقد تم رفع مستوى هذا النوع من مهام البرمجة». يشير هذا إلى تحول كبير: في الأوساط الأكاديمية، حيث كان الذكاء الاصطناعي (وفي كثير من الحالات، لا يزال) محظوراً، يتم تبنيه أيضاً، حتى في الصف الدراسي.

تعلم المهارات الأساسية... قبل الذكاء الاصطناعي

ولكن الآن بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي أداة متوقعة، فقد زادت صعوبة مهام البرمجة، كما تقول؛ ما أدى إلى مشاريع أكثر تقدماً في مرحلة مبكرة من حياة الطالب المهنية. وبينما قد يكون هذا مثيراً، ويمثل تحضيراً رائعاً للمستقبل، لا تزال شو تُسلّط الضوء على ضرورة فهم الأساسيات - المهارات التي تتعلمها بنفسك دون مساعدة الذكاء الاصطناعي - قبل الاندفاع. وأوضحت قائلةً: «هناك لحظات معينة لا نزال نحتاج فيها إلى اختبار المهارات الأولية لشخص ما من خلال إعداد بيئات لا تتوفر فيها أدوات الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى الامتحانات الشخصية التي لا تتوفر فيها أدوات الذكاء الاصطناعي.

تخيل الأمر كما لو كنت تتعلم قيادة السيارة ذات ناقل الحركة اليدوي، بينما توجد السيارات الأوتوماتيكية - فدمج الذكاء الاصطناعي مع أساليب التدريس التقليدية قد يُنشئ تعليماً أكثر شمولية. وبالمثل، بالنسبة لطلاب العلوم الإنسانية، يقوم بعض المدربين بتدوين ملاحظات من الكتب القديمة لقياس هذه «المهارات الأولية»، مثل المناظرة والتواصل والتفكير النقدي أو كتابة نصوص بخط اليد.

يعلم طلاب الجامعات أن الذكاء الاصطناعي لن يختفي. على الرغم من أن الجميع - طلاباً ومعلمين ومدارس ومديرين - لا يزالون يتعثرون في طريقهم نحو تبنيه، فإن بعض جوانب تجربة الدراسة الجامعية قد لا تُنسى.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات«تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

خاص يُعد التنبؤ بالطلب باستخدام تعلم الآلة أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في سلاسل الإمداد وتستخدمه 45 % من المؤسسات (أدوبي)

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

يكشف توسع الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد عن أن المرونة تعتمد على تكامل الأنظمة والبيانات، وتحويل التوصيات إلى قرارات تشغيلية سريعة.

نسيم رمضان (لندن)
العالم استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

مزيج أمثل من المنصات الجوية الحربية من النظم الذاتية والمأهولة منخفضة التكلفة

باتريك تاكر (واشنطن)
تكنولوجيا تعتمد «أنثروبيك» على بصمة نصية خفية تُنشأ في أثناء التوليد عبر أنماط إحصائية في اختيار الكلمات وليست علامة مرئية داخل النص ( أدوبي)

كيف تعمل البصمة النصية في «Claude»... ومتى يمكن أن تختفي؟

تزداد قابلية اكتشاف البصمة في النصوص الأطول، في حين تكون الإشارة أضعف في المقاطع القصيرة أو المحتوى الذي يفرض صياغات محددة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

خاص الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد رقاقة إلكترونية معروضة في جناح شركة «إس كيه هاينكس» في غوانغجو بكوريا الجنوبية (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تعلن أكبر عملية لإعادة شراء أسهمها بـ28.9 مليار دولار

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، إحدى أبرز شركات صناعة الرقائق في كوريا الجنوبية، الأربعاء، أنها ستعيد شراء أسهم بقيمة قياسية تبلغ 40 تريليون وون.

«الشرق الأوسط» (سيول)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».