اختراق علمي يوضح كيف يُسرّع «فيروس إبشتاين-بار» نمو سرطان البلعوم الأنفي

يتلاعب بالجينوم البشري

اختراق علمي يوضح كيف يُسرّع «فيروس إبشتاين-بار» نمو سرطان البلعوم الأنفي
TT

اختراق علمي يوضح كيف يُسرّع «فيروس إبشتاين-بار» نمو سرطان البلعوم الأنفي

اختراق علمي يوضح كيف يُسرّع «فيروس إبشتاين-بار» نمو سرطان البلعوم الأنفي

اكتشف باحثون من جامعة هونغ كونغ طريقةً مُدهشةً يُمكن من خلالها لفيروس إبشتاين-بار (EBV)، وهو فيروس يحمله معظم الناس، أن يُسبب سرطان البلعوم الأنفي أي المنطقة خلف الأنف. وكشفت الدراسة كيف يُعيد فيروس إبشتاين-بار تشكيل البنية ثلاثية الأبعاد للجينوم البشري داخل الخلايا السرطانية، في اختراق قد يُقدم أملاً جديداً للعلاجات المُستهدفة.

فيروس إبشتاين-بار تهديد خفي

يُصيب فيروس إبشتاين-بار أكثر من 95 بالمائة من البالغين حول العالم، وغالباً خلال فترة الطفولة، أو المراهقة، وعادةً ما يُسبب أعراضاً خفيفة، أو معدومة. ويُعرف أيضاً باسم فيروس الهربس البشري، وهو أحد أنواع فيروسات الهربس البشري التسعة الأكثر شيوعاً بين البشر.

ومع ذلك، يرتبط الفيروس ارتباطاً وثيقاً بسرطان البلعوم الأنفي البلعومي (NPC) nasopharyngeal carcinoma، وهو سرطان شائع بشكل خاص في جنوب الصين. ويُمكن للعلاجات التقليدية -بما في ذلك العلاج الإشعاعي، والعلاج الكيميائي- السيطرة على المرض. لكن انتشار السرطان لا يزال يُمثل تحدياً كبيراً، حيث يُصاب نحو 7 إلى 20 في المائه من المرضى بالورم الخبيث، ما يُقلل بشكل كبير من معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات من 80-90 في المائه إلى 20-30 في المائه فقط.

وعلى عكس الفيروسات التي تُدخل نفسها في الحمض النووي، يطفو فيروس إبشتاين-بار داخل النواة على أنه حمض نووي خارج الكروموسومات، مُنتجاً عدداً قليلاً من البروتينات، مثل EBNA1، وهو ما يسمح له بالبقاء مختبئاً عن الجهاز المناعي، مع التأثير بشكل طفيف على سلوك الخلية.

ربط الجينوم

واكتشف فريق هونغ كونغ، في الدراسة المنشورة في مجلة «Nature Communications» في 4 أغسطس (آب) 2025 باستخدام تقنيات جينومية متقدمة، أن فيروس إبشتاين-بار «يلتصق» بالحمض النووي البشري، ويُعيد تنظيم بنيته ثلاثية الأبعاد، ما يؤثر على «المفاتيح» الخلوية التي تتحكم في النمو، والتهرب المناعي. ويساعد هذا التعديل الدقيق للجينوم فيروس إبشتاين-بار على البقاء على قيد الحياة، ويُحفز تطور الورم.

ومن خلال تحليل عينات أورام من 177 مريضاً في هونغ كونغ وكوانغتشو حدد الباحثون برئاسة ديتمان لاي شون تشونغ، من قسم الأورام السريرية بمركز طب السرطان في كلية الطب السريري جامعة هونغ كونغ، مجموعة من الجينات البشرية الرئيسة التي يُنظمها فيروس إبشتاين-بار، والمعروفة باسم علامات التوقيع الجينومي genomic signature markers، حيث تُمكّن هذه الجينات الخلايا السرطانية من التهرب من الجهاز المناعي، والانتشار بسهولة أكبر، مما يُفسر سبب انتشار بعض الأورام بشكل أسرع من غيرها.

استهداف علاجي لفيروس إبشتاين-بار

يُعد الانتشار الخبيث السبب الرئيس للوفاة لدى مرضى البلعوم الأنفي البلعومي. ورغم فعالية العلاجات الحالية في المراحل المبكرة، فإنها غالباً ما تفشل في حالات الانتشار الخبيث، كما أنها تحمل آثاراً جانبية كبيرة.

وصرح البروفسور داي وي، من قسم الأورام السريرية بجامعة هونغ كونغ، بأن فيروس إبشتاين-بار ليس مجرد راكب سلبي، إذ إنه يُحفز السرطان بنشاط من خلال الارتباط بالجينوم، و«اختطاف» الأنظمة الخلوية.

وقد استخدم الفريق أدويةً وراثيةً، وأدوات تحرير الجينات بتقنية كريسبر (CRISPR) لتعطيل «التصاق» فيروس إبشتاين-بار بالجينوم. وقد أدى هذا النهج إلى تقليل النشاط الفيروسي، وإبطاء نمو الورم في النماذج المعملية، مما يُظهر طريقاً واعداً للعلاج.

وببساطة، يمكن للأطباء استخدام معلومات عن الجينات التي يؤثر عليها فيروس إبشتاين-بار لمعرفة المرضى الأكثر عرضة لانتشار السرطان بسرعة. ومن ثم وضع خطة علاج خاصة بكل مريض، بهدف منع السرطان من الانتشار قبل أن يتفاقم.

التطلع إلى المستقبل

يخطط الباحثون لمواصلة البحث في الخطوات الدقيقة التي يتلاعب بها فيروس إبشتاين-بار بالجينوم، بهدف تطوير علاجات توقف سرطان البلعوم الأنفي البلعومي من جذوره. يُبرز هذا الاكتشاف كيف يُمكن لفيروس شائع أن يلعب دوراً فعالاً في تطور السرطان، ويفتح الباب أمام علاجات تستهدف الفيروس نفسه بدلاً من الورم فقط.


مقالات ذات صلة

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

علوم تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

بقياس مستويات مؤشر حيوي في الدم إلى جانب الكشف عن متغير جيني عالي الخطورة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم أسرار وراثية جديدة وراء سرطاني الثدي والمبيض

أسرار وراثية جديدة وراء سرطاني الثدي والمبيض

تفسّر حالات ظلت أسبابها مجهولة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

ينشئ مسارات اتصال جاهزة مسبقاً بحيث تصبح الجينات المطلوبة مستعدة للعمل بسرعة وفي التوقيت المناسب عند الحاجة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

كشفت دراسة دولية جديدة عن سبب وراثي لم يكن معروفاً من قبل وراء مجموعة نادرة من الاضطرابات النمائية.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

تعطيل الآلاف منها واحداً تلو الآخر في الخلايا التائية البشرية لمراقبة تأثير كل جين على الخلية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟
TT

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

اعتُبر، في لغة شركات التكنولوجيا، «مستخدماً مكثفاً» لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي»، و«كلود». ولكن ما مدى استخدامي لهذه الأدوات؟ لنقلها بعبارة أخرى: إذا تعطل «تشات جي بي تي» لبضع ساعات، تتوقف إنتاجيتي تماماً، وأجد نفسي واقفاً بلا هدف في فناء منزلي، ولا أتمكن من إنجاز أي عمل ذي قيمة.

بين الدردشة والعمل

تعمل شركة «أوبن إيه آي» باستمرار على تعديل واجهة «تشات جي بي تي»، لكن أحد التغييرات الأخيرة كان له تأثير كبير بشكل خاص؛ إذ تطلب الشركة الآن من المستخدمين الاختيار بين وضعي «المحادثة، أو الدردشة» (Chat) و«العمل» (Work) عند استخدام النسخ المدفوعة من الروبوت. وقد يؤدي اختيار الإعداد الخاطئ إلى عرقلة مشروع بأكمله، أو على الأقل حرمانك من بعض أقوى وظائف «تشات جي بي تي».

ما هي الفروق بين الوظيفتين؟

بصفتي مستخدماً مكثفاً (وربما أصبحت مدمناً) لـ«تشات جي بي تي»، يمكنني توضيح الفروق بين وضعي «الدردشة» و«العمل»، واستعراض أفضل الطرق التي وجدتها للاختيار بينهما.

* وضع «الدردشة» - «شخصية إبداعية» مخصصة للمعلومات. صُمم وضع «الدردشة» في «تشات جي بي تي» للحالات التي تحتاج فيها إلى معلومات. عند اختيار هذا الوضع يتحول الروبوت إلى نمط المحادثة، ما يجعله مثالياً لمهام مثل البحث، والعصف الذهني.

في وضع «الدردشة»، يميل الروبوت إلى أن يكون أكثر تعاوناً، وودية؛ فهو موجود للعمل جنباً إلى جنب معك، أو ربما للإجابة عن أسئلتك الملحة، مثل: هل يُسمح باستخدام الهواتف أثناء أداء واجب هيئة المحلفين؟ أو هل دخل حيوان الراكون في المرأب الخاص بي؟ (وهما سؤالان حقيقيان طرحتهما مؤخراً على وضع الدردشة).

ولهذا الغرض يميل «تشات جي بي تي» في وضع «الدردشة» إلى توجيهك نحو المصادر والمعلومات بدلاً من إنجاز المهام نيابةً عنك.

ومن الناحية التقنية (خلف الكواليس)، غالباً ما يستخدم وضع «الدردشة» إصدارات أقل قوة قليلاً من نماذج «أوبن إيه آي» الأكثر تطوراً (نماذج الحدود القصوى للقدرات). وهذا يعني أن وضع «الدردشة» سيستهلك عادةً حصص الاستخدام الخاصة بك بوتيرة أبطأ مقارنة بوضع «العمل (Work)»، كما أنه يستجيب -على الأرجح- بشكل أسرع للاستفسارات التي لا تتطلب تفكيراً عميقاً؛ إذ لا أحد يرغب في الانتظار سبع دقائق للحصول على رد عند طرح سؤال بسيط.

ومن المؤشرات التقنية البارزة حقيقة أن «تشات جي بي تي» يُدرج ما يُعرف بمعلمات «UTM» (وهي وسوم لتتبع المصدر) ضمن الروابط الصادرة التي يعرضها في وضع الدردشة. وتساعد هذه البيانات التتبعية غير المرئية مواقع الطرف الثالث على معرفة متى يتلقون زيارة (نقرة) من مستخدم للبوت.

ويشير إدراج هذه المعلمات إلى أن «أوبن إيه آي» تتوقع منك -في وضع الدردشة- العثور على شيء مفيد، ثم النقر للانتقال إلى الموقع، واتخاذ إجراء بنفسك.

وضع العمل - الزميل المتأني في المكتب

*وضع «العمل» مخصص لإنجاز المهام. على النقيض من وضع الدردشة، فإن وضع «العمل» في «تشات جي بي تي» مخصص لإنجاز مهام محددة بالفعل.

وعند التبديل إلى وضع العمل تصبح الأداة أكثر جدية، ومباشرة في أسلوبها (بما يشبه بيئة الأعمال)، وأقل ودية ولطفاً في التفاعل. كما تصبح أكثر كفاءة في تحويل طلباتك إلى مخرجات محددة، ومنتجات نهائية.

مثلاً، إذا زودت «تشات جي بي تي» ببيانات من قناتك على «يوتيوب» في وضع الدردشة، فإنه سيتبادل معك الأفكار، ويقترح عليك أفكاراً جديدة لمقاطع الفيديو. أما إذا قدمت له البيانات نفسها في وضع العمل، فسيُعد لك تقريراً بصيغة «بي دي إف» يحلل مقاطع الفيديو الأفضل أداءً لديك، مدعوماً برسوم بيانية ذات طابع رسمي، وعناوين عملية، ومباشرة، مثل «تدقيق الأداء الشهري للمحتوى».

يحوّل وضع الدردشة «تشات جي بي تي» إلى «شخصية مبدعة» تطرح أفكاراً رائعة دون القيام بالكثير من العمل الفعلي. في المقابل، يحوّله وضع العمل إلى ذلك الزميل «المتأني» الهادئ في المكتب، والمنهمك دائماً في جداول بيانات «إكسيل»، والذي ينجز المهام المطلوبة منه بدقة، وموثوقية تامة.

منصة ذكية ذاتية العمل

باختصار، يحوّل وضع العمل «تشات جي بي تي» إلى ما يشبه منصة ذكاء اصطناعي ذاتية العمل (أو «وكيل ذكي» قادر على تنفيذ المهام). وفي هذا الوضع، عادةً ما يستغرق البوت وقتاً أطول في التفكير قبل تقديم الرد، كما يسهل عليه الحفاظ على تركيزه في المهمة الحالية.

إذا كنت تبحث عن أفكار لأنواع جديدة من المعجنات لبيعها في مخبزك (هل جربت نكهة الفستق؟)، فإن «وضع الدردشة» هو الخيار الأفضل. أما إذا كنت ترغب في كتابة أمر لشراء الدقيق، أو البدء مبكراً في تقدير ضرائبك، فإن «وضع العمل» يلبي احتياجاتك.

كيف أحدد خياري

عندما أجلس لاستخدام «تشات جي بي تي»، أسأل نفسي أولاً عما أريد تحقيقه من هذه الجلسة. هل أبحث عن معلومات، مثل إجابة عن سؤال محدد، أو قائمة من الأفكار؟ أم أنني أتطلع للحصول على شيء ملموس، مثل جدول بيانات، أو رسم بياني قابل للتنزيل، أو تقرير بصيغة «بي دي إف» يمكنني طباعته وقراءته أثناء ركوب القطار؟

إذا كان الأمر يتعلق بالخيار الأول، فأنا أختار «الدردشة». أما للخيار الثاني، فأنا أستخدم «العمل». كما أختار «الدردشة» أيضاً إذا أردت أن يكون أسلوب «تشات جي بي تي» أكثر وديةً، فبالنسبة للاستفسارات الشخصية يُعد هذا الخيار هو الأفضل دائماً تقريباً.

رغم أن التفكير في نواياك قبل بدء كل جلسة ذكاء اصطناعي قد يكون مملاً، فإنّ التوقف للحظة لاختيار وضع «تشات جي بي تي» المناسب سيجعل وقتك مع الروبوت أكثر فائدة وكفاءة. احصل على نتيجة أفضل، وستقل احتمالية استهلاك رصيدك بلا داعٍ، أو إضاعة وقتك في انتظار ردٍّ مطوّل.

* مجلة «فاست كومباني»


«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
TT

«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى

كم يستغرق حديث الطبيب من الوقت المخصص للاستشارة؟ وكم يترك للمريض كي يتحدث؟ وهل يعي طبيعة الأسئلة التي يطرحها، أو يلحظ متى ينتقل من الإصغاء إلى المريض إلى اقتراح العلاج؟

قد تبدو هذه التفاصيل جزءاً من المهارات الإنسانية التي يصعب قياسها، لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل إلى هذه المساحة الدقيقة من العلاقة بين الطبيب والمريض، لا ليقرر ما ينبغي للطبيب أن يقوله، وإنما ليجعله أكثر وعياً بكيفية تواصله.

هذا ما اختبرته دراسة بريطانية حديثة حول منصة رقمية تسمى «كلينيتوك» «Clinitalk»، نُشرت في 16 سبتمبر (أيلول) 2026 في مجلة «التعليم للرعاية الأولية» (Education for Primary Care)، وهي مجلة علمية متخصصة في تعليم الرعاية الصحية الأولية.

وحللت الدراسة، التي حملت عنوان «Clinitalk: تقييم منصة إلكترونية لدعم تطوير مهارات الاستشارة الطبية لدى أطباء الممارسة العامة المتدربين في المملكة المتحدة»، أكثر من 13 ألف استشارة مسجّلة، بعد إزالة المعلومات التي تكشف عن هوية المشاركين، أجراها أطباء متدربون في الممارسة العامة في مختلف أنحاء بريطانيا.

المنصة تسجّل الاستشارات وتحلّلها وتقدّم ملاحظات فردية تساعد الأطباء المتدربين على تطوير مهارات التواصل

مرآة رقمية للطبيب

قال البروفسور أنور علي خان، أستاذ التعليم الطبي في الرعاية الأولية بجامعة شرق لندن (University of East London)، والمدير الطبي للاعتماد الدولي في الكلية الملكية البريطانية للممارسين العامين (Royal College of General Practitioners – RCGP)، لـ«الشرق الأوسط» إن التواصل أثناء الاستشارة يجري غالباً بصورة تلقائية؛ فقد لا ينتبه الطبيب إلى مقدار الوقت الذي يستأثر فيه بالحديث، أو طبيعة الأسئلة التي يطرحها، أو سرعة انتقاله إلى مناقشة العلاج، أو ما إذا كان قد أتاح للمريض مساحة كافية للتعبير عما يهمه فعلاً.

وهنا، في رأيه، تكمن القيمة المحتملة للذكاء الاصطناعي: ليس في إخبار الطبيب بما ينبغي أن يقوله، وإنما في إظهار أنماط تواصله بوضوح أمامه.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن متوسط حصة الطبيب من وقت الحديث انخفض، مع استمرار استخدام المنصة، من 66.7 في المائة إلى 48.9 في المائة. وبدأت مناقشة الخطة العلاجية أبكر بنحو 1.1 دقيقة في المتوسط، في حين ارتبط استخدام الأسئلة المفتوحة بصورة أكبر مقارنة بالمغلقة بانخفاض حصة الطبيب من الحديث وتحسّن تقييمات ملاءمة الخطة العلاجية للمريض.

البروفسور أنور خان

«تعكس... ولا تملي»

لكن خان يرسم حداً واضحاً بين المساعدة والتوجيه، ويختصره بعبارة: «المرآة ينبغي أن تعكس، لا أن تملي». فلا توجد، كما يقول، «استشارة مثالية» واحدة تناسب جميع المرضى؛ فالمريض الخائف قد يحتاج إلى أسلوب يختلف عما يناسب شخصاً محدود الثقافة الصحية، في حين قد يفضّل آخر حديثاً مباشراً ومختصراً.

والهدف، بالتالي، ليس تحويل الاستشارة الطبية إلى سيناريو موحّد تصوغه الخوارزمية، وإنما مساعدة الطبيب على التواصل بوعي ومرونة أكبر.

ويشدد خان على أن استخدام هذه الأنظمة يتطلب ضمانات واضحة: أن تُستخدم ملاحظات الذكاء الاصطناعي للتطوير والتعلّم؛ وأن يظل الحكم المهني والإشراف البشري أساساً؛ مع حماية قوية للبيانات وموافقة مناسبة من المرضى والأطباء. ويضاف إلى ذلك اختبار دقتها وعدالتها عبر مختلف اللغات والثقافات والفئات السكانية، والتأكد من أن أداءها لا يخدم فئة من المرضى أو الأطباء على حساب أخرى.

وفي تقييم «Clinitalk»، بلغت نسبة التوافق بين تقييمات ممتحنين كبار من الكلية الملكية للممارسين العامين وتقييمات الذكاء الاصطناعي لسلوك الأطباء أثناء الاستشارات 96.4 في المائة من الحالات التي خضعت للمراجعة.

نتائج مهمة... ولكن بحذر

مع ذلك، يحذّر خان من تحميل النتائج أكثر مما تحتمل علمياً. فالدراسة تقييم وصفي؛ والتغيرات السلوكية المرصودة ارتبطت باستمرار استخدام المنصة، لكن هذا الارتباط لا يثبت أن «Clinitalk» كانت السبب المباشر وراءها.

وهذا تمييز مهم في وقت قد تتحول فيه النتائج الواعدة للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى عناوين تتجاوز قوة الدليل العلمي. لذا؛ تتمثل الخطوات التالية الضرورية في إجراء دراسات مضبوطة، وقياس أثر هذه الأدوات في تجربة المرضى ونتائجهم الصحية.

منصة «Clinitalk»

وماذا عن الطبيب العربي؟

هنا يبرز سؤال أقرب إلى واقعنا: هل يمكن استخدام نظام كهذا في الرياض، أو القاهرة أو بغداد أو عمّان أو رام الله؟ يرى خان أن ذلك ممكن، لكنه يحذّر من اختزال الأمر في ترجمة نظام إنجليزي إلى العربية.

فاللغة ليست سوى جانب من الاستشارة الطبية. وسيحتاج النظام إلى فهم اللهجات العربية المختلفة، والتعامل مع الانتقال المتكرر بين العربية والإنجليزية، وأحياناً الفرنسية، في بعض البيئات الصحية العربية.

لكن التحدي الأعمق ثقافي

إن دور الأسرة، والعلاقة الهرمية بين الطبيب والمريض، والفروق المرتبطة بالجنس، وفهم اتخاذ القرار المشترك، وأساليب مناقشة الموضوعات الحساسة، كلها جوانب قد تختلف من مجتمع إلى آخر. ويقول خان، وهو أيضاً عضو في المجلس الاستشاري لكلية طب جديدة يُبحث إنشاؤها في رام الله بالضفة الغربية، إنه لا ينبغي افتراض أن التعريف البريطاني لـ«الاستشارة الجيدة» قابل للنقل كما هو إلى مجتمعات أخرى.

ويرى أن تصميم أي نسخة عربية ينبغي أن يُشارك المرضى والأطباء والمتدربون ومعلّمو الطب المحليون، وأن تُقارن تقييماتها، بصورة مستقلة، بتقييمات أطباء عرب ذوي خبرة، مع اختبار موثوقيتها عبر مختلف اللهجات والبيئات السريرية وفئات المرضى.

من الترجمة إلى التحقق المحلي

وهنا تقدم الدراسة درساً يتجاوز منصة «Clinitalk» نفسها. فالذكاء الاصطناعي الطبي لا يصبح ملائماً لبيئة جديدة لمجرد فهم كلماتها؛ بل يحتاج إلى فهم سياقها، والتحقق من أدائه لدى السكان الذين سيخدمهم، وضمن لغتهم وثقافتهم وبيئتهم السريرية.

ويشير خان إلى أن فريقه يستعد لمشروع في شرق إنجلترا يدرس استخدام الأداة لدى مجموعة أوسع ستتاح لها مجاناً. وقد يساعد ذلك في استكشاف مدى تأثير دوافع المستخدمين في نتائج الدراسة المنشورة، خصوصاً أن المشاركين فيها كانوا متدربين دفعوا مقابل استخدام التطبيق.

ويرى أيضاً أن هذه التقنيات قد تتيح لعدد أكبر من الأطباء ملاحظات عالية الجودة وفرصاً منتظمة لمراجعة استشاراتهم والتأمل فيها بصورة منهجية، بدلاً من اقتصار هذه الفرص على من تتوافر لهم موارد تدريبية أكبر.

لكن التكنولوجيا لن تحدّ من عدم المساواة إذا كانت تحمل بدورها انحيازاً جديداً. ولعل هذا هو المعنى الأهم لـ«المرآة الرقمية»: أن يستعين الطبيب بالذكاء الاصطناعي ليرى نفسه بوضوح أكبر، مع احتفاظه بحكمه المهني. فالخوارزمية قد تقيس كم تحدّث الطبيب وكم أتاح للمريض أن يتحدث، لكن الإنسان يظل من يقرر لماذا يصمت، ومتى يسأل، وكيف يصغي.

وشارك في الدراسة إلى جانب البروفسور أنور علي خان كل من نيكولاس بوكس، ونيكولا تيرنر، وروجر نيبر، وبيتر سالمون، وروبن سيمبسون.


تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر
TT

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة كولومبيا الأميركية، عن إمكانية استخدام مزيج من تحليل للدم وفحص جيني للتنبؤ بموعد ظهور الأعراض الأولى لمرض ألزهايمر لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به، وذلك قبل ظهور الأعراض بنحو 3 إلى 6 سنوات.

مؤشر حيوي ومتغير جيني

تشير النتائج إلى أن قياس مستويات المؤشر الحيوي (p-tau217) في الدم، إلى جانب الكشف عن المتغير الجيني عالي الخطورة (APOE4)، قد يساعدان الأطباء مستقبلاً في تقدير موعد بدء الأعراض لدى الأشخاص الذين لا يعانون حالياً أي علامات واضحة للتدهور المعرفي، ما قد يتيح تحديد التوقيت الأنسب لبدء العلاجات الوقائية.

ونُشرت الدراسة في 9 سبتمبر (أيلول) 2026 بدورية «The Lancet Neurology»، وحللت بيانات نحو 8500 مشارك من خلفيات عرقية متنوعة. ووجد الباحثون أنه بمجرد ارتفاع مستويات «p-tau217» كان الأشخاص الذين يحملون نسخة واحدة أو أكثر من جين «APOE4»، أكثر عرضة لظهور أعراض ألزهايمر خلال 3 إلى 4 سنوات، في حين كان من يحملون متغيرات أخرى من جين «APOE» أكثر عرضة لظهور الأعراض خلال 5 إلى 6 سنوات.

وقال ريتشارد مايو، رئيس قسم طب الأعصاب في كلية فاجيلوس للأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا، وكبير أطباء الأعصاب في مركز نيويورك - بريسبتيريان - جامعة كولومبيا إيرفينغ الطبي بالولايات المتحدة، إن الجمع بين الاختبارين يُحدث فرقاً حقيقياً في القدرة على التنبؤ.

وأضاف أن هذه الطريقة قد تتيح مستقبلاً إجراء توقعات أكثر دقة بشأن موعد ظهور الأعراض لدى الأشخاص المعرضين للخطر، وتحديد الوقت المناسب لوصف الأدوية الوقائية عند توفرها.

لماذا لا يكفي تحليل مؤشر الدم وحده؟

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في اختبارات الدم التي تقيس «p-tau217»، وهو مؤشر حيوي يرتبط بالتغيرات المرضية لبروتيني الأميلويد وتاو في الدماغ. وأصبحت هذه الاختبارات تُستخدم بصورة متزايدة لمساعدة أطباء الأعصاب في تأكيد الإصابة بألزهايمر، أو استبعادها لدى كبار السن الذين يعانون فقدان الذاكرة أو التراجع المعرفي.

لكن ارتفاع مستويات «p-tau217» يمكن أن يظهر أيضاً لدى أشخاص لم تبدأ لديهم الأعراض بعد ما أثار احتمال استخدامه للكشف المبكر عن المرض. لذا وجد الباحثون أن الاعتماد على «p-tau217» وحده لا يوفر دقة كافية للتنبؤ بموعد ظهور الأعراض. لذلك بحث الفريق المشارك بالدراسة في إمكانية تحسين التوقعات من خلال الجمع بين المؤشر الحيوي والعامل الوراثي المرتبط بخطر الإصابة.

وركزت الدراسة على «APOE4» الذي يُعدّ أقوى عامل وراثي شائع مرتبط بزيادة خطر الإصابة بألزهايمر، ويحمل نحو شخص واحد من كل 5 أشخاص، نسخة واحدة على الأقل منه.

التدخل العلاجي المبكر

هل يمكن أن تساعد النتائج في توقيت العلاج؟ قد تصبح هذه النتائج أكثر أهمية مع انتقال علاجات ألزهايمر الجديدة نحو التدخل في مراحل مبكرة من المرض. ويجري تطوير واختبار عدد من الأدوية بهدف إبطاء تطور المرض، بما في ذلك دراسات تبحث فيما إذا كان العلاج قبل ظهور الأعراض يمكن أن يؤخر أو يمنع التدهور المعرفي.

ومع ذلك لا يوصي الباحثون في الوقت الحالي بإجراء هذه الاختبارات بصورة روتينية للأشخاص الذين لا يعانون أعراضاً، لأن الخيارات العلاجية المتاحة بناءً على هذه التنبؤات لا تزال محدودة. وقال مايو: «لا أوصي حالياً بأن يخضع الأشخاص الذين لا يعانون أعراضاً لهذه الاختبارات»، مشيراً إلى أن الأشخاص الذين لم تظهر عليهم الأعراض لا يُسمح لهم حالياً بتلقي أدوية الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (monoclonal antibody) المعتمدة لعلاج ألزهايمر.

علاجات وقائية جديدة

لكن هذا الوضع قد يتغير سريعاً مع ظهور علاجات وقائية جديدة. وتجري حالياً دراسة لمعرفة ما إذا كانت أدوية الأجسام المضادة قادرة على إبطاء تطور المرض عندما تُعطى لأشخاص لديهم مستويات مرتفعة من «p-tau217»، لكنهم لم يصابوا بعد بأعراض ألزهايمر.

وإذا أثبتت العلاجات المستقبلية قدرتها على تأخير ظهور الأعراض أو الوقاية منها، فقد تساعد نتائج الدراسة الجديدة في تحديد الفترة التي يمكن أن يكون فيها التدخل العلاجي أكثر فاعلية.

وبالنسبة للأشخاص الذين يحملون «APOE4»، تشير الدراسة إلى أن ارتفاع مستويات «p-tau217» قد يمثل نافذة زمنية تبلغ نحو 3 سنوات قبل ظهور الأعراض، بينما قد تمتد هذه الفترة إلى نحو 5 أو 6 سنوات لدى الأشخاص الذين لا يحملون هذا المتغير الجيني.

ويؤكد الباحثون أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى دقة هذا النهج عند استخدامه في الممارسة الطبية، وما إذا كان الاعتماد على هذه التنبؤات لتوجيه العلاج يمكن أن يؤدي بالفعل إلى تأخير ظهور أعراض مرض ألزهايمر.