«اسكتشات» حامد ندا تكشف خبايا عرّاب السريالية الشعبية المصرية

42 عملاً تحكي كواليس «عوالمه الخرافية»

رحلة آسرة تغمر الزوار في أجواء الإبداع الفني لندا (الشرق الأوسط)
رحلة آسرة تغمر الزوار في أجواء الإبداع الفني لندا (الشرق الأوسط)
TT

«اسكتشات» حامد ندا تكشف خبايا عرّاب السريالية الشعبية المصرية

رحلة آسرة تغمر الزوار في أجواء الإبداع الفني لندا (الشرق الأوسط)
رحلة آسرة تغمر الزوار في أجواء الإبداع الفني لندا (الشرق الأوسط)

يحيط بعالم الفن كثير من الغموض، وأحد جوانب هذا الغموض يطرحه سؤال لطالما حيّر النقاد والباحثين؛ وهو كيف يُبدع العمل الفني؟

ومن هنا درس وتتبع كثيرون منهم كيف وجد الفنانون ـ من ليوناردو دافنشي إلى كارا ووكر وغيرهما - الإلهام، ثم أعادوا صياغته قبل أن يُخرجوا العمل النهائي إلى العالم.

ولذلك، تُعدّ الاسكتشات والدراسات التمهيدية للفنانين نوافذ على العملية الإبداعية، ومن المعروف أن فنانين عالميين مثل مايكل أنجلو، وروبنز، وجان أوغست إنجرس، قاموا برسم عدد لا يُحصى من الرسومات التحضيرية قبل إنجاز لوحاتهم لدراسة أفكارهم، ومواضيعهم وتطويرها.

وبالمثل رسم الفنان المصري الراحل حامد ندا (1924 ـ 1990) اسكتشات متنوعة، تُقدم رؤية ثاقبة لكيفية تعامله مع لوحاته، وهي محور المعرض الذي يحتضنه راهناً غاليري «ضي الزمالك» بالقاهرة.

أحد الاسكتشات

في حالات كثيرة من أجل تقدير العمل الفني تقديراً كاملاً، يصبح علينا فهمه من وجهات نظر مختلفة؛ فإلى جانب رؤيتنا، قد تكون رؤية الفنان الأصلية، والحالة النفسية التي كان عليها عند إبداعه بنفس القدر من الأهمية، خصوصاً إذا كان العمل الفني يهدف إلى بدء حوار ما، أو يعكس هوية وطن، فمن المفيد للغاية في هذه الحالة إعادة النظر في سياق العمل الفني؛ إذ يمكن أن يُضيف ذلك أبعاداً جديدة لفهمه.

وذلك ما يحققه المعرض المستمر حتى 21 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحت عنوان «اسكتشات حامد ندا»؛ إذ يمثل رحلةً آسرة تغمر الزوار في أجواء الإبداع الفني عبر 42 عملاً، تقدم منظوراً جديداً لما وراء كواليس إبداعات الفنان التشكيلي المصري، الذي يوصف بـ«عراب السريالية الشعبية المصرية»، التي استمدت روحها من الحارات والأزقة والفلكلور والخيال الجمعي في وطنه.

اسكتشات متنوعة تُقدم رؤية لكيفية تعامله مع لوحاته (الشرق الأوسط)

وحامد ندا من «أوائل الفنانين الحداثيين الذين أدخلوا الرموز الخرافية في لوحاتهم، قدّم على مسطح لوحاته عالماً تصويرياً رمزياً تغذيه المعتقدات الشعبية والخرافات، والجن والأساطير التي صاغها بفرشاته لتصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية للمصريين. وتعكس أعماله الموهبة والثقافة العميقة، والانفتاح على الفن العالمي، فضلاً عن الاستلهام من التراث الإنساني»، وفق الناقد هشام قنديل، مدير غاليري «ضي الزمالك».

ويضيف قنديل لـ«الشرق الأوسط»: «استوحى ندا رسوم الكهوف والرسوم الجدارية في الحضارة المصرية القديمة، إضافة إلى الرسوم على جدران البيوت الشعبية، وظل طوال حياته الفنية متمسكاً بجذور الواقع الشعبي المصري».

المعرض يعيد النظر في سياق الأعمال الفنية لحامد ندا (الشرق الأوسط)

حين تتأمل الاسكتشات المعروضة في القاعة التي اختار قنديل أن تحمل اسم الفنان تقديراً له، تكتشف أنها بمثابة دراسات تمهيدية لأعمال أكبر، أو لوحات شهيرة له، وعبر إيماءات وحركات وتعبيرات بسيطة، وخطوط واثقة التقط نبض الحياة اليومية.

وعلى الرغم من أن تصويره ليس تقليدياً على الإطلاق جاءت الرسوم صادقة ومليئة بالحيوية، تعتمد خطاً عفوياً مدهشاً، قادراً على التعبير عن المشاعر، وتجسيد الأشكال خصوصاً الأنثوية بأسلوب قائم على الاختصار والمنظور.

ويقدم المعرض اسكتشات نادرة، تعرض لأول مرة، إذ ظلت خبيئة في أدراج ندا وأوراقه وضمن متعلقاته الشخصية سواء في مرسمه في وكالة الغوري (بمنطقة مصر القديمة) أو منزله في حي «مصر الجديدة» بالقاهرة، وفق نجله عمرو.

رسم مبدئي للفنان الراحل (الشرق الأوسط)

يقول عمرو حامد ندا لـ«الشرق الأوسط»: «يُمثل هذا المعرض المُصمم حول المجموعات الاستثنائية لوالدي الراحل نتاجاً لبحث طويل في متعلقاته، وكشفاً لجوانب خفية من حياته وأسلوب تفكيره وإبداعه»، ويتابع: «على محبي الفنون ألا يفوتوا هذه الفرصة للتعمق في عالم الإبداع الفني السري له، وإعادة اكتشاف الروائع الفنية لندا في ضوء جديد».

لكن هل يمكن أن يكون حامد ندا الذي رحل منذ 35 عاماً قد تعمد إخفاءها؛ لكي لا ترى النور، على الأقل أثناء حياته، فقد يعيدنا حديث الابن عن هذه الاسكتشات إلى مذكرات الرسام الفرنسي بول غوغان حين تخيل ما سيقوله لناقد يطلب منه رؤية الاسكتشات الخاصة به: «رسوماتي! أبداً! إنها رسائلي، أسراري»!

إحدى لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

يؤكد ذلك أن غالباً ما تكون رسومات الفنانين أعمالاً خاصة بهم، ولا يُقصد أبداً أن تُعرض بجانب الأعمال المكتملة، أو أن يطلع عليها الجمهور، ربما بعد رحيلهم؛ من أجل استكشاف جديد لفنهم.

يقول عمرو ندا: «تعكس الأعمال مراحل زمنية مختلفة مرّ بها الفنان، منذ بداية الخمسينات حتى نهاية الثمانينات، ومن ثم هي بمثابة اطلاع على تنقلاته الإبداعية العديدة، التي حافظ خلالها على أسلوبه الفريد والحازم في تصوير العالم الشعبي من حوله في الرسومات».

أسهم وعلامات لا يفهم مغزاها سوى الفنان (الشرق الأوسط)

ومن خلال شكل خطوطه، يمكن للمتلقي تحديد الفترة التي ينتمي إليها الاسكتش الذي يقف أمامه، من دون النظر إلى التاريخ المدون عليه، وهي متعة حقيقية للمشاهد أن يربط بين الرسوم التحضيرية واللوحات، أو يحيل الاسكتشات إلى تاريخ رسمها، بحسب عمرو.

ويؤكد: «تمثل الأعمال حالة خاصة ونادرة، لا تقل أهمية عن اللوحات نفسها؛ لأنها بمنزلة حالة خاصة، وخواطر لحظية تأتي له، فكان ينفذها على الفور»، مشيراً إلى «أن هذه المخطوطات كانت نواة للوحات، فكان يبدأ برسم بسيط، ثم يبدأ الموضوع يأخذ شكل ما في فكره، فيشرع في رسم اللوحة».

المعرض فرصة للتعمق في عالم الإبداع الفني السري للفنان حامد ندا (الشرق الأوسط)

ويقول الفنان طارق الكومي، نقيب التشكيليين المصريين، لـ«الشرق الأوسط»: «إن حامد ندا كان من الفنانين الذين يهتمون بالاسكتش»، معتبراً أن «أهمية المعرض تكمن في أنه يظهر للنقاد والطلبة المهتمين بأعمال رائد السيريالية الشعبية منهجه في العمل الإبداعي، وكيفية تحضيره للوحاته».

تجسيد الأشكال الأنثوية خصوصاً بأسلوب قائم على الاختصار والمنظور (الشرق الأوسط)

ويلفت إلى ما تتضمنه بعض الاسكتشات من أسهم وعلامات، قائلاً: «تشير إلى أشياء تخصه وتهمه أثناء الرسم، ومنها ما قد لا يفهم مغزاه سواه، ومنها ما يكشف عن أسلوب تفكيره أو هدفه في تلك اللحظة، فيما يعدّ تجربة لها خصوصيتها وأهميتها في دراسة الفن»، بحسب الكومي.


مقالات ذات صلة

34 فناناً يستكشفون مفهوم الترحال ‏وإرث الخرائط التاريخية في معرض دولي بالرياض

يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)

34 فناناً يستكشفون مفهوم الترحال ‏وإرث الخرائط التاريخية في معرض دولي بالرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )

المطبخ المصري يستعيد تراثه بأكلات العصور القديمة

أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
TT

المطبخ المصري يستعيد تراثه بأكلات العصور القديمة

أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

يتميز المطبخ المصري بمكوناته وأكلاته ووصفاته التي تحمل أبعاداً تراثية بعضها يعود للعصور القديمة. وقد نظمت فعاليات وأنشطة حول الطعام المصري بما يمثله من خصوصية تثري الأبعاد السياحية، خصوصاً في مجال السياحة الثقافية بالتركيز على ثقافة الطعام.

وفي هذا الإطار نظمت جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، الأحد، فعاليات مسابقة «المطبخ المصري تراث وهوية» بين طلاب كليات ومعاهد السياحة والفنادق في مختلف أنحاء مصر، بهدف الحفاظ على الموروث الغذائي المصري، والتعريف بالمطبخ المصري بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية والتراث والثقافة المصرية.

وقدم الطلاب مجموعة متنوعة من الأطباق المصرية المتميزة، التي عكست ثراء وتنوع المطبخ المصري، واختلاف البيئات والثقافات التي شكلت هويته على مر العصور.

و«تنوعت الأطباق المشاركة بين وصفات مستوحاة من التراث المصري القديم، وأطباق من المطبخ البدوي، إلى جانب عدد من أشهر الأكلات التي ارتبطت بالمائدة المصرية، ومن بينها (أم علي)، و(المندي)، و(الفتة المصرية)، و(المسقعة)، و(محشي الكرنب)، و(البامية باللحمة)، وغيرها من الأطباق التراثية»، وفق بيان لجمعية الحفاظ على السياحة الثقافية.

وضمت لجنة التحكيم نخبة من المتخصصين في مجال الطهي والضيافة، من بينهم الشيف حسام سليمان، رئيس مجلس إدارة جمعية الطهاة المصريين.

وحضر الفعاليات التي أقيمت في المعهد العالي للدراسات النوعية بميدان الحجاز، الدكتور خالد سعد، الخبير الأثري والمشرف على الطبق الفرعوني، وعدد من قيادات وأعضاء جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، من بينهم محمد الحسانين، رئيس مجلس الإدارة، ومحمد المنتصر، الأمين العام.

جانب من تحكيم المسابقة حول الطعام المصري (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

وأكدت الجمعية أن «المسابقة تأتي في إطار رؤيتها للحفاظ على عناصر التراث المصري، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، مع ربط الموروث الغذائي بصناعة السياحة، كون الطعام أحد المكونات المهمة للهوية الثقافية، وأحد عناصر التجربة السياحية».

واستهدفت المسابقة «منح طلاب السياحة والفنادق فرصة عملية للتعرف على قيمة الأكلات المصرية التراثية، وتشجيعهم على تطوير طرق تقديمها والحفاظ على وصفاتها وذاكرتها المرتبطة بالبيئات والمناطق المختلفة في مصر»، وفق البيان.

وتتضمن الفعاليات التي تمتد إلى يوم 24 سبتمبر (أيلول) الحالي جلسة حوارية تتناول أهمية التراث المصري والحفاظ عليه، ودور المطبخ المصري بصفته أحد عناصر التراث والهوية، وكيفية توظيف هذا التراث في دعم السياحة والثقافة المصرية.

المطبخ المصري يضم أكلات تراثية متنوعة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

ويأتي مشروع «المطبخ المصري تراث وهوية» ضمن جهود جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية لتوثيق الموروث الغذائي المصري والتعريف بأكلاته من مختلف مناطق مصر، وربط هذا التراث بصناعة السياحة والثقافة والهوية المصرية، بما يسهم في تقديم المطبخ المصري كأحد عناصر التجربة السياحية المصرية.

وتحرص مصر على تقديم أنماط متنوعة من السياحة، من بينها السياحة الثقافية والترفيهية والبيئية والعلاجية والرياضية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وأطلقت وزارة السياحة والآثار برنامجاً ترويجياً في هذا الإطار بعنوان «مصر... تنوع لا يُضاهى».

وكان المتحف القومي للحضارة المصرية قد استضاف من قبل فعاليات حول الأكلات المصرية الشعبية والتراثية ضمن مبادرة «طبلية مصر»، وتقدمت مصر بملف لـ«اليونيسكو» لتسجيل الكشري المصري ضمن الأكلات المصرية الأصيلة، وبالفعل تم تسجيل «الكشري المصري» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي بـ«اليونيسكو» عام 2025.


خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
TT

خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)

في عائلة هارلو لا يقتصر الاحتفال بعيد الميلاد على مناسبة شخصية لكل فرد، بل يجتمع خمسة أجيال في اليوم نفسه من كل عام. فقد وُلد أفراد خمسة أجيال متتالية من العائلة في 14 سبتمبر (أيلول)، في مصادفة نادرة تحولت إلى رقم قياسي عالمي موثّق في موسوعة «غينيس».

وتضم السلسلة ويلبر، ثم ابنته آدي، وحفيدها فريد هارلو، وابنته إيما بيل، وصولاً إلى حفيده آرثر، الذي جاء إلى الدنيا في التاريخ نفسه، ليكمل سلسلة من خمسة أجيال تشترك في يوم الميلاد ذاته، وفقاً لشبكة «سي تي في» الكندية.

ويقول فريد إن العائلة لطالما عدّت هذا التزامن أمراً مميزاً، لكنها لم تتخيل أنه قد يتحول يوماً إلى رقم قياسي عالمي. ويضيف: «عندما تُرزق بأطفال، فإنهم هدية، وهذه هدية فريدة جداً. كنا دائماً نرى الأمر شيئاً رائعاً، لكنني لم أفكر يوماً في أنه قد يجعلنا أصحاب رقم قياسي. كنت أعتقد ببساطة أن كل شيء يحدث لسبب».

ولم تبدأ العائلة التفكير جدياً في توثيق الرقم إلا في الآونة الأخيرة. وتقول إيما إن أفراد الأسرة كانوا يمزحون دائماً بشأن الأمر، خصوصاً بعد أن أصبح لديهم أربعة أجيال يتشاركون اليوم نفسه.

وتوضح: «كنا نقول دائماً: لدينا أربعة أجيال، ولا بد أن يكون ذلك رقماً قياسياً عالمياً».

واكتشفت إيما لاحقاً أن أربع عائلات أخرى كانت تتقاسم رقماً قياسياً مماثلاً، مع أربعة أجيال مولودة في اليوم نفسه. لكن الفكرة لم تتحول إلى إجراءات رسمية إلا بعد وفاة جدتها آدي، حين اكتشفت إيما أنها حامل بطفلها الثاني، وأن موعد ولادته المتوقع يصادف 14 سبتمبر.

وتقول إيما إن جدتها كانت تكرر عليها منذ طفولتها أمنية طريفة: «يجب أن يكون لديك ولد في 14 سبتمبر»، مضيفة أنها كانت تسمع هذه العبارة منها كل عام.

وكانت إيما قد أنجبت طفلها الأول قبل موعده، لذلك، عندما حملت بطفلها الثاني، كانت تأمل أن يصل هذه المرة في الموعد المنتظر. وبالفعل، وُلد آرثر في 14 سبتمبر، ليصبح بذلك الحلقة الخامسة في السلسلة العائلية، ويمنح أسرته رقماً قياسياً جديداً.

ويقول فريد، في تعليق على وصول أصغر أفراد العائلة: «وها هو ذا، لقد أصبح صاحب رقم قياسي».

ورغم أن آدي تُوفيت قبل ولادة آرثر، فإن أفراد العائلة يتخيلون مدى سعادتها بهذا الإنجاز. وتقول إيما: «أعتقد أنها كانت ستشعر بالفخر والإعجاب، لأننا نجحنا بالفعل في تحقيق ذلك، وأن المولود كان ولداً في يوم 14».

ولا تتوقف المصادفة عند التاريخ، إذ يلفت أفراد العائلة إلى نمط آخر رافق الأجيال الخمسة؛ فالتسلسل جاء بالتناوب بين الذكور والإناث: ولد، ثم بنت، ثم ولد، ثم بنت، ثم ولد.

وتقول إيما: «بدأ الأمر مع ويلبر، ولذلك يأتي التسلسل: ولد ثم بنت ثم ولد ثم بنت ثم ولد».

ومع ذلك، لا تنوي العائلة تحويل هذا الرقم القياسي إلى تقليد يتعين على الأجيال المقبلة الحفاظ عليه. وفي الوقت الحالي، يكفي أفراد هارلو أن يجتمعوا كل عام للاحتفال بأعياد ميلادهم معاً، بعدما منحتهم مصادفة عائلية نادرة مناسبة إضافية للاحتفال.

ويختصر فريد الحكاية قائلاً: «إنه أمر مذهل حقاً».

أما إيما فتكتفي بوصف التجربة بكلمتين: «لقد كان الأمر ممتعاً».


نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
TT

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

لم يكن جو ماكين يخطط لبناء مدينة، ولم يكن يتوقع أن تتحول هوايته التي بدأها في قبو منزله إلى عمل فني يستقطب زوار المتحف. كل ما أراده، على ما يبدو، كان أن يستعيد شيئاً من نيويورك التي تركها خلفه.

على مدى أكثر من 20 عاماً، أمضى سائق الشاحنة المولود في كوينز أوقات فراغه في بناء نيويورك مصغّرة من أخشاب البلسا وألواح الفوم. مبنى تلو آخر، وشارعاً بعد آخر، كبرت المدينة على طاولة العمل، حتى أصبحت تضم أكثر من 800 ألف مبنى ومنشأة، وتمتد على أكثر من 300 لوح كبير.

مجسم كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

وحين انتهى ماكين من مشروعه، أقنعته ابنته بتصويره ونشره على تطبيق «تيك توك». لم يتوقع الأب أن تحظى المقاطع بهذا الاهتمام، لكن أكثر من 10 ملايين شخص شاهدوها خلال أسبوع واحد، قبل أن يصل صدى المدينة الصغيرة إلى متحف مدينة نيويورك. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وهكذا خرجت نيويورك من قبو منزل ماكين إلى قاعة متحف، ضمن معرض «He Built This City»، الذي يستمر حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول).

يبلغ طول المجسّم نحو 15 متراً وعرضه نحو 9 أمتار، ويضم تفاصيل من الأحياء الخمسة للمدينة، إضافة إلى أجزاء من نيوجيرسي ولونغ آيلاند. ويمكن للزائر أن يجد فيه كل شيء تقريباً؛ من ناطحات السحاب في مانهاتن إلى المنازل المتواضعة في كوينز، ومن جسر بروكلين إلى تمثال الحرية واستاد يانكي.

زائر لمتحف مدينة نيويورك يتأمل مجسماً لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في نيويورك (أ.ب)

لكن ماكين لم يبنِ مدينة مثالية، بل بنى المدينة كما يتذكرها.

تعود الفكرة إلى طفولته، عندما شاهد خلال رحلة مدرسية «بانوراما مدينة نيويورك» في متحف كوينز، وهو مجسّم ضخم للمدينة أثار إعجابه. وبعد سنوات، وعندما انتقل مع زوجته وأطفاله من لونغ آيلاند إلى ألباني، بدأ هو ببناء نسخته الخاصة.

ويقول ماكين إنه ربما كان «يفتقد نيويورك، من دون أن يدرك ذلك تماماً».

بدأ من مركز روكفلر وبرج «30 روك»، ثم احتاج إلى نحو عشر سنوات لبناء وسط مانهاتن. وكان مبنى إمباير ستيت من أصعب الأجزاء، خصوصاً أنه لم يكن يملك أي خبرة في صناعة المجسّمات أو الهندسة. لكنه تعلّم مع الوقت، وأصبح بناء أحد المباني بالنسبة إليه أسرع بكثير مما كان عليه في البداية.

يظهر تمثال الحرية على مجسم كبير لمدينة نيويورك — صنعه جو ماكين — في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

حتى إن المشروع بدأ يزاحم بقية تفاصيل حياته. كان يحمل مواد البناء معه في رحلات العائلة، ويستغل فترات التوقف أثناء العمل لمواصلة البناء. وفي بعض الليالي، كان يجلس أمام المجسّم وهو يشعر بالتعب، ثم يبقى هناك ساعات إضافية، وأحياناً يغفو فوق طاولة العمل.

ولأنها نيويورك الخاصة به، لم يهتم ماكين دائماً بأن تكون مطابقة للمدينة الحالية. أبقى على مطعمه المفضل من طفولته رغم تغير المكان، واحتفظ بجسر كوشيوشكو القديم، كما أبقى برجي مركز التجارة العالمي قائمين إلى جانب المباني التي ظهرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

ويقول: «احتفظت بالكثير من الأجزاء التي تمثل نيويورك بالنسبة إليّ... من أجلي أنا فقط».

وربما لهذا السبب يبحث زوار المعرض عن شيء أكثر من مجرد مبانٍ صغيرة. فكل واحد منهم يحاول العثور على نيويوركه الخاصة؛ منزل قديم، شارع يعرفه، مدرسة، جسر أو مكان ارتبط بذكرى.

أما ماكين فلا يبدو مستعداً للتوقف. بعد انتهاء المعرض، يأمل في أن تنتقل مدينته إلى أماكن أخرى، بينما يخطط هو لإضافة أكثر من 50 مبنى جديداً.

فالمدينة التي بناها بيديه لم تنتهِ بعد، وربما لا يريد لها أن تنتهي.