عراقجي: اتفاق القاهرة يفتح «صفحة جديدة» مع «الوكالة الذرية»

قال لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ التفاهم يحتاج لترتيبات فنية

الرئيس التونسي قيس سعيّد لدى استقباله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأربعاء (الرئاسة التونسية)
الرئيس التونسي قيس سعيّد لدى استقباله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأربعاء (الرئاسة التونسية)
TT

عراقجي: اتفاق القاهرة يفتح «صفحة جديدة» مع «الوكالة الذرية»

الرئيس التونسي قيس سعيّد لدى استقباله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأربعاء (الرئاسة التونسية)
الرئيس التونسي قيس سعيّد لدى استقباله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأربعاء (الرئاسة التونسية)

قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن الاتفاق الذي وقعته طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الثلاثاء، يمثل خطوة «تمهد لفتح صفحة جديدة في علاقات إيران مع الدول المعنية بملفها النووي، ويعزز مسار التعاون مع الوكالة» التابعة للأمم المتحدة.

وأضاف عراقجي، خلال مؤتمر صحافي على هامش زيارته تونس، رداً على أسئلة صحيفة «الشرق الأوسط»، أن الاتفاق الجديد الذي تم التوصل إليه في القاهرة «جاء في ظل متغيرات كبيرة تستدعي ترتيبات فنية مختلفة، تهدف إلى الحفاظ على مصالح إيران وحقوقها النووية، مع الالتزام بالإطار الفني الذي تحدده الوكالة الذرية».

ونوّه الوزير الإيراني بـ«إطار التعاون الجديد» الذي وقّعه في القاهرة مع المدير العام للوكالة رافاييل غروسي، بحضور وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مشدداً على أن «الاتفاق وُضع بناءً على تقييمات فنية دقيقة».

وأكد عراقجي أن «الوكالة الذرية هي المرجع الدولي الوحيد للتحقق من الوضع النووي لمختلف الدول، ولا تُبرم اتفاقاً إلا بعد أخذ ملاحظاتها الفنية بعين الاعتبار، وهو ما جرى فعلياً في الاتفاق الجديد مع إيران».

وفي لهجة انتقاد، قال عراقجي: «نستغرب من بعض الدول التي طالما طالبت بالتحقق من سلمية برنامجنا النووي، أن تُوجّه الآن اتهامات إلى هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، ونستغرب تجاهل البعض لحق كل دولة في المطالبة بـ(ترتيبات جديدة) عندما تتغير المعطيات والأوضاع».

وأشار إلى أن العالم أجمع تابع، على مدى 12 يوماً، «ما تعرضت له المنشآت النووية الإيرانية من ضربات عسكرية غير قانونية نفذتها إسرائيل، تلتها الولايات المتحدة».

وأضاف أنه «من الطبيعي، في ظل تعرض هذه المنشآت النووية السلمية لعدوان عسكري خارجي، ألا يستمر عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالصورة الروتينية المعتادة، وأن تبرز الحاجة إلى ترتيبات جديدة تتناسب مع الواقع المستجد لهذه المنشآت».

وبشأن التباين بين طهران والوكالة الذرية وعدد من الدول بشأن مواعيد عودة المفتشين وتفقد المواقع النووية الإيرانية، إضافة إلى التنسيق حول الصلاحيات والأماكن، قال عراقجي لـ«الشرق الأوسط»: «في إيران، نؤكد أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد قبلت بالواقع الميداني الجديد، وأقرت بضرورة التوصل إلى آلية جديدة للتعاون مع طهران. وعلى هذا الأساس، أجرينا محادثات مع الوكالة، وتمكنا من الاتفاق على صيغة هذه الآلية».

وأضاف: «من الآن فصاعداً، سيتم التعامل بين إيران والوكالة ضمن هذا الإطار الجديد. وأود أن أؤكد أن الوكالة بدورها عبّرت عن ارتياحها لهذا الاتفاق».

أما عن موقف «الترويكا الأوروبية»، وتلويحها بإعادة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، واتخاذ إجراءات عقابية جديدة، خصوصاً بعدما فعّلت آلية «سناب باك» للعودة التلقائية إلى العقوبات الأممية، قال عراقجي: «لا يمكن للدول الغربية عموماً، ولا لـ(الترويكا الأوروبية) على وجه الخصوص، أن تحقق أي هدف من خلال التهديد أو التصعيد، أو عبر محاولة إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن بهدف فرض عقوبات جديدة».

وشدد عراقجي على أن «هذا الملف لا يُعالَج إلا عبر حلول دبلوماسية»، معرباً عن أمله ألا تؤدي إجراءات الدول الأوروبية الثلاث في مجلس الأمن إلى تعقيد مسار تسوية الخلافات أو المشكلات التي قد تبرز هنا أو هناك. وأضاف: «الحل الدبلوماسي هو الحل، دون غيره».

وذكّر بأن بلاده ومنشآتها النووية تعرضت لـ«ضربات غير قانونية وتضررت بشدة»، مشيراً إلى أن «المباني قد تُدمَّر، لكنها قابلة لإعادة البناء، والتجهيزات يمكن استبدال أخرى بها. أما ما لا يمكن تدميره بالضربات فهو المعرفة، التي تبقى موجودة ولا يمكن المساس بها».

وأضاف: «وهذا ما ثبت بعد حرب الأيام الاثني عشر من الضربات الإسرائيلية - الأميركية؛ فقد تبيّن مجدداً أن الخيار العسكري ليس حلاً. الحل يبدأ بإتاحة فرصة كافية للمحادثات الدبلوماسية لتُفضي إلى توافقات».

وفي معرض رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط» بشأن ما إذا كان عدم إحراز تقدم في الاتفاق المبرم بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، قد يُتخذ ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران، استبعد عراقجي هذا الاحتمال، مشدداً على تمسك بلاده بالحلول الدبلوماسية والحوار السياسي.

وأوضح عراقجي أن الجانب الإسرائيلي «لا يحترم الخطوط الحمراء سواء في المنطقة أو على المستوى الدولي»، معتبراً أن الهجوم الأخير على قطر «يمثل مثالاً جديداً على تجاوزات تل أبيب، ويؤكد أن أي دولة في المنطقة ليست بمنأى عن الاعتداءات الإسرائيلية».

وأشار إلى أن إسرائيل «رغم كل ما قامت به من هجمات واعتداءات ضد إيران، لم تحقق أياً من أهدافها، واضطرت في النهاية إلى طلب وقف غير مشروط لإطلاق النار؛ لأن قواتنا المسلحة دافعت بكل قوة عن بلدنا».

وحذر عراقجي قائلاً: «إذا قرر الطرف الآخر أن يعيد تجربة فاشلة، فهو لن يحقق نتائج مختلفة عما سبق، رغم الحصانة التي وفرتها له بعض الدول الغربية لارتكاب انتهاكاته».


مقالات ذات صلة

الموقف الأميركي من احتجاجات إيران بين التهديد والحذر

شؤون إقليمية حشود من المحتجين الإيرانيين يجتمعون في ساحة طالقاني وسط كرج غرب طهران (تلغرام)

الموقف الأميركي من احتجاجات إيران بين التهديد والحذر

قد يكون من المبكر الجزم بأن النظام الحاكم في إيران بات على وشك السقوط، إلا أن ما تشهده البلاد منذ أسابيع يضع طهران أمام أخطر اختبار داخلي منذ سنوات طويلة.

إيلي يوسف ( واشنطن)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)

عراقجي في بيروت... وتشديد لبناني على «سيادة الدولة»

جدّد المسؤولون في لبنان التأكيد على مواقفهم لجهة إقامة علاقات متوازنة وسليمة مع إيران تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين (غيتي)

خاص شمس الدين: لا يجوز أن يوجد مشروع خاص للشيعة داخل أوطانهم

«الشرق الأوسط» تنشر وثيقة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)

احتجاجات تجتاح إيران... وخامنئي يحذر ترمب

واصل محتجون إيرانيون الخروج إلى الشوارع حتى صباح الجمعة، ودعا المرشد الإيراني أنصاره إلى الوحدة والجاهزية، مشدداً على عدم التسامح مع «المرتزقة والأجانب».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيون في أحد شوارع طهران حيث تعصف أزمة اقتصادية خانقة بالبلاد (إ.ب.أ)

التلفزيون الرسمي الإيراني «يكسر صمته» بشأن الاحتجاجات

كسر التلفزيون الرسمي الإيراني اليوم الجمعة صمته بشأن الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد خلال الليل، حيث أفاد بوقوع ضحايا.

«الشرق الأوسط» (طهران)

انتقادات في تركيا لـ«بطء» خطوات السلام مع الأكراد

لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)
لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)
TT

انتقادات في تركيا لـ«بطء» خطوات السلام مع الأكراد

لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)
لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)

تواجه الحكومة والبرلمان في تركيا انتقادات بسبب التحرك البطيء في «عملية السلام» التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

وقال حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، إن «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، أو ما تسميها الحكومة التركية بـ«عملية تركيا خالية من الإرهاب»، لا تتقدم بالوتيرة المطلوبة، منتقداً تصريحات حادة من جانب حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم وحليفه حزب «الحركة القومية»، عدّها تهديداً للعملية.

وذكرت المتحدثة باسم الحزب، عائشة غل دوغان، أن هذه العملية تُعدّ «فرصة تاريخية»، و«مع ذلك، ثمة خلافات ونقاشات عديدة حول كيفية استغلال هذه الفرصة». وأضافت: «هذا أمر طبيعي تماماً، لقد قلنا إننا بحاجة إلى أدلة ملموسة، ومؤشرات واضحة، لكن لا يزال الكلام والخطابات لا تترجم إلى أفعال أو تطبيق، كل هذا، للأسف، يزيد من المخاوف والقلق بشأن قبولها اجتماعياً».

خطاب تهديدي

وصفت دوغان، في تصريحات، الجمعة، تصريحات أصدرها سياسيو حزبي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية» بـ«الخطاب التهديدي» الذي «لا يعطي انطباعاً جيداً حول الرغبة في التقدم بخطوات جادة في عملية السلام».

المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» عائشة غل دوغان (حساب الحزب في إكس)

وقالت دوغان: «لقد كلف الخطاب الحاد تركيا ثمناً باهظاً حتى الآن. يجب أن تنعكس الحاجة إلى خطاب جديد في كلٍّ من نهجكم وأساليبكم؛ ينبغي تفضيل خطاب سياسي موحّد على الخطاب الحاد. بما أننا نتحدث عن التضامن الاجتماعي والاندماج الجديد، الذين نؤمن بهما إيماناً راسخاً ونناضل من أجلهما بعزيمة».

وأشارت إلى أن «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» بالبرلمان التركي لا تزال تواصل عملها، ولكن بوتيرة بطيئة، مؤكدة أن الوقت قد حان لاتخاذ الترتيبات القانونية اللازمة لحلّ حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته ودمج عناصره في المجتمع.

وكان رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي، ونائبه فتي يلديز، والمتحدث باسم حزب «العدالة والتنمية»، عمر تشيليك، إضافة إلى وزيري الخارجية، هاكان فيدان والدفاع، يشار غولر، لوحوا في رسائل وتصريحات في بداية العام الجديد، إلى أن على حزب «العمال الكردستاني» وجميع التنظيمات المرتبطة به «حلّ نفسها ونزع أسلحتها دون شروط».

وذكرت دوغان أن لدى زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين، عبد الله أوجلان، مقترحات بشأن تطورات مهمة في المنطقة، مطالبة بتمكينه من إجراءات الاتصالات اللازمة، ونقل مقترحاته مباشرة.

وأضافت: «لقد ذكرنا أن أوجلان يرغب في لقاء رئيس الحزب (الديمقراطي الكردستاني)، مسعود بارزاني، ورئيس إقليم كردستاني، نيجيرفان بارزاني، وقائد قوات (قسد) مظلوم عبدي».

موقف البرلمان

من جانبه، قال رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، إن «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» تواصل عملها بنضج ديمقراطي ومشاركة فعّالة، ودخلت المرحلة النهائية من عملها.

وأضاف كورتولموش، خلال لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام بالبرلمان، الخميس، أن الأحزاب السياسية أعدت تقاريرها الخاصة وأعلنت مواقفها السياسية، وهناك نقاط تتفق عليها الأحزاب وأخرى تختلف فيها. وتابع: «من الآن فصاعداً، سنعمل بدقة على زيادة نقاط الاتفاق، وسنسعى، إن أمكن، إلى التوصل إلى توافق في الآراء بشأن النقاط التي لا تزال محل خلاف، لإعداد التقرير النهائي. وآمل ألا يستغرق هذا وقتاً طويلاً».

جانب من اجتماع رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش مع ممثلي الأحزاب في اللجنة البرلمانية لوضع الإطار القانوني لحل حزب «العمال الكردستاني» الأربعاء (البرلمان التركي - إكس)

وأشار إلى أنه عقد اجتماعين مع ممثلي الأحزاب السياسية الممثلة في اللجنة، خلال الأيام القليلة الماضية، قائلاً: «أستطيع أن أؤكد بثقة أن جميع زملائنا الذين شاركوا في الاجتماعات يبذلون قصارى جهدهم لتحقيق التوافق، وآمل أن يتم في المستقبل القريب نشر نص قوي يحظى بموافقة الجميع ولا يتضمن أي آراء مخالفة».

وأضاف كورتولموش أنه بما أن عمل اللجنة استشاري بطبيعته، فسيتم تقديم المقترحات المتعلقة باللوائح القانونية، «التي ستصدر بعد تحديد نزع سلاح المنظمة الإرهابية (حزب العمال الكردستاني) إلى البرلمان. والأهم، والذي نتخذه أساساً لنا، هو أن يلقي حزب (العمال الكردستاني)، بكل عناصره، سلاحه، ولتحقيق ذلك، يجب تسريع العملية وتسهيلها أحياناً من أجل إتمامها».

خطوات مطلوبة

في السياق ذاته، عَدّ حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، أن العملية لن تتقدم بشكل سليم دون اتخاذ خطوات نحو الديمقراطية.

جانب من اجتماع المجلس التنفيذي لحزب «الشعب الجمهوري» في أنقرة الجمعة برئاسة أوزغور أوزيل (حساب الحزب في إكس)

وناقش الحزب مسار العملية الجارية، خلال اجتماع مجلسه التنفيذي، الجمعة، برئاسة رئيسه أوزغور أوزيل، «النقاط الغامضة» في عملية السلام، والتي تشمل عدد السجناء من أعضاء «العمال الكردستاني» الذين سيتم إطلاق سراحهم، وعدد الذين سيخضعون للإفراج المشروط. وأكد أنه «ما دام لم يتم الكشف عن هذه الأمور، فستبقى جميع اللوائح القانونية المقترحة معلقة».

كما لفت أعضاء المجلس إلى أن العملية الجارية في تركيا أصبحت مرهونة بالتطورات العابرة للحدود، مؤكدين أنه «ينبغي عدم ربط السلام الدائم داخل الحدود بالتطورات في سوريا، ويجب اتخاذ خطوات نحو الديمقراطية لكي تتقدم العملية بصدق».


حديث إسرائيلي عن إطلاق نار على سفينة حربية مصرية... والقاهرة تشكك

سفن بحرية وقوارب مصرية خلال التدريب المصري - الروسي المشترك في أبريل الماضي (المتحدث العسكري المصري)
سفن بحرية وقوارب مصرية خلال التدريب المصري - الروسي المشترك في أبريل الماضي (المتحدث العسكري المصري)
TT

حديث إسرائيلي عن إطلاق نار على سفينة حربية مصرية... والقاهرة تشكك

سفن بحرية وقوارب مصرية خلال التدريب المصري - الروسي المشترك في أبريل الماضي (المتحدث العسكري المصري)
سفن بحرية وقوارب مصرية خلال التدريب المصري - الروسي المشترك في أبريل الماضي (المتحدث العسكري المصري)

قابل سياسيون وخبراء مصريون الحديث الإسرائيلي عن إطلاق «البحرية الإسرائيلية» النار على سفينة حربية مصرية داخل المياه الإقليمية لقطاع غزة، بالتشكيك في صحته، مؤكدين أن المزاعم الإسرائيلية تعكس مستوى الفتور والتوترات في العلاقات السياسية بين الطرفين.

وأشارت «قناة 13» العبرية، الخميس، إلى أن «سفينة مصرية دخلت المياه الإقليمية الإسرائيلية لفترة وجيزة، وتصرَّفت القوات الإسرائيلية وفقاً للإجراءات المتبعة، بطلب عودة السفينة المصرية، وبينما كانت تواصل سيرها نحو غزة، أطلقت السفن الحربية طلقات تحذيرية عليها؛ ما دفع السفينة للعودة أدراجها».

وتجاهلت القاهرة، حديث الإعلام العبري، ولم يصدر أي تعقيب رسمي من القوات المسلحة المصرية عن تلك الأنباء. وسعت «الشرق الأوسط» للحصول على ردٍّ رسمي من السلطات المصرية، إلا أنه لم يتسنَّ ذلك.

وهناك خلافات بين مصر وإسرائيل بشأن الأوضاع في قطاع غزة، حيث تحمِّل القاهرة حكومةَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار» المُوقَّع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى جانب الخلاف القائم بشأن فتح معبر رفح، في ظل رغبة إسرائيلية أن يكون باتجاه واحد، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا» الحدودي.

ورغم زعم القناة الإسرائيلية أن الجانب المصري أقرَّ بمسؤوليته عن حادث السفينة الحربية ضمن المياه الإقليمية لغزة، فإن عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، شكَّك في الرواية الإسرائيلية، خصوصاً مع عدم صدور أي تعليق مصري رسمي بشأنها، وقال: «إن حديث الإعلام العبري يأتي ضمن سلسلة ادعاءات متكررة عن خروق عسكرية من الجانب المصري».

وأوضح العمدة لـ«الشرق الأوسط»، أن الجانب الإسرائيلي يُروِّج مراراً لمثل هذه الادعاءات؛ «لتبرير خروقه وممارساته العدوانية»، وقال: «إن إسرائيل تحاول الافتئات على ثوابت ومحددات اتفاقية السلام المُوقَّعة معها»، إلى جانب «استهداف المصالح المصرية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «القاهرة تتعامل خارجياً وفق سياسة التوازن الاستراتيجي، الهادفة لحماية كل مقدرات أمنها القومي في المنطقة».

وبين الحين والآخر يخرج الجيش الإسرائيلي ببيانات رسمية يشير فيها إلى أنه «أسقط طائرة مُسيَّرة كانت تُهرّب أسلحة من الأراضي المصرية إلى إسرائيل» كما اتخذ قراراً بتحويل الحدود إلى «منطقة عسكرية مغلقة».

وسبق أن عدَّ رئيس «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر، ضياء رشوان، «اتهامات إسرائيل بتهريب السلاح من مصر خطاباً مستهلكاً». وأشار في تصريحات إعلامية إلى أن القاهرة «سئمت من هذه الادعاءات التي تُستخدَم لإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية كلّما واجهت الحكومة الإسرائيلية مأزقاً سياسياً أو عسكرياً».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

ويربط مساعد وزير الخارجية المصري سابقاً، وسكرتير أول السفارة المصرية السابق بتل أبيب، السفير رفعت الأنصاري، بين الحديث الإسرائيلي عن استهداف سفينة حربية مصرية، ومستوى التوتر في العلاقات بين الطرفين. وقال: «هناك حالة فتور في العلاقات السياسية، إلى جانب توتر في الجبهات العسكرية كافة»، مشيراً إلى أن «الحديث عن استهداف بحري يأتي ضمن الادعاءات الإسرائيلية عن خروقات برية وجوية يزعم الجانب الإسرائيلي مسؤولية مصر عنها».

ويرى الأنصاري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «إسرائيل تستهدف توجيه اتهامات متكررة بخروق أمنية من الجانب المصري، لاستخدامها ورقةً عند التفاوض بشأن الترتيبات الثنائية أو الأوضاع الإقليمية». وقال: «هذه الأحاديث تأتي في توقيت لا توجد فيه قنوات تواصل مباشر بين الطرفين، على وقع رفض القاهرة إرسال سفير لها أو اعتماد إسرائيلي».

وأشار إلى أن «مصر مستعدة عسكرياً للتعامل مع أي مغامرة إسرائيلية تمس أمنها القومي مباشرة»، مضيفاً أن «إسرائيل حينما لا تستطيع المواجهة الثنائية، فإنَّها تتجه لاستهداف المصالح بشكل غير مباشر في جبهات أخرى، مثلما يحدث في تحركاتها بالقرن الأفريقي و(أرض الصومال)».

ولا يختلف في هذا التقدير اللواء عادل العمدة، الذي أشار إلى أن «إسرائيل تعمل على تصدير الأزمات والتحديات للمجتمع المصري، رغم اتفاقية السلام المُوقَّعة معها منذ عام 1979»، مشيراً إلى أن «القاهرة لديها القدرة على التعامل مع كل التحديات التي تتعرَّض لها».

وتمارس القاهرة ضبط النفس بحكمة أمام الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة، وفق عضوة لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان)، أمل رمزي، وقالت: «إن مصر لديها خطوط حمراء في المنطقة لا تسمح بتجاوزها».


الموقف الأميركي من احتجاجات إيران بين التهديد والحذر

حشود من المحتجين الإيرانيين يجتمعون في ساحة طالقاني وسط كرج غرب طهران (تلغرام)
حشود من المحتجين الإيرانيين يجتمعون في ساحة طالقاني وسط كرج غرب طهران (تلغرام)
TT

الموقف الأميركي من احتجاجات إيران بين التهديد والحذر

حشود من المحتجين الإيرانيين يجتمعون في ساحة طالقاني وسط كرج غرب طهران (تلغرام)
حشود من المحتجين الإيرانيين يجتمعون في ساحة طالقاني وسط كرج غرب طهران (تلغرام)

قد يكون من المبكر الجزم بأن النظام الحاكم في إيران بات على وشك السقوط، إلا أن ما تشهده البلاد منذ أسابيع يضع طهران أمام أخطر اختبار داخلي منذ سنوات طويلة، فالاحتجاجات التي اندلعت على خلفية الانهيار الاقتصادي وسقوط العملة الوطنية، سرعان ما تمددت جغرافياً واجتماعياً، وخرجت من إطار المطالب المعيشية لتلامس جوهر النظام السياسي نفسه.

ومع اتساع رقعة الإضرابات، لا سيما في البازار وقطاع النفط، تحول الغضب الشعبي إلى أزمة سياسية ذات أبعاد وجودية. وفي قلب هذه التطورات، يبرز العامل الأميركي بوصفه أحد أكثر العناصر حساسية وتأثيراً، ليس فقط بسبب تاريخ الصراع الطويل بين واشنطن وطهران، بل أيضاً بفعل اللهجة غير المسبوقة التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وما رافقها من تفاعل سياسي وإعلامي داخل الكونغرس عكس انقساماً محسوباً في مقاربة الأزمة الإيرانية.

مسيرة احتجاجية في طهران ليل الخميس (رويترز)

تهديدات مباشرة ورسائل ردع

منذ الأيام الأولى لتصاعد الاحتجاجات، اختار ترمب الخروج عن القاموس الدبلوماسي التقليدي. ففي مقابلات وتصريحات متتالية، أكد أنه يتابع ما يجري في إيران «من كثب»، معرباً عن اعتقاده أن البلاد «على وشك الانهيار»، غير أن الأهم لم يكن توصيفه للوضع، بل تحذيراته العلنية للنظام الإيراني من مغبة الاستمرار في قمع المتظاهرين.

تحدث ترمب صراحة عن إطلاق النار على محتجين عزل وعمليات اعتقال وإعدام، وعدّ ما يجري «سلوكاً وحشياً»، مشدداً على أنه أبلغ طهران بأن أي تصعيد دموي سيقابَل بـ«ضربات قاسية جداً» من الولايات المتحدة.

هذه اللغة تمثل محاولة ردع سياسية ونفسية أكثر منها إعلاناً عن خطة عسكرية وشيكة، فهي تضغط على القيادة الإيرانية وتبعث برسالة دعم معنوي إلى الشارع المحتج، لكنها في الوقت نفسه تُبقي الغموض قائماً بشأن طبيعة أي تحرك أميركي محتمل.

بدوره، عبّر نائب الرئيس جي دي فانس عن موقف متقاطع، إذ كتب على منصة «إكس» أن واشنطن «تدعم كل من يمارس حقه في الاحتجاج السلمي»، مشيراً إلى أن «نظام الجمهورية الإسلامية يعاني مشكلات عميقة»، ومكرراً دعوة ترمب إلى «مفاوضات حقيقية» بشأن البرنامج النووي، مع ترك مسألة الخطوات المستقبلية لتقدير الرئيس.

دعم الشارع من دون تبنّي بديل

ورغم وضوح دعم ترمب للاحتجاجات، تتجنب إدارته حتى الآن الذهاب خطوة أبعد في مسألة «اليوم التالي». وقد ظهر هذا التردد في موقفه من رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، الذي عاد اسمه إلى الواجهة بوصفه أحد رموز المعارضة في الخارج. فعلى الرغم من وصف ترمب له بأنه «شخص لطيف»، فإنه تحفّظ عن عقد لقاء رسمي معه، مؤكداً أن الوقت لا يزال مبكراً لتحديد من يمكن أن يمثل فعلاً إرادة الإيرانيين.

يعكس هذا الحذر إدراكاً أميركياً لحساسية المشهد الإيراني، في ضوء تجارب سابقة في المنطقة، من العراق إلى ليبيا، حيث أدت رهانات مبكرة على بدائل سياسية إلى نتائج كارثية، كما أن أي دعم أميركي علني لشخصية معارضة محددة قد يمنح النظام الإيراني ذريعة لتعزيز روايته عن «مؤامرة خارجية»، وهي رواية لجأ إليها بالفعل المرشد علي خامنئي والإعلام الرسمي.

الاقتصاد في قلب الحسابات

إلى جانب الخطاب السياسي، تحتل الورقة الاقتصادية موقعاً مركزياً في الحسابات الأميركية. وزير الخزانة سكوت بيسنت وصف الاقتصاد الإيراني بأنه «على حافة الانهيار»، مشيراً إلى تضخم مرتفع وتآكل حاد في مستوى المعيشة، نتيجة العقوبات وسوء الإدارة، ولم تكن هذه التصريحات مجرد توصيف تقني، بل رسالة سياسية مفادها أن واشنطن ترى في الأزمة الاقتصادية عامل ضغط قد يعجّل بتآكل قدرة النظام على الصمود.

فالاقتصاد ليس فقط الشرارة التي أطلقت الاحتجاجات، بل أحد مفاتيح مستقبلها. واستمرار الإضرابات، لا سيما في قطاع النفط، يهدد الشريان الرئيسي لإيرادات الدولة، ما يضاعف الضغوط ويقلّص هامش المناورة. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن مقتنعة بأن الزمن يعمل ضد طهران، وأن ترك الأزمة تتفاعل داخلياً قد يكون أكثر فاعلية من أي تدخل مباشر.

صمت الحلفاء وحدود الدعم الدولي

عامل آخر يراقبه صانع القرار الأميركي يتمثل في الموقف الدولي، لا سيما صمت روسيا والصين؛ فهاتان الدولتان اللتان وفرتا لإيران مظلة سياسية واقتصادية في السنوات الأخيرة، تبدوان غير راغبتين أو غير قادرتين على التدخل لإنقاذ النظام من أزمته الداخلية. هذا الصمت يمنح واشنطن هامشاً أوسع لتصعيد خطابها من دون الخشية من مواجهة دولية كبرى.

في المقابل، تحرص الإدارة الأميركية على تفادي الظهور بمظهر من يقود عملية تغيير النظام في إيران؛ فالدعم المعلن يظل محصوراً في الإطار الأخلاقي والإنساني، أي حماية المتظاهرين ومنع المجازر، لا في رسم ملامح نظام بديل، في مقاربة توازن بين استثمار ضعف الخصم، وتفادي الانزلاق إلى سيناريو فوضوي.

الكونغرس... انقسام محسوب

لم يقتصر التفاعل الأميركي على البيت الأبيض، بل امتد إلى الكونغرس، حيث عكست المواقف انقساماً منضبطاً. لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب هاجمت النظام الإيراني في تغريدة على «إكس»، واصفة إياه بـ«الديكتاتور الذي يقف منذ عقود على جثث الإيرانيين المطالبين بالتغيير».

في المعسكر الجمهوري، برز اصطفاف واضح خلف ترمب. السيناتور ليندسي غراهام كتب أن الرئيس الأميركي «على حق تماماً»، وأنه «يقف مع شعب إيران ضد القمع الوحشي»، داعياً إلى «جعل إيران عظيمة مرة أخرى».

أما السيناتور تيد كروز فرأى أن الاحتجاجات كشفت «الهشاشة البنيوية» للنظام، وأن الإيرانيين «لا يهتفون لإصلاحات شكلية، بل لنهاية حكم الملالي».

في المقابل، عبّر الديمقراطيون عن تضامن مع المحتجين بنبرة أكثر حذراً. السيناتور كريس مورفي شدد على أن الإيرانيين «يستحقون مستقبلهم بأيديهم، لا عبر قنابل أميركية»، محذراً من أن التدخل العسكري قد يقوّض الحراك. أما بيرني ساندرز فرأى أن الولايات المتحدة يجب أن تكون «إلى جانب حقوق الإنسان، لا أن تكرر أخطاء تغيير الأنظمة بالقوة».

وفي مجلس النواب، أثارت النائبة ياسمين أنصاري جدلاً إضافياً حين أكدت دعمها للشعب الإيراني، لكنها حذرت من تمكين منظمة مجاهدي خلق، واصفة إياها بأنها «جماعة متطرفة تفتقر إلى الشرعية». في المقابل، تبنى نواب جمهوريون مثل كلوديا تيني وماريو بالارت خطاباً أكثر حدة، داعين إلى الوقوف الواضح مع «الإيرانيين الشجعان الذين يقاتلون من أجل حريتهم».

يعكس هذا التباين مشهداً أميركياً معقداً: الجمهوريون يرون في اللحظة الإيرانية فرصة لتأكيد صوابية نهج ترمب القائم على الضغط والردع، بينما يخشى الديمقراطيون من أن يتحول الدعم اللفظي إلى تورط غير محسوب. ومع ذلك، يلتقي الطرفان عند نقطة أساسية: تحميل النظام الإيراني مسؤولية العنف والانهيار الاقتصادي، واعتبار ما يجري تحدياً غير مسبوق لشرعيته.

في المحصلة، يمنح هذا الاصطفاف النسبي ترمب هامش حركة داخلياً، من دون فرض إجماع على التدخل؛ فواشنطن، كما يعكسها خطاب البيت الأبيض ونقاش الكونغرس، تفضل في هذه المرحلة مراقبة التصدعات من الداخل الإيراني، مع إبقاء كل الخيارات على الطاولة، بانتظار ما ستقرره شوارع إيران.