شرائح دماغية تتيح التحكم بالأجهزة عبر التفكير... ماذا نعرف عنها؟

ابتكرتها شركة «نيورالينك» المملوكة لإيلون ماسك

إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
TT

شرائح دماغية تتيح التحكم بالأجهزة عبر التفكير... ماذا نعرف عنها؟

إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)

في مطلع العام الماضي، أعلن رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك أن شركته «نيورالينك» قد نجحت في زراعة أول شريحة دماغية لا سلكية في إنسان. وأعرب أن النتائج الأولية أظهرت اكتشافاً واعداً لتحفيز الخلايا العصبية، مع إعلان أن المريض يتعافى بشكل جيد.

واليوم (الأربعاء) أعلنت الشركة ذاتها أنه جرى زرع شرائح الدماغ التي تصنعها لدى 12 شخصاً حول العالم. فماذا نعرف عن الشرائح الدماغية؟ وكيف تعمل؟

ماذا نعرف عن شركة «نيورالينك»؟

تأسست شركة «نيورالينك» من قبل إيلون ماسك في عام 2017، وهي تسعى إلى تطوير واجهة بين الدماغ والحاسوب تمكّن المصابين بإصابات خطيرة من التحكم في الهواتف، وأجهزة الكمبيوتر عبر التفكير فحسب، وذلك من خلال زرع أقطاب كهربائية داخل أدمغتهم.

وشركة «نيورالينك» هي شركة أميركية تعمل في مجال التكنولوجيا العصبية، وتُطوّر واجهات بين الدماغ والحاسوب (BCIs) قابلة للزرع داخل الجسم، ويقع مقرها الرئيس في فيرمونت–كاليفورنيا، وتخطط لبناء منشأة ضخمة قرب أوستن، تكساس.

أبرز ابتكارات الشركة

ابتكرت «نيورالينك» جهازاً مزوّداً بخيوط رفيعة جداً (عرضها بين 4–6 ميكرومترات) تُزرع في الدماغ عبر روبوت جراحي لضبط مواقعها بدقة، وفي فبراير (شباط) 2024، أعلن ماسك أن أول مريض بشري زُرعت له الشريحة يستطيع التحكم في مؤشر الفأرة عبر التفكير، مع تعافٍ جيد بعد الجراحة، وفق ما أوردت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وأُجريت كذلك تجارب أخرى على أشخاص مصابين بالشلل ليتمكنوا من التحكم بنفس النمط، حيث نجحوا في اللعب، وبرمجة التصاميم ثلاثية الأبعاد بأفكارهم فقط.

شعار شركة «نيورالينك» أمام صورة لإيلون ماسك (رويترز)

وفي عام 2025، ارتفع عدد المتلقين للشريحة إلى 9 أشخاص، مع هدف بلوغ 20 مريضاً يُزرع لهم الجهاز بنهاية العام. كما أعلنت الشركة عن خطط لتوسيع التجارب إلى المملكة المتحدة بالتعاون مع مستشفيين في جامعتي لندن كولدج، ونيوكاستل في دراسات سريرية جديدة، وفق تقرير سابق لوكالة «رويترز» للأنباء.

وحتى اليوم، وصل عدد المستفيدين إلى 12 شخصاً حول العالم، مع أكثر من 15000 ساعة استخدام عبر الأفكار، وتراكم أكثر من 2000 يوم تجربة.

ما المقصود بشرائح الدماغ؟

شرائح الدماغ هي رقائق إلكترونية دقيقة تُزرع في الدماغ لالتقاط الإشارات العصبية، أو لتحفيز مناطق معينة. وتعمل بوصفها واجهة بين الدماغ والآلة، بحيث تُحوّل النشاط العصبي إلى إشارات رقمية يمكن للحاسوب أو الجهاز قراءتها، والعكس.

والهدف منها هو:

o استعادة القدرات المفقودة (مثلاً الحركة، أو النطق بعد الشلل، أو السكتة الدماغية).

o التحكم في الأطراف الاصطناعية، أو الكراسي المتحركة بالتفكير فقط.

o علاج أمراض مثل الشلل الرعاش (باركنسون) أو الصرع عبر التحفيز العميق.

o وفي المشاريع الطموحة (مثل «نيورالينك» لإيلون ماسك): دمج الإنسان بالذكاء الاصطناعي، أو زيادة قدراته الإدراكية.

تطور فكرة شرائح الدماغ تاريخياً

بدأت تجارب واجهات الدماغ تتشكل في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث أُجريت أولى عمليات زرع الأقطاب الكهربائية في أدمغة الحيوانات، وأحياناً البشر، وكان الهدف الأساسي هو علاج مشكلات طبية مثل الصرع، وفهم النشاط العصبي عبر الخلايا، مما وضع الأساس لتطور هذا المجال العلمي.

عمل تحفيز للدماغ عن طريق زرع قطب كهربي تحت قشرة دماغ فأر مصاب بمرض مزمن (رخصة المشاع الإبداعي عبر ويكيبيديا)

ومع دخولنا التسعينات من القرن الماضي، ظهر مصطلح «واجهة دماغ» رسمياً، وقد شهدت هذه الحقبة إجراء أولى التجارب الناجحة التي سمحت لمرضى مشلولين بتحريك مؤشر على شاشة الكمبيوتر عبر التفكير فقط، وهو تحول نوعي من البحث العلمي إلى إمكانية التواصل المباشر بين العقل والآلة.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، شهد المجال قفزة ضخمة مدفوعة باندماج تقنيات الإلكترونيات الدقيقة والذكاء الاصطناعي. فقد تطوّرت تقنيات مثل التحفيز العميق للدماغ لعلاج أعراض مرض باركنسون، وغيرها من اضطرابات الحركة، وفق ما أوردت ورقة علمية نشرت في «ساغا جورنالس».

هذه التقنية التي ظهرت في أواخر الثمانينات من القرن الماضي نالت تقديراً واسعاً، وأُدخلت بشكل تجاري بعد عقود من التجارب المستمرة، بينما بدأت الأبحاث تتجه نحو تطوير أنظمة تحفيز «مغلقة الحلقة» تتكيف مع النشاط العصبي للمريض بشكل ديناميكي.

وعلى الجانب الأكاديمي والتطبيقي، توسع نشاط الجامعات -مثل براون ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- في تطوير شرائح قابلة للزرع تهدف لاستعادة الحركة، والكلام، بينما تحوّل المشروع من مجرد بحث إلى تجربة واقعية بدأت تؤتي ثمارها في مختبرات متقدمة.

كيف تعمل شرائح الدماغ؟

وطورت شركة «نيورالينك» روبوتاً جراحياً مخصصاً لإجراء عملية الزرع، حيث يقوم الروبوت بإدخال الشريحة وسلسلة من الأقطاب الكهربائية والأسلاك فائقة الدقة داخل جمجمة المستخدم، حيث ترسل الشريحة إشارات الدماغ لا سلكياً إلى تطبيق تابع لـ«نيورالينك»، فيتم تحويل هذه الإشارات إلى أفعال ونيات، ويتم شحن الشريحة لا سلكياً.

وبدلاً من إجراء جراحة دماغية مفتوحة، يُزرع الجهاز في الوريد الوداجي في رقبة الشخص، ثم يُنقل إلى الدماغ عبر وعاء دموي. وقال ريكي بانيرجي، كبير مسؤولي التكنولوجيا في الشركة: «يلتقط الجهاز الإشارة عندما يفكر الشخص في النقر بإصبعه، أو عدم النقر». وأضاف في تصريحات سابقة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «بقدرته على التقاط هذه الاختلافات، يمكنه إنشاء ما نسميه مخرجات حركية رقمية».

جدل قانوني وأخلاقي

ولم تُسجل حتى الآن كوارث جماعية بسبب الشرائح الدماغية، لأنها لا تزال في مراحل تجريبية، ومحدودة، ومعظم التجارب تقتصر على مرضى يعانون أمراضاً خطيرة.

في مايو (أيار) 2023، منحت هيئة الغذاء والدواء الأميركية (إف دي إيه) شركة «نيورالينك» الموافقة لبدء تجارب بشرية على شريحتها العصبية، وذلك بعد سلسلة من الرفض الأولي الذي جاء بسبب مخاوف تتعلق بسلامة المتطوعين، والالتزام بالمعايير التنظيمية، وجاء هذا الترخيص عقب إجراء الشركة لعدد كبير من تجارب الزرع على الحيوانات، التي قوبلت بانتقادات واسعة، إذ وثقت تقارير وجود نقص في توثيق عمليات المعايرة، وخلافات في ضبط الجودة داخل مختبراتها في كاليفورنيا.

كما أظهرت التحقيقات قيام الشركة باستخدام إجراءات مختبرية متسارعة، ما أسفر عن معاناة بعض الحيوانات، وقد أدّى ذلك إلى إثارة تساؤلات من جهات رقابية ومجموعات لحقوق الحيوان حول أخلاقيات التجارب، ومدى التزام «نيورالينك» بأفضل معايير الرعاية، وفق تقرير سابق لوكالة «رويترز» للأنباء.

وكان أربعة مشرعين طلبوا في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) من لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية التحقيق فيما إذا كان ماسك قد ضلل المستثمرين بشأن سلامة تقنيات «نيورالينك» بعد أن أظهرت السجلات البيطرية مشكلات في عمليات زرع الشريحة في أدمغة القرود، منها الشلل، وتورم الدماغ، وفق ما أفادت وسائل إعلام أميركية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وقال موظفون سابقون بالشركة، لوكالة «رويترز» للأنباء، إنه في إحدى الحالات جرى زرع الجهاز في موضع خاطئ بالخنازير، مما أدى إلى نُفوقها.

«لا سيطرة لا خصوصية»

وكان الأميركي من ولاية أريزونا نولاند أربو أول من حصل على شريحة دماغية من «نيورالينك» في 2024، وقد أصيب بشلل أسفل الكتفين في حادث غوص عام 2016. وكانت إصاباته بالغة، لدرجة أنه خشي ألا يتمكن من الدراسة، أو العمل، أو حتى ممارسة الألعاب مرة أخرى، وقال: «لا سيطرة لك، لا خصوصية لك، وهذا أمر صعب. عليك أن تتعلم أن عليك الاعتماد على الآخرين في كل شيء».

صورة مركبة لنولاند أربو المصاب بشلل رباعي وهو يلعب الشطرنج بعد زرع شريحة الدماغ (أرشيفية - رويترز)

تسعى شريحة «نيورالينك» إلى استعادة جزء بسيط من استقلالية أربو السابقة، من خلال السماح له بالتحكم في جهاز كمبيوتر بعقله. وخضع أربو، البالغ من العمر ٣١ عاماً، لعملية جراحية في معهد بارو للأعصاب في فينيكس، وهو على بُعد ساعتين ونصف تقريباً من منزله في يوما، لزرع شريحة تجريبية في دماغه كانت «نيورالينك» تعمل عليها، وتختبرها على الحيوانات على مدار السنوات التسع الماضية.

تم تخدير أربو، وفي عملية جراحية استغرقت أقل من ساعتين، زُرعت الشريحة بواسطة جهاز جراحي آلي من صنع «نيورالينك»، ووصلت خيوط دقيقة مزودة بأكثر من ألف قطب كهربائي بالخلايا العصبية في دماغه. والآن، يستطيع الجهاز قياس النشاط الكهربائي، ومعالجة الإشارات، ثم ترجمتها إلى أوامر تُرسل إلى جهاز رقمي. ببساطة، تُمكّن واجهة الدماغ أربو من التحكم في جهاز الكمبيوتر بعقله. ونتيجةً لذلك، يستطيع أربو القيام بأشياء مثل لعب ماريو كارت، والتحكم في جهاز التلفزيون، وتشغيل وإيقاف جهاز دايسون لتنقية الهواء دون تحريك أصابعه، أو أي جزء آخر من جسمه.


مقالات ذات صلة

صحتك الأشخاص الذين ينامون باكراً يتمتعون بصحة قلبية أفضل (رويترز)

دراسة: توقيت النوم يؤثر على احتمالية الإصابة بالنوبة القلبية والسكتة الدماغية

يحصل البالغون الذين يميلون إلى السهر ليلاً على درجات أقل في تقييمات صحة القلب والأوعية الدموية، ويواجهون خطراً أكبر للإصابة بالنوبة القلبية أو السكتة الدماغية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يلعب النظام الغذائي دوراً محورياً في التحكم بمستويات ضغط الدم (رويترز)

أسوأ الأطعمة والمشروبات لضغط الدم

يُعدّ ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً، وغالباً ما يتطور بصمت دون أعراض واضحة، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، والسكتات الدماغية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك حليب كامل الدسم (أرشيفية - رويترز)

هل الجبن عالي الدسم مفيد لصحة الدماغ؟

بعد سنوات من الترويج للخيارات قليلة أو منزوعة الدسم، توصي الإرشادات الغذائية الجديدة الآن باختيار الألبان كاملة الدسم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك البيض من الأطعمة الأساسية على مائدة الإفطار (بيكساباي)

كيف يمكن لبيضة واحدة يومياً أن تعزز صحة الدماغ؟

بحث جديد نُشر بمجلة التغذية والصحة والشيخوخة ببريطانيا قال إن تناول ما بين ثلاث وسبع بيضات أسبوعياً قد يُساعد في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في السن

«الشرق الأوسط» (لندن)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».