إرث عربي يصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي العادل

من بغداد وقرطبة… إلى نيوم

إرث عربي يصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي العادل
TT

إرث عربي يصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي العادل

إرث عربي يصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي العادل

بينما تركز المختبرات الغربية على تفوق الآلة، تحمل رؤية 2030 فرصة فريدة لصياغة خوارزميات تُنصف الإنسان لا تنحاز ضده

إرثٌ يضيء الماضي

في التاريخ لحظات لا تموت، بل تبقى كالجذور التي تسقي المستقبل. حين نتأمل مسار الذكاء الاصطناعي اليوم، نكتشف أنّه ليس سليل وادي السيليكون وحده، بل ابن حضاراتٍ سبقت حين جمعت بين العقل والعدالة.

العقل بلا عدالة - سلاح ضد الإنسان

في بغداد، يوم وُلد «بيت الحكمة»، لم يكن العلم ترفاً ولا مجرّد تراكم معارف، بل مشروعاً ينسج الخيوط بين الرياضيات والفلسفة والطب، ليجعل من المعرفة جسراً يخدم الإنسان. هناك كتب الخوارزمي كتابه الذي صار بذرة الخوارزميات، ومن هناك انتقلت شعلة الفكر إلى قرطبة، حيث كان ابن رشد يؤكد أنّ العقل بلا عدالة يتحوّل إلى سلاحٍ ضد الإنسان.

دورة حضارية تنطلق من «نيوم»

اليوم، وبينما تُصاغ معادلات جديدة في مختبرات الغرب تسعى للتفوّق العددي والقوة التقنية، يطلّ من الشرق مشروع مختلف: رؤية 2030. مشروع لا يريد فقط خوارزميات أقوى، بل خوارزميات أعدل. هنا، في قلب نيوم و«ذا لاين»، تحاول المملكة أن تستعيد المعنى الأصيل للعلم: أن يكون أداة تحرير لا أداة هيمنة، وأن يحفظ للإنسان كرامته قبل أن يحسب نبضه أو يقرأ جيناته.

إنها دورة حضارية تستأنف مسارها، من بغداد وقرطبة إلى نيوم، لتقول للعالم: المستقبل لا يُكتب بالأرقام وحدها، بل بالقيم التي تضيء تلك الأرقام. فهل نستطيع اليوم أن نكتب خوارزميات لا تُسابق الزمن فقط، بل تُنصف الإنسان؟

من هيمنة الغرب إلى انكشاف التحيّز

بعد قرون من انتقال مركز الثقل العلمي من بغداد وقرطبة إلى الغرب، صار وادي السيليكون وأوروبا والصين هي المحرّك الرئيسي لصناعة الذكاء الاصطناعي. هناك تُبنى الخوارزميات وتُدرَّب النماذج على ملايين البيانات، وتُسوَّق على أنها «عالمية» وقادرة على خدمة كل إنسان. لكن خلف هذا البريق يختبئ خلل جوهري: التحيّز البنيوي.

تحيّز بنيوي

في الطب مثلاً، كشفت دراسة حديثة منشورة في مجلة «ذا لانسيت» للصحة الرقمية Lancet Digital Health أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المصممة لتشخيص سرطان الجلد تعمل بكفاءة عالية على صور مرضى من ذوي البشرة البيضاء، لكنها تتراجع بشكل مثير للقلق حين تواجه بشرة سمراء أو داكنة. النتيجة: أورام تُغفل، وتشخيصات تتأخر، وأرواح توضع على المحك، لا بسبب قلة الذكاء، بل بسبب قلة العدالة في البيانات.

وليس الطب وحده ساحة لهذا الخلل؛ ففي قطاع التمويل، أثبتت تقارير مستقلة أن خوارزميات البنوك في الولايات المتحدة منحت أصحاب البشرة البيضاء والأحياء السكنية الثرية فرصاً أكبر للحصول على قروض، بينما شددت القيود على الأقليات والفقراء، ورفعت عليهم نسب الفائدة بلا مبرر. وهكذا تحوّل «الذكاء الاصطناعي» من أداة يُفترض أن تُعزّز العدالة الاقتصادية إلى آلة تُعيد إنتاج التمييز الاجتماعي بدقة حسابية باردة.

نسخة رقمية من ظلم قديم

إن ما نراه اليوم ليس سوى إعادة لصدى ما قاله ابن خلدون قبل قرون: «الحقائق إنما تُفهم في سياق العمران وأحوال الناس». فالخوارزميات ليست «محايدة» كما يُروَّج لها، بل تعكس تضاريس البيئة التي صيغت فيها. ومع أن التقنية ترفع شعار العالمية، تظل بياناتها أسيرة المركزية الغربية والشرقية؛ فلا ترى الآلة إلا ما يراه صانعها... ولا تسمع إلا صوته. وهنا تتجلى المفارقة: ذكاء بلا عدالة ليس إلا نسخة رقمية من ظلم قديم، لكن بوجه عصري أنيق.

«ذا لاين» ونيوم: ملامح مستقبل مختلف

في الغرب، تُقاس معظم المشروعات التكنولوجية بميزان الأرباح وسرعة السيطرة على الأسواق، وكأن الهدف الأسمى للتقنية هو تعظيم النفوذ الاقتصادي وحده. فـ«وادي السيليكون» يُقدَّم نموذجاً للابتكار الرقمي، لكنه غارق في تناقضات اجتماعية صارخة: بطالة مقنّعة، فجوات هائلة في الثروة، وهيمنة شركات عملاقة تملك البيانات أكثر مما تملك الدول. أما مدن مثل شنغهاي الذكية، فرغم إنجازاتها الهائلة في البنية التحتية والتقنية الرقمية، فإنها لا تزال محكومة بمنطق السيطرة، حيث يُسخَّر الإنسان للتقنية أكثر مما تُسخَّر التقنية للإنسان.

في المقابل، تطرح المملكة عبر رؤية 2030 منظوراً مغايراً. فمشروع «ذا لاين» في قلب نيوم ليس مجرد هندسة معمارية عملاقة، بل هندسة معرفية تقوم على جعل الذكاء الاصطناعي حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية: من إدارة الطاقة إلى التعليم والصحة والنقل. لكنه يتجاوز حدود البرمجيات ليقدّم بعداً غائباً عن معظم النماذج الغربية: البعد البيئي - الاستدامة. فالمدينة مصممة لتعمل بالطاقة المتجددة، ولتُدار مواردها الطبيعية بذكاء يضمن الحفاظ عليها للأجيال المقبلة. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لحماية الكوكب لا لاستنزافه، ولحماية الإنسان لا لاستغلاله.

إحياء فكرة التوازن بين العقل والبيئة

إن تفرد «ذا لاين» يكمن في هذه الفلسفة الجديدة: فلسفة لا ترى في التقنية سباقاً للأرقام أو وسيلة للهيمنة، بل إطاراً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة والطبيعة معاً. والذكاء هنا ليس خوارزمية للحساب وحدها، بل بنية أخلاقية لإعادة توزيع العدالة، وتكريس الشمول، وإحياء فكرة التوازن بين العقل والبيئة.

وكما كانت بغداد في زمن الخوارزمي وقرطبة في زمن ابن رشد منصتين عالميتين لتداول العلم والفكر، يمكن لـ«نيوم» و«ذا لاين» أن تتحوّلا إلى منصتين عالميتين لإعادة صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي: مستقبل لا يُقاس بسرعة الحسابات فحسب، بل بعمق إنصافه للإنسان، ومدى انسجامه مع الأرض التي يعيش عليها.

العدالة كشرط للذكاء

التاريخ لا يروي لنا أن الحضارات ارتقت بالعلم وحده، بل بالعدل الذي صان ثمار ذلك العلم، وضمن أن يبقى في خدمة الإنسان. فـبغداد لم تكن مجرد دارٍ للحسابات والأرقام، بل بيت حكمة حيث التقت الرياضيات بالفلسفة، والطب بالأخلاق، ليصبح العلم مشروعاً يحمل مسؤولية تجاه المجتمع. وقرطبة لم تكن مكتبة ضخمة فحسب، بل فضاءً فكرياً احتضن أسئلة الحرية والحق ومعنى أن يكون العقل خادماً للإنسان لا سيداً عليه.

اليوم، ونحن على أعتاب عصر الذكاء الاصطناعي، يظل المبدأ نفسه حيّاً: لا ذكاء بلا عدالة. فالخوارزميات قد تُبهرنا بقدرتها على التنبؤ ودقة معالجتها، لكنها إن افتقدت البوصلة الأخلاقية تحوّلت إلى سلاح بارد يعيد إنتاج التمييز والظلم، لكن بلغة الأرقام والإحصاءات هذه المرة. هنا يصبح الظلم أكثر قسوة لأنه ممهور بختم «العلم» ومُغلف بواجهة «الحياد».

إن دور العرب في هذا المنعطف التاريخي ليس أن يكونوا مجرد مستهلكين للتقنية، بل صانعين لفلسفتها. فإذا أحسنا استثمار تراثنا الأخلاقي ورؤيتنا المستقبلية، فإننا لا نضيف إلى العالم آلة أسرع فحسب، بل معنىً أعمق: ذكاءً إنسانياً عادلاً يجعل من التقنية جسراً يوحّد البشرية بدل أن يُقسّمها.

فهل نملك الشجاعة لنقول للعالم إن الذكاء بلا عدالة ليس ذكاءً؟

من بغداد إلى نيوم... دورة جديدة للتاريخ

قد يظن البعض أن الربط بين بغداد وقرطبة من جهة، و«نيوم» و«ذا لاين» من جهة أخرى، مجرد استعارة تاريخية أو حنين إلى الماضي. لكنه في جوهره استدعاء لدورة حضارية تتجدد بأدوات مختلفة ولأهداف أوسع. فكما تحوّلت مدننا في الماضي إلى مناراتٍ للعالم، تُصدّر العلم والفلسفة والفكر النقدي، يمكن أن تتحول مدننا الجديدة اليوم إلى مختبرات كبرى للإنسانية تُعيد صياغة الذكاء الاصطناعي، لا كأداة للهيمنة، بل كفضاء للعدالة والشمول.

إننا لسنا محكومين أن نكون مجرد مستهلكين للتقنيات القادمة من الغرب أو الشرق. بل نملك، من خلال «رؤية 2030» وما تحمله من مشروعات جريئة مثل «نيوم» و«ذا لاين»، فرصة تاريخية لنكون صانعي الفلسفة والأخلاقيات التي تُوجّه هذه التقنيات. فكما كان الخوارزمي لا يكتفي بالحساب بل يضع منهجاً للفكر، وكما كان ابن رشد يربط العقل بالعدالة، يمكننا اليوم أن نعيد إحياء هذا الإرث، ونضيف إليه بعداً معاصراً.

بهذا المعنى، لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد «آلة باردة» تُعيد إنتاج بيانات منحازة، بل مشروعاً إنسانياً جامعاً يعكس تنوع البشر وثراءهم، ويضع العدالة في صلب معادلة المستقبل. وهكذا، تُفتح دورة جديدة للتاريخ: من بغداد وقرطبة التي أشرقت بالعلم، إلى «نيوم» و«ذا لاين» اللتين تحملان شعلة العدالة الرقمية لعالم يتعطش إليها. وكما قال ابن رشد: «العدل أساس العمران».

قوة رقمية ببوصلة أخلاقية

إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُقاس بقدرة الخوارزميات على الحساب وحدها، ولا بسرعة معالجتها للبيانات، بل بمدى قدرتها على أن تكون جسراً للعدالة والكرامة الإنسانية. فالقوة الرقمية بلا بوصلة أخلاقية لا تساوي أكثر من آلة باردة تُعيد تدوير التحيّز في ثوب علمي أنيق.

من بغداد حيث صيغ العقل كمنهج، وقرطبة حيث رُبط الفكر بالحرية والعدل، إلى «نيوم» و«ذا لاين» حيث يُصاغ الغد برؤية جديدة، يدور التاريخ ليذكّرنا أن العلم بلا عدل قاصر، وأن التقنية بلا روح فارغة.

لقد آن الأوان أن نعيد تعريف الذكاء الاصطناعي لا كأداة للهيمنة، بل كامتداد لفلسفة إنسانية تُنصف البشر جميعاً. فالتاريخ لا يسأل عن سرعة الحسابات، بل عن معنى ما يُحسب. والسؤال الأعمق الذي يواجهنا اليوم:

هل نمتلك الشجاعة لنصنع ذكاءً يُنصف الإنسان، كما تسعى إليه «رؤية 2030» في العالم العربي، أم نتركه على الطريقة الغربية يتحوّل إلى منظومة تُجمّل الظلم وتؤبّده بلغة الأرقام؟


مقالات ذات صلة

«البنتاغون» يتفق مع 7 شركات ذكاء اصطناعي لاستعمال برامجها في «عمليات سرية»

الولايات المتحدة​ مقر وزارة الحرب الأميركية (رويترز) p-circle

«البنتاغون» يتفق مع 7 شركات ذكاء اصطناعي لاستعمال برامجها في «عمليات سرية»

أعلنت وزارة الحرب الأميركية، الجمعة، إبرام اتفاقات مع 7 شركات تكنولوجيا تتيح لها استعمال برامجها للذكاء الاصطناعي في عمليات سرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ركاب ينتظرون القطارات بمحطة مترو في تايبيه (رويترز)

تايوان تسجل أسرع نمو اقتصادي منذ 4 عقود في الربع الأول من العام

أعلنت «وكالة الإحصاء» الحكومية التايوانية، الخميس، أن اقتصاد تايوان، القائم على التكنولوجيا، سجل أسرع وتيرة نمو له منذ نحو 4 عقود خلال الربع الأول من العام...

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
علوم هل يزيد الذكاء الاصطناعي إنتاجيتك فعلاً؟

هل يزيد الذكاء الاصطناعي إنتاجيتك فعلاً؟

الاعتماد عليه قد يبطئ بناء المهارات في بداية المسيرة المهنية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا روبوت بشري الشكل يدفع حاوية خلال عرض إعلامي في مطار هانيدا بطوكيو (إ.ب.أ)

مشهد من المستقبل... مطار ياباني يبدأ استخدام روبوتات بشرية في مناولة الأمتعة

تتجه اليابان إلى إدماج الروبوتات الشبيهة بالبشر في العمليات اليومية داخل مطاراتها، في محاولة لمواجهة التحديات المتزايدة المرتبطة بنقص العمالة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
خاص تكشف المخاوف المرتبطة بنموذج «أنثروبيك» عن تحول أوسع في المخاطر السيبرانية (رويترز)

خاص «كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف «أنثروبيك» تعكس تحولاً أوسع بالمخاطر السيبرانية

تكشف مخاوف «أنثروبيك» تحولاً أوسع حول إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل المخاطر السيبرانية على البنوك ما يوسع الهجوم والدفاع معاً بسرعة

نسيم رمضان (لندن)

هل يزيد الذكاء الاصطناعي إنتاجيتك فعلاً؟

هل يزيد الذكاء الاصطناعي إنتاجيتك فعلاً؟
TT

هل يزيد الذكاء الاصطناعي إنتاجيتك فعلاً؟

هل يزيد الذكاء الاصطناعي إنتاجيتك فعلاً؟

يُبشِّر استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل بتحقيق مكاسب إنتاجية كبيرة. وقد يُشعرك استخدام روبوتات الدردشة بزيادة الإنتاجية، لأنها مصممة لخلق تفاعل من المستخدمين. ولكن، عليك أن تكون أكثر دقة في حساب التكاليف (وتكاليف الفرصة البديلة) والفوائد الملموسة لعملك، إذ سيساعدك ذلك على تحديد ما إذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي يستحق العناء.

اعتبارات رئيسية

إليك ثلاثة اعتبارات رئيسية:

1. احسب الوقت الذي تقضيه في استخدام الذكاء الاصطناعي. عندما بدأ الناس بتحليل سلبيات الهواتف الذكية، كانت إحدى أهم البيانات التي تم طرحها هي المدة التي يقضيها الشخص بعيداً عن العمل بمجرد استخدامه لهاتفه. إذ ونظراً لأن تطبيقات الهاتف تُشغل المستخدم بشكل كبير، فبمجرد استخدامك للهاتف، فقد تمر 20 دقيقة قبل أن تعود إلى العمل الذي كنت تقوم به سابقاً.

وهكذا واستناداً إلى مثل هذه البيانات، بدأت أنظمة تشغيل الهواتف بتزويد المستخدمين بمعلومات حول الوقت الذي يقضونه على هواتفهم والأنشطة التي يمارسونها، على أمل أن تُسهم هذه المعلومات في توجيه كيفية تفاعلهم مع التكنولوجيا.

محادثة ذكية شيقة

ولذا تحتاج برامج الدردشة التوليدية إلى شيء مماثل. فعندما تجلس للتفاعل مع روبوت محادثة أو نظام يساعدك في بناء أداة، فإنه يُولد محادثة شيقة تُقدم لك إجابات وافية على استفساراتك، ويمكنه بناء الأدوات لك بشكل فوري. أثناء بناء النظام للأدوات، غالباً ما تشرح النماذج المنطق الذي تستخدمه، مما يجعلك تشعر بأنك ستفوت شيئاً مهماً إذا صرفت انتباهك.

نتيجة لذلك، قد يُدخلك التفاعل مع نظام ذكاء اصطناعي في حالة تركيز تام، فلا تشعر بمرور الوقت.

تقدير زمن التفاعل

هذا يعني أنك بحاجة إلى تتبع الوقت الذي تقضيه في التفاعل مع الذكاء الاصطناعي في العمل بدقة. يعكس هذا التقدير الزمني تكلفتين:

- أولاً، عليك معرفة ما إذا كانت قيمة ما تحصل عليه من التفاعل تستحق هذه التكلفة.

- ثانياً، عليك مراجعة قائمة مهامك وتحديد ما إذا كانت هناك مهام أخرى ذات أولوية كان بإمكانك إنجازها خلال الوقت الذي قضيته مع الذكاء الاصطناعي.

جودة النتائج

2. تقييم جودة المخرجات. عندما تنتهي من استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي، غالباً ما تشعر بالرضا. فمن جهة، فما لم تُقدم للنموذج الذي تعمل معه تعليماتٍ صريحة، فإنه يميل إلى مدحك، مُشيداً بعمق تفكيرك ودقّته. ومن جهة أخرى، غالباً ما يُشير النموذج إلى أمورٍ لم تُفكّر بها من قبل، مما يُوجّه تفكيرك نحو آفاقٍ جديدة. وحالات التدفق في الأفكار هذه عموماً ما تُشعِرك بالرضا.

تحليل موضوعي

وأثناء عملك ربما كنتَ قد اعتدتَ على الاعتماد على مشاعرك لتقييم جودة التجربة. ولكن في حالة العمل مع الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن تكون أكثر موضوعية. عليك التأمل: ما هي النتيجة الفعلية؟ هل حللتَ مشكلة؟ هل أنشأتَ تطبيقاً؟ هل أحرزتَ تقدماً في أمرٍ كان عليك إنجازه؟

إنَّ الفائدة الأساسية التي ستجنيها من الذكاء الاصطناعي هي نتاج العمل الذي تُنجزه به. هذا هو المعيار الوحيد الذي يجب مراعاته عند تقييم التكاليف (الوقت، والمال المُنفَق على منصة الذكاء الاصطناعي، إلخ). هناك العديد من الحالات التي يكون فيها استخدام الذكاء الاصطناعي مُجدياً حقاً، ولكن يجب توثيق هذه الفوائد.

يمكن النظر إلى الأمر من زاوية أخرى، وهي أن مؤسستك على الأرجح تُتابع إنتاجية الموظفين بطريقة أو بأخرى لتحديد ما إذا كان عملهم يُبرر تكاليف الموارد البشرية. ينبغي عليك فعل الشيء نفسه عند استخدامك للذكاء الاصطناعي.

تحسين الوضع المستقبلي

3. هل يصبح وضعك أفضل على المدى البعيد؟ تكمن إحدى المسائل الأكثر دقة في أن الذكاء الاصطناعي يتحول في نهاية المطاف إلى شريك فكري. فهو يبحث في الإنترنت عن المعلومات، ويُحلل القراءات والتقارير، ويُقدم اقتراحات بناءً على البيانات. قد تكون هذه المعلومات قيِّمة في الوقت الحالي.

لكن هذه المعلومات تتضمن أيضاً تخفيف العبء المعرفي، حيث إنك تقوم بتحويل الجهد الذهني لمهمة ما من نفسك، إلى نظام الذكاء الاصطناعي. تكمن فائدة القيام بهذا العمل المعرفي بنفسك في أنه غالباً ما يؤدي إلى التعلُّم وتكوين عادات.

مهارات بدايات المسيرة المهنية

عليك أن تسأل نفسك ما إذا كان استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي قد وفَّر لك الوقت اليوم، ولكنه سيجعل مهامك المستقبلية تستغرق وقتاً أطول. إذا كنت في بداية مسيرتك المهنية وتعمل على تطوير مهاراتك (أو كنتَ ذا خبرة أكبر وتتعلم مجالاً جديداً)، فقد يكون من الأفضل لك أن تُنجز الكثير من العمل بنفسك لبناء خبرتك. يمكنك الاستفادة من البرنامج الذكي للحصول على ملاحظات حول عملك، ولكن ركِّز على بناء خبرتك بنفسك. من الضروري أن تُفكِّر في قيمة مستقبلك عند اتخاذ قرار بشأن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.

* مجلة «فاست كومباني»


«دودة الزومبي» تعود إلى الحياة بعد 24 ألف عام... وتبدأ بالتكاثر

«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«دودة الزومبي» تعود إلى الحياة بعد 24 ألف عام... وتبدأ بالتكاثر

«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)

استخرج العلماء حيواناً مجهرياً أطلقوا عليه اسم «دودة الزومبي» من التربة الصقيعية في سيبيريا، ثم قاموا بإذابة الصقيع، وراقبوا الحيوان وهو يستيقظ ويتكاثر.

ووفق ما ذكره موقع «فايس»، كان هذا الكائن متجمداً منذ أواخر العصر البليستوسيني، حين كان الماموث الصوفي لا يزال موجوداً. ودخل في سبات دام نحو 24 ألف عام، ثم «عاد وكأن شيئاً لم يكن».

هذا الكائن هو «دوارة بديلويدية»، وهي حيوان متعدد الخلايا صغير الحجم، يبلغ طوله نحو نصف مليمتر، ويوجد عادة في بيئات المياه العذبة. وهي معروفة بين العلماء بقدرتها شبه المطلقة على البقاء، إذ تنجو من الإشعاع والجفاف والبرد القارس ونقص الأكسجين.

وقام باحثون من مختبر بقايا التربة الروسي بالحفر إلى عمق نحو 3.5 متر في منطقة نهر ألازيا بشمال شرقي سيبيريا، واستخرجوا «عينة لُبية»، وقاموا بتأريخها بالكربون المشع، فوجدوا أن عمرها يتراوح بين 23 ألفاً و960 عاماً و24 ألفاً و485 عاماً. ثم قاموا بإذابتها.

ولم يقتصر الأمر على عودة الدوارة للحركة، بل تكاثرت لا جنسياً أيضاً، مُنتجة المزيد منها. لقد استنسخت نفسها. وبالكاد أتيحت للعلماء فرصة تحديد الكائنات القديمة والنسل الجديد قبل أن يتزايد عددها.

وتُعرف آلية البقاء التي لجأ إليها الكائن باسم «السبات الخفي»، وهي حالة ينخفض ​​فيها النشاط الأيضي إلى الصفر تقريباً؛ حيث يدخل الكائن الحي في نوع من السكون البيولوجي (ليس ميتاً ولا حياً بأي شكل من الأشكال)، بل في حالة انتظار.

ويُعلق هذا الكائن عملية الأيض ويُراكم مركبات معينة، مثل البروتينات المرافقة، التي تُساعده على التعافي من السبات الخفي عندما تتحسن الظروف، كما صرّح الباحث الرئيسي للدراسة في مختبر بقايا التربة، ستاس مالافين.

وقال مالافين: «يُعدّ تقريرنا أقوى دليل حتى الآن على قدرة الحيوانات متعددة الخلايا على البقاء لعشرات آلاف السنين في حالة السبات الخفي، وهي حالة توقف شبه كامل لعملية الأيض».

وما يجعل هذا الاكتشاف إنجازاً كبيراً هو مدى تعقيد «دودة الزومبي». وسبق أن تمت إعادة كائنات وحيدة الخلية من الجليد. أمّا حيوان متعدد الخلايا ذو جهاز هضمي وجهاز عصبي بدائي نجا من 24 ألف عام وهو متجمد تماماً، فهو أمر مختلف تماماً.

وكان الحد الأقصى المعروف سابقاً لبقاء الدوارات البدائية في حالة الخمول البيولوجي يتراوح بين 6 و10 سنوات. أما الاكتشاف الجديد فيماثل نحو 2400 ضعف المدة السابقة.

وهناك جانب آخر مثير هنا. فمع ذوبان التربة الصقيعية بوتيرة متسارعة، بدأت الميكروبات والبكتيريا والفيروسات القديمة، التي ظلت حبيسة الجليد لآلاف السنين، بالخروج. ولم يُربط أي من الفيروسات الذائبة التي دُرست حتى الآن بأمراض بشرية، لكن العلماء يراقبون الوضع من كثب.


التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي
TT

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

لم تعد الشركات الصغيرة مسرح تجارب للذكاء الاصطناعي؛ بل أصبحت تدمجه بنشاط في عملياتها اليومية. وفي كثير من الحالات، تعتمد عليه للحفاظ على قدرتها التنافسية، كما كتبت إليزابيث غور*.

استطلاع جديد

كيف تستخدم الشركات الصغيرة الذكاء الاصطناعي فعلياً؟ تؤكد بيانات جديدة من استطلاع «مين ستريت رايزينغ تور» Main Street Rising Tour survey الذي أجرته شركة «هيلو أليس» بالشراكة مع «باي بال» و«غوغل»، مدى سرعة هذا التحول والتحديات التي لا تزال قائمة.

وحسب البحث:

- الحماس للذكاء الاصطناعي: أعرب 81 في المائة من أصحاب المشاريع الصغيرة عن ذلك.

- الاستخدام اليومي: أفاد 47 في المائة فقط باستخدامه بشكل يومي.

- عامل حاسم: يتوقع 51 في المائة منهم أن يكون الذكاء الاصطناعي عاملاً حاسماً في أعمالهم خلال العامين المقبلين، ما يعكس تحولاً أوسع من مجرد الفضول إلى الاعتماد عليه على المدى الطويل.

أسباب استخدام الذكاء الاصطناعي

وقد بدأ هذا التبني يُترجم بالفعل إلى تغييرات تشغيلية ملموسة؛ إذ أفاد أصحاب المشاريع الصغيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي لأسباب متنوعة:

- للمحتوى التسويقي: 73.2 في المائة.

- للبحوث: 67.3 في المائة.

- للأنظمة التشغيلية: 39.4 في المائة.

ولا تقتصر هذه الاستخدامات على كونها إضافات لتسهيل العمل فحسب؛ بل وأيضاً:

- العمل بكفاءة أكبر: قال 70 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، إن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على العمل بكفاءة أكبر.

- تحسينات في تجربة العملاء، وفقاً لـ38.6 في المائة منهم.

- انخفاض في تكاليف التشغيل، حسب 35.7 في المائة منهم.

معوقات التوسع في توظيفه

ما الذي يعيق التوسع في تبنِّي الذكاء الاصطناعي؟ على الرغم من هذا الزخم، إلا أن التبني لا يزال يواجه صعوبات جمة.

- التكلفة: أفاد نحو 32.9 في المائة من المشاركين في الاستطلاع بأنهم لا ينفقون شيئاً على أدوات الذكاء الاصطناعي شهرياً، ما يشير إلى أن حساسية التكلفة المادية وعدم اليقين لا يزالان يؤثران على حجم استثمارات الشركات.

- عوائق عملية: والأهم من ذلك أن العوائق التي يحددها أصحاب المشاريع الصغيرة هي في معظمها عوائق عملية. ويذكر أصحاب المشاريع الصغيرة صعوبة التعلم، والثقة في الأدوات، وخصوصية البيانات، كأهم مخاوفهم.

ويبدو أن هناك مخاوف بشأن خصوصية البيانات، والملكية الفكرية، وسرعة طرح خدمات الشركات لأدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة لأصحاب الأعمال.

نتائج واتجاهات

وتعقيباً على النتائج، قال كريس تيرنر، المدير التنفيذي في «غوغل»: «لا يمكننا الاستمرار في دفع تبنِّي الذكاء الاصطناعي إلى عامة الناس؛ إذ لا بد من توفير التوعية والموارد وبناء الثقة».

وتعكس هذه النتائج اتجاهات وطنية أوسع؛ إذ تُظهر بيانات من غرفة التجارة الأميركية و«غولدمان ساكس»، أن تبنِّي الذكاء الاصطناعي يزداد بسرعة؛ حيث يستخدمه الآن ما يقرب من 60 في المائة من الشركات الصغيرة. وبينما أفاد 93 في المائة من الشركات بوجود تأثير إيجابي له، لم يدمج سوى 14 في المائة منها الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في عملياتها الأساسية. وتقول الأغلبية إنها بحاجة إلى مزيد من التدريب والدعم لاستخدامه بفعالية.

التحول من الأدوات إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المدمجة

مع ازدياد تبنِّي الذكاء الاصطناعي، تتطور أيضاً طريقة تقديمه للشركات الصغيرة. فبدلاً من الاعتماد على مجموعة متفرقة من الأدوات الفردية، بدأت الشركات في تقديم أنظمة أكثر تكاملاً تعمل كامتداد للشركة نفسها.

وتعكس منصة «Accio Work» التي أطلقتها شركة «علي بابا» العالمية أخيراً هذا التحول. فقد صُمم النظام كفريق «وكلاء ذكاء اصطناعي» من دون كتابة رموز كومبيوترية، ويمكنه تنفيذ عمليات معقدة وطويلة الأجل، ودعم مهام تشمل البحث عن الموردين، وإدارة الامتثال، وسير عمل التسويق، والخدمات اللوجستية.

بالنسبة لأصحاب الشركات الصغيرة -وخصوصاً أولئك الذين لا يملكون خلفيات تقنية أو فرق عمل كبيرة- يقلل هذا النوع من الأتمتة من الوقت والخبرة اللازمين لتبنِّي الذكاء الاصطناعي بشكل فعَّال.

سدُّ الفجوة لتسهيل الوصول والاستخدام

في الوقت نفسه، تُركز شركات التكنولوجيا الكبرى على أحد أبرز العوائق التي كشفت عنها بيانات الاستطلاع الجديد، ألا وهو صعوبة التعلم.

وقد وسَّعت «غوغل» مبادراتها التدريبية في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك برنامج للحصول على شهادة احترافية، مصمم لمساعدة الأفراد على اكتساب مهارات عملية في الذكاء الاصطناعي تُؤهلهم لسوق العمل. تهدف هذه البرامج إلى جعل الذكاء الاصطناعي في متناول أصحاب المشاريع الصغيرة الذين قد لا يملكون تدريباً تقنياً رسمياً. وفي الوقت نفسه، تُدمج «باي بال» الذكاء الاصطناعي مباشرة في منصتها، من خلال أدوات جديدة تُساعد الشركات في وظائف أساسية، مثل استهداف العملاء، والعروض الترويجية الآلية.

وأخيراً، فإن من المرجح ألا تُحدَّد المرحلة التالية من تبنِّي الذكاء الاصطناعي بمدى قوة هذه الأدوات؛ بل بمدى سهولة دمجها في واقع إدارة الشركات الصغيرة.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».