إرث عربي يصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي العادل

من بغداد وقرطبة… إلى نيوم

إرث عربي يصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي العادل
TT

إرث عربي يصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي العادل

إرث عربي يصوغ مستقبل الذكاء الاصطناعي العادل

بينما تركز المختبرات الغربية على تفوق الآلة، تحمل رؤية 2030 فرصة فريدة لصياغة خوارزميات تُنصف الإنسان لا تنحاز ضده

إرثٌ يضيء الماضي

في التاريخ لحظات لا تموت، بل تبقى كالجذور التي تسقي المستقبل. حين نتأمل مسار الذكاء الاصطناعي اليوم، نكتشف أنّه ليس سليل وادي السيليكون وحده، بل ابن حضاراتٍ سبقت حين جمعت بين العقل والعدالة.

العقل بلا عدالة - سلاح ضد الإنسان

في بغداد، يوم وُلد «بيت الحكمة»، لم يكن العلم ترفاً ولا مجرّد تراكم معارف، بل مشروعاً ينسج الخيوط بين الرياضيات والفلسفة والطب، ليجعل من المعرفة جسراً يخدم الإنسان. هناك كتب الخوارزمي كتابه الذي صار بذرة الخوارزميات، ومن هناك انتقلت شعلة الفكر إلى قرطبة، حيث كان ابن رشد يؤكد أنّ العقل بلا عدالة يتحوّل إلى سلاحٍ ضد الإنسان.

دورة حضارية تنطلق من «نيوم»

اليوم، وبينما تُصاغ معادلات جديدة في مختبرات الغرب تسعى للتفوّق العددي والقوة التقنية، يطلّ من الشرق مشروع مختلف: رؤية 2030. مشروع لا يريد فقط خوارزميات أقوى، بل خوارزميات أعدل. هنا، في قلب نيوم و«ذا لاين»، تحاول المملكة أن تستعيد المعنى الأصيل للعلم: أن يكون أداة تحرير لا أداة هيمنة، وأن يحفظ للإنسان كرامته قبل أن يحسب نبضه أو يقرأ جيناته.

إنها دورة حضارية تستأنف مسارها، من بغداد وقرطبة إلى نيوم، لتقول للعالم: المستقبل لا يُكتب بالأرقام وحدها، بل بالقيم التي تضيء تلك الأرقام. فهل نستطيع اليوم أن نكتب خوارزميات لا تُسابق الزمن فقط، بل تُنصف الإنسان؟

من هيمنة الغرب إلى انكشاف التحيّز

بعد قرون من انتقال مركز الثقل العلمي من بغداد وقرطبة إلى الغرب، صار وادي السيليكون وأوروبا والصين هي المحرّك الرئيسي لصناعة الذكاء الاصطناعي. هناك تُبنى الخوارزميات وتُدرَّب النماذج على ملايين البيانات، وتُسوَّق على أنها «عالمية» وقادرة على خدمة كل إنسان. لكن خلف هذا البريق يختبئ خلل جوهري: التحيّز البنيوي.

تحيّز بنيوي

في الطب مثلاً، كشفت دراسة حديثة منشورة في مجلة «ذا لانسيت» للصحة الرقمية Lancet Digital Health أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المصممة لتشخيص سرطان الجلد تعمل بكفاءة عالية على صور مرضى من ذوي البشرة البيضاء، لكنها تتراجع بشكل مثير للقلق حين تواجه بشرة سمراء أو داكنة. النتيجة: أورام تُغفل، وتشخيصات تتأخر، وأرواح توضع على المحك، لا بسبب قلة الذكاء، بل بسبب قلة العدالة في البيانات.

وليس الطب وحده ساحة لهذا الخلل؛ ففي قطاع التمويل، أثبتت تقارير مستقلة أن خوارزميات البنوك في الولايات المتحدة منحت أصحاب البشرة البيضاء والأحياء السكنية الثرية فرصاً أكبر للحصول على قروض، بينما شددت القيود على الأقليات والفقراء، ورفعت عليهم نسب الفائدة بلا مبرر. وهكذا تحوّل «الذكاء الاصطناعي» من أداة يُفترض أن تُعزّز العدالة الاقتصادية إلى آلة تُعيد إنتاج التمييز الاجتماعي بدقة حسابية باردة.

نسخة رقمية من ظلم قديم

إن ما نراه اليوم ليس سوى إعادة لصدى ما قاله ابن خلدون قبل قرون: «الحقائق إنما تُفهم في سياق العمران وأحوال الناس». فالخوارزميات ليست «محايدة» كما يُروَّج لها، بل تعكس تضاريس البيئة التي صيغت فيها. ومع أن التقنية ترفع شعار العالمية، تظل بياناتها أسيرة المركزية الغربية والشرقية؛ فلا ترى الآلة إلا ما يراه صانعها... ولا تسمع إلا صوته. وهنا تتجلى المفارقة: ذكاء بلا عدالة ليس إلا نسخة رقمية من ظلم قديم، لكن بوجه عصري أنيق.

«ذا لاين» ونيوم: ملامح مستقبل مختلف

في الغرب، تُقاس معظم المشروعات التكنولوجية بميزان الأرباح وسرعة السيطرة على الأسواق، وكأن الهدف الأسمى للتقنية هو تعظيم النفوذ الاقتصادي وحده. فـ«وادي السيليكون» يُقدَّم نموذجاً للابتكار الرقمي، لكنه غارق في تناقضات اجتماعية صارخة: بطالة مقنّعة، فجوات هائلة في الثروة، وهيمنة شركات عملاقة تملك البيانات أكثر مما تملك الدول. أما مدن مثل شنغهاي الذكية، فرغم إنجازاتها الهائلة في البنية التحتية والتقنية الرقمية، فإنها لا تزال محكومة بمنطق السيطرة، حيث يُسخَّر الإنسان للتقنية أكثر مما تُسخَّر التقنية للإنسان.

في المقابل، تطرح المملكة عبر رؤية 2030 منظوراً مغايراً. فمشروع «ذا لاين» في قلب نيوم ليس مجرد هندسة معمارية عملاقة، بل هندسة معرفية تقوم على جعل الذكاء الاصطناعي حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية: من إدارة الطاقة إلى التعليم والصحة والنقل. لكنه يتجاوز حدود البرمجيات ليقدّم بعداً غائباً عن معظم النماذج الغربية: البعد البيئي - الاستدامة. فالمدينة مصممة لتعمل بالطاقة المتجددة، ولتُدار مواردها الطبيعية بذكاء يضمن الحفاظ عليها للأجيال المقبلة. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لحماية الكوكب لا لاستنزافه، ولحماية الإنسان لا لاستغلاله.

إحياء فكرة التوازن بين العقل والبيئة

إن تفرد «ذا لاين» يكمن في هذه الفلسفة الجديدة: فلسفة لا ترى في التقنية سباقاً للأرقام أو وسيلة للهيمنة، بل إطاراً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة والطبيعة معاً. والذكاء هنا ليس خوارزمية للحساب وحدها، بل بنية أخلاقية لإعادة توزيع العدالة، وتكريس الشمول، وإحياء فكرة التوازن بين العقل والبيئة.

وكما كانت بغداد في زمن الخوارزمي وقرطبة في زمن ابن رشد منصتين عالميتين لتداول العلم والفكر، يمكن لـ«نيوم» و«ذا لاين» أن تتحوّلا إلى منصتين عالميتين لإعادة صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي: مستقبل لا يُقاس بسرعة الحسابات فحسب، بل بعمق إنصافه للإنسان، ومدى انسجامه مع الأرض التي يعيش عليها.

العدالة كشرط للذكاء

التاريخ لا يروي لنا أن الحضارات ارتقت بالعلم وحده، بل بالعدل الذي صان ثمار ذلك العلم، وضمن أن يبقى في خدمة الإنسان. فـبغداد لم تكن مجرد دارٍ للحسابات والأرقام، بل بيت حكمة حيث التقت الرياضيات بالفلسفة، والطب بالأخلاق، ليصبح العلم مشروعاً يحمل مسؤولية تجاه المجتمع. وقرطبة لم تكن مكتبة ضخمة فحسب، بل فضاءً فكرياً احتضن أسئلة الحرية والحق ومعنى أن يكون العقل خادماً للإنسان لا سيداً عليه.

اليوم، ونحن على أعتاب عصر الذكاء الاصطناعي، يظل المبدأ نفسه حيّاً: لا ذكاء بلا عدالة. فالخوارزميات قد تُبهرنا بقدرتها على التنبؤ ودقة معالجتها، لكنها إن افتقدت البوصلة الأخلاقية تحوّلت إلى سلاح بارد يعيد إنتاج التمييز والظلم، لكن بلغة الأرقام والإحصاءات هذه المرة. هنا يصبح الظلم أكثر قسوة لأنه ممهور بختم «العلم» ومُغلف بواجهة «الحياد».

إن دور العرب في هذا المنعطف التاريخي ليس أن يكونوا مجرد مستهلكين للتقنية، بل صانعين لفلسفتها. فإذا أحسنا استثمار تراثنا الأخلاقي ورؤيتنا المستقبلية، فإننا لا نضيف إلى العالم آلة أسرع فحسب، بل معنىً أعمق: ذكاءً إنسانياً عادلاً يجعل من التقنية جسراً يوحّد البشرية بدل أن يُقسّمها.

فهل نملك الشجاعة لنقول للعالم إن الذكاء بلا عدالة ليس ذكاءً؟

من بغداد إلى نيوم... دورة جديدة للتاريخ

قد يظن البعض أن الربط بين بغداد وقرطبة من جهة، و«نيوم» و«ذا لاين» من جهة أخرى، مجرد استعارة تاريخية أو حنين إلى الماضي. لكنه في جوهره استدعاء لدورة حضارية تتجدد بأدوات مختلفة ولأهداف أوسع. فكما تحوّلت مدننا في الماضي إلى مناراتٍ للعالم، تُصدّر العلم والفلسفة والفكر النقدي، يمكن أن تتحول مدننا الجديدة اليوم إلى مختبرات كبرى للإنسانية تُعيد صياغة الذكاء الاصطناعي، لا كأداة للهيمنة، بل كفضاء للعدالة والشمول.

إننا لسنا محكومين أن نكون مجرد مستهلكين للتقنيات القادمة من الغرب أو الشرق. بل نملك، من خلال «رؤية 2030» وما تحمله من مشروعات جريئة مثل «نيوم» و«ذا لاين»، فرصة تاريخية لنكون صانعي الفلسفة والأخلاقيات التي تُوجّه هذه التقنيات. فكما كان الخوارزمي لا يكتفي بالحساب بل يضع منهجاً للفكر، وكما كان ابن رشد يربط العقل بالعدالة، يمكننا اليوم أن نعيد إحياء هذا الإرث، ونضيف إليه بعداً معاصراً.

بهذا المعنى، لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد «آلة باردة» تُعيد إنتاج بيانات منحازة، بل مشروعاً إنسانياً جامعاً يعكس تنوع البشر وثراءهم، ويضع العدالة في صلب معادلة المستقبل. وهكذا، تُفتح دورة جديدة للتاريخ: من بغداد وقرطبة التي أشرقت بالعلم، إلى «نيوم» و«ذا لاين» اللتين تحملان شعلة العدالة الرقمية لعالم يتعطش إليها. وكما قال ابن رشد: «العدل أساس العمران».

قوة رقمية ببوصلة أخلاقية

إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُقاس بقدرة الخوارزميات على الحساب وحدها، ولا بسرعة معالجتها للبيانات، بل بمدى قدرتها على أن تكون جسراً للعدالة والكرامة الإنسانية. فالقوة الرقمية بلا بوصلة أخلاقية لا تساوي أكثر من آلة باردة تُعيد تدوير التحيّز في ثوب علمي أنيق.

من بغداد حيث صيغ العقل كمنهج، وقرطبة حيث رُبط الفكر بالحرية والعدل، إلى «نيوم» و«ذا لاين» حيث يُصاغ الغد برؤية جديدة، يدور التاريخ ليذكّرنا أن العلم بلا عدل قاصر، وأن التقنية بلا روح فارغة.

لقد آن الأوان أن نعيد تعريف الذكاء الاصطناعي لا كأداة للهيمنة، بل كامتداد لفلسفة إنسانية تُنصف البشر جميعاً. فالتاريخ لا يسأل عن سرعة الحسابات، بل عن معنى ما يُحسب. والسؤال الأعمق الذي يواجهنا اليوم:

هل نمتلك الشجاعة لنصنع ذكاءً يُنصف الإنسان، كما تسعى إليه «رؤية 2030» في العالم العربي، أم نتركه على الطريقة الغربية يتحوّل إلى منظومة تُجمّل الظلم وتؤبّده بلغة الأرقام؟


مقالات ذات صلة

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

تكنولوجيا دراسة تحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي لتشخيص حالات صحية (رويترز)

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

أظهرت دراسة نُشرت الاثنين أن النصائح الطبية التي تسديها برامج الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للمستخدمين ليست جيدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الجلسة الختامية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة حيث تظهر غورغييفا وهي تتحدث إلى الحضور (الشرق الأوسط)

غورغييفا: الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد حاويات مُكدّسة في ميناء كيلونغ بشمال تايوان (أرشيفية - رويترز)

صادرات تايوان في يناير تسجل أسرع نمو شهري منذ 16 عاماً

ارتفعت صادرات تايوان في يناير (كانون الثاني) بأكثر من المتوقع، مسجلة أسرع وتيرة نمو شهرية لها منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.