مع بيع 3 مليارات جهاز... كيف حوَّل الـ«آيفون» ملامح الاقتصاد العالمي؟

محللون لـ«الشرق الأوسط»: جوهرة الإيرادات لشركة «أبل»... وصنع تحولات عميقة في حياة البشر

موديلات «آيفون 16 بلس» من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «أبل» تُعرض للبيع في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)
موديلات «آيفون 16 بلس» من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «أبل» تُعرض للبيع في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)
TT

مع بيع 3 مليارات جهاز... كيف حوَّل الـ«آيفون» ملامح الاقتصاد العالمي؟

موديلات «آيفون 16 بلس» من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «أبل» تُعرض للبيع في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)
موديلات «آيفون 16 بلس» من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «أبل» تُعرض للبيع في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)

لم يكن إعلان شركة «أبل» عن وصول مبيعات هواتف «آيفون» إلى 3 مليارات وحدة منذ إطلاقه عام 2007 مجرد رقم قياسي جديد في عالم التكنولوجيا؛ بل محطة فارقة تجسد حجم التحوُّل الذي أحدثه هذا الجهاز في الاقتصاد العالمي، وفي أسلوب حياة مليارات البشر؛ بل وفي موازين القوى بين الدول.

ومنذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها «آيفون»، لم يعد الهاتف مجرد وسيلة اتصال؛ بل تحوّل إلى منصة متكاملة، جمعت بين الاتصالات والإنترنت والتطبيقات، لتفتح الباب واسعاً أمام اقتصاد رقمي موازٍ بأحجام تريليونية.

ومع استعداد الشركة لإطلاق النسخة 17 من سلسلة الـ«آيفون» اليوم، خلال حدثها السنوي في الولايات المتحدة، يعد الجهاز أحد أهم الاختراعات في تاريخ البشرية.

حقبة جديدة

عندما كشف ستيف جوبز قبل 18 عاماً عن «آيفون» أول مرة، وصفه بأنه «جهاز ثوري سيغيِّر كل شيء». رأى البعض في حينه أن هذا الوصف مبالغ فيه، ولكن السنوات اللاحقة أثبتت أن الهاتف الذكي لم يبدل فقط صناعة الهواتف؛ بل أطاح بأجهزة كانت راسخة، مثل الهواتف التقليدية والكاميرات الرقمية البسيطة وأجهزة تشغيل الموسيقى، ودمجهم في جهاز واحد، وأعاد صياغة علاقة الإنسان بالتقنية.

ولم يقتصر أثر «آيفون» على صناعة الأجهزة؛ بل أشعل سباقاً محموماً بين شركات التكنولوجيا لمجاراة مفهوم «الهاتف الذكي»، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل خريطة الصناعة العالمية، وصعود شركات جديدة وانهيار أخرى لم تستطع التكيف.

اقتصاد موازٍ

مع إطلاق الـ«آيفون»، نشأ اقتصاد جديد متكامل يقوم على التطبيقات والخدمات الرقمية؛ حيث تحوَّل متجر التطبيقات الذي أطلقته «أبل» عام 2008 إلى أكبر منصة تجارية من نوعها، محققاً إيرادات تتجاوز التريليونات، عبر أكثر من مليونَي تطبيق.

هذا الاقتصاد لم يقتصر على التطبيقات الترفيهية؛ بل شمل أيضاً الخدمات المالية، والتعليمية، والتجارية، وحتى الصحية، ما جعل الهاتف الذكي بوابة إلزامية لكل القطاعات تقريباً.

يقول الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، فيجاي فاليشا، لـ«الشرق الأوسط»، إن شركة «أبل»: «نجحت في تأسيس اقتصاد موازٍ قائم على تطبيقاتها وخدماتها الرقمية. فمع كل جهاز جديد تبيعه، تنمو إيرادات الخدمات المرتبطة به، سواء عبر (Apple Pay) أو (iCloud) أو (+Apple TV)، وهو ما يرسخ اعتماد المستهلكين على منظومة متكاملة تصعب مغادرتها».

ويشرح بأن «الشركة سجلت خلال الربع الثالث من 2025 إيرادات قياسية في قطاع الخدمات، بلغت 27.4 مليار دولار، بزيادة 13.3 في المائة عن العام السابق»، مؤكداً أن «أبل» استطاعت أن تجعل من هاتفها «أكثر من مجرد جهاز؛ بل بوابة لاقتصاد كامل».

إعادة تشكيل موازين القوى

لم يقتصر أثر الهواتف الذكية على الشركات والأفراد؛ بل انعكس على الدول والاقتصادات. وهنا توضح رئيسة استراتيجيات الاستثمار في «ساكسو بنك»، تشارو تشانانا، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن بيع 3 مليارات «آيفون» يعادل في قيمته الاقتصادية «الناتج المحلي لدولة متوسطة الحجم».

وتضيف: «الاقتصادات المتقدمة حصدت الحصة الأكبر من أرباح المنصات الرقمية، ولكن تلك الناشئة كانت الأكثر ديناميكية في استغلال التحول، من خلال الشمول المالي والمدفوعات الرقمية وتوسيع نطاق ريادة الأعمال».

وتشير إلى أن الهند على سبيل المثال؛ حيث تبلغ نسبة انتشار الهواتف الذكية 76 في المائة، شهدت طفرة في المدفوعات الرقمية عبر نظام (UPI) الذي سجل أكثر من 130 مليار معاملة في العام المالي 2024، وهو الرقم الأعلى عالمياً. أما في أفريقيا جنوب الصحراء، فقد بلغت قيمة المعاملات عبر الأموال المحمولة 912 مليار دولار في عام 2023، ما أتاح لملايين الأشخاص دخول النظام المالي دون المرور عبر البنوك التقليدية.

هذه التحولات، وفق تشانانا: «أعادت صياغة دور الاقتصادات الناشئة في النظام العالمي، وسمحت لها بالقفز على مراحل من التنمية لم تكن ممكنة في السابق».

السعودية حاضنة لشركات التقنية

ويمكن تطبيق ذلك على الخطوات التي اتخذتها السعودية من خلال تعزيز مكانتها بوصفها من المراكز الدولية البارزة، وحاضنة إقليمية لنمو الشركات الناشئة، وتحولها إلى مقر للشركات الناشئة في قطاع التقنية، والتي استفادت من التحولات التي صنعها الـ«آيفون» عبر وصول شركات ناشئة إلى قيمة سوقية تتجاوز حاجز المليار دولار، ويُعد هذا مؤشراً على النجاح والتميّز في عالم ريادة الأعمال.

ويأتي هذا التحوّل في الاستفادة من البنية التحتية التقنية التي وفرتها الرياض للشركات التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، والتقنية المالية، والتجارة الإلكترونية التي تنطلق عملياتها من الأجهزة الذكية.

شعار شركة التكنولوجيا الأميركية «أبل» في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)

صناعة الثروات ورواد الأعمال

ومن رحم الهواتف الذكية، وُلدت ثروات هائلة وأجيال جديدة من رواد الأعمال. يؤكد فاليشا أن «الخدمات المالية عبر الهواتف والتطبيقات المتنقلة خفّضت الحواجز أمام تأسيس الأعمال. ففي كينيا مثلاً، أظهرت الدراسات أن مستخدمي الأموال المحمولة أكثر ميلاً بنسبة 10 في المائة لأن يصبحوا أصحاب مشاريع خاصة، ما يبرز دور الهاتف الذكي في تمكين ريادة الأعمال».

ويضيف أن «منصات مثل (أوبر) و(إنستغرام) و(سنابشات) لم تكن لترى النور لولا انتشار الهواتف الذكية، وهو ما أسس لصناعات جديدة بالكامل. كما ازدهر ما يعرف باقتصاد المبدعين الذي تتوقع (غولدمان ساكس) أن تصل قيمته إلى 480 مليار دولار بحلول 2027، بفضل المحتوى الرقمي المدفوع والاشتراكات».

أما تشانانا، فترى أن الموجة المقبلة من ريادة الأعمال ستكون عند تقاطع الهواتف الذكية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والمدفوعات الفورية، مشيرة إلى أن «التكامل بين هذه المجالات سيطلق جيلاً جديداً من المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال؛ خصوصاً في الأسواق الناشئة».

«آيفون» قلب «أبل» المالي

ورغم توسع «أبل» في منتجات وخدمات متعددة، يبقى «آيفون» هو القلب النابض لنجاحها المالي. ففي الربع الثالث بلغت إيرادات الشركة نحو 94 مليار دولار، نصفها تقريباً من مبيعات «آيفون» وحده. وتشير التوقعات إلى أن الربع المقبل قد يشهد تجاوز الإيرادات 101 مليار دولار، مع استمرار ارتفاع الطلب على أحدث طراز من الهاتف.

ويعلِّق فاليشا: «لا يقترب أي منتج آخر من هذه الأرقام، فحتى مع جمع مبيعات أجهزة (ماك) و(آيباد) والخدمات، يظل (آيفون) متفرداً. وقد مكّن الشركة من بناء منظومة متكاملة بين الأجهزة والبرمجيات والخدمات، عززت ولاء المستخدمين ودفعتهم للترقية المستمرة».

أما تشانانا، فترى أن «(آيفون) ليس مجرد منتج ناجح؛ بل هو المحرك الاقتصادي الذي مكّن (أبل) من أن تصبح الشركة الأعلى قيمة سوقية في العالم أكثر من مرة، وأن تواصل ريادتها رغم المنافسة الشرسة».

تصاميم وأنواع هاتف الـ«آيفون» المتوقع إطلاقها اليوم في حدث «أبل» (الشرق الأوسط)

أداة لإعادة صياغة العالم

ومع بلوغ «آيفون» محطة 3 مليارات جهاز، بات واضحاً أن الجهاز لم يكن مجرد ابتكار تقني؛ بل أداة لإعادة صياغة العالم. فقد غيّر ملامح الاقتصاد عبر خلق اقتصاد رقمي موازٍ، وأعاد تشكيل الخريطة الجيوسياسية بين الدول، وأطلق موجات جديدة من ريادة الأعمال والثروات. وكذلك أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة الأفراد اليومية، من التواصل الفوري إلى العمل والتعليم والتسوق والترفيه.

وتختم تشانانا بالقول: «إن استمرار ريادة (أبل) سيتوقف على قدرتها على دمج الذكاء الاصطناعي في منظومتها، وتحويل قاعدة مستخدمي (آيفون) إلى منصات جديدة للخدمات. ولكن المؤكد أن الثورة التي بدأها هذا الجهاز لم تصل بعد إلى خط النهاية».


مقالات ذات صلة

«أبل» توسّع منظومتها المنزلية بأجهزة جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا تجمع شاشة «أبل هوم فيو» المدعومة بمساعد «سيري» للذكاء الاصطناعي بين الترفيه والاتصال وإدارة المنزل الذكي.

«أبل» توسّع منظومتها المنزلية بأجهزة جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي

كشفت «أبل» عن حزمة جديدة من المنتجات والخدمات المنزلية، تضم شاشة ذكية ومكبرات صوت وجهاز تلفزيون مطوّراً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا هاتف «غالاكسي زد فولد8» لدى إغلاق شاشته

«سامسونغ غالاكسي زد فولد 8» و«آيفون ديو» يعيدان رسم مستقبل الهواتف الذكية

التنافس المحتدم يضع المستخدم أمام خيارات مذهلة ترتقي بمفاهيم التصميم والإنتاجية ومنظومات الذكاء الاصطناعي إلى آفاق غير مسبوقة

تكنولوجيا شعار شركة «أبل» (د.ب.أ) p-circle

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

تعتزم شركة «أبل» دخول سوق أجهزة المنزل الذكي يوم 13 أكتوبر، بعد تأخير طويل، بما يُمثل توسعاً حيوياً لمحفظة منتجات الشركة تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان بجانب رؤساء شركات تكنولوجيا أميركية خلال مأدبة عشاء في البيت الأبيض 5 سبتمبر 2025 (البيت الأبيض)

عمالقة التكنولوجيا يلتقون الرئيس الصيني بالبيت الأبيض وسط سباق الذكاء الاصطناعي

يشارك رئيس «إنفيديا» والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» إلى جانب عدد من أبرز قادة قطاع التكنولوجيا في مأدبة عشاء يقيمها البيت الأبيض على شرف الرئيس الصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا خدمة «Tap to Pay» تصل إلى السعودية دون جهاز نقاط بيع إضافي (أبل)

قريباً... «آيفون» يتحول إلى جهاز نقاط بيع في السعودية مع خدمة «Tap to Pay»

لم يحدد البنك المركزي السعودي حتى الآن موعد الإطلاق الفعلي للخدمة، أو أسماء البنوك وشركات الدفع التي ستدعمها عند البداية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

الدولار يتراجع من أعلى مستوى في 18 شهراً

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يتراجع من أعلى مستوى في 18 شهراً

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار عن أعلى مستوى له في 18 شهراً يوم الخميس، تحت ضغط الانخفاض الحاد في عوائد سندات الخزانة الأميركية وسط توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، فيما أسهمت تصريحات حذرة لمسؤولي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في تهدئة التوقعات بشأن رفع أسعار الفائدة خلال أكتوبر (تشرين الأول)، رغم صدور بيانات تضخم أعلى من المتوقع.

وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.2 في المائة إلى 101.99 نقطة، ليتخلى عن معظم المكاسب التي حققها عقب صدور بيانات التضخم يوم الأربعاء، والتي جاءت أقوى من المتوقع ودفعت المؤشر إلى أعلى مستوياته في 18 شهراً.

وساعد تراجع الدولار اليورو على التعافي بنسبة 0.6 في المائة من أدنى مستوى له في 18 شهراً، ليصل إلى 1.1223 دولار، متجهاً نحو تسجيل أكبر مكسب يومي له منذ نحو شهرين. كما ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.3250 دولار، متعافياً من أدنى مستوى له في 13 شهراً.

وسادت الأسواق أجواء من العزوف عن المخاطرة، بعدما عززت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين التوقعات ببقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، وأعادت في الوقت نفسه إثارة المخاوف بشأن أعباء الديون الثقيلة على شركات الذكاء الاصطناعي، مما دفع المستثمرين إلى التوجه نحو سندات الخزانة الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً.

ودفع الإقبال على السندات الحكومية الأميركية عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات إلى التراجع إلى 5.0933 في المائة، بينما انخفض عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 5.4462 في المائة، ليسجل العائدان أدنى مستوياتهما في ثلاثة أسابيع.

وقال رودريغو كاتريل، كبير استراتيجيي العملات في بنك «ناشيونال أستراليا بنك»: «تراجع الدولار بسرعة... ونعتقد أن العامل الرئيسي وراء ذلك هو انخفاض عوائد السندات لأجل 30 عاماً».

وأضاف: «إذا استمر تراجع العوائد، فقد يواجه الدولار مزيداً من الضغوط. لكن المؤشرات الحالية توحي بأنه قد يدخل مرحلة من الاستقرار»، لا سيما أن توقعات رفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة لا تزال قائمة.

وكانت توقعات الأسواق بشأن رفع أسعار الفائدة الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول) قد ارتفعت بشكل حاد إلى 50 في المائة عقب صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين. غير أن تصريحات عدد من مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي»، من بينهم نائبة رئيس المجلس لشؤون الرقابة ميشيل بومان، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو ماري دالي، بأن البنك المركزي قد يفضل انتظار مزيد من الوضوح قبل اجتماعه المقرر يومي 27 و28 أكتوبر، أسهمت في تراجع تلك التوقعات.

وقال خون غوه، رئيس أبحاث آسيا في بنك «إيه إن زد»: «رغم أن بيانات مؤشر أسعار المستهلكين جاءت أعلى قليلاً من المتوقع، يبدو أن الأسواق خلصت إلى أنها لا تمثل ارتفاعاً كافياً في التضخم لإجبار (الاحتياطي الفيدرالي) على اتخاذ إجراء خلال أكتوبر».

وأضاف: «كما أن اجتماع أكتوبر يسبق انتخابات التجديد النصفي بأيام قليلة، وربما يفسر ذلك إحجام الأسواق عن تبني توقعات أكثر جرأة بشأن تحركات البنك المركزي خلال الشهر».

وتتجه أنظار المستثمرين الآن إلى بيانات أسعار المنتجين ومبيعات التجزئة الأميركية، المقرر صدورها في وقت لاحق يوم الخميس، وسط توقعات بأن تكشف بيانات أسعار المنتجين عن ارتفاع تكاليف الأعمال خلال الشهر الماضي.

كما يترقب المستثمرون تصريحات مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي»، بمن فيهم كيفين وارش، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، بحثاً عن مؤشرات بشأن الخطوات المقبلة للسياسة النقدية الأميركية.

وفي أسواق العملات، انخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة إلى 0.6952 دولار، بعدما أظهرت بيانات محلية تراجعاً غير متوقع في التوظيف خلال سبتمبر (أيلول). في المقابل، ارتفع الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.6 في المائة إلى 0.5626 دولار.

كما ارتفع الين الياباني إلى 157.675 ين للدولار، وصعد الفرنك السويسري بنحو 0.8 في المائة إلى 0.8282 للدولار.

وفي الصين، سجل اليوان المتداول في الأسواق الخارجية ارتفاعاً طفيفاً إلى 6.6926 مقابل الدولار، بعدما أظهرت بيانات تسارع تضخم أسعار المنتجين خلال الشهر الماضي، مدفوعاً بارتفاع تكاليف السلع الأساسية.


صندوق النقد يتوقع تعافي اقتصادات الشرق الأوسط إلى 6.6% في 2027

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
TT

صندوق النقد يتوقع تعافي اقتصادات الشرق الأوسط إلى 6.6% في 2027

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)

توقّع صندوق النقد الدولي تعافي اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان إلى نمو بنسبة 6.6 في المائة في عام 2027، بعد انكماش متوقع بنسبة 1.3 في المائة في العام الحالي، في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط واضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة، التي خلّفت آثاراً متفاوتة بين دول المنطقة.

وقال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، إن الاقتصادات المتأثرة مباشرة بالنزاع تواجه ضغوطاً شديدة، في حين أظهرت اقتصادات أخرى في المنطقة، إلى جانب معظم دول القوقاز وآسيا الوسطى، قدرة أكبر على الصمود. وأوضح أن مسار التعافي يعتمد بدرجة أساسية على سرعة عودة إنتاج الطاقة والتجارة إلى طبيعتهما، وقدرة الدول على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي.

وتأتي التوقعات بعد نمو اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 3.3 في المائة في 2025، بما يعكس حجم الصدمة المتوقعة خلال العام الحالي، قبل ارتداد قوي في العام المقبل. غير أن أزعور أكد أن التوقعات الإجمالية تخفي تفاوتاً كبيراً بين اقتصادات المنطقة، وأن التعافي لن يكون متساوياً بين الدول.

تفاوت بين مصدّري النفط ومستورديه

وأوضح أزعور أن الدول المصدّرة للنفط التي تأثرت مباشرة باضطرابات الطاقة والتجارة ستواجه انكماشاً ملحوظاً في 2026، رغم أن ارتفاع أسعار النفط سيوفر بعض الدعم لأوضاعها المالية والخارجية. ومن المتوقع أن يقود التعافي التدريجي في الإنتاج والتجارة إلى انتعاش قوي في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال 2027، إلا أن مستويات الإنتاج ستظل دون المسار الذي كان متوقعاً قبل اندلاع النزاع.

في المقابل، حافظ النشاط الاقتصادي في الدول المستوردة للنفط ضمن المنطقة على قدر من المرونة خلال 2026، ومن المتوقع أن يستمر ذلك. وأسهمت تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات السياحة والأوضاع المالية الميسّرة والدعم الحكومي في الحد من الأثر الفوري للصدمة، وإن كانت الهوامش المتاحة أمام السياسات الاقتصادية تتقلص.

وتوقّع الصندوق ارتفاعاً معتدلاً في التضخم لدى هذه الاقتصادات خلال 2026، قبل أن يتراجع تدريجياً في الفترة اللاحقة.

سفينة شحن الحاويات «هوي فا» التي ترفع العلم الصيني تمر عبر خليج عمان قبالة سواحل خور فكان في إمارة الشارقة (أ.ف.ب)

مخزونات أقل ومخاطر أكبر

وأشار أزعور إلى أن أثر صدمة الطاقة كان أقل حدة مما أوحت به التقديرات الأولية، بفضل الفوائض المتراكمة قبل الحرب، وإنتاج الدول غير الخليجية، وطرق النقل البديلة، وتكيّف الطلب، والسحب من المخزونات. لكنه حذّر من أن هذه العوامل وفّرت وقتاً للتكيّف، من دون أن تكون موارد مستدامة، إذ تراجعت المخزونات المتاحة وضاقت الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة لارتفاعات أكبر في الأسعار إذا تجددت الاضطرابات.

وعدّ استمرار الحرب لفترة أطول الخطر الأبرز على التوقعات، محذراً من أن أي اضطرابات إضافية في إنتاج الطاقة أو طرق الشحن أو البنية التحتية الحيوية ستضعف النشاط الاقتصادي لدى مصدّري النفط في الخليج، وتزيد الضغوط التضخمية، وتفاقم الضغوط على الأوضاع المالية والخارجية في أنحاء المنطقة.

كما حذّر من أن تشديد الأوضاع المالية العالمية قد يضعف الطلب ويرفع تكاليف الاقتراض ويزيد الضغوط على العملات، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه احتياجات كبيرة لتمويل الدين السيادي أو تعتمد على التمويل الخارجي. وتظل الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر، في ظل اعتمادها على واردات الغذاء ومحدودية الحيز المالي، بالتزامن مع تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية.

دعوة إلى دعم موجّه وإعادة بناء الهوامش المالية

ودعا أزعور صانعي السياسات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار والاستدامة المالية، مع استخدام السياسة النقدية خط الدفاع الأول عند ظهور ضغوط تضخمية، وتكاملها مع سياسة مالية حصيفة، ولا سيما في الدول محدودة الموارد المالية.

وشدّد على أهمية إعادة بناء الهوامش المالية لمواجهة الصدمات المستقبلية، من خلال تعزيز الإيرادات المحلية ورفع كفاءة الإنفاق وتطوير الأطر المالية، محذراً من اللجوء إلى الدعم الواسع النطاق، ومفضّلاً تقديم مساعدات نقدية مؤقتة وموجّهة إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما يحافظ على كلفة التدخل ضمن حدود الموازنات.

وعلى المدى الطويل، أكد أهمية المؤسسات القوية والأطر النقدية الموثوقة واستقلالية البنوك المركزية، إلى جانب تنويع التجارة وتعميق التكامل الإقليمي وتعزيز القدرة على تبنّي التقنيات الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لرفع الإنتاجية ودعم النمو.

وأشار أزعور إلى أن صندوق النقد الدولي وافق، منذ 2020، على تمويل بنحو 48 مليار دولار لدول المنطقة، كما نفّذ خلال السنة المالية 2026 نحو 437 مشروعاً للمساعدة الفنية وبناء القدرات في 31 دولة. ومن المقرر أن يصدر الصندوق تقريره الإقليمي الكامل في 22 أكتوبر (تشرين الأول) في دبي، متضمناً تقييماً أكثر تفصيلاً للتطورات الاقتصادية وأولويات السياسات.


صندوق النقد الدولي يحذّر من تباطؤ نمو آسيا تحت ضغط صدمة الطاقة والعوائد

أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يحذّر من تباطؤ نمو آسيا تحت ضغط صدمة الطاقة والعوائد

أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)

توقّع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو الاقتصادي في آسيا العام المقبل، محذّراً من مخاطر متزايدة ناجمة عن صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران، واحتمال تصحيح طفرة الذكاء الاصطناعي، وانتقال تداعيات ارتفاع عوائد السندات العالمية إلى الأسواق الآسيوية.

وقال الصندوق، في تقرير عن آفاق منطقة آسيا والمحيط الهادئ صدر الخميس خلال اجتماعاته السنوية في بانكوك، إن الغموض المحيط بمسار السياسة النقدية الأميركية قد يبقي الأسواق المالية الآسيوية عرضة للتقلبات، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال.

وأشار التقرير إلى أن أسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال أصبحت أكثر تقلباً منذ صدمة الطاقة هذا العام، مع تعرض عملات عدد من الاقتصادات الناشئة لضغوط انخفاض القيمة. ورغم استمرار متانة تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى المنطقة عموماً، تزامنت هذه التدفقات مع خروج بعض الاستثمارات من محافظ مالية، بما في ذلك أسهم التكنولوجيا الكورية الجنوبية.

ورجّح الصندوق أن ينمو اقتصاد آسيا بنسبة 4.8 في المائة في 2026 و4.4 في المائة في 2027، وهي توقعات أعلى من تقديراته الصادرة في أبريل (نيسان)، لكنها تعكس تباطؤاً مقارنة بنمو بلغ 5 في المائة في 2025.

وعزا الصندوق رفع توقعاته جزئياً إلى استفادة الاقتصادات الآسيوية المتقدمة من طفرة الذكاء الاصطناعي، متوقعاً تسارع نموها إلى 3.2 في المائة في 2026، مقابل 2.5 في المائة العام الماضي. في المقابل، يُرجح أن يتباطأ نمو الاقتصادات الآسيوية الناشئة إلى 5.1 في المائة، مقارنة بـ5.6 في المائة في 2025، بفعل أثر ارتفاع أسعار الطاقة.

وحذّر التقرير من أن المخاطر المحيطة بآفاق النمو تميل إلى الجانب السلبي، خصوصاً إذا طال أمد الصراع في الشرق الأوسط، بما قد يبقي أسعار السلع الأولية مرتفعة ويستنزف الاحتياطيات النفطية. كما أن أي تراجع في الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يضغط على النمو العالمي، مع احتمال أن تكون تداعياته أشد في آسيا بسبب انكشافها الكبير على سلاسل إنتاج هذه التقنيات.

ضغوط على عوائد السندات والمالية العامة

وحذّر الصندوق من أن استمرار ارتفاع العوائد العالمية أو حدوث اضطرابات في أسواق الدين لدى الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو واليابان، قد تنتقل تداعياته إلى أسواق السندات الآسيوية، وترفع تكاليف الاقتراض وتفاقم مواطن الضعف في المالية العامة.

وقال التقرير إن ارتفاع الدين العام واحتياجات الاقتراض في أجزاء واسعة من المنطقة يجعلان الأوضاع المالية أكثر عرضة للتشدد المفاجئ، الذي قد يزيد أعباء خدمة الدين ويضغط على الموازنات الحكومية.

وفي إحاطة صحافية، شدّد كريشنا سرينيفاسان، مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في الصندوق، على ضرورة استمرار تركيز البنوك المركزية على استقرار الأسعار، رغم بقاء توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة إلى حد كبير في المنطقة.

وقال إن على البنوك المركزية التواصل بوضوح والاستعداد لتشديد السياسة النقدية عندما تكون توقعات التضخم أقل رسوخاً، أو الأطر النقدية أقل مصداقية، أو الضغوط التضخمية أكثر استمراراً، مؤكداً ضرورة الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية.

وأضاف سرينيفاسان أن بقاء الدين العام أعلى من مستويات ما قبل الجائحة يحدّ من قدرة الحكومات على زيادة الإنفاق. ودعا إلى أن تكون التدابير المالية محددة الأهداف ومؤقتة، محذّراً من اللجوء إلى دعم شامل لأسعار الوقود أو فرض قيود على الأسعار، لما قد يترتب عليهما من تكاليف أعلى.