يبدو أن شهر فبراير (شباط) المقبل سيشكل لحظة مفصلية في مسار «أبل» في مجال الذكاء الاصطناعي. فبعد أسابيع من التكهنات، والتقارير المتتابعة، أفادت وكالة «بلومبرغ» بأن الشركة «تستعد للكشف عن نسخة مطوّرة بشكل جذري من مساعدها الصوتي «سيري»، في خطوة تُعد الأهم منذ إطلاقه قبل أكثر من عقد، وتعكس تسارع جهود «أبل» للحاق بالمنافسين في سباق الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويأتي هذا التطور في وقت واجهت فيه «سيري» انتقادات متزايدة بسبب محدودية قدراتها مقارنة بالمساعدات الحوارية الحديثة، التي باتت قادرة على إجراء محادثات مطوّلة، وفهم السياق، والتعامل مع أسئلة معقّدة. ورغم أن «سيري» كانت من أوائل المساعدات الصوتية في السوق، فإن التحسينات التي أُدخلت عليها خلال السنوات الماضية لم تكن كافية لمجاراة التحولات السريعة في هذا المجال.

استفادة من «جيميناي»
وبحسب تقرير «بلومبرغ»، تعتزم «أبل» استعراض النسخة الجديدة من «سيري» ضمن تحديث مرتقب لأنظمة التشغيل في النصف الثاني من فبراير، يُرجّح أن يكون «iOS 26.4». وسيُظهر هذا التحديث كيف يمكن لـ«سيري» الاستفادة من نماذج لغوية متقدمة، من بينها نماذج «جيميناي» التابعة لـ«غوغل»، وذلك ضمن إطار منظومة «ذكاء أبل» (Apple Intelligence). وتعكس هذه الخطوة تحولاً برغماتياً في استراتيجية الشركة، إذ باتت تميل إلى دمج تقنيات خارجية لتعزيز قدراتها، بدل الاعتماد الحصري على تطويرها الداخلي.
ولا يُتوقع أن يقدم تحديث فبراير الصورة الكاملة لـ«سيري» الجديدة، بل سيكون بمثابة معاينة أولية لمساعد أكثر حوارية، وقادر على فهم السياق ومتابعة الطلبات المتعددة، والرد بأسلوب أقرب إلى المحادثة الطبيعية. ويصف مراقبون هذا التحول بأنه انتقال من نموذج قائم على تنفيذ الأوامر الصوتية المحددة، إلى واجهة حوارية أكثر مرونة، وتفاعلية، وتقترب في طبيعتها من روبوتات الدردشة التوليدية.
أكثر من «سيري»
يأتي هذا التحديث ضمن مراجعة أوسع لطريقة دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة «أبل». وتشير «بلومبرغ» إلى أن الشركة تعيد النظر في موقع الذكاء الاصطناعي داخل منظومتها ككل، من «آي أو إس» و«ماك أو إس» إلى متصفح «سفاري»، والخدمات الأساسية. وتحتل «سيري» موقعاً محورياً في هذه المراجعة، باعتبارها الواجهة الأكثر مباشرة بين المستخدم والذكاء الاصطناعي في أجهزة «أبل».
ورغم التركيز على إعلان فبراير، فإن هذا التحديث يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه خطوة تمهيدية فقط. إذ تشير تقارير إلى أن «أبل» تعمل على نسخة أكثر تقدماً من «سيري» قد تُطرح لاحقاً هذا العام، بالتزامن مع إطلاق iOS 27. ومن المتوقع أن تقترب هذه النسخة من مفهوم «المساعد الحواري المتكامل»، والقادر على معالجة الأسئلة المعقّدة، وتلخيص المعلومات، وتنفيذ مهام مترابطة عبر التطبيقات المختلفة.
ويُعد اعتماد «أبل» الجزئي على نماذج «جيميناي» تطوراً لافتاً، خاصة في ظل تقليدها الراسخ بالتحكم الكامل في تقنياتها. غير أن تقارير «بلومبرغ» تشير إلى أن الشركة تنظر إلى هذا الدمج باعتباره خطوة مكملة، لا بديلاً عن تطوير نماذجها الخاصة، وتهدف إلى سد فجوات محددة في فهم اللغة الطبيعية، وتوليدها.

الخصوصية عنصر أساسي
يُتوقع أن تؤكد «أبل» أن تعزيز قدرات «سيري» سيتم بما ينسجم مع نهجها المعروف في حماية بيانات المستخدمين، عبر مزيج من المعالجة على الجهاز نفسه، واستخدام بنية سحابية خاضعة لرقابة صارمة. وسيكون التوازن بين الذكاء المتقدم والخصوصية عاملاً حاسماً في تقبّل المستخدمين للتجربة الجديدة. وبالنسبة للمستخدمين، قد تحمل «سيري» المطوّرة إمكانات واسعة لتغيير أسلوب التفاعل مع أجهزة «أبل». فبدل الاكتفاء بتنفيذ أوامر منفصلة، قد يصبح المساعد شريكاً أكثر فاعلية في التخطيط، والشرح، وإدارة المهام اليومية عبر حوار طبيعي، ومتواصل.
وفي هذا السياق، لا يمثل كشف فبراير مجرد تحديث برمجي، بل إشارة إلى المسار الذي تعتزم «أبل» اتباعه في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع تصاعد التوقعات، ستتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه الخطوة كافية لإعادة تعريف مكانة «سيري»، ودور «أبل» في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي خلال الأشهر المقبلة.

