مصرع 6 إسرائيليين وإصابة 12 بهجوم على حافلة في القدس

TT

مصرع 6 إسرائيليين وإصابة 12 بهجوم على حافلة في القدس

نتنياهو خلال تفقده موقع العملية في القدس (إ.ب.أ)
نتنياهو خلال تفقده موقع العملية في القدس (إ.ب.أ)

قالت وسائل إعلام إسرائيلية، اليوم الاثنين، إن 6 إسرائيليين قُتلوا، وأُصيب 12 آخرون بإطلاق نار عند مفترق مستوطنة راموت قرب القدس.

وذكرت «القناة 12» الإسرائيلية أن قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي هرعت إلى موقع إطلاق النار، في حين كشفت هيئة الإسعاف الإسرائيلية أن عدداً من الإصابات في حالة خطيرة.

وفي وقت لاحق، أفادت الشرطة الإسرائيلية بأنه «جرى القضاء على مسلّحيْن أطلقا النار على حافلة بالقدس، وأوقعا عدة إصابات بعضها خطير»، في حين نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن «الشاباك» أن التحقيق يشير إلى أن منفّذَي الهجوم صعدا إلى الحافلة، وقاما بإطلاق النار، وأضافت الإذاعة أن المنفّذَين من سكان القدس الشرقية.

الحافلة التي تعرضت لهجوم نفذه فلسطينيان في محيط القدس (رويترز)

وأشارت إلى أنه جرى القبض على مشتبه به من شرق القدس؛ للتحقق من تورطه في عملية إطلاق النار.

وسمحت السلطات بنشر هوية أربع من الضحايا، جميعهم رجال إسرائيليون متدينون ويتبعون الطائفة الحريدية.

من جانبها ذكرت «القناة 12» الإسرائيلية أن منفِّذي عملية القدس تسلّلا من إحدى قرى رام الله بالضفة الغربية. وقال شهود عيان إن أحد منفّذَي العملية تنكّر في زي شرطيّ مرور، وصعد إلى الحافلة وبدأ الهجوم من المسافة صفر.

وجرى فرض طوق أمني، وإغلاق جميع مداخل ومخارج القدس، عقب عملية إطلاق النار، وإغلاق المعابر بين الضفة الغربية والقدس.

من جانبه، قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، للصحافيين، من موقع الهجوم: «ليكن الأمر واضحاً، هذه الجرائم تُعزز تصميمنا على مكافحة الإرهاب».

وأظهرت لقطات من كاميرا مثبتة بمركبة في الموقع أشخاصاً يفرون من محيط حافلة على جانب طريق عند سماع دوي إطلاق نار. وقالت الشرطة إن جندياً ومدنياً يحمل سلاحاً قتلا المهاجمين في مكان الحادث.

حافلة إسرائيلية تعرضت للهجوم قرب القدس وتبدو جثة أحد المهاجمين (رويترز)

وقالت إستر لوجاسي، التي أصيبت في الهجوم، للتلفزيون الإسرائيلي من المستشفى: «فجأة سمعت صوت إطلاق النار يبدأ... شعرت وكأنني أركض إلى الأبد. ظننت أنني سأموت».

وحددت خدمة الإسعاف هوية خمسة من القتلى، وقالت إنهم رجل يبلغ من العمر (50 عاماً)، وامرأة في الخمسينيات من عمرها، وثلاثة رجال في الثلاثينيات من عمرهم. وأضافت أن ستة من المصابين في حالة خطيرة جراء إصابتهم بأعيرة نارية. وأوضحت الشرطة أن أكثر من 20 شخصاً أصيبوا بجروح.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر لاحقاً إن شخصاً سادساً قتل وإن المهاجمين فلسطينيان من الضفة الغربية، التي تحتلها إسرائيل.

واتهم وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش السلطة الفلسطينية بالهجوم «المروِّع»، وعَدَّ أنّها «تُربّي، وتُعلّم أطفالها، على قتل اليهود». وقال، عبر «إكس»: «يجب أن تختفي السلطة الفلسطينية عن الخريطة، ويجب أن تواجه القرى التي جاء منها المهاجمون المصير نفسه مثل رفح وبيت حانون»، في إشارة إلى مدن غزة التي دمّرتها الغارات الجوية الإسرائيلية.

وأعلنت وزارة الخارجية الإسبانية أن مواطناً إسبانياً من بين قتلى الهجوم الذي نددت به. وأصدرت فرنسا والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة هي الأخرى بيانات إدانة.

يأتي إطلاق النار وسط استمرار الحرب منذ قرابة العامين في قطاع غزة، حيث أدت حملة إسرائيل ضد حركة «حماس» إلى دمار واسع. وفي الضفة الغربية، يواجه الفلسطينيون قيوداً مشددة يفرضها الجيش وتصاعداً في الهجمات التي يشنها المستوطنون اليهود.

وجددت الرئاسة الفلسطينية تأكيدها على موقفها الثابت بشأن رفض وإدانة «أي استهداف للمدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين»، ونبذ جميع أشكال العنف والإرهاب أياً كان مصدره.

ضباط شرطة إسرائيليون يتفقدون موقع عملية إطلاق النار في حافلة (رويترز)

ووفقاً لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، أكدت الرئاسة أن «الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون إنهاء الاحتلال، ووقف أعمال الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وإرهاب المستوطنين في الضفة، بما فيها القدس المحتلة».

إلا أن حركة «حماس» باركت العملية ووصفتها بأنها «عملية بطولية نوعية نفذها مقاومان فلسطينيان»، لكنها لم تعلن مسؤوليتها عنها.

وقالت: «نؤكد أن هذه العملية رد طبيعي على جرائم الاحتلال وحرب الإبادة التي يشنها ضد شعبنا، وهي رسالة واضحة بأن مخططاته في احتلال وتدمير مدينة غزة وتدنيس المسجد الأقصى لن تمر دون عقاب». وأشادت حركة «الجهاد الإسلامي» أيضاً بالعملية، لكنها لم تعلن مسؤوليتها عنها.

ضباط شرطة إسرائيليون وخدمات طوارئ يعملون في موقع حادث إطلاق النار بالقدس (إ.ب.أ)

وقالت الحركة: «هذه العملية هي رد طبيعي على السياسات الإجرامية المتصاعدة للكيان الصهيوني وعلى التحريض المتواصل وعمليات التهجير والتدمير الممنهجة التي تمارسها حكومة الكيان في قطاع غزة والضفة المحتلة وحتى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة».

انتشار الشرطة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من موقع الهجوم، إن القوات الإسرائيلية تلاحق مشتبهاً بهم ساعدوا المسلحين.

وقالت الشرطة الإسرائيلية إن مهاجمين اثنين وصلا بسيارة وأطلقا النار في محطة حافلات عند مفترق مستوطنة راموت. ويقع المفترق في منطقة بالقدس التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967 وضمتها لاحقاً في خطوة لا تعترف بها الأمم المتحدة ومعظم دول العالم.

وأوضحت أنها عثرت في مكان الحادث على عدة أسلحة وذخيرة وسكين استخدمها المهاجمان اللذان وصفتهما بـ«الإرهابيين». وذكرت أنه تم إلقاء القبض على مشتبه به من القدس الشرقية يجري التحقيق بشأن ضلوعه في إطلاق النار.

وأظهرت لقطات من وكالة «رويترز» وجوداً مكثفاً للشرطة في منطقة راموت بعد إطلاق النار. وذكر الجيش الإسرائيلي أنه نشر جنوداً في المنطقة ويساعد الشرطة في البحث عن أي مشتبه بهم.

وأضاف أن الجنود ينشطون أيضاً في مناطق رام الله بالضفة الغربية المحتلة لإجراء تحقيقات و«إحباط الأنشطة الإرهابية».

رجال الشرطة في موقع الحادث بالقدس (أ.ب)

ووفقاً لمسؤولي الصحة في غزة فقد قُتل أكثر من 64 ألف فلسطيني على يد الجيش الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب بالقطاع في أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وبدأت الحرب إثر هجوم شنته «حماس» على إسرائيل، وأسفر وفقاً للإحصاءات الإسرائيلية عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز 251 آخرين في غزة.

وشهدت إسرائيل والضفة الغربية عدة حوادث إطلاق نار وطعن نفذها فلسطينيون واستهدفت مدنيين وجنوداً إسرائيليين منذ اندلاع الحرب على غزة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، قتل فلسطينيان، أحدهما كان مسلحاً بمسدس والآخر بسكين، سبعة أشخاص في تل أبيب.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، قتل مسلحان فلسطينيان ثلاثة أشخاص في محطة حافلات بالقدس. وأعلنت أجهزة الأمن الإسرائيلية أن منفذي عملية إطلاق النار في القدس مرتبطان بـ«حماس».

وفي يناير (كانون الثاني) 2023، قتل مسلح فلسطيني سبعة أشخاص في كنيس يهودي بالقدس.


مقالات ذات صلة

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، «حزب الله» بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الدولة العبرية «مستعدة لاستئناف الحرب ضد إيران»، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.


إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».