طهران تحذّر أوروبا من «الخطأ الفادح» عشية اجتماع «الوكالة الذرية»

عراقجي دعا الترويكا إلى التراجع عن تفعيل «سناب باك»

عراقجي يشارك في اجتماع لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية 27 أغسطس الماضي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في اجتماع لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية 27 أغسطس الماضي (الخارجية الإيرانية)
TT

طهران تحذّر أوروبا من «الخطأ الفادح» عشية اجتماع «الوكالة الذرية»

عراقجي يشارك في اجتماع لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية 27 أغسطس الماضي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في اجتماع لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية 27 أغسطس الماضي (الخارجية الإيرانية)

عشية بدء الاجتماعات الحساسة للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالةً إلى «الترويكا الأوروبية»، داعياً إلى التراجع عما وصفه بـ«الخطأ الفادح» ومنح الدبلوماسية «الوقت والمساحة» لإنقاذ الاتفاق النووي.

وكتب عراقجي في مقال رأي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية، الأحد، إن «أوروبا ترتكب خطأً كبيراً باتباع استراتيجية دونالد ترمب»، وأضاف: «نحن منفتحون على الدبلوماسية، والتوصل إلى اتفاق جديد بشأن برنامجنا النووي»، لكنه اشترط رفع العقوبات أولاً.

وقررت دول «الترويكا الأوروبية» (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) المضي قدماً في آلية العودة السريعة للعقوبات الأممية على طهران، المعروفة رسمياً باسم «سناب باك»، في نهاية سبتمبر (أيلول)، إذا لم تسمح طهران لمفتشي الأمم المتحدة بالعودة إلى المنشآت النووية الثلاث التي تعرَّضت لقصف أميركي - إسرائيلي في يونيو (حزيران) الماضي، وكذلك تقديم معلومات دقيقة بشأن نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، والانخراط في مفاوضات مباشرة مع واشنطن بهدف التوصل لاتفاق نووي جديد.

وقال عراقجي إن «الخطوة الأوروبية تفتقر إلى أي أساس قانوني، لأنها تتجاهل التسلسل الحقيقي للأحداث الذي دفع إيران إلى اتخاذ تدابير تعويضية قانونية بموجب بنود الاتفاق النووي».

وأضاف عراقجي: «قد يبدو أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا تتصرف بدافع الحقد، لكن الحقيقة أنها تتبنى عمداً مساراً متهوراً، على أمل أن يمنحها ذلك مقعداً على طاولة المفاوضات في قضايا أخرى. وهذا تقدير خاطئ وخطير، من المؤكد أنه سيرتد عليها».

وكتب في السياق نفسه: «لقد عبّر الرئيس ترمب بوضوح عن رؤيته للدول الأوروبية الثلاث باعتبارها أطرافاً هامشية. ويتجلى ذلك في الطريقة التي تم فيها تهميش أوروبا من القضايا المصيرية التي تمس مستقبلها، وعلى رأسها الصراع الروسي الأوكراني».

وألقى عراقجي عدة مرات باللوم على ترمب في إعادة الملف النووي الإيراني إلى الأوضاع التي كانت عليه ما قبل الاتفاق النووي لعام 2015، وأشار إلى انسحاب ترمب من الاتفاق النووي في مايو (أيار) 2018.

وانتقد عراقجي عدم إدانة الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية في 22 يونيو (حزيران)، وقال: «تطالب القوى الأوروبية اليوم بفرض عقوبات من الأمم المتحدة على الإيرانيين بحجة رفضهم الحوار».

ولفت عراقجي إلى أنه «حذر» نظراءه الأوروبيين في الدول الثلاث من أن «هذه المناورة لن تحقق النتائج التي يبتغونها، بل على العكس ستؤدي إلى تهميشهم بشكل أكبر، وإقصائهم من أي مسار دبلوماسي مستقبلي، مع ما يترتب على ذلك من عواقب سلبية واسعة النطاق على مجمل مصداقية أوروبا ومكانتها على الساحة الدولية».

وكرر تمسك طهران بتخصيب اليورانيوم، قائلاً: «لا يعقل أن تدّعي دول الثلاثي الأوروبي مشاركتها في اتفاق يقوم جوهره على تخصيب اليورانيوم داخل إيران، بينما تطالب في الوقت نفسه بأن تتخلى إيران عن هذه القدرات عينها».

ضرورة ملحة

وقال: «لا يزال هناك وقت وتوجد حاجة ماسة لحوار صادق»، موضحاً أن بلاده على «استعداد للدخول في اتفاق واقعي ودائم، يتضمّن رقابة صارمة وقيوداً محددة على أنشطة التخصيب، مقابل الرفع الكامل للعقوبات»، محذراً من «أن الفشل في اغتنام هذه النافذة الضيقة من الفرص قد يؤدي إلى عواقب كارثية، ليس على المنطقة فحسب، بل على مستوى أوسع لم يشهده العالم من قبل».

واتهم عراقجي إسرائيل بـ«خوض حرب بالوكالة عن الحرب»، وأشار إلى حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) قائلاً إن «القوات المسلحة الإيرانية القوية والمستعدة قادرة على توجيه ضربات موجعة تجبر على الهروب إلى الحامي طلباً للإنقاذ»، وأضاف: «لقد كلفت مقامرة إسرائيل دافعي الضرائب الأميركيين مليارات الدولارات».

وأنهى الوزير الإيراني رسالته للأوروبيين، قائلاً: «إذا كانت أوروبا جادة فعلاً في السعي إلى حل دبلوماسي، وإذا كان الرئيس ترمب يرغب في التفرغ لقضايا حقيقية لا تُفبرك في تل أبيب، فعليهم أن يوفّروا للدبلوماسية الوقت والحيز اللازمين كي تنجح. أما البديل، فلن يكون مرضياً بأي حال».

وكان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قد أدلى بتصريحات مماثلة في حوار مع صحيفة «الغارديان»، الأسبوع الماضي، في محاولة لتوجيه رسالة إلى صناع القرار الأوروبيين.

ووجه بقائي انتقادات ضمنية إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس: «الأوروبيون ينفذون ما تطلبه واشنطن. دورهم كوسطاء يتلاشى تدريجياً. إذا نظرنا إلى تاريخ وساطة قادة السياسة الخارجية الأوروبيين، من خافيير سولانا إلى كاثرين آشتون وفديريكا موغريني وجوزيب بوريل، نجد أنهم سعوا دائماً لتقريب وجهات النظر. لكن الآن قرر الأوروبيون أن يتحولوا إلى وكلاء للولايات المتحدة وإسرائيل. هذا تصرف غير مسؤول».

سبق التصريحات لقاءٌ مفاجئٌ بين عراقجي وكالاس في الدوحة، مساء الخميس. ونقلت وکالة «إيلنا» العمالية عن عراقجي قوله السبت: «سنواصل المفاوضات مع الدول الأوروبية الثلاث. لقد أجريتُ عدة جولات من المحادثات مع وزراء خارجية هذه الدول، وقبل ليلتين، خضت مفاوضات مطوّلة استغرقت أكثر من ساعتين مع السيدة كالاس. أعتقد أن فهماً أفضل للوقائع قد بدأ يتبلور».

إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ الأربعاء (إ.ب.أ)

وأضاف: «نتبادل أيضاً رسائل مع الأميركيين عبر وسطاء. وفي اليوم الذي يُقبل فيه الأميركيون على التفاوض انطلاقاً من مبدأ المصالح المتبادلة، سنكون بدورنا مستعدين للبدء في المفاوضات».

وبعد ساعات من اللقاء، نسبت وكالة الصحافة الفرنسية إلى مسؤول في الاتحاد الأوروبي، طلب عدم الكشف عن هويته، «أن كالاس بحثت مع عراقجي في الدوحة الجهود الرامية إلى التوصّل لحلّ تفاوضي للقضية النووية الإيرانية»، وأضاف: «ركّزت المحادثات على العديد من الموضوعات، بما فيها وصول مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت النووية الإيرانية، ومصير المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصّب».

غياب التفتيش

ومن المقرر أن يبدأ مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اجتماعه الربع السنوي الثالث هذا العام في فيينا، صباح الاثنين، كما سيعقد المدير العام رافائيل غروسي مؤتمراً صحافياً يركز على التحديات التي تواجه فريق عمله، بما في ذلك مراقبة البرنامج النووي الإيراني.

وكان آخر اجتماع للوكالة الدولية، قد شهد تبني قرار دفعت به القوى الأوروبية الثلاث، والولايات المتحدة، لإدانة إيران، بعدما قدم غروسي تقريراً مفصلاً حول أنشطة إيران، ووصفها بـ«حالة عدم الامتثال» لمعاهدة حظر الانتشار النووي، في خطوة نادرة منذ عقدين.

وبدأت إسرائيل هجمات على منشآت نووية وعسكرية إيرانية، بعد 24 ساعة من تمرير القرار الغربي، واندلعت حرب بين الطرفين استمرت 12 يوماً ودخلتها الولايات المتحدة بضرب المنشآت النووية الرئيسية في إيران لتخصيب اليورانيوم.

ملصق لمنشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو يعرض خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

وأرسلت الوكالة الدولية، الأسبوع الماضي، تقريراً مفصلاً حول البرنامج النووي الإيراني لمناقشته في اجتماعات هذا الأسبوع، وأكدت أنها لم تتوصل بعد إلى اتفاق بشأن استئناف عمليات التفتيش في المواقع التي تعرضت للقصف الإسرائيلي والأميركي.

وقال غروسي لـ«رويترز»، الأربعاء الماضي، إن محادثات الوكالة مع إيران بشأن كيفية استئناف عمليات التفتيش يجب ألا تستمر لأشهر طويلة، ودعا إلى إبرام اتفاق في وقت قريب ربما هذا الأسبوع.

وأكد غروسي أن الوكالة التابعة للأمم المتحدة لم تحصل على أي معلومات من إيران عن وضع مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب أو مكانه منذ أن شنت إسرائيل الهجمات الأولى على مواقع التخصيب في 13 يونيو (حزيران).

وعلى الرغم من تضرر مواقع التخصيب الإيرانية الثلاثة بشدة أو تدميرها في حملات القصف الإسرائيلية والأميركية، فإن مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب غير واضح، وهو اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، ولا تفصله سوى خطوة صغيرة عن نسبة 90 في المائة تقريباً المستخدمة في صنع الأسلحة.

وارتفع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60 في المائة قليلاً، قبل هجوم إسرائيل على منشآتها النووية في 13 يونيو حزيران، عما وردت تقارير بشأنه سابقاً.

وذكر التقرير أن التقديرات في 13 يونيو لمخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60 في المائة في شكل سادس فلوريد اليورانيوم، الذي يمكن تخصيبه في أجهزة الطرد المركزي، بلغ 440.9 كيلوجرام، وهذه الكمية تكفي لصنع 10 قنابل نووية إذا زاد مستوى تخصيبها.

وقال غروسي: «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد (النووية) لا تزال، في العموم، موجودة. لكن، بالطبع، يجب التحقق من ذلك... ربما يكون البعض قد فُقد». وأضاف: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث حركة نقل كبيرة للمواد».

ونقلت «رويترز» عن التقرير أنه «يجب إبرام اتفاق يمهد الطريق لاستئناف عمليات التفتيش دون إبطاء»، وأن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب «مصدر قلق بالغ».

وأكد غروسي أنه عادة لا يمكن أن تترك الوكالة أكثر من شهر يمر دون التحقق من حالة اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 20 بالمائة أو ما فوق ذلك. وتستمر المحادثات بدلاً من التعجيل بإثارة أزمة من خلال التنديد بإيران، وقال غروسي: «نحاول، كما حاولت دائماً... إفساح المجال للدبلوماسية، للسماح بإعادة العملية إلى مسارها. وبالطبع يجب أن يتم ذلك ضمن إطار زمني معقول».


مقالات ذات صلة

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

شؤون إقليمية بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

قالت باكستان، الخميس، إنها ترى «زخماً» بالجهود الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق «هرمز»، لكنها شددت على أن القرار النهائي بشأن استئناف الملاحة يعود إلى طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد)
شؤون إقليمية صورة نشرها غروسي على منصة «إكس» من لقائه مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في واشنطن

غروسي: المفاوضات النووية مع إيران في مأزق

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني متوقفة حالياً.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية عراقجي يستقبل نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في طهران (الخارجية الإيرانية)

مباحثات قطرية - إيرانية حول التهدئة و«هرمز»

يبدأ رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الخميس، زيارة إلى طهران لمواصلة جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، وخفض التوتر.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية إيرانية تحمل أكياس تسوق إلى جانب لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شمال طهران الثلاثاء 25 أغسطس الحالي (إ.ب.أ)

بزشكيان يدافع عن التفاوض: الحرب ليست حلاً

دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، عن مواصلة المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة، قائلاً إن الحرب «ليست دائماً طريقاً لتجاوز المشكلات».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)

البيت الأبيض: لا مفاوضات حالياً مع إيران وكل الخيارات مطروحة

تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)
تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

البيت الأبيض: لا مفاوضات حالياً مع إيران وكل الخيارات مطروحة

تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)
تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الخميس، إن الولايات المتحدة وإيران لا تجريان حالياً أي مفاوضات لإنهاء الحرب، في ظل تركيز واشنطن على تكثيف الضغط الاقتصادي على طهران، مشددة على أن جميع الخيارات لا تزال «مطروحة على الطاولة».

وأضافت ليفيت، في تصريحات لبرنامج «فوكس أند فريندز» على شبكة «فوكس نيوز»: «الهدف الأول للرئيس دونالد ترمب هو ضمان ألا تتمكن إيران من امتلاك سلاح نووي، وسيظل كذلك».

وتابعت: «لهذا نفذنا عملية (الغضب الملحمي) لتدمير جيشهم. والآن لدينا عملية (...) لتدمير اقتصادهم».

وقالت ليفيت: «لا توجد أي مفاوضات في الوقت الراهن، وسيستمر هذا الوضع إلى أن يشعر الرئيس بأنهم قد يجلسون إلى طاولة المفاوضات بهدف التوصل إلى نتائج. لم نرَ ذلك بعد».

وأضافت: «بالطبع، لا يزال يحتفظ بجميع الخيارات، كما أن الحصار البحري لا يزال سارياً».

وكان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، قد حذر، الاثنين، من أن الدول قد تواجه عقوبات ما لم تقطع علاقاتها المالية مع إيران، ضمن حملة أطلق عليها «عملية المنبوذ الاقتصادي»، ووصفها أيضاً بأنها «يوم الإنزال الاقتصادي».

ولم تفرض وزارة الخزانة حتى الآن العقوبات الثانوية التي لوحت بها على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران.

ووصل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران، الخميس، في مسعى لإحياء الحوار الدبلوماسي، بعد تبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية تعهد واشنطن بتصعيد الضغوط الاقتصادية، التي عدّها مسؤول إيراني «حرباً اقتصادية شاملة».


6 أشهر من الحرب: أميركا تبحث عن انتصار... وإيران لمخرج من الحصار

أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)
أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)
TT

6 أشهر من الحرب: أميركا تبحث عن انتصار... وإيران لمخرج من الحصار

أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)
أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)

يعيش الشرق الأوسط على وقع معادلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه عند بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قبل ستة أشهر، فيما أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما سمته «يوم حساب» اقتصادي لا سابق له منذ الحرب العالمية الثانية، وسط ضغوط متواصلة لإيجاد مخرج دبلوماسي لنزاع لم يؤدِّ بوضوح حتى الآن إلى نصر أميركي أو إلى هزيمة إيرانية.

وأدت الحرب، من جملة أمور كثيرة، إلى تعديل أولويات الضغوط الأميركية، سعياً إلى إرغام النظام الإيراني على الانصياع لمطالب إدارة الرئيس ترمب في ملفات تمتد من مضيق هرمز والبرنامج النووي مروراً بالصواريخ الباليستية والمسيَّرات ووصولاً إلى الجماعات والميليشيات الموالية لإيران في كلٍّ من العراق واليمن ولبنان.

ويعتقد الزميل الرفيع لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أليكس فاتانكا، أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في استمرار القتال، بل في غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى الطرفين بشأن ما يريدان تحقيقه وكيفية الوصول إليه. وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «واقع الذهاب إلى حرب كبرى من دون إطار استراتيجي واضح» بدأ الآن «يُلحق ضرراً بإدارة ترمب»، مضيفاً أن إدارة ترمب، بعد ستة أشهر من الصراع، تبدو كأنها «تحاول يومياً معرفة كيفية التنقل» في مسار شديد التعقيد والخطورة.

لافتة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

غير أن هذه الاستراتيجية تواجه معضلة أساسية، طبقاً للمدير المساعد لمشروع التهديدات الحرجة بين معهد «أميركان إنتربرايز إنستيتيوت» ومعهد دراسات الحرب الأميركي نيكولاس كارل، الذي لا يرى حتى الآن مؤشرات إلى استعداد النظام الإيراني للتراجع.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب «دخلت ما يبدو أنها مرحلة جديدة» تتميز بمحاولة الولايات المتحدة «تطبيق ضغط اقتصادي أكبر حتى من السابق» أملاً في أن يدفع ذلك القادة الإيرانيين إلى تقديم تنازلات والتخلي عن «مطالبهم القصوى» في المفاوضات. ولكنه يضيف أن الإجراءات الأميركية «مؤثرة بالفعل»، وأن الاقتصاد الإيراني «يتخبط» تحت وطأة العقوبات، إلى جانب «مجموعة كاملة من المشكلات الهيكلية» التي يعانيها منذ سنوات.

عامل الوقت

ويوافقه مدير برنامجي الاستراتيجية والأمن القومي لدى مؤسسة «راند» البروفسور رافاييل كوهين، في أن تأثير العقوبات لن يظهر سريعاً، محذراً من أن نجاحها المحتمل يتوقف بدرجة كبيرة على قدرة إدارة ترمب على الإبقاء عليها لفترة طويلة بما يكفي لإحداث تغيير في حسابات القيادة الإيرانية.

ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن العقوبات «تحتاج إلى بعض الوقت حتى تصبح فعالة»، مضيفاً أن أي تأثير على النظام الإيراني «من المرجح ألا يحدث خلال أيام، أو حتى ربما أسابيع». وبدلاً من ذلك، تحتاج العقوبات إلى «فترات زمنية كبيرة» حتى تصبح مؤلمة بما يكفي لدفع القيادة الإيرانية إلى «تغيير مسار السياسة، إذا حدث ذلك أصلاً».

طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

هذه النقطة تضع ما تسميه الإدارة الأميركية «يوم الحساب الاقتصادي» أمام اختبار طويل الأمد. فالعقوبات قد تزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني، لكن تحويل هذا الضغط إلى تنازل سياسي ليس أمراً مضموناً.

ويلاحظ كارل أنه «حتى الآن لا يبدو أن الضغط الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة دفع كبار القادة في طهران إلى تغيير موقفهم التفاوضي». غير أن ذلك ربما يتغير مستقبلاً، مضيفاً أن أحد أسباب صعوبة المفاوضات هو أن القيادة الإيرانية الجديدة «تشعر بأنها مُمكّنة ومتعززة»، لأنها «نجت من حرب تقليدية عالية الكثافة مع الولايات المتحدة». وهذا الشعور، حسب تحليله، دفعها إلى إصدار مواقف أكثر تشدداً، ومنها القول إنها ستخرج من الحرب «في وضع استراتيجي أقوى» مع السيطرة على مضيق هرمز.

نقاط اصطدام

وهنا تكمن إحدى كبرى نقاط الاصطدام مع واشنطن، لأن إدارة ترمب رفضت قطعاً السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز بوصفه «خطاً أحمر» غير مستعدة للتنازل عنه. وهذه النتيجة أوصلت المفاوضات إلى «مأزق»، إذ «لا يبدو أن أي طرف مستعد للتنازل عن مطالب الطرف الآخر في الوقت الحالي».

ويستند كوهين إلى السجل «المختلط» للعقوبات الدولية. ففي بعض الحالات، نجحت في تحقيق أهدافها، بينما لم تؤدِّ حتى الجزاءات «الشديدة للغاية»، كما في الحال مع كوريا الشمالية وكوبا، إلى النتائج المرجوة. ويستنتج من ذلك أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما إذا كانت العقوبات مؤلمة، وإنما ما إذا كانت إدارة ترمب مستعدة «للاستمرار فيها على المدى الطويل» لمنحها الوقت الكافي حتى تؤثر في حسابات طهران. ويرى أن العقوبات هي «الخيار المفضل» لإدارة ترمب على المدى القصير، مقارنةً باستخدام القوة العسكرية على نطاق أوسع، لأسباب عديدة، منها الاعتقاد بأن الإدارة «لا تشعر بأن الحملة العسكرية أوصلتها إلى المكان الذي أرادت الوصول إليه».

ومن هذا المنظور، تصبح العقوبات محاولة لتحقيق أهداف واشنطن من دون العودة مباشرةً إلى الحرب الواسعة النطاق.

غياب التصور السياسي

يذهب فاتانكا إلى انتقاد ما سماه «غياب التصور السياسي الأوسع» لإدارة ترمب. فلا يتوقع «عودة فورية» إلى الحرب الشاملة، غير أنه لا يستبعد جولات جديدة من القتال خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. وفي الوقت نفسه، يرى أن «الباب أمام اتفاق دبلوماسي مؤقت لا يزال مفتوحاً، بما في ذلك احتمال إحياء مذكرة التفاهم» التي جرى التوصل إليها في يونيو (حزيران) الماضي. ويستدرك أن الاتفاق المؤقت لن يكون كافياً وحده، كما أن «اتفاقاً آخر في حد ذاته ليس ضمانة للسلام الدائم»، لأن المطلوب هو «التزام جدي بعملية طويلة الأمد».

ويقترح مساراً يقوم على حوار مفتوح وتدريجي بدلاً من محاولة فرض مطالب قصوى على الطرف الآخر. ويقول إن على واشنطن وطهران «وضع أحلام اليقظة جانباً» والتركيز على ما هو «واقعي» و«مرئي وقابل للتنفيذ».

وهو كان يشير بذلك إلى مطالبة إدارة ترمب بإعلان النظام الإيراني استسلامه، مقابل دعوات إيران إلى خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.

ولدان يلهوان على الشاطئ فيما تعبر سفن تجارية بمضيق هرمز عند بندر عباس في إيران (أ.ب)

ويرى فاتانكا أن نقطة البداية الأكثر واقعية هي مضيق هرمز، الذي يمثل مصلحة مشتركة للطرفين، وإن اختلفت الأسباب. وبعد حل أزمة المضيق، يأتي الملف النووي، ثم قضايا أخرى يمكن التعامل معها وفق ترتيب الأولويات.

أما تغيير النظام بالقوة، فيتطلب استعداداً لعملية عسكرية واحتلال طويل الأمد لا يبدو أن الولايات المتحدة مستعدة له، ملاحظاً أن هناك «مقاومة مؤسسية للحرب» داخل وزارتي الحرب «البنتاغون» والخارجية ومؤسسات الأمن والسياسة الخارجية الأميركية.

ويعود كارل إلى التأكيد على أن المطالب الإيرانية «بالتأكيد غير واقعية». فهي لا تتعلق فقط بمضيق هرمز، وإنما تشمل أيضاً انسحاب القوات الأميركية من مواقع عسكرية حول الخليج، ورفع العقوبات، وتقديم مجموعة واسعة من التنازلات التي لم تكن أي إدارة أميركية سابقة مستعدة بجدية لتقديمها. أما الأهداف الأميركية، فيراها أكثر ارتباطاً بالمصالح الأمنية التقليدية لواشنطن. ويقول إنه «لا ينبغي أن يكون مقبولاً لأي شخص أن ينتهك طرف مارق مثل إيران القانون البحري الدولي بشكل صارخ» وأن يفرض مثل هذه الادعاءات بشأن دوره في مضيق هرمز.

وحتى الاتفاق النووي أصبح أكثر صعوبة من السابق، لكنه يرى أن الدفاع عن «حرية الملاحة وحرية التجارة» عبر هذا الممر الدولي «يجب أن يبقى أولوية».

«انزلاق» إلى الحرب

لكن الخطر الذي يُقلق كوهين أكثر لا يتعلق فقط بالتأثير الاقتصادي أو أسعار الطاقة، وإنما بسهولة تحول المواجهة الاقتصادية إلى صراع عسكري مفتوح. ويقول إن «الأمر لا يحتاج إلى الكثير للعودة إلى أعمال عدائية شاملة». فحادث واحد أو «رد فعل متسرع» يمكن أن يؤدي إلى تصعيد سريع. ويضرب مثالاً على ذلك باحتمال أن يقرر طرف ما إطلاق النار على سفينة حربية أو مهاجمة قاعدة أميركية.

ولهذا يلخص رافي الخطر في عبارة واضحة: من السهل جداً أن تنتقل المواجهة «من يوم الحساب الاقتصادي إلى شيء أكثر حركية وعسكرية، من دون الحاجة إلى قدر كبير من الخيال».

ويوافقه كارل الذي لا يرى أن خطر اندلاع حرب جديدة قد اختفى، بل هو «احتمال لا يزال كبيراً»، محذراً من أن الإدارة الأميركية قد تقرر، في مرحلة ما بعد الانتخابات النصفية، استئناف الضربات ضد إيران.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

لكن السيناريو الذي يُقلقه أكثر هو أن تكون إيران هي التي تبدأ الجولة المقبلة.

في الوقت نفسه، لا تزال هناك قناة للتفاوض، وهو ما يثير سؤالاً حول ما إذا كانت العقوبات تهدف فعلاً إلى تغيير سلوك إيران أم إلى إجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية أفضل.

وفي هذه المرحلة، يبدو أن مستقبل المواجهة سيتحدد بثلاثة عوامل مترابطة: قدرة العقوبات على إحداث ألم اقتصادي كافٍ، واستعداد واشنطن وطهران لتحمل مواجهة طويلة، وقدرة الطرفين على منع حادث محدود من التحول إلى حرب جديدة.


باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)
TT

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

قالت باكستان، الخميس، إنها ترى «زخماً» في الجهود الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق «هرمز»، لكنها شدَّدت على أن القرار النهائي بشأن استئناف الملاحة يعود إلى طهران وواشنطن.

وقال المتحدث باسم «الخارجية» الباكستانية، طاهر أندرابي، خلال مؤتمر صحافي في إسلام آباد، إن زيارة قائد الجيش المشير عاصم منير إلى طهران، في وقت سابق هذا الأسبوع، جاءت في إطار «جهود متجددة» لإعادة فتح المضيق، وإحياء المسار الدبلوماسي.

وأضاف أندرابي: «نظل متفائلين بأن يتولد بعض الزخم نحو هذا الجانب المهم، أي فتح مضيق هرمز، لأنه يؤثر على الجميع من حيث اضطراب سلاسل الإمداد، لا سيما إمدادات الطاقة».

وأشار إلى استمرار التحركات بعد زيارة منير، لافتاً إلى «زيارات متابعة» واتصالات إقليمية أخرى، بينها زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران، الخميس، ولقاؤه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وقال أندرابي إن هناك «جهوداً منسقة» للتوصل إلى تسوية، «خصوصاً فيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز»، لكنه أضاف أن الأمر في نهاية المطاف يتطلب «قراراً سيادياً يجب اتخاذه في طهران وواشنطن».

وأوضح أن زيارة منير استهدفت إحياء مذكرة تفاهم يونيو (حزيران) بين إيران والولايات المتحدة، التي تضمنت ترتيبات مرتبطة بإعادة فتح المضيق قبل أن تنهار لاحقاً.

وأضاف أن وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، واصل اتصالاته الدبلوماسية بالتزامن مع زيارة منير، وأجرى محادثات مع نظرائه في تركيا ومصر ودول أخرى في المنطقة.

وتتزامن التحركات الباكستانية مع محادثات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة في مضيق «هرمز»، تشمل مقترحاً لإنشاء ممر مؤقت للسفن.

وسُئل أندرابي عمّا إذا كانت إسلام آباد ستدعم اتفاقاً بين إيران وعُمان لإعادة فتح ممر مؤقت إذا تضمَّن فرض رسوم على السفن التجارية، لكنه امتنع عن اتخاذ موقف مباشر.

وقال: «هذا جزء من النقاش الأوسع. لا أود التعليق على كل جانب محدد من هذا النقاش الكبير، سواء حق فرض الرسوم، أو حق الدول المطلة على المضيق في تحصيلها، أو الالتزامات المترتبة على الدول التي تمر سفنها عبره».