من «كوفيد» إلى أوكرانيا: كيف أثّرت الأزمات على مالية فرنسا؟

تصويت حاسم الاثنين على خطة بايرو لخفض الديون

يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
TT

من «كوفيد» إلى أوكرانيا: كيف أثّرت الأزمات على مالية فرنسا؟

يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)

يواجه رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو تصويتاً على الثقة بحكومته، يوم الاثنين، والذي يُتوقع أن يخسره، مما سيؤدي إلى تفاقم الأزمة السياسية في ثاني أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو.

لقد أصبح المشهد السياسي في فرنسا أكثر تعقيداً منذ أن خاض الرئيس إيمانويل ماكرون رهانه السياسي باستدعاء انتخابات نيابية مبكرة في عام 2024، ما أسفر عن برلمان منقسم بشدة. وانخفض عدد أعضاء تحالفه الحاكم، الذي فقَدَ أغلبية مقاعده منذ إعادة انتخاب ماكرون في عام 2022، بينما برز حزب «الرابطة الوطنية» اليميني المتطرف بصفته أكبر حزب في البرلمان. وضعف نفوذ ماكرون في البرلمان مع تضخم الدين العام الفرنسي، جزئياً بسبب سياساته الإنفاقية خلال أزمتيْ «كوفيد-19» وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما يواجه الاقتصاد الفرنسي ضغوطاً كبيرة لإصلاح أوضاعه المالية، إذ ارتفع الدين العام إلى 113.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكان عجز الموازنة، العام الماضي، ضِعف الحد المسموح به من الاتحاد الأوروبي (3 في المائة).

وعَدَّ أن هناك حاجة لاتخاذ قرارات صعبة، فسعى بايرو، السياسي المخضرم من «اليمين الوسط» ورئيس الوزراء الرابع لماكرون منذ إعادة انتخابه، إلى إقرار موازنة عام 2026 تتطلب توفير 44 مليار يورو (51.51 مليار دولار)، من خلال إجراءات تقشفية تشمل تجميد المعاشات التقاعدية، وخفض الإنفاق على الرعاية الصحية، وإلغاء يوميْ عطلة رسميين.

فرنسوا بايرو يلتقط صورة له في حديقة قصر ماتينيون المقر الرسمي لرئيس الوزراء الفرنسي (أ.ف.ب)

أثار هذا ردود فعل غاضبة من المعارضة. وبملاحظة صعوبة إقرار الموازنة، دعا بايرو إلى تصويت ثقة في مجلس النواب بشأن استراتيجيته المالية، في خطوةٍ عَدّتها المعارضة بمثابة «انتحار سياسي». وأكدت أحزاب المعارضة أنها ستصوّت ضد بايرو، ولديها عدد كافٍ من النواب لإسقاطه.

ويحتاج بايرو إلى دعم برلماني لفرض إجراءات تقشف مِن شأنها خفض الدين العام لفرنسا، لكن أحزاب المعارضة الرئيسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أعلنت رفضها خطة رئيس الوزراء.

ماكرون والدين العام

كثيراً ما تتهم أحزاب المعارضة ماكرون بزيادة الدين العام بأكثر من تريليون يورو، منذ وصوله إلى السلطة في ربيع 2017، وغالباً ما يُعزى هذا الارتفاع إلى «تخفيضاته الضريبية» لصالح الأثرياء. لكنْ هل هذا الرقم دقيق؟

عندما تولّى ماكرون منصبه في يونيو (حزيران) 2017، كان الدين العام يبلغ 2.281 تريليون يورو. وبحلول مارس (آذار) 2025، وصل إلى 3.345 تريليون يورو. هذه الزيادة البالغة 1.064 تريليون يورو تتوافق مع الرقم الذي كثيراً ما يجري تداوله، وفق صحيفة «لوموند» الفرنسية.

لكن الخبراء الاقتصاديين يَعدّون مقارنة الأرقام المطلقة ليست الطريقة الأكثر دقة لقياس الوضع المالي للبلاد. ففي الفترة نفسها، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي، الذي يمثل ثروة البلاد، بنسبة 30 في المائة. وكما يوضح الخبير الاقتصادي كزافييه راغو، رئيس المرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية: «البلد الذي يمتلك ناتجاً محلياً إجمالياً أعلى يمكنه تحمُّل ديون أكبر؛ لأنه كلما زادت الثروة، زادت إمكانيات فرض الضرائب لسداد الدين».

لذلك يفضّل الخبراء استخدام نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. في عام 2017، كانت نسبة الدين تمثل 101 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصلت، اليوم، إلى 113.9 في المائة. وهذا يعني أن الدين زاد بمقدار 13 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. إذا كان الدين قد استقر عند مستوى 2017، لكان، اليوم، أقل بنحو 400 مليار يورو. هذا الرقم الأخير هو ما يمنح إحساساً أدق بحجم الدين الإضافي الذي تراكم في عهد ماكرون.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء فرنسوا بايرو في حفل وداع لتييري بوركارد رئيس الأركان السابق للقوات المسلحة (رويترز)

العجوزات: هل كانت حتمية أم اختيارية؟

يعود نمو الدين، على مدى السنوات الثماني الماضية، إلى العجز المستمر في الموازنة، حيث تجاوزت النفقات الإيرادات بشكل سنوي. هناك سببان رئيسيان يفسران «عجوزات ماكرون»: الأزمات الاقتصادية وتخفيضات الضرائب.

 

1- نفقات الأزمات:

  • جزء كبير من زيادة الدين يرجع إلى النفقات الاستثنائية التي أنفقتها حكومات ماكرون لمواجهة أزمتين رئيسيتين:
  • جائحة «كوفيد-19» (2020-2021): شملت نفقات الرعاية الصحية، واستراتيجية «مهما كلّف الأمر» لإبقاء الشركات على قيد الحياة، بالإضافة إلى خطة التحفيز الاقتصادي.
  • أزمة الطاقة في 2022: تسببت فيها الحرب بأوكرانيا والتضخم، وشملت سياسات احتواء تكاليف الطاقة المتصاعدة.

وفقاً لدراسة رئيسية للمرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية، نُشرت في ربيع 2024، فإن هذه النفقات المرتبطة بالأزمات وحدها مسؤولة عن ما بين نصف وثلاثة أرباع الزيادة في الدين بين عاميْ 2017 و2023. وعلى الرغم من أن هذه النفقات تبدو حتمية، لكن هناك خيارات سياسية كانت متاحة، على سبيل المثال «كان تعامل فرنسا مع أزمة الطاقة أكثر تكلفة من ألمانيا». وهذا يعني أن ماكرون لا يمكن إعفاؤه تماماً من مسؤولية هذه الزيادة في الدين، حتى لو كان من المرجَّح أن قادة آخرين كانوا سيتخذون خيارات مماثلة، وفق الصحيفة الفرنسية.

 

2- تخفيضات الضرائب:

الجزء المتبقي من زيادة الدين، منذ عام 2017؛ أي ما بين الربع والنصف، يمكن إرجاعه إلى خيارات سياسية «تقديرية» أكثر. وفقاً لحسابات المرصد الفرنسي، فإن التخفيضات الضريبية التي نُفّذت في عهد ماكرون تمثل «ربع إلى نصف» الزيادة في الدين.

من ناحية، لم ترفع حكومات ماكرون الإنفاق العام بشكل هيكلي، والذي ظل مستقراً إلى حد كبير (باستثناء فترات الأزمات). ومن ناحية أخرى، انخفضت إيرادات الدولة من الضرائب بشكل كبير: حيث أصبحت تمثل، الآن، 2.2 نقطة مئوية أقل من الناتج المحلي الإجمالي مما كانت عليه في عام 2017؛ أي ما يعادل 65 مليار يورو أقل كل عام.

إذن، هل كانت سياسات ماكرون السبب الرئيسي في زيادة الدين؟ الإجابة ليست بالبساطة التي تطرحها المعارضة، فالواقع أكثر تعقيداً ويشمل مزيجاً من الأزمات العالمية والخيارات السياسية المحلية، وفق «لوموند».


مقالات ذات صلة

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أعضاء البرلمان يرفعون أيديهم خلال جلسة مناقشة مشروع قانون الموازنة لعام 2026 في الجمعية الوطنية (أ.ف.ب)

المشرّعون الفرنسيون يرفضون الجزء المتعلق بالإيرادات من مشروع الموازنة

رفض مجلس النواب الفرنسي، يوم السبت، أجزاءً من مشروع قانون موازنة 2026، تاركاً الباب مفتوحاً أمام إمكانية توصل البرلمان لاتفاق.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ليكورنو يتفاعل خلال المناقشة قبل التصويت على اقتراحين لسحب الثقة من الحكومة (رويترز)

«ستاندرد آند بورز» تفاجئ فرنسا بخفض تصنيفها بسبب «الاضطراب السياسي»

خفّضت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني للديون السيادية الفرنسية، محذرة من حالة الاضطراب السياسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو يلقي خطاباً خلال مناقشة قبل التصويت على اقتراحين لسحب الثقة من الحكومة الفرنسية خلال جلسة عامة في الجمعية الوطنية في باريس 16 أكتوبر 2025 (رويترز)

رئيس الحكومة الفرنسية ينجو من تصويتين لحجب الثقة

نجا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو من تصويتين لحجب الثقة في البرلمان، اليوم (الخميس)، بعدما تلقى دعما حاسما من الحزب الاشتراكي بعد تقديمه تنازلات.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«المركزي الروسي» يخفض الفائدة ويحذّر من حالة عدم اليقين

البنك المركزي الروسي في وسط العاصمة موسكو (إ.ب.أ)
البنك المركزي الروسي في وسط العاصمة موسكو (إ.ب.أ)
TT

«المركزي الروسي» يخفض الفائدة ويحذّر من حالة عدم اليقين

البنك المركزي الروسي في وسط العاصمة موسكو (إ.ب.أ)
البنك المركزي الروسي في وسط العاصمة موسكو (إ.ب.أ)

خفض البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 50 نقطة أساس إلى 15 في المائة، الجمعة، كما كان متوقعاً، عازياً ذلك إلى تباطؤ التضخم، لكنه حذّر من ازدياد حالة عدم اليقين الخارجية بشكل ملحوظ.

وقال البنك المركزي في بيان: «في فبراير (شباط)، تباطأ نمو الأسعار كما كان متوقعاً بعد تسارع مؤقت في يناير (كانون الثاني)... ومع ذلك، ازدادت حالة عدم اليقين بشأن البيئة الخارجية بشكل كبير».

وقد استفادت روسيا من أزمة الشرق الأوسط، حيث ارتفعت أسعار النفط والسلع الأخرى التي تبيعها، كما رفعت الولايات المتحدة بعض العقوبات المفروضة على النفط الروسي لأول مرة منذ بدء الصراع الأوكراني.

ويجعل قرار خفض سعر الفائدة روسيا حالةً استثنائية؛ إذ حذَّرت البنوك المركزية في اقتصادات كبرى أخرى من مخاطر التضخم المتزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات الإمداد العالمية الناجمة عن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

ورفع البنك المركزي توقعاته للتضخم لعام 2026 إلى ما بين 4.5 في المائة و5.5 في المائة خلال اجتماع عُقد في فبراير، لكنه يتوقع عودة التضخم إلى هدفه البالغ 4 في المائة في عام 2027. وعلى أساس سنوي، تباطأ التضخم إلى 5.79 في المائة في 16 مارس (آذار)، بانخفاض عن 5.84 في المائة قبل أسبوع.

وقبل الارتفاع الحاد في أسعار النفط، كانت الحكومة الروسية تعمل على حزمة تقشفية قد تشمل خفضاً بنسبة 10 في المائة في الإنفاق غير الضروري على الميزانية. وقد يؤدي ارتفاع عائدات النفط إلى تعليق هذه الخطط.وانخفض الروبل بنسبة 9 في المائة منذ بداية مارس، وهي خطوة عدَّها المحللون وكبار رجال الأعمال متأخرة. وسيؤدي انخفاض قيمة الروبل إلى تعزيز إيرادات الدولة والشركات الكبرى من الصادرات.

وسيدعم خفض سعر الفائدة النمو الاقتصادي الروسي المتعثر، الذي انخفض إلى 1 في المائة في عام 2025 من 4.3 في المائة في عام 2024. ومع ذلك، أكد كبار رجال الأعمال على ضرورة الوصول إلى سعر فائدة رئيسي عند 12 في المائة لتسريع وتيرة الاستثمار والنمو.


رغم تضرر منشآتها... قطر تتعهد بالبقاء مورداً موثوقاً للطاقة

وزير الطاقة القطري سعد الكعبي يُلقي كلمة في منتدى قطر الاقتصادي بالدوحة 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)
وزير الطاقة القطري سعد الكعبي يُلقي كلمة في منتدى قطر الاقتصادي بالدوحة 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)
TT

رغم تضرر منشآتها... قطر تتعهد بالبقاء مورداً موثوقاً للطاقة

وزير الطاقة القطري سعد الكعبي يُلقي كلمة في منتدى قطر الاقتصادي بالدوحة 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)
وزير الطاقة القطري سعد الكعبي يُلقي كلمة في منتدى قطر الاقتصادي بالدوحة 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)

أكَّد وزير الدولة لشؤون الطاقة، الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، التزام بلاده بأن تبقى مورداً موثوقاً للطاقة، وذلك غداة إعلانه أن اثنين من أصل 14 وحدة لتسييل الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى منشأة لتحويل الغاز إلى سوائل، قد تضررت جرَّاء الهجمات الإيرانية على منشآت قطرية.

موقف الكعبي جاء خلال استقباله وزير التجارة والصناعة والموارد في كوريا الجنوبية جونغ كون كيم.

وذكر بيان أن الكعبي أكَّد للوزير الكوري الجنوبي التزام قطر بأن تبقى مورداً موثوقاً للطاقة، معبّراً عن تطلعه لمواصلة وتعزيز التعاون طويل الأمد مع كوريا في مجال الطاقة.

وكان استهداف مرافق الطاقة القطرية أثار قلقاً دولياً بعد أن أعلنت شركة «قطر للطاقة» أنها ستضطر لإعلان حالة «القوة القاهرة» في عقود طويلة الأجل تصل مدتها إلى خمس سنوات لإمدادات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى إيطاليا وبلجيكا وكوريا الجنوبية والصين بعد أن أدَّت الهجمات الإيرانية إلى تعطيل 17 في المائة من طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال.

وتُعدُّ كوريا الجنوبية ثالث أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الصين واليابان، حيث تستخدمه في توليد الطاقة والتصنيع والتدفئة. وتُعتبر قطر ثالث أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال لكوريا الجنوبية بعد أستراليا وماليزيا.


«أصداء الحرب» تدفع بورصة الصين لأكبر تراجع أسبوعي منذ نوفمبر

شاشة تعرض حركة الأسهم على مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم على مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
TT

«أصداء الحرب» تدفع بورصة الصين لأكبر تراجع أسبوعي منذ نوفمبر

شاشة تعرض حركة الأسهم على مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم على مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

أنهت أسهم البر الرئيسي الصيني تداولاتها يوم الجمعة على انخفاض، مسجلةً أكبر تراجع أسبوعي لها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع استمرار تأثير الحرب في الشرق الأوسط على معنويات المستثمرين.

وأغلق مؤشر شنغهاي المركب القياسي منخفضاً بنسبة 1.24 في المائة، وهو أدنى مستوى إغلاق له منذ 24 ديسمبر (كانون الأول) 2025. كما انخفض مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 0.35 في المائة. وعلى مدار الأسبوع، تراجع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 3.4 في المائة، وخسر مؤشر «سي إس آي 300» نسبة 2.2 في المائة، وهو أسوأ أداء لهما منذ منتصف نوفمبر.

وتصدرت أسهم المعادن غير الحديدية قائمة الخاسرين، حيث انخفضت بنسبة 1.1 في المائة يوم الجمعة، و12.2 في المائة على مدار الأسبوع. تعرّضت الأسواق لضغوط نتيجة انخفاض أسعار الذهب عقب قوة الدولار الأميركي وتصريحات مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» (البنك المركزي الأميركي) المتشددة، مما أدى إلى تراجع الآمال في خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.

وأعلن البنك المركزي الصيني، في بيان صدر يوم الخميس، أنه سيستخدم أدواته المالية بالكامل «لضمان استقرار عمليات أسواق الأسهم والسندات والعملات الأجنبية وغيرها من الأسواق المالية». وأكَّدت كبرى البنوك المركزية، يوم الخميس، استعدادها لمواجهة أي ارتفاع في التضخم، في ظل تصاعد التوترات الناجمة عن الحرب مع إيران التي وضعت البنية التحتية الحيوية للطاقة في الشرق الأوسط في مرمى النيران.

وفي وقت سابق من الجلسة، أبقت الصين أسعار الفائدة الأساسية على قروضها المرجعية لشهر مارس دون تغيير للشهر العاشر على التوالي. وقال بايرون لام، الخبير الاقتصادي في بنك «دي بي إس»: «مع تقييد (الاحتياطي الفيدرالي) لدورة التيسير النقدي، وثبات الدولار الأميركي، يواجه بنك الشعب الصيني (المركزي) هامشاً أضيق لسياساته، حيث يوازن بين دعم النمو المحلي واستقرار سعر الصرف».

وأضاف: «قد يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة المستوردة إلى زيادة تعقيد عملية التيسير النقدي، حيث يوازن صناع السياسات بين دعم النمو ومخاطر التضخم المستورد». وفي غضون ذلك، حقَّقت أسهم شركات الطاقة الشمسية الكهروضوئية أداءً متميزاً، إذ قفزت بنسبة 2.9 في المائة بعد أن أفادت التقارير بأن شركة «تسلا» تسعى لشراء معدات بقيمة 2.9 مليار دولار من موردين صينيين.

وانخفض مؤشر «هانغ سينغ» القياسي في هونغ كونغ بنسبة 0.88 في المائة، بينما تراجعت أسهم شركات التكنولوجيا في المدينة بنسبة 2.48 في المائة. وهوت أسهم شركة «علي بابا» في هونغ كونغ إلى أدنى مستوى لها منذ أغسطس (آب)، بعد أن جاءت نتائج الربع الثالث مخيبة لتوقعات المحللين، حيث فشل الإنفاق الكبير على خدمة التوصيل خلال ساعة واحدة والعروض الترويجية خلال فترات ذروة التسوق في تحفيز الطلب.

مكاسب اليوان

ومن جانبه، انخفض اليوان الصيني مقابل الدولار يوم الجمعة، لكنه اتَّجه نحو تحقيق مكاسب طفيفة للأسبوع، مدعوماً بدعم ثابت من البنك المركزي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية جرَّاء الحرب في الشرق الأوسط. وأعلن بنك الشعب الصيني، في بيان نُشر يوم الخميس، أنه سيستخدم أدواته المالية بالكامل «لضمان استقرار عمليات أسواق الأسهم والسندات والعملات الأجنبية وغيرها من الأسواق المالية».

وقال لو تينغ، كبير الاقتصاديين الصينيين في نومورا: «من الواضح أن هذا رد فعل على الصراعات العسكرية الدائرة في الشرق الأوسط، من وجهة نظرنا». وقد أثارت الحرب في إيران مخاوف بشأن مخاطر التضخم، وأدت إلى اضطراب الأسواق المالية العالمية. وقبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني سعر صرف اليوان عند 6.8898 يوان للدولار، وهو أعلى مستوى له منذ 25 أبريل (نيسان) 2023، وإن كان أقل بـ 125 نقطة أساسية من تقديرات «رويترز» البالغة 6.8773 يوان.

وفي السوق الفورية، بلغ سعر صرف اليوان المحلي 6.8941 يوان للدولار بحلول الساعة 03:19 بتوقيت غرينتش، بانخفاض قدره 0.1 في المائة عن إغلاق الجلسة السابقة. وإذا أنهى اليوان جلسة التداول عند مستوى منتصف النهار، فسيكون قد ارتفع بنسبة 0.15 في المائة مقابل الدولار خلال الأسبوع، مسجَّلاً بذلك ثاني ارتفاع أسبوعي متتالٍ.

أما سعر صرف اليوان في السوق الخارجية فبلغ 6.8963 يوان للدولار. وفي وقت سابق من الجلسة، أبقت الصين أسعار الفائدة الأساسية على القروض لشهر مارس (آذار) دون تغيير، للشهر العاشر على التوالي، بما يتماشى مع توقعات السوق، في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية نتيجة الحرب التي تُلقي بظلالها على توقعات التضخم.

وقالت سيرينا تشو، كبيرة الاقتصاديين الصينيين في ميزوهو للأوراق المالية: «على الرغم من أننا نعتقد أن احتمالية خفض أسعار الفائدة مرتين هذا العام لا تزال قائمة، فإننا نؤجِّل التوقيت بمقدار ربع سنة، ونتوقع الآن خفضاً بمقدار 10 نقاط أساس في الربع الثاني من عام 2026، وخفضاً آخر بمقدار 10 نقاط أساس في الربع الثالث من العام نفسه».

وأضافت: «بالإضافة إلى ذلك، نتوقع أن يتخذ بنك الشعب الصيني المزيد من إجراءات تيسير السيولة، بما في ذلك خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي وشراء السندات، لتثبيت توقعات أسعار الفائدة عند آجال الاستحقاق الطويلة جداً، والحد من تكاليف إعادة التمويل للحكومات المحلية».