من «كوفيد» إلى أوكرانيا: كيف أثّرت الأزمات على مالية فرنسا؟

تصويت حاسم الاثنين على خطة بايرو لخفض الديون

يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
TT

من «كوفيد» إلى أوكرانيا: كيف أثّرت الأزمات على مالية فرنسا؟

يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)

يواجه رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو تصويتاً على الثقة بحكومته، يوم الاثنين، والذي يُتوقع أن يخسره، مما سيؤدي إلى تفاقم الأزمة السياسية في ثاني أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو.

لقد أصبح المشهد السياسي في فرنسا أكثر تعقيداً منذ أن خاض الرئيس إيمانويل ماكرون رهانه السياسي باستدعاء انتخابات نيابية مبكرة في عام 2024، ما أسفر عن برلمان منقسم بشدة. وانخفض عدد أعضاء تحالفه الحاكم، الذي فقَدَ أغلبية مقاعده منذ إعادة انتخاب ماكرون في عام 2022، بينما برز حزب «الرابطة الوطنية» اليميني المتطرف بصفته أكبر حزب في البرلمان. وضعف نفوذ ماكرون في البرلمان مع تضخم الدين العام الفرنسي، جزئياً بسبب سياساته الإنفاقية خلال أزمتيْ «كوفيد-19» وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما يواجه الاقتصاد الفرنسي ضغوطاً كبيرة لإصلاح أوضاعه المالية، إذ ارتفع الدين العام إلى 113.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكان عجز الموازنة، العام الماضي، ضِعف الحد المسموح به من الاتحاد الأوروبي (3 في المائة).

وعَدَّ أن هناك حاجة لاتخاذ قرارات صعبة، فسعى بايرو، السياسي المخضرم من «اليمين الوسط» ورئيس الوزراء الرابع لماكرون منذ إعادة انتخابه، إلى إقرار موازنة عام 2026 تتطلب توفير 44 مليار يورو (51.51 مليار دولار)، من خلال إجراءات تقشفية تشمل تجميد المعاشات التقاعدية، وخفض الإنفاق على الرعاية الصحية، وإلغاء يوميْ عطلة رسميين.

فرنسوا بايرو يلتقط صورة له في حديقة قصر ماتينيون المقر الرسمي لرئيس الوزراء الفرنسي (أ.ف.ب)

أثار هذا ردود فعل غاضبة من المعارضة. وبملاحظة صعوبة إقرار الموازنة، دعا بايرو إلى تصويت ثقة في مجلس النواب بشأن استراتيجيته المالية، في خطوةٍ عَدّتها المعارضة بمثابة «انتحار سياسي». وأكدت أحزاب المعارضة أنها ستصوّت ضد بايرو، ولديها عدد كافٍ من النواب لإسقاطه.

ويحتاج بايرو إلى دعم برلماني لفرض إجراءات تقشف مِن شأنها خفض الدين العام لفرنسا، لكن أحزاب المعارضة الرئيسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أعلنت رفضها خطة رئيس الوزراء.

ماكرون والدين العام

كثيراً ما تتهم أحزاب المعارضة ماكرون بزيادة الدين العام بأكثر من تريليون يورو، منذ وصوله إلى السلطة في ربيع 2017، وغالباً ما يُعزى هذا الارتفاع إلى «تخفيضاته الضريبية» لصالح الأثرياء. لكنْ هل هذا الرقم دقيق؟

عندما تولّى ماكرون منصبه في يونيو (حزيران) 2017، كان الدين العام يبلغ 2.281 تريليون يورو. وبحلول مارس (آذار) 2025، وصل إلى 3.345 تريليون يورو. هذه الزيادة البالغة 1.064 تريليون يورو تتوافق مع الرقم الذي كثيراً ما يجري تداوله، وفق صحيفة «لوموند» الفرنسية.

لكن الخبراء الاقتصاديين يَعدّون مقارنة الأرقام المطلقة ليست الطريقة الأكثر دقة لقياس الوضع المالي للبلاد. ففي الفترة نفسها، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي، الذي يمثل ثروة البلاد، بنسبة 30 في المائة. وكما يوضح الخبير الاقتصادي كزافييه راغو، رئيس المرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية: «البلد الذي يمتلك ناتجاً محلياً إجمالياً أعلى يمكنه تحمُّل ديون أكبر؛ لأنه كلما زادت الثروة، زادت إمكانيات فرض الضرائب لسداد الدين».

لذلك يفضّل الخبراء استخدام نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. في عام 2017، كانت نسبة الدين تمثل 101 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصلت، اليوم، إلى 113.9 في المائة. وهذا يعني أن الدين زاد بمقدار 13 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. إذا كان الدين قد استقر عند مستوى 2017، لكان، اليوم، أقل بنحو 400 مليار يورو. هذا الرقم الأخير هو ما يمنح إحساساً أدق بحجم الدين الإضافي الذي تراكم في عهد ماكرون.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء فرنسوا بايرو في حفل وداع لتييري بوركارد رئيس الأركان السابق للقوات المسلحة (رويترز)

العجوزات: هل كانت حتمية أم اختيارية؟

يعود نمو الدين، على مدى السنوات الثماني الماضية، إلى العجز المستمر في الموازنة، حيث تجاوزت النفقات الإيرادات بشكل سنوي. هناك سببان رئيسيان يفسران «عجوزات ماكرون»: الأزمات الاقتصادية وتخفيضات الضرائب.

 

1- نفقات الأزمات:

  • جزء كبير من زيادة الدين يرجع إلى النفقات الاستثنائية التي أنفقتها حكومات ماكرون لمواجهة أزمتين رئيسيتين:
  • جائحة «كوفيد-19» (2020-2021): شملت نفقات الرعاية الصحية، واستراتيجية «مهما كلّف الأمر» لإبقاء الشركات على قيد الحياة، بالإضافة إلى خطة التحفيز الاقتصادي.
  • أزمة الطاقة في 2022: تسببت فيها الحرب بأوكرانيا والتضخم، وشملت سياسات احتواء تكاليف الطاقة المتصاعدة.

وفقاً لدراسة رئيسية للمرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية، نُشرت في ربيع 2024، فإن هذه النفقات المرتبطة بالأزمات وحدها مسؤولة عن ما بين نصف وثلاثة أرباع الزيادة في الدين بين عاميْ 2017 و2023. وعلى الرغم من أن هذه النفقات تبدو حتمية، لكن هناك خيارات سياسية كانت متاحة، على سبيل المثال «كان تعامل فرنسا مع أزمة الطاقة أكثر تكلفة من ألمانيا». وهذا يعني أن ماكرون لا يمكن إعفاؤه تماماً من مسؤولية هذه الزيادة في الدين، حتى لو كان من المرجَّح أن قادة آخرين كانوا سيتخذون خيارات مماثلة، وفق الصحيفة الفرنسية.

 

2- تخفيضات الضرائب:

الجزء المتبقي من زيادة الدين، منذ عام 2017؛ أي ما بين الربع والنصف، يمكن إرجاعه إلى خيارات سياسية «تقديرية» أكثر. وفقاً لحسابات المرصد الفرنسي، فإن التخفيضات الضريبية التي نُفّذت في عهد ماكرون تمثل «ربع إلى نصف» الزيادة في الدين.

من ناحية، لم ترفع حكومات ماكرون الإنفاق العام بشكل هيكلي، والذي ظل مستقراً إلى حد كبير (باستثناء فترات الأزمات). ومن ناحية أخرى، انخفضت إيرادات الدولة من الضرائب بشكل كبير: حيث أصبحت تمثل، الآن، 2.2 نقطة مئوية أقل من الناتج المحلي الإجمالي مما كانت عليه في عام 2017؛ أي ما يعادل 65 مليار يورو أقل كل عام.

إذن، هل كانت سياسات ماكرون السبب الرئيسي في زيادة الدين؟ الإجابة ليست بالبساطة التي تطرحها المعارضة، فالواقع أكثر تعقيداً ويشمل مزيجاً من الأزمات العالمية والخيارات السياسية المحلية، وفق «لوموند».


مقالات ذات صلة

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أوروبا شعارات منصات تواصل اجتماعي (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أصدر المجلس الدستوري في فرنسا، الجمعة، قراراً بمنع مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً، قائلاً إنه ينتهك حرية التعبير.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أعضاء البرلمان الفرنسي يشاركون بجلسة التصويت على مشروع قانون الموت الرحيم في الجمعية الوطنية وهي المجلس الأدنى للبرلمان الفرنسي... باريس 15 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«الجمعية الوطنية» الفرنسية توافق على مشروع قانون الموت الرحيم

أعطت «الجمعية الوطنية» الفرنسية موافقتها النهائية، الأربعاء، على مشروع قانون يسمح للبالغين المصابين بأمراض مستعصية بتلقي أدوية مميتة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)

أقالت الحكومة الكورية الجنوبية، السبت، كبير مفاوضيها التجاريين، وذلك في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين سيول وواشنطن تزايداً في حدة التوتر، على خلفية ملفات عالقة وضغوط أميركية متزايدة بشأن الرسوم الجمركية.

وأفاد مسؤول في وزارة التجارة والصناعة والطاقة، يوم الجمعة، بأن يو هان - كو تلقى إخطاراً بإقالته من وزارة إدارة الموارد البشرية، دون الكشف عن أي تفاصيل إضافية حول أسباب القرار.

وأكد مسؤول حكومي، في تصريح لـ«وكالة يونهاب الكورية الجنوبية للأنباء»، أن إقالة يو «ليست لها أي صلة بمفاوضات الرسوم الجمركية الجارية بين سيول وواشنطن».

غير أن أنباء تداولتها وسائل الإعلام ربطت الإقالة بسلوك شخصي غير لائق، وهو ما نفاه يو، في بيان له، واصفاً تلك المزاعم بأنها «لا أساس لها من الصحة»، ومشيراً إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد ما وصفها بـ«التقارير المضللة».

تأتي هذه الإقالة في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تواجه سيول ضغوطاً أميركية متصاعدة للإسراع في تنفيذ التزاماتها الاستثمارية، بموجب اتفاقية الرسوم الجمركية الثنائية، إلى جانب نزاع قائم حول الغرامات المفروضة على شركة «كوبانغ» العملاقة للتجارة الإلكترونية المدرجة في بورصة نيويورك، بسبب اختراق بيانات شخصية.


السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
TT

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)

في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي، على وقع تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، والمخاطر التي تواجه الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية، تكثّف السعودية مبادراتها الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، انطلاقاً من رؤية تربط بين خفض المخاطر الجيوسياسية وتهيئة البيئة اللازمة للنمو والتنمية وجذب الاستثمارات.

ويبرز في هذا السياق «اتفاق مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفه إحدى المبادرات التي يعوّل عليها مختصون في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ورفع مستوى الثقة بالبيئة الاقتصادية والاستثمارية، في منطقة تحتل موقعاً محورياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ويرى مختصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات السعودية لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تستهدف بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الصدمات، مؤكدين أن تعزيز الأمن ينعكس بصورة مباشرة على استدامة إمدادات الطاقة وسلامة طرق الملاحة وحركة التجارة والاستثمار، ويمهد في الوقت نفسه لتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي والمشروعات المشتركة بين دول المنطقة.

كما أشاروا إلى أن أهمية المبادرات السعودية تتجاوز الأبعاد الأمنية المباشرة إلى دعم مسار التنمية، من خلال خفض مستويات المخاطر، وتعزيز اليقين لدى المستثمرين، وتهيئة المجال أمام شراكات جديدة في قطاعات الطاقة والصناعة والتقنية والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية.

استقرار إمدادات الطاقة والملاحة

وقال عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، إن المبادرات التي تتبناها السعودية، وفي مقدمتها «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا، يمكن أن تنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي والتجارة الدولية، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة.

وأضاف أن المنطقة تصدّر ما يقارب خُمس احتياجات العالم من النفط، إلى جانب الغاز والمغذيات الزراعية، ما يجعل استقرارها وأمنها عاملَين أساسيين في ضمان استمرارية إمدادات الطاقة وسلامة خطوط الملاحة البحرية.

وأوضح البوعينين أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يولي التنمية الاقتصادية أهمية كبيرة بوصفها قاعدة لازدهار الشعوب والدول، مع التركيز على تدفق الاستثمارات بوصفه أحد محركات التنمية، بالتوازي مع تعزيز قدرات المملكة في قطاع الطاقة والمحافظة على مكانتها المؤثرة في منظومة الإمدادات العالمية.

ويرى أن المساعي السعودية تستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بما ينعكس إيجاباً على اقتصاد المملكة واقتصادات دولها، مشيراً إلى أن التنمية تحتاج إلى قاعدة مستقرة يمكن البناء عليها، وأن الاتفاق الدفاعي يُسهم في تعزيز الردع وخفض المخاطر التي يمكن أن تؤثر في النشاط الاقتصادي.

ولفت إلى أن المستثمرين يضعون استقرار البيئة الاستثمارية ضمن أولوياتهم عند اتخاذ القرارات، وبالتالي فإن تعزيز الأمن الإقليمي ووضوح الرؤية الاقتصادية يمثّلان عاملين داعمين لجاذبية السوق السعودية، في ظل ما توفره من فرص استثمارية متنوعة.

وحسب البوعينين، فإن «اتفاق مكة» يبعث برسائل طمأنة إلى المستثمرين المحليين والأجانب، كما يعزز الثقة باستدامة إمدادات الطاقة وحماية المنشآت الحيوية، وهو ما يمكن أن ينعكس على وتيرة المشروعات وتدفقات الاستثمار والتبادل التجاري.

وأكد أن السعودية تراهن على «رؤية 2030» وبرامجها التنموية التي تتطلّب استثمارات كبيرة، ما يجعل رفع مستوى اليقين الاقتصادي وخفض الضبابية الجيوسياسية عنصراً مهماً لدعم تدفقات رؤوس الأموال وتنفيذ المشروعات.

وأضاف أن تعزيز منظومة الأمن الإقليمي من شأنه تشجيع المستثمرين على اقتناص الفرص والمشاركة في المشروعات التنموية، مع امتداد الآثار الإيجابية إلى اقتصادات المنطقة عموماً، وليس الاقتصاد السعودي فحسب.

وأشار البوعينين إلى أن توقيع الاتفاق بعد سنوات من المباحثات يعكس عمق العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، ويفتح المجال أمام مرحلة أوسع من التعاون، بما يدعم جهود إرساء الأمن والاستقرار والازدهار.

ويرى أن التحركات التي يقودها ولي العهد السعودي أسهمت في تعزيز دور الدبلوماسية والحوار السياسي في التعامل مع أزمات المنطقة، إلى جانب توحيد الجهود في مواجهة التحديات، بما يدعم الأمن والاستقرار ويوفر أرضية أكثر صلابة للبرامج الاقتصادية والتنموية.

تكامل اقتصادي يتشكل

من جهته، قال رجل الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي، الرئيس التنفيذي لشركة «التميز» السعودية القابضة للتقنية، إن السعودية تواصل العمل على تعزيز الثقة بالاقتصادَيْن المحلي والإقليمي، مشيراً إلى أن «اتفاق مكة» يأتي ضمن المبادرات التي يمكن أن تعزّز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون والتكامل الاقتصادي.

وأوضح المليحي لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوات السعودية لتعزيز الأمن والاستقرار تنعكس على البيئة الاقتصادية والاستثمارية، لافتاً إلى أن التقارب السعودي-التركي-الباكستاني يوفّر أرضية لتطوير العمل المشترك سياسياً واقتصادياً ودفاعياً وبشرياً.

وأضاف أن المملكة رسخت دورها بوصفها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة، من خلال بناء شراكات استراتيجية تستهدف تحقيق المصالح المشتركة ودعم أمن المنطقة واستقرارها.

ويرى المليحي أن استراتيجية السعودية القائمة على تعزيز الاستقرار وبناء شراكات طويلة الأجل تساعد في توفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات، وتفتح فرصاً أمام القطاع الخاص في الصناعة والتقنية والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية والتجارة.

وأشار إلى أن السعودية تمتلك اقتصاداً كبيراً وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وبرامج تحول طموحة ضمن «رؤية 2030».

وقال إن التقارب السياسي والأمني يمكن أن يتطور إلى شراكات اقتصادية أوسع يستفيد منها المستثمرون ورجال الأعمال، ولا سيما عبر المشروعات المشتركة ونقل المعرفة والتقنية وتوطين الصناعات وزيادة حجم التبادل التجاري.

وأكد المليحي أن الاقتصاد والتنمية والمواطن هم المستفيدون بصورة مباشرة من استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن قوة المملكة السياسية وشراكاتها المتوازنة تمنح القطاع الخاص مزيداً من الثقة، وتعزز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال والتقنيات والشراكات الدولية.

وخلص إلى أن السعودية تتحرك وفق رؤية تجمع بين حماية مصالحها وتعزيز أمنها وبناء اقتصاد المستقبل، معتبراً أن «اتفاق مكة» يعزّز موقع المملكة في صياغة معادلات الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي.

الطريق إلى التنمية المستدامة

بدوره، قال رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في جازان، الدكتور عبد الرحمن باعشن، لـ«الشرق الأوسط»، إن السعودية تعزّز موثوقيتها الدولية من خلال تبني مبادرات تستهدف خفض المخاطر ودعم الاستقرار، ومن بينها «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي يرى أنه يمكن أن يُسهم في رفع مستوى اليقين الاقتصادي في المنطقة، بعد التداعيات التي خلفتها الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات في مضيق هرمز.

وأضاف باعشن أن النهج السعودي القائم على الجمع بين التحرك السياسي والأمني والاقتصادي يدعم حالة التوازن الإقليمي، ويعزّز الثقة بالاقتصاد السعودي وبيئة الأعمال في المنطقة، وهو ما يمكن أن ينعكس على مستويات التجارة والاستثمار والشراكات الدولية، خصوصاً مع الدور المحوري للمملكة في أسواق الطاقة العالمية.

وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة نشاطاً أكبر في الحركة التجارية والاستثمارية، ولا سيما في الصناعات التقنية المرتبطة بالدفاع، بالتوازي مع توسع الشراكات الاستراتيجية مع الدول التي تمتلك خبرات وقدرات متقدمة في هذه المجالات.

ويرى باعشن أن الاتفاق يمكن أن يوفّر مظلة داعمة لإطلاق مشروعات ومبادرات اقتصادية نوعية بين السعودية وتركيا وباكستان، وأن يمتد أثرها إلى شركائها الدوليين، بما يضع أسساً أوسع للتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

وأشار إلى أن تطوير الشراكات في مجالات الصناعة والتقنية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والنقل يمكن أن يحول التقارب الاستراتيجي بين الدول الثلاث إلى فرص اقتصادية ملموسة، ويزيد قدرة المنطقة على مواجهة الاضطرابات الخارجية.

وأكد أن جوهر المبادرات السعودية يتمثل في الربط بين الأمن والتنمية؛ إذ إن خفض التوترات وتعزيز استقرار المنطقة لا يقتصر أثرهما على الجانب السياسي، وإنما يمتد إلى حماية حركة التجارة وإمدادات الطاقة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير قاعدة أكثر استدامة للنمو الاقتصادي الإقليمي.


العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
TT

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

أكد وزير النفط، باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة لديها خطط جديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي.

وقال وزير النفط في مؤتمر صحافي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»، إن «هدف الوزارة هو تطوير قطاع التصفية (المصافي) وتصدير المنتجات»، مشيراً إلى أنه «سيتم إغلاق ملف حرق الغاز نهاية 2029».

وأكمل: «لدينا خطط عديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي... سيكون هناك افتتاح لعدة مشروعات خلال الأيام المقبلة، وبدعم حكومي».

وأوضح أن «الاستثمار في العراق من قِبَل الشركات الأجنبية سيوفر عائدات مالية كبيرة ويقلل البطالة».