ما الذي يدفع عوائد السندات الحكومية العالمية للارتفاع؟

رجل يمر أمام لوحة أسعار أسهم تُظهر مؤشر داو جونز ومتوسط ​​أسهم «نيكي» وعائد سندات الحكومة اليابانية والأميركية في طوكيو (رويترز)
رجل يمر أمام لوحة أسعار أسهم تُظهر مؤشر داو جونز ومتوسط ​​أسهم «نيكي» وعائد سندات الحكومة اليابانية والأميركية في طوكيو (رويترز)
TT

ما الذي يدفع عوائد السندات الحكومية العالمية للارتفاع؟

رجل يمر أمام لوحة أسعار أسهم تُظهر مؤشر داو جونز ومتوسط ​​أسهم «نيكي» وعائد سندات الحكومة اليابانية والأميركية في طوكيو (رويترز)
رجل يمر أمام لوحة أسعار أسهم تُظهر مؤشر داو جونز ومتوسط ​​أسهم «نيكي» وعائد سندات الحكومة اليابانية والأميركية في طوكيو (رويترز)

في عالم الاقتصاد والأسواق المالية، لا شيء يثير القلق أكثر من التناقض. فبينما تتجه الأنظار نحو قرار مرتقب من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة للمرة الأولى في عام 2025، تشهد الأسواق المالية ظاهرة غريبة: ارتفاع حاد في عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل وسط موجة بيع واسعة. هذا التحول ليس مجرد تقلبات عادية، بل هو مؤشر على ارتفاع تكاليف الاقتراض حول العالم، ما يخلق معضلة جديدة للمستثمرين وصناع السياسات.

تظهر البيانات الأخيرة أن هذه الظاهرة عالمية. فقد بلغت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً نحو 5 في المائة، وهو مستوى لم يتم الوصول إليه منذ يوليو (تموز). وارتفعت عوائد السندات اليابانية لأجل 20 عاماً إلى أعلى مستوياتها منذ عام 1999، بينما قفزت عوائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً إلى مستويات لم تُسجل منذ عام 1998. وتشهد السندات الحكومية الفرنسية والأسترالية أيضاً موجة بيع واسعة.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات؛ إنها رسالة واضحة من المستثمرين: «نحن نطلب تعويضاً أكبر مقابل المخاطر».

يُعد السبب الرئيسي وراء هذا الارتفاع القلق المتزايد بشأن قدرة الحكومات على إدارة ديونها المتزايدة. فبعد سنوات من الاقتراض الرخيص الذي تم تسريعه خلال أزمة 2008 ووباء «كوفيد-19»، وصل الدين العالمي إلى مستويات قياسية. ووفقاً لمعهد التمويل الدولي، وصل الدين العالمي إلى مستوى قياسي بلغ 324 تريليون دولار في الربع الأول من عام 2025، مدفوعاً بالصين وفرنسا وألمانيا.

متعاملون في بورصة نيويورك للأوراق (رويترز)

تضخم وديون وسياسات مثيرة للقلق

الارتفاع المفاجئ في التضخم منذ الوباء من الصعب أن يتحمل حجماً كهذا من الاقتراض. رفعت البنوك المركزية الكبرى أسعار الفائدة وقلّصت برامج شراء السندات المعروفة باسم «التيسير الكمي»، التي كانت مصممة لخفض تكاليف الاقتراض. بعض البنوك المركزية تبيع الآن بفاعلية الديون التي جمعتها عبر التيسير الكمي مرة أخرى إلى السوق، ما يضيف المزيد من الضغط التصاعدي على العوائد.

القلق هو أنه إذا ظلت عوائد السندات مرتفعة وفشلت الحكومات في إصلاح أوضاعها المالية، فإن تكلفة خدمة جزء من هذه الديون ستستمر في الارتفاع، وفق «بلومبرغ».

ففي الولايات المتحدة مثلاً، تُعد تكلفة قانون الضرائب والإنفاق الشامل الذي أقره الرئيس دونالد ترمب مصدر قلق إضافي لمستثمري السندات. إذ يمكن لقانون «القانون الكبير والجميل» أن يضيف 3.4 تريليون دولار إلى العجز الأميركي على مدى العقد المقبل، وفقاً لمكتب الموازنة في الكونغرس.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول يُرى وهو يُلقي كلمة على شاشات في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

عوامل سياسية ومخاطر محتملة

بالإضافة إلى ضغوط الديون المستمرة، كانت العوامل السياسية محركاً رئيسياً. بعد انتقاده لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول لعدم خفضه أسعار الفائدة بسرعة أكبر، زادت خطوة ترمب لعزل محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك من المخاوف حول استقلالية البنك المركزي.

يكمن القلق في أن ينجح ترمب في استبدال كوك وغيرها والاستعانة بمسؤولين أكثر ميلاً لخفض تكاليف الاقتراض بغض النظر عن مخاطر التضخم.

يُعد ارتفاع عوائد السندات مشكلة خطيرة لأنها تؤثر على معدلات الرهن العقاري، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان، وأشكال الديون الأخرى، ما يضغط على الأسر والشركات، وبالتالي على الاقتصادات الأوسع. وإذا بقيت عوائد السندات طويلة الأجل مرتفعة لفترة أطول، فسيؤثر ذلك تدريجياً على تكلفة اقتراض الأموال للحكومات، مما قد يؤدي إلى «حلقة مفرغة» ترتفع فيها مستويات الديون بشكل أكبر.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى جيروم باول مرشحه لمنصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي في 2017 (رويترز)

إلى أين قد تتجه الأمور؟

ليس من الواضح ما الذي ستعنيه فترة طويلة من ارتفاع تكاليف الاقتراض بالنسبة للكم الهائل من الديون طويلة الأجل التي تراكمت على الحكومات خلال 15 عاماً من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية. وقد بدأ التحول الصاعد في العوائد بالفعل يؤدي إلى ظواهر جديدة ذات عواقب غير متوقعة.

على سبيل المثال، كانت السندات الحكومية اليابانية تتمتع بعوائد منخفضة جداً لدرجة أنها كانت بمثابة مرساة تضغط على العوائد في جميع أنحاء العالم. لكنها ارتفعت بشكل حاد في الأشهر الأخيرة، مما أضاف إلى التقلبات في أسعار السندات العالمية واجتذب المستثمرين الأجانب إلى الديون اليابانية بأعداد كبيرة. وقد يعني هذا عدداً أقل من المشترين للديون التي تبيعها الدول الأخرى.

في المملكة المتحدة، يتزايد الضغط على وزيرة المالية راشيل ريفز لتظهر قدرتها على السيطرة على الأوضاع المالية للبلاد في الموازنة المقبلة.

وفي الولايات المتحدة، لا يزال هناك قلق من أن التضخم ما بعد الوباء لم تتم السيطرة عليه بعد، وأن تعريفات ترمب الجمركية قد تضيف المزيد من الضغط التضخمي الذي يفاقم ارتفاع عوائد السندات. من ناحية أخرى، قد تؤدي حربه التجارية أيضاً إلى إضعاف النشاط الاقتصادي، ما يدفع الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى إلى خفض أسعار الفائدة.

أو قد يحدث كلا الأمرين، حيث يكون هناك ارتفاع في الأسعار مصحوباً بانخفاض في الناتج الاقتصادي أو نمو صفري، وهي حالة تعرف باسم «الركود التضخمي». وهذا سيضيف إلى حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية، ما يجبر الاحتياطي الفيدرالي على الاختيار بين دعم النمو أو كبح التضخم.

المشهد الحالي معقد ومليء بعدم اليقين. فالجمع بين التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي قد يؤدي إلى حالة من الركود التضخمي، ما يضع البنوك المركزية أمام خيار صعب: هل تدعم النمو أم تقمع التضخم؟ الإجابات عن هذه الأسئلة ستحدد مستقبل الاقتصادات الكبرى وتأثيرها على بقية العالم.


مقالات ذات صلة

سوق السندات تترقب دعماً محتملاً من بنك إنجلترا وسط جدل حول المخاطر

الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

سوق السندات تترقب دعماً محتملاً من بنك إنجلترا وسط جدل حول المخاطر

تترقب سوق السندات الحكومية البريطانية دعماً محتملاً من بنك إنجلترا هذا الأسبوع، قد يسهم في خفض تكاليف الاقتراض العام بأكثر من مليار جنيه إسترليني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يعدّ أوراقاً نقدية هندية في كشكٍ لتبديل العملات على جانب الطريق بالأحياء القديمة بمدينة دلهي (رويترز)

تحسن موسم الأمطار وتراجع عوائد الخزانة الأميركية يعززان سوق السندات في الهند

ارتفعت السندات الحكومية الهندية، خلال تعاملات الاثنين، مدعومة بتراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية، إلى جانب تحسن توقعات موسم الأمطار واستمرار التدفقات الأجنبية

«الشرق الأوسط» (مومباي)
الاقتصاد شعار شركة «إس كيه هاينكس» (رويترز)

بـ28 مليار دولار... «إس كيه هاينكس» تغزو «ناسداك» في ثاني أكبر طرح أسهم بالتاريخ

تعتزم شركة صناعة الرقائق الكورية الجنوبية «إس كيه هاينكس» إطلاق طرح أسهم في الولايات المتحدة يوم الاثنين، لجمع نحو 28 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

صناديق الأسهم العالمية تقفز بـ10 مليارات دولار... والتكنولوجيا تستعيد جاذبيتها

ارتفعت التدفقات إلى صناديق الأسهم العالمية خلال الأسبوع المنتهي في الأول من يوليو (تموز)، مع استغلال المستثمرين تراجع الأسواق الرئيسية لإضافة أسهم التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن، نيويورك )
الاقتصاد شخص يمسك بأوراق روبية هندية بالقرب من كشك لتبادل العملات على جانب الطريق في نيودلهي (رويترز)

السندات الهندية تحقق مكاسب للأسبوع السادس بدعم من تدفقات الاستثمار الأجنبي

أنهت السندات الحكومية الهندية تعاملات يوم الجمعة دون تغير يُذكر، مختتمة بذلك أسبوعاً سجلت خلاله مكاسب للأسبوع السادس على التوالي.

«الشرق الأوسط» (مومباي)

«برودكوم» تُمدد شراكتها مع «آبل» حتى 2031 لتوريد الرقائق

يظهر شعار شركة «برودكوم» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
يظهر شعار شركة «برودكوم» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

«برودكوم» تُمدد شراكتها مع «آبل» حتى 2031 لتوريد الرقائق

يظهر شعار شركة «برودكوم» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
يظهر شعار شركة «برودكوم» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أعلنت شركة برودكوم، يوم الاثنين، تمديد شراكتها مع «آبل» حتى عام 2031 لتطوير وتوريد مجموعة من الرقائق المصممة خصوصاً، في خطوةٍ دفعت أسهم شركة صناعة الرقائق إلى الارتفاع بنحو 4 في المائة، خلال تداولات ما قبل افتتاح السوق.

وتُعد «برودكوم» من أبرز مورّدي المكونات الأساسية لـ«آبل» منذ سنوات، إذ تُزودها برقائق ترددات الراديو المصممة خصوصاً والمستخدمة في هواتف «آيفون»، إلى جانب رقائق الاتصال اللاسلكي «واي فاي» و«بلوتوث»، فضلاً عن أشباه موصلات أخرى مخصصة لشبكات الاتصال، وفق «رويترز».

وتُعد «آبل» أحد أكبر عملاء «برودكوم»، إذ تُمثل الشركة المصنّعة لهواتف «آيفون» نحو 20 في المائة من إيراداتها السنوية، وفق تقديرات المحللين، ما يجعلها ركيزة أساسية في أعمال شركة صناعة الرقائق.

ويُعزز تمديد هذه الشراكة استراتيجية «آبل» الرامية إلى إبرام اتفاقيات توريد طويلة الأجل مع كبار مصنّعي الرقائق الإلكترونية، بما يسهم في تعزيز مرونة سلسلة التوريد وتقليل مخاطر الإمدادات.

كانت الشركتان قد أعلنتا، في عام 2023، اتفاقية بمليارات الدولارات لتطوير وتصنيع مكونات ترددات الراديو الخاصة بشبكات الجيل الخامس.

كما أدى الانتشار المتسارع لتقنيات الاستدلال في الذكاء الاصطناعي، وهي العملية التي تستجيب من خلالها النماذج لاستفسارات المستخدمين، إلى زيادة أهمية الرقائق المصممة وفق الطلب، ما عزَّز الطلب على المعالجات المتقدمة ورفع حِدة المنافسة في هذا المجال.

ورغم توسع «آبل» في تصميم معالجاتها الخاصة، وآخِرها مودم الاتصالات الخلوية «سي 1»، فإنها لا تزال تعتمد على «برودكوم» لتوفير مكونات رئيسية خاصة بالاتصال اللاسلكي وتقنيات ترددات الراديو.


كيف اقتنصت الصناديق التحوطية مكاسب يونيو رغم خسائر النفط؟

متداول يراقب تحرك الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يراقب تحرك الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

كيف اقتنصت الصناديق التحوطية مكاسب يونيو رغم خسائر النفط؟

متداول يراقب تحرك الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يراقب تحرك الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

أنهت الصناديق التحوطية التي تتداول الأسهم تعاملات شهر يونيو (حزيران) الماضي محققةً عوائد قياسية مكونة من رقمين منذ بداية العام الحالي؛ حيث نجحت في التنقل بمرونة داخل المراكز الاستثمارية المزدحمة.

جاء هذا الأداء القوي مدفوعاً بزيادة الرهانات الكبرى، والاستثمار في قطاع الرعاية الصحية، والانضمام إلى الصفقات التي تمتلك زخماً صاعداً قويّاً، وفقاً لمذكرة عملاء صادرة عن مصرف «غولدمان ساكس».

ورغم هذه المكاسب، فإن الصناديق واجهت ضغوطاً ناجمة عن التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق خلال الشهر، لا سيما مع التداول في السوق الكورية الجنوبية الصاعدة، والوقوع في شرك مراكز «البيع المكشوف (Short Bets)» التي تراهن على هبوط الأسعار. وشهد الربع الثاني أفضل أداء على الإطلاق لـ«مؤشر أشباه الموصلات (SOX)» الأميركي، في حين سجّل يونيو الماضي أسوأ شهر لـ«مجموعة السبع الكبار (Magnificent Seven)»؛ حيث تراجع صندوق المؤشرات المتداول الخاص بها بنسبة 9 في المائة، وهذه أكبر خسارة شهرية له في أكثر من عام.

عوائد قياسية لأسهم التكنولوجيا

تزامنت هذه التحركات مع عودة أسعار النفط إلى مستوياتها السابقة على فترة الحرب مع إيران، ووسط توقعات الأسواق برفع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل بحلول نهاية العام، على الرغم من أن بيانات الوظائف الأميركية الأخيرة هدّأت من حدة هذه التوقعات.

وفي هذا المشهد، حققت الصناديق، التي تعتمد على التحليل الأساسي لتقييم الملاءة المالية للشركات، عائداً بلغ 18.4 في المائة خلال الربع الماضي، وهو أقوى أداء فصلي يسجله «غولدمان ساكس» في تاريخه، لتصل عوائدها الإجمالية منذ بداية العام وحتى الآن إلى 17.4 في المائة.

في المقابل، اكتفت الصناديق التحوطية التي تعتمد على النماذج الكمية والنظامية لتقييم ديناميكيات السوق، بتحقيق مكاسب محدودة بلغت 1.1 في المائة خلال يونيو الماضي، بعد أن تعرضت لخسائر مفاجئة في نهاية الشهر؛ مما قلص عوائدها منذ بداية العام إلى 11.3 في المائة.

وأشارت مذكرة منفصلة صادرة عن صندوق «وينتون» التحوطي، البالغة قيمته 18 مليار دولار، إلى أن خسائر هذه الفئة نجمت عن التداولات المتأرجحة في أسهم الشركات الأميركية الكبرى والشركات الصينية، فضلاً عن المراكز البيعية القصيرة في أدوات الدخل الثابت، خصوصاً السندات الحكومية الأميركية طويلة الأجل، التي أثرت سلباً على الأداء الكلي.

تداولات العملات والسلع

وعلى صعيد السلع والعملات العالمية، تمكنت «صناديق تتبع اتجاهات الأسواق ومستشاري تداول السلع (CTAs)» من تحقيق أرباح عبر الاستثمار في الدولار الكندي والين الياباني. ومع ذلك، فإن الخسائر الأفدح التي تكبدتها في الدولار الأسترالي، والجنيه الإسترليني، والكرونة النرويجية، غطت على تلك الأرباح.

وبشأن أسواق السلع، فقد تغلبت الخسائر المسجلة في النفط والمعادن والسلع اللينة (مثل المنتجات الزراعية) على المكاسب المحققة من تداولات الرصاص، والذرة، والماشية. وأوضحت المذكرة أن استراتيجيات التداول السريعة كانت الأقدر على التعامل مع الأسواق المتقلبة مقارنة بالاستراتيجيات ذات المدى الزمني المقيد.


إندونيسيا وسنغافورة تتحركان لحماية مضيق ملقا من ارتدادات أزمة «هرمز»

الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
TT

إندونيسيا وسنغافورة تتحركان لحماية مضيق ملقا من ارتدادات أزمة «هرمز»

الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)

تعهدت إندونيسيا وسنغافورة بالعمل المشترك لضمان بقاء مضيق ملقا ممرّاً مائياً مفتوحاً، وآمناً، وحراً أمام حركة الملاحة والتجارة العالمية، واضعتين أمن الممرات البحرية في صدارة أولوياتهما الاستراتيجية لمواجهة موجة عدم اليقين الجيوسياسي وارتدادات أزمة الطاقة الحالية في الشرق الأوسط.

وجاء هذا الالتزام الحاسم عقب قمة ثنائية جمعت الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو ورئيس الوزراء السنغافوري لورانس وونغ في العاصمة جاكرتا، وذلك بالتزامن مع تزايد قلق دول جنوب شرق آسيا من قفزات أسعار النفط، واضطراب حركة الشحن في مضيق هرمز عقب إعلان طهران عزمها فرض رسوم جمركية على السفن العابرة للمضيق باستثناء الدول «الصديقة».

وتكمن الأهمية القصوى لمضيق ملقا في كونه الحلقة الجغرافية الأهم التي تضمن الربط المباشر بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، ما يجعله الشريان الرئيسي الأوحد لحركة التجارة المتدفقة بين قارات العالم، بدءاً من أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، وصولاً إلى الأسواق المستهلكة الضخمة في شرق آسيا وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وتنبع خطورة هذا الممر من كونه صمام أمان الطاقة الآسيوية؛ إذ تعبره يومياً أكثر من 23 مليون برميل من النفط الخام والوقود، ما يعادل نحو 29 في المائة من إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وإلى جانب كونه شرياناً رئيسياً للطاقة، يمثل المضيق عنق زجاجة حرج للتجارة العالمية يمر عبره ربع إجمالي البضائع المشحونة بحراً في العالم، مما يعني أن أي إغلاق أو تعطل في حركته سيجبر السفن الناقلة على الدوران حول قارة أستراليا أو سلوك ممرات إندونيسية بديلة وأكثر عمقاً، وهو ما يرفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل جنوني يغذي معدلات التضخم العالمي. ومع الاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط، تحول مضيق ملقا تاريخياً إلى خط الدفاع الأول لاستقرار حركة الطاقة؛ حيث تبحث الأسواق بشكل حثيث عن تأمين الممرات الحرة لمنع حدوث صدمة مزدوجة تضرب مفاصل الاقتصاد الدولي.

وكان المشهد الإقليمي قد شهد لغطاً وتصحيحاً للمعلومات بعد أن طُرحت سابقاً فكرة فرض رسوم على السفن من قِبل مسؤولين إندونيسيين، إلا أن الحكومة الإندونيسية سارعت إلى سحب المقترح رسمياً وجددت التزامها التام بحرية الملاحة الدولية.

ناقلة غاز طبيعي مُسال في مضيق ملقا (إ.ب.أ)

تنسيق إقليمي لصد «فلسفة الرسوم»

وفي هذا السياق، أكد الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، خلال مؤتمر صحافي مشترك، أن لبلاده وسنغافورة مصلحة حيوية مشتركة بصفتها دولاً مشاطئة للمضيق، مشدداً على مواصلة التنسيق والعمل الوثيق مع ماليزيا وتايلاند لضمان بقاء المضيق مفتوحاً للجميع ومتاحاً دون قيود، فضلاً عن حمايته من مخاطر التلوث والحوادث والقرصنة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

من جهته، أكد رئيس الوزراء السنغافوري أن سنغافورة وإندونيسيا ملتزمتان بدعم حرية الملاحة وحقوق العبور بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مشدداً على ضرورة أن «يبقى المضيق آمناً ومفتوحاً ومتاحاً للجميع». وربط بين أمن مضيق ملقا والتطورات الجارية في الشرق الأوسط، موضحاً أن التوترات الأخيرة خنقت حركة المرور في مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً لخُمس إمدادات النفط والغاز المسال عالمياً، وهو ما يستدعي يقظة وتوافقاً استراتيجياً متكاملاً في جنوب شرق آسيا لمنع تكرار السيناريو، لافتاً إلى أن مصالح البلدين متطابقة تماماً لحماية خطوط الاتصال البحرية وتأمين سلاسل الإمداد العالمية.

وكان السفير الإيراني لدى الصين قد صرَّح يوم الأحد بأن طهران ستفرض رسوماً على السفن العابرة لمضيق هرمز، مع منح معاملة تفضيلية للدول «الصديقة».

الرئيس الإندونيسي برابو سوبيانتو ورئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ يسيران بعد حفل ترحيب قبل الاجتماع في قصر ميرديكا في جاكرتا (رويترز)

ما بعد أمن البحار

ولم تقتصر القمة السنغافورية-الإندونيسية على الملف الأمني والبحري؛ بل وظفت الدولتان هذا التوافق السياسي للدفع بقرارات اقتصادية نوعية تستهدف صياغة مشهد الطاقة المستقبلي في المنطقة. وجاء في مقدمة هذه المخرجات إطلاق مشروع رائد لتوليد الطاقة الشمسية في جزيرة «سولاويزي» الإندونيسية بالتعاون مع شركات سنغافورية، بهدف تعظيم الاستفادة من المقومات الطبيعية الكبيرة لإندونيسيا في قطاع الطاقة المتجددة.

وعلى صعيد الربط الكهربائي عابر الحدود، قاد صندوق الاستثمار السيادي الإندونيسي الجديد «دانانتارا» توقيع حزمة من الاتفاقيات مع شركات سنغافورية كبرى تشمل «كيبل إلكتريك» و«سيمبكورب للصناعات»، لوضع خريطة طريق تجارية وفنية واضحة لتصدير الكهرباء النظيفة من إندونيسيا إلى سنغافورة. واعتبر القادة أن مشروع الربط الكهربائي بين البلدين يمثل حجر الأساس الفعلي نحو بناء شبكة طاقة موحدة وشاملة لدول رابطة «آسيان»، بما يضمن تعزيز أمن الطاقة المشترك ومواجهة تقلبات الأسواق.

وفي الشأن الصناعي والتنموي، أعلن الجانبان عن نجاح مجمع «كيندال» الصناعي الواقع في جاوا الوسطى في الوصول إلى طاقته الاستيعابية الكاملة بالتزامن مع مرور 10 سنوات على تأسيسه، مع إقرار خطة توسع عاجلة تمتد على مساحة ألف هكتار إضافية لتوفير مزيد من الوظائف وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

واختتم رئيس الوزراء السنغافوري القمة بتجديد ثقة بلاده الكاملة في المستقبل الاقتصادي الواعد لإندونيسيا، مؤكداً التزام سنغافورة بالشراكة طويلة الأجل وتطوير البنية التحتية الرقمية، الأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، مع اقتراب البلدين من الاحتفال بمرور 60 عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية الرسمية بينهما.