«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

جهود سلمان خان وضعت أساساً جديداً للتعليم

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21
TT

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

عندما نشر الروائي ألدوس هكسلي روايته التاريخية «عالم جديد شجاع Brave New World» عام 1932، كان منقاداً برؤية مستقبلية لتطوّر العلم تنبئ بالحذر والتحسّب ممّا قد تؤول إليه مفاعيل التطوّر العلمي والتقني ومنعكساتهما على الاقتصاد والسياسة. يبدو أنّ مهندس البرمجيات ومبتكر النمط الثوري الجديد في التعليم الرقمي سلمان خان استأنس أفكار هكسلي ففكّر في كتابة كتاب جديد، أراد من عنوانه أن يتصادى في الإيقاع مع كتاب هكسلي. اختار خان لكتابه الجديد عنوان «كلمات جديدة شجاعة Brave New Words» مع عنوان ثانوي يكشف عن طبيعة موضوعه «كيف سيعمل الذكاء الاصطناعي على تثوير التعليم، ولماذا يعدُّ هذا أمراً طيّباً؟». يمكنُ في السياق العام ملاحظة اختلافيّن جوهريين بين الكتابيْن: كان هكسلي يتحرّك بدفعٍ من رؤية ديستوبية شديدة التحسّب؛ أمّا خان فنراه يحلّقُ بجناحين من أجنحة بروميثيوس المحمّلة بوهج الثمار المتخيّلة للثورة القادمة. أما التمايز الثاني فيكمنُ في أنّ هكسلي رسم ملامح صورة عامة متخيّلة (أقرب إلى روايات الخيال العلمي) عن مستقبل بشري؛ في حين أنّ خان يحكي عن ثورة علمية تقنية كان هو المبادر للبدء في إذكاء جذوتها المتقدة، وأعني بها ثورة التعليم الرقمي والمنصّات التعليمية المجانية.

كان المستقبل المهني لخان (المولود عام 1977) بولاية لويزيانا الأميركية لأبوين هنديين مهاجرين يبشر بجوائز ثمينة تنتظره؛ فقد التحق بعد إكمال دراسته الثانوية بتفوّق بمعهد ماساتشوستس التقني MIT لدراسة مشتركة بين الرياضيات والهندسة الكهربائية وعلم الحاسوب، وبعدما أكمل الدراستيْن بتفوّق ملحوظ أكمل دراسته العليا (الماجستير) في الهندسة الكهربائية، وبعدما أتمّ هذه الدراسة حصل على شهادة ماجستير أخرى في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد.

في عام 2006 أسّس أكاديمية خان Khan Academy لمشاركة محتوى الدروس الخصوصية الذي أنشأه لأفراد العائلة الأصغر سناً مع جمهور أوسع. منذ ذلك الحين ساعدت منصّته التعليمية عبر الشبكة العالمية (الإنترنت) في تعليم أكثر من 150 مليون شخص حول العالم.

فصلاً تلو الآخر، يُطلِعُ خان القرّاء على تنبؤاته - التي تحقق بعضها منذ تأليف الكتاب أواسط عام 2024 - حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي العديدة في التعليم. رؤية خان بشأن التعليم هي التالية: سيُحسّن الذكاء الاصطناعي بشكل جذري كلاً من نتائج الطلّاب وتجارب المعلمين، وسيُسهم في بناء مستقبل يُتاحُ فيه للجميع الوصول لتعليم عالي المستوى وعلى نطاق عالمي.

قد يميل كثيرون منّا لتفضيل مُقاربة تشكيكية في رؤية خان، بخاصّة إذا كان ممّن يتابعون حركة التقنية التعليمية من غير انقطاع. أظنّ أنّ السبب واضح: لعقود عديدة تصدّرت التقنيات والابتكارات المُثيرة عناوين الصحف، مصحوبة بوعود جريئة مماثلة لإحداث ثورة في التعلّم والتعليم كما نعرفهما؛ ولكن دون أن تُحدث تأثيراً يُذكر في الفصول الدراسية الحقيقية. لكنّ الأمر مع خان يختلف تماماً لو درسنا بدقّة أراءه وتطبيقاته التي تتأسّس على خبرة حقيقية ولا تكتفي بالوعود التبشيرية يوتوبية الطابع. أنشأ خان - بالاعتماد على خبرته التقنية الشخصية - تطبيقاً تعليمياً أسماه خانميغو Khanmigo، وهو مُعلّم مُدعم بالذكاء الاصطناعي. يُقدّم خان حجة مُقنعة، مفادُها أن التقنيات المُدعمة بالذكاء الاصطناعي ستكون مُختلفة؛ ذلك بعد أن صار بمستطاعنا أخيراً بلوغُ طريقة لتزويد كلّ طالب بالتعليم والدعم والتوجيه المُخصّص والمصمّم للإيفاء بمتطلباته الشخصية، وهو ما يوصفُ بالتعليم المشخصن Personalised Education، وهو النمط الذي كان سابقاً بعيداً عن متناول معظم الأطفال في معظم الفصول الدراسية. يصف خان هذا الأمر في كتابه بكلمات بسيطة شديدة الوضوح: «إن توفير مُعلّم بشري مُخصّص للإيفاء باحتياجات كل طالب عند الطلب أمرٌ مُكلف للغاية وعسير على التنفيذ؛ أما مُعلّمو الذكاء الاصطناعي فليسوا كذلك».

الأمثلة على التعليم المشخصن وقدراته الهائلة كثيرة للغاية. يقدّمُ خان أمثلة من بيئة التعليم الأميركي. تخيلْ مثلاً: أنت طالب في الصف السابع (وهو ما يعادل الأوّل ثانوي في مدارسنا العربية)، وتجد صعوبة في مواكبة الرياضيات. لكن الآن لديك مُعلّم ذكاء اصطناعي بجانبك مثل الذي يصفه خان. أثناء حلّك لمجموعة من مسائل الكسور الصعبة لن يُقدّم لك الحل فحسب؛ بل سيُقسّم كل مسألة إلى خطوات سهلة الفهم. عندما تواجه صعوبة في كلّ خطوة سيُقدّم لك تفسيرات سهلة الفهم، ودفعة لطيفة نحو الطريق الصحيح. عندما تحصل أخيراً على الإجابة الصحيحة سيُولّد برنامج التعليم المدعم بالذكاء الاصطناعي تقديم أسئلة تدريبية مُحدّدة تُساعدك على بناء فهمك وثقتك بنفسك.

ليس الأمر مقتصراً على الرياضيات وحدها. بمساعدة مُعلّم الذكاء الاصطناعي يمكنُ أن يُصبح الماضي حياً بطرق رائعة. أثناء تعلّمك عن قيادة أبراهام لينكولن خلال الحرب الأهلية، يُمكنك إجراء «حوار» مع الرئيس السادس عشر نفسه. يمكن أن يحصل الأمر، كما يوضّح خان في كتابه، مع أية شخصية أدبية تحبها وتفضّلها.

الأمر ليس قصراً على الرياضيات والأدب والتاريخ والبيولوجيا والفيزياء والكيمياء. حتى كتابة المقالة ستكون واحدة من الموضوعات التي يهتمّ بها التعليم المدعم بالذكاء الاصطناعي. عندما يحين وقت كتابة مقال فليس على الطالب أن يقلق بشأن الصفحة الفارغة المُزعجة التي لا يعرف كيف السبيل للبدء في نقل أفكاره إليها. بدلاً من القلق غير المنتج سيطلب مُعلّم الذكاء الاصطناعي من الطالب مُحفّزات ذهنية لمساعدته على العصف الذهني. سيحصل الطالب على ملاحظات حول مخطط مقترح للمقالة في ثوانٍ، مع نصائح لتحسين المنطق أو الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من البحث. أثناء صياغة مسودة ابتدائية للمقالة سيُقيّم معلّم الذكاء الاصطناعي كتابة الطالب بطريقة فورية - وهو أمرٌ يقع في مرتبة الاستحالة من دون هذه التقنية - ويُبيّن له أين يُمكنه توضيح أفكاره، أو تقديم المزيد من الأدلة، أو مُعالجة حجة مُضادة. قبل تقديم المقالة في صيغتها النهائية سيُقدّم المُعلّم الاصطناعي اقتراحات مُفصّلة لتحسين اللغة وتوضيح مسائل إشكالية محدّدة.

الموضوع الأساسي الذي يتوجّب التأكيد عليه هو أنّ الذكاء الاصطناعي ليس محض ثورة تقنية جديدة، بل هو عصر تنوير جديد؛ لذا لن يكون إتقان الذكاء الاصطناعي مجرد أمرٍ مُحببٍ خلال بضع سنوات، بل سيكون أمراً ضرورياً للعديد من المهن. الموظفون الذين يستطيعون استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية سيكونون أكثر قيمةً بكثير من غيرهم. نحن عندما نعمل على دمج هذه التقنية في التعليم، فإنّنا إنّما نُحسّن تجارب الطلاب ونتائجهم، ونُعدّهم لوظائف المستقبل التي ستصبح أكثر متعةً وإشباعاً مع وجود الذكاء الاصطناعي. هذا يشمل وظيفة التدريس أيضاً؛ فمع كل ابتكارٍ تقني يمثلُ انعطافه كبرى في حياتنا تُثار مخاوف من استيلاء الآلات على الوظائف؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بالتعليم فليس على المرء سوى أن يتفق مع رؤية خان التي أوردها في كتابه: أدوات الذكاء الاصطناعي والمعلمون لا يُمكنهم أبداً، ولا ينبغي لهم أبداً، أن يحلوا محل المعلمين. ما يُمكن للذكاء الاصطناعي فعلُهُ هو دعمهم وتمكينهم.

آمن سلمان خان بأن الذكاء الاصطناعي سيحسن بشكل جذري كلاً من نتائج الطلّاب وتجارب المعلمين، وسيُسهم في بناء مستقبل يُتاحُ فيه للجميع الوصول لتعليم عالي المستوى

مع الذكاء الاصطناعي يُمكن للمعلّمين الحصولُ على مُساعد تدريس خارق للتعامل مع المهام الروتينية مثل تخطيط الدروس وتصحيحها، والتي تستغرق ما يقرب نصف يوم المعلم العادي. في ثوانٍ يُمكن لمساعد الذكاء الاصطناعي تصحيح اختبارات الإملاء أو إنشاء خطة درس تربط الثورة الصناعية بالأحداث الجارية، ويمكنه أيضاً مراقبةُ تقدم كل طالب وإعطاء المعلمين ملاحظات فورية، ممّا يسمح بعصر جديد من التعلم الشخصي المقترن بالشغف ولذّة الاكتشاف. فضلاً عن ذلك، ومع وجود مساعدي الذكاء الاصطناعي الذين يتولون المهام اليومية، يمكن للمعلمين التركيزُ على ما يجيدونه: إلهام الطلاب، وبناء العلاقات، والتأكّد من أنّ جميع الطلّاب يشعرون بالاهتمام والدعم، وبخاصةً الأطفال الذين يحتاجون إلى القليل من المساعدة الإضافية.

بالطبع لكلّ تقنية جديدة محاذير وتحدّيات يتوجّبُ الانتباه لها، وهذا ما لا يغفل عنه خان في حومة تبشيره بالثورة التعليمية القادمة، مشيراً إلى أنّ هناك تحديات تواجه إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس على نطاق واسع. نحن في مسيس الحاجة إلى أنظمة تحمي خصوصية الطلاب وتخفف من التحيزات، ثمّ لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله حتى يتمكّن كل طفل من الوصول إلى الأجهزة والاتصال اللازمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المقام الأول. لا توجد تقنية تُعتبر حلاً سحرياً للتعليم؛ لكنّ الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُحدث تغييراً جذرياً ويُحقق مساواة كبيرة بين المتعلّمين.

كتاب خان متخم بالوعود البروميثيوسية الجامحة، وهي وعود ليست بعيدة أو عسيرة التحقق. نحن نشهد تحقق بعضها في أيامنا هذه، وسنشهد تسارعاً حثيثاً في تحقيقها في السنوات القليلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة وفنون ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة ذاكرة الحرب

كثيراً ما تبدأ كتابات أدب الرحلة من لحظات السفر الأولى، أما كتاب «رحلة في ذاكرة الحرب» فإنَّ صاحبته، الكاتبة المصرية حنان سليمان،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟

يكاد يكون هذا أكثر الأسئلة تكراراً كلما اشتكى أحد من هيمنة الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما زالت الناس تقرأ؟ ويأتي الجواب عادة حاسماً:

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

عن منشورات «الاتحاد العام للأدباء والكتاب» في العراق، 2026، صدرت للكاتب جمال العتابي مجموعة قصصية بعنوان «ساق تحدق» في «127» صفحة، تضم 27 قصة قصيرة،

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس».

ثقافة وفنون خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية

في روايتها الأولى «قطة السيدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها السمان مع القاهرة التاريخية، بوصفها فضاءً مشبعاً بالروحانية والذاكرة الشعبية والقصص الإنسانية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي
TT

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية في تكوينها الثقافي، فهذه البلاد التي مارست نفوذاً عسكرياً وسياسياً هائلاً، وأنتجت رأسمالية جارفة، وأعادت تشكيل الخيال البصري العالمي عبر السينما والمنصات الافتراضية، أتاحت كذلك ولادة أدب شديد الثراء، دخل في صميم التراث الأنغلوفوني، وفرض أسماءه على الذاكرة الإنسانية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة يدخل في باب الإنصاف الثقافي؛ إذ يستطيع المرء أن يقرأ أميركا بعين ناقدة، وأن يرى في الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالماً أدبياً واسعاً، قادراً على مساءلة السلطة، وكشف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله.

نشأ الأدب الأميركي من توتر تناقضيّ بين الأرض والفكرة. فالقارة، منذ بواكير تشكلها الحديث، حملت وعداً بالحرية، وخطاباً عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاءً مفتوحاً للمغامرة ونظاماً قاسياً للتوسع والسيطرة. ومن هذه المفارقات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضادٍ حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمال، والهامش والمركز، واللغة اليومية والبلاغة الموروثة من أوروبا. لذلك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول.

والت ويتمان

في البدايات، كان صوت فيليس ويتلي، الشاعرة السوداء التي نشرت ديوانها خلال القرن الثامن عشر، إشارةً مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مستعبدة تكتب شعراً كلاسيكياً رفيعاً داخل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيراً من مأساة التجربة الأميركية.

في القرن التاسع عشر، بدأ الأدب الأميركي يقطع صلته التابعة بالذائقة البريطانية شيئاً فشيئاً، وراح يصوغ خياله الخاص عبر الطبيعة، والبحر، والغابة، والمدينة، والحدود المفتوحة. عند ناثانيال هوثورن، في «الحرف القرمزي»، ظهرت أميركا البيوريتانية كذاكرة ذنب وعقاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مبدع «موبي ديك»، صار البحر مسرحاً ميتافيزيقياً للصراع بين الإنسان والقدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت ملحمةً عن العمى السلطوي وشهوة السيطرة على المجهول.

ثم جاء والت ويتمان ليمنح الشعر الأميركي جسداً واسعاً كالقارة. في «أوراق العشب»، خرجت القصيدة من القوالب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والعمال، والبحارة، والعشاق، والغرباء، وفتحت ضمير المتكلم على جماعة بشرية كاملة. كان ويتمان ينحت قصائد تشبه الديمقراطية في اندفاعها وتعددها واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخرى، صنعت إميلي ديكنسون ثورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونص مزروع بشرطات فاصلة تقطع الإيقاع وتفتح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كان ويتمان قد كتب أميركا بصيغة الامتداد، فإن ديكنسون كتبتها في صيغة الوميض الداخلي، وكشفت عن أن الشعر يستطيع أن يبلغ الكون من نافذة ضيقة.

توني موريسون

مع مارك توين، وصل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازياً وجغرافياً. «مغامرات هكلبيري فين» ليست مجرد حكاية فتى يهرب على طوف في نهر المسيسيبي، إنها مواجهة ساخرة مع العبودية، والنفاق الديني، والعنف الاجتماعي، كما اللغة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخل العامية واللهجات والضحك الخشن إلى قلب الأدب، وجعل النهر طريقاً لقراءة مجتمع كامل. من بعده، أعاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبا، وبين البراءة والقِدم، وبين المال والذوق، كما في «صورة سيدة»، التي جعلت من الرواية مختبراً للوعي الأخلاقي والنفسي.

عند مطلع القرن العشرين، جاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جاك لندن في «نداء البرية» كتب عن الكائن حين تعيد الطبيعة القاسية تشكيله، وثيودور درايزر في «أخت كاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلة تصنع الرغبة ثم تسحق أصحابها. ومع إديث وارتون، خصوصاً «عصر البراءة»، دخلت الطبقة الراقية الأميركية غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاماً رفيع المظهر، قاسياً في الجوهر.

انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى. كان إرنست همنغواي، في «الشمس تشرق أيضاً» و«وداعاً للسلاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جرحاً عميقاً، ويمارس أسلوباً يقوم على الإيحاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعاناً للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مال، عشق مستحيل، ورجل يبني حياته حول صورة زائفة عن الخلاص. جنوباً، خلق وليم فوكنر عالماً روائياً كثيفاً في «الصخب والعنف» و«أبشالوم، أبشالوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنةً عائلية، وتصبح اللغة نفسها متاهةً تحمل عبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي.

ملفيل

وفي الفترة ذاتها، نشأت نهضة هارلم، واحدة من أخصب لحظات الأدب الأميركي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمدينة السوداء التي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتاً سردياً نابضاً باللهجة والحكاية والرغبة. كلود مكاي وكونتي كالن وريتشارد رايت لاحقاً، في «ابن أصلي» جعلوا الأدب ساحة صدام مباشر مع العنصرية البنيوية، ومع ذلك لم يحولوا النص بياناً سياسياً أجوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت الخريطة أكثر. جون شتاينبك في «عناقيد الغضب» كتب ملحمة الفلاحين المطرودين من أرضهم تحت وطأة الكساد والرأسمال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بلاث وألن غينسبرغ وجاك كيرواك فتحوا مسارات جديدة للقلق الأميركي. إليسون في «الرجل الخفي» قدم واحدة من أعظم روايات القرن العشرين عن المحو الاجتماعي والسياسي للإنسان الأسود. غينسبرغ في «عواء» أطلق صرخة ضد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بلاث في «آرييل» و«الناقوس الزجاجي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة.

ثم جاءت توني موريسون لتعيد كتابة الذاكرة الأميركية من قلب الجرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كبرى مع العبودية بوصفها أثراً حياً يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لم تكتب التاريخ كوقائع منتهية، بل كطاقة تطارد الأحياء، وتطالبهم باعتراف أخلاقي وجمالي. ومع جيمس بالدوين في «اذهب وقلها فوق الجبل» ومقالاته النارية، صار الأدب الأميركي مرآة لأسئلة العِرق والدين والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية.

مارك توين

العقود الأخيرة شهدت اتساع أميركا الأدبية عبر تعدد أصوات النساء، والمهاجرين، والسكان الأصليين، واللاتينيين، والآسيويين. ساندرا سيسنيروس في «البيت في شارع مانغو» كتبت عن فتاة تشيكانية تسكن شيكاغو بلغة مقطعية شفافة، تجمع الشعر بالسرد، والفقر بالحلم، والبيت بالتوق للخروج. جوي هارجو، في «شروق أميركي»، أعادت وصل الشعر بتاريخ السكان الأصليين والأرض المسلوبة. ماكسين هونغ كينغستون في «المرأة المحاربة»، وجومبا لاهيري في «مترجم الأوجاع»، وأوشن فونغ في «على الأرض نحن رائعون لوهلة»، كتبوا أميركا بوصفها تعدداً لغوياً، ووعاءً لتقاطع الذاكرات، ومكاناً تتجاور فيه الهجرة مع الفقد، والانتماء مع التشظي.

هكذا يبدو الأدب الأميركي، بأفضل نماذجه، اعترافاً دائماً بأن البلاد التي صنعت القوة صنعت أيضاً نقد القوة، والمجتمع الذي أنتج الأسطورة أنتج كذلك مَن مزقها فنياً. قيمته العميقة تأتي من هذا التوتر: أميركا بوصفها إمبراطورية - تجارياً وعسكرياً وإعلامياً -، وأميركا بوصفها ورشة أدبية هائلة كتب فيها الشعراء والروائيون عن العبودية، والطبيعة، والمدينة، والجسد، والمنفى، والمال، والعنصرية، والحرب، والوحدة، والبحث المضني عن معنى. هذا الأدب يستحق القراءة لأنه يضع تلك البلاد أمام نفسها، ويجعل من اللغة محكمة خفية، ومن الرواية والقصيدة سجلاً للإنسان حين يحاول فهم عالم شديد الاتساع ومطلق القسوة.


إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية
TT

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

في كتابه الجديد، «التنظيم المصرفي في المملكة العربية السعودية... الهيكل المصرفي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمؤرخ الاقتصادي الدكتور إبراهيم الناصر، للتعريف بالنظام المصرفي السعودي وآفاق التطور التي تنتظره. ويرى المؤلف أن وجود نظام مصرفي يتمتع بالقوة والموثوقية يمثل العصب الرئيسي والقلب النابض لأي اقتصاد حديث؛ فالبنوك والمؤسسات المالية ليست مجرد أماكن لحفظ الأموال، بل هي المحرك الأساسي الذي يوجه السيولة، ويدعم النمو، ويضمن استقرار الدولة مالياً واجتماعياً.

وفي هذا الكتاب، أنجز الباحث ما يمكن أن يعد موسوعة شاملة عن البنوك ودورها في الاقتصاد المحلي السعودي، مستعرضاً تاريخها والصعوبات التي واجهتها منذ إنشائها، مروراً بمراحل تطورها، والعمليات المصرفية وأنظمتها، وتطور تشريعاتها.

وأكد الباحث أنه بالعودة إلى التنظيمات السعودية، وأحياناً إلى التنظيمات الأجنبية وخاصة الفرنسية، فقد سعى إلى تقديم عمل تكميلي يحاول سد الفجوات التي أظهرتها بعض القوانين مقارنة بغيرها. ويضيف: «إلا أن المهم بالنسبة لنا ليس التوقف عند التحليل، بل علينا أن نعي هذه المشكلة حتى نستطيع بناء نظام يستجيب لتطلعات الشعب السعودي وواقع المملكة».

ويرى الدكتور إبراهيم الناصر أنه إذا كان على نظام مراقبة البنوك أن يستجيب للضوابط العالمية، وأن تخضع جميع الدول للشروط نفسها التي تحتمها التجارة الدولية، فمن الضروري أيضاً التحقق من مدى تبعية النظام المصرفي في السعودية للنظام المصرفي الغربي. وزاد بالقول: «ولما كانت غايات النظام المصرفي تتناول ضرورة حماية الادخار وإدارة الائتمان، وبقدر عمومية هذه الغايات وتواجدها في أغلب الأنظمة الأجنبية التي وصلت إلى درجة من النضج تجعل النظام إلزامياً، ولما كان المشرع السعودي قد رأى أن تنظيم القطاع المصرفي أصبح حتمياً بسبب نموه، فقد كان من الطبيعي اللجوء إلى الحلول المتعلقة بهذه الغايات في الأنظمة الأجنبية الرئيسية، والاستفادة من تجاربها الإيجابية والسلبية، واختيار المزايا التي كرستها التجربة العملية».

وأشار الناصر إلى أن حتمية وجود حد أدنى لرأس المال، وشروط السلوك الحسن، والالتزامات المحاسبية، ومعدلات الملاءة والسيولة المختلفة، وانفصال النشاط المصرفي عن الأنشطة الأجنبية ومهنة الصرافة، وحظر المشاركات، ونظام الاحتياطي، كلها تشكل السمات الأساسية للنظام المصرفي السعودي. ونبّه إلى أن استعارة النظام من النماذج الأجنبية لم تكن كاملة؛ بل أخذ في الاعتبار متطلبات ومعطيات الظروف المحلية، واكتسب سمات أصيلة وخاصة لا تصادفها في النظم الأجنبية، كما هي الحال في خاصية إدارة المهنة المصرفية التي يميزها تمركز السلطات المالية والمصرفية تحت تصرف البنك المركزي السعودي (مؤسسة النقد آنذاك).

واعتبر الدكتور الناصر أنه لا يمكن إنكار عمومية الامتيازات الممنوحة للبنك المركزي، ولكن بقدر ملكية الدولة لمثل هذه السلطات السيادية - بمعزل عن أي تشريع - تستطيع الدولة في أي وقت إصدار تنظيمات تراها لازمة لضبط النظام المصرفي. وبيّن أن إحالة هذه السلطات إلى البنك المركزي لا تشكل في الواقع إلا ضماناً موضوعياً ومحايداً تقدمه الدولة ضد أي تدخل للعوامل السياسية أو الشخصية في إعداد التنظيم المصرفي. كما أن وجود هذه السلطات ضمن امتيازات الدولة لا ينبغي أن يُفسر على أنه يتضمن أي مساس بحرية البنوك حتى في ظل نظام الحرية المطلقة.

وبالنسبة للإدارة المصرفية، يرى الباحث أن بعض القواعد المطبقة ليست إلا ترجمة لقواعد الإدارة السليمة المنبثقة من التجربة، التي تمارسها بصفة عامة جميع البنوك الجادة. وبما أنها تمثل الحد الأدنى المطلوب، وتترجم الرقابة الكمية، فإن هذه القواعد لا تعوق حسن سير النشاط المصرفي، وإنما تشكل فقط الإطار الذي يمارس فيه هذا النشاط بحرية. وقد تحاشى المشرع السعودي - بصفة خاصة - إنشاء رقابة نوعية على النشاط المصرفي أو التدخل المباشر في العمليات المصرفية ذاتها عبر النص على طرق معينة لاستخدام الموارد، أو تنظيم الاشتراطات اللازمة لعمليات الائتمان تنظيماً صارماً؛ ولذلك فإن مبادرة المصرفيين ووعيهم الشخصي مصانان تماماً ويمكن ممارستهما بفائدة كبيرة في إطار التنظيم المصرفي.

وشدد الناصر على أن وجود نظام مصرفي بات اليوم ضرورة معترفاً بها، معتبراً أن التنظيم يهدف إلى إيجاد رقابة فاعلة على النشاط المصرفي، وإخضاع البنوك للسياسة الائتمانية وضمان أمن المودعين، حيث كانت سيولة وملاءة المؤسسات من الاهتمامات الرئيسية لتحويل النقود المصرفية إلى عملة قانونية. وأشار إلى أن الرقابة على البنوك التي أقرها المشرع السعودي لا تهدف فقط إلى حماية الودائع، بل إلى تنشيط القطاع أيضاً عبر تشجيع الادخار الخاص وتعزيز ثقة المدخرين بالبنوك بشكل أوسع. ولفت الباحث إلى أن بعض مخاوف الجمهور التاريخية من النظام المصرفي لم تكن نابعة من انعدام الثقة في قدرة وحكمة المصارف، بل أرجأها إلى تأثير الأحكام والتحفظات الدينية التي كانت مسيطرة على الأهالي آنذاك.

وعلى الصعيد الإداري، أكد الباحث أن حسن إدارة البنك يعود قبل كل شيء إلى القيمة البشرية؛ أي الأشخاص المكلفين بإدارته من أعضاء مجلس إدارة ومديرين وعاملين على مختلف مستوياتهم. ويبدو أن ذلك شكل أحد أهم الصعوبات التي واجهتها المملكة تاريخياً، وخصوصاً بعد مرحلة «سعودة» البنوك الأجنبية، مؤكداً ضرورة تعيين كادر من العناصر الوطنية المؤهلة وعالية المستوى. منوّهاً بأن أحد أهم أغراض تأسيس «البنك السعودي العالمي المحدود» كان تدريب أكبر عدد ممكن من الفنيين السعوديين في مختلف مجالات النشاط المصرفي الدولي، لتمكين هؤلاء المواطنين الأكفاء من الوصول إلى مراكز المسؤولية، وتولي إدارة الشؤون المصرفية في نهاية المطاف.


«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي
TT

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

صدر مؤخراً كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في 254 صفحة في القطع المتوسط، ويقدّم رحلة معرفية في تاريخ حضرموت وإرثها الحضاري والإنساني.

يتناول الكتاب صفحات من تاريخ حضرموت وأسباب تسميتها بهذا الاسم، والأهمية الجغرافية لحضرموت، مع استعراض لحدودها ومُناخها وأهم مُدنها والأنشطة الرئيسية لسكانها، كما يتناول قصة دخول الإسلام حضرموت، والصفات التي يتسم بها الحضارمة، ثم يعرج على سرد تاريخ هجرة الحضارم إلى أنحاء العالم، حيث امتدّت الهجرات الحضرمية إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركتين، وأسهم أبناؤها في التجارة والتعليم والعمل الاجتماعي والثقافي، تاركين بصماتٍ واضحة في المجتمعات التي استقرّوا فيها. ويعرض الكتاب تجربة الحضارمة في المهجر بوصفها تجربة إنسانية قائمة على التسامح والاعتدال والأمانة وطلب العلم، وقد أسهمت هذه القيم في بناء صورة إيجابية للحضرمي في المجتمعات المختلفة.

كما يقدّم الكتاب استعراضاً موجزاً للصراعات التي وقعت للسيطرة على حضرموت، ودور بريطانيا في فرض السلام بين الدويلات والقبائل المتنازعة.

ويخصص المؤلف الباب الثاني للحديث عن «وادي دوعن»؛ أشهر الأودية في حضرموت، ويقع في الجزء الغربي من المحافظة شرق اليمن، ويشتهر بطبيعته الخلابة، وقراه التاريخية المبنية من الطين.

يستفتح المؤلف حديثه عن هذا الوادي بمقولة للرحّالة الهولندي دانيال فاندر ميولين في كتابه «حضرموت - إزاحة النقاب عن بعض غموضها»، عندما زار الوادي في عام 1931 مستعرضاً صورة للمكان، قائلاً: «يقع وادي دوعن بين ضفتيْ صخوره العالية منغلقاً في أمان عن العالم، مثل قطعة غير حقيقية من جِنان منسية تنتظر يوم البعث. هذه هي جائزة المسافرين المُرهَقين من السفر في الصحراء. غمرتنا الفرحة ووقفنا على حافة أرضنا الموعودة يغمرنا الإعجاب. وما تجرّأنا ولا كان باستطاعتنا أن نتخيلها بهذا الجمال، هذه ليست بعدُ حضرموت الداخل، وإن كانت في الحقيقة بوابتها الخارجية. وقفنا على شفا الهاوية، وبدأنا نُدير آلات التصوير في صمت. ورغم الحرارة فلم نستطع أن ننتزع أنفسنا من السحر الذي خلبَنا به هذا الوادي الزاخر بالخصوبة والجمال، وسط صحراء قاحلة لا متناهية من الصخر والحجارة».

وعبد اللطيف سعيد محمد العمودي من الشخصيات التجارية والاقتصادية، وسبق أن قدم عدداً من المؤلفات مختصة بالإدارة والقيادة والمبيعات والتسويق؛ من بينها: «أساسيات البيع ومبادئ النجاح»، و«استراتيجيات تسويقية»، و«المدير التنفيذي الناجح»، و«قيادة الشركات العائلية»، و«القيادة الإدارية»، و«القيادة الأخلاقية»، و«كيف تصنع وتسوق العلامة التجارية»، و«فيروس الشركات العائلية والتخارج السليم».