أوكرانيا تراهن على جيشها القوي لا الضمانات الأمنية الغربية المبهمة

«فلامنغو» صاروخ باليستي أوكراني قد يغير المعادلة في الميدان

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمر صحافي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمر صحافي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

أوكرانيا تراهن على جيشها القوي لا الضمانات الأمنية الغربية المبهمة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمر صحافي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمر صحافي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

مع تعثر جهود «الوساطة» الأميركية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، واصل الجيش الروسي تقدّمه في أوكرانيا خلال شهر أغسطس (آب)، ولكن بشكل أبطأ من الشهر السابق، وفق تقرير لمعهد دراسات الحرب الأميركي، نشرت وسائل إعلام عدة مقتطفات منه.

وتتّهم أوكرانيا روسيا بمحاولة كسب الوقت والتظاهر بالتفاوض من أجل الاستعداد بشكل أفضل لشنّ هجمات جديدة، ما دفعها إلى التشكيك بالضمانات الأمنية الغربية والأميركية خصوصاً لمستقبل البلاد، حتى ولو تم التوصل إلى «حل سياسي»، والعمل بدلاً من ذلك على تقوية جيشها ليكون هو الضمانة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

وبحسب تقرير المعهد، فقد سيطرت القوات الروسية على 594 كيلومتراً مربّعاً من الأراضي الأوكرانية، مقابل 634 كيلومتراً في يوليو (تموز) في تقدّم لم يُسجل منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 (725 كيلومتراً)، باستثناء الأشهر الأولى من الحرب في ربيع 2022. وتشمل هذه المساحة مناطق تسيطر عليها روسيا بشكل كامل أو جزئي، بالإضافة إلى تلك التي أعلنت ضمّها. وحتى نهاية أغسطس، باتت روسيا تسيطر بشكل كامل أو جزئي على 19 في المائة من الأراضي الأوكرانية.

ومن سبتمبر (أيلول) 2024 إلى أغسطس 2025، استولى الروس على أكثر من 6 آلاف كيلومتر مربّع، أي ثلاثة أضعاف المساحة التي سيطرت عليها في الأشهر الاثني عشر السابقة، في أكبر تقدّم للجيش الروسي في أوكرانيا خلال عام واحد منذ السنة الأولى للحرب.

فولوديمير زيلينسكي ودونالد ترمب خلال اجتماع ثنائي في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تشكك بالضمانات

وأمام هذا التقدم، تصاعدت شكوك أوكرانيا في إمكانية الاعتماد على الوعود الأوروبية والأميركية المبهمة حتى الآن، في توفير الضمانات الأمنية التي وعدت بها، إذا ما تم التوصل إلى «حل سياسي»، بعدما بات يتقدم على المطالبة بوقف إطلاق نار فوري، نتيجة قمة ألاسكا بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

ويتخوف الأوكرانيون من أن تؤدي تلك الوعود غير الواضحة والمحددة، إلى تكرار تجربتهم مع «الضمانات» التي حصلوا عليها من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، عندما تخلوا عن الأسلحة النووية السوفياتية التي كانت في حوزتهم من تلك الحقبة، في تسعينات القرن الماضي. ويشير المسؤولون الأوكرانيون إلى مذكرة بودابست، وهي التعهد الذي تم توقيعه في عام 1994 والذي كان يهدف إلى حماية البلاد بعد حصولها على الاستقلال.

لكن الاتفاق لم يُفصّل تلك الضمانات ولم يُقدّم أي وعد بالدعم العسكري في حال الهجوم.

وتقول أوكرانيا إن عدم التحديد منح روسيا حرية التصرف في الهجوم، كما فعلت منذ عام 2014. وبعد الغزو الروسي الشامل عام 2022، علّقت أوكرانيا آمالها في البداية على الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبرةً بند الدفاع المشترك في المادة الخامسة من ميثاق الحلف أقوى ضمانة أمنية يُمكنها أن تطمح إليها. وتبددت تلك الآمال عندما رفضت الولايات المتحدة والحلفاء هذا الانضمام. وطرح الأوروبيون مؤخراً إطاراً أمنياً من شأنه أن يُقدّم ضمانات «تُشبه المادة الخامسة» دون قبول كييف في الحلف. وهو ما استقبله الأوكرانيون بحذر من أن غموضها يُخاطر بتكرار غموض مذكرة بودابست. ومع ذلك، يُقر المسؤولون الأوكرانيون بأن بناء قوة ردع موثوقة يعتمد على التمويل الأجنبي لتزويدها بأسلحة قوية لم تعد تأتي مجاناً من الولايات المتحدة.

رجال إنقاذ يُجرون عملية بحث داخل وحول مبنى سكني تضرر بشدة خلال هجوم روسي واسع النطاق بطائرات مُسيّرة وصواريخ على كييف (أ.ف.ب)

جيش قوي هو الضمانة

فالتعهدات الغربية المبهمة بضمانات أمنية لما بعد الحرب لم تترجم بعد إلى التزامات ملموسة. ويعكس سعي أوكرانيا لبناء جيش أكثر قوة مخاوف من أن هذه الوعود قد لا تتحقق أبداً. وقال إيهور كليمنكو، وزير الداخلية الأوكراني، في مقابلة أجريت معه الأسبوع الماضي: «الضمانة الرئيسية لأمن أوكرانيا هي جيش كامل القدرات ومدرب تدريباً جيداً، في حالة تأهب قتالي دائم».

وفيما تسعى إدارة ترمب للتوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا، يناقش حلفاء كييف الغربيون ضمانات أمنية تضمن عدم غزو روسي جديد بعد انتهاء الحرب. وأبدت بعض الدول الأوروبية استعدادها لنشر قوات في أوكرانيا، بينما أعلنت الولايات المتحدة أنها قد ترسل دعماً جوياً.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال قمة ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

قلق من الإرادة الأوروبية

ويرى جون هاردي، كبير الباحثين في الشأن الروسي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن تعهدات الرئيس ترمب بدورٍ في الضمانات الأمنية التي تقودها أوروبا لأوكرانيا تعد أمراً إيجابياً.

ويقول في حديث مع «الشرق الأوسط» إن هذا الدعم الأميركي سيُعزز قوةَ الطمأنينة الأوروبية المحتملة قابليةَ بقاء أوكرانيا عسكرياً وسياسياً. غير أنه يقول إن هناك قلقاً من أن التخطيط العسكري الأوروبي منفصلٌ عن الأسئلة الجوهرية حول الإرادة السياسية الأوروبية لمحاربة روسيا من أجل أوكرانيا.

وهو ما سيناقشه الأوروبيون في فرنسا، الخميس، مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في باريس. لكن هذه المناقشات لم تُسفر عن نتائج تُذكر حتى الآن، حيث سعت موسكو إلى عرقلتها من خلال المطالبة بأن يكون لها رأي في شروطها ومعارضة أي اتفاق سلام يتضمن نشر قوات غربية على الأراضي الأوكرانية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

لذلك، تُركز أوكرانيا على تطوير ضماناتها الأمنية الخاصة التي لا يمكن لروسيا التدخل في شروطها، حيث إن توسيع قاعدتها الصناعية العسكرية وشراءها للأسلحة الغربية، لا تملك موسكو فيهما نفوذاً يُذكر.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن أليونا غيتمانشوك، سفيرة أوكرانيا الجديدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قولها، إن «هذا ليس أمراً يمكن للروس مناقشته حقاً. هذه هي مصلحتنا».

ويقول جون هاردي لـ«الشرق الأوسط»، إن كييف تُدرك وداعموها الغربيون أن الجيش الأوكراني سيظل الرادع الرئيسي لأوكرانيا ضد أي غزو روسي آخر. ولهذا السبب، يُركز جزءٌ من الضمانات الأمنية على دعم الصناعات العسكرية والدفاعية الأوكرانية.

ترمب ما زال متردداً

وفيما تسعى أوكرانيا إلى تعزيز ترسانتها العسكرية بمليارات الدولارات، بتمويل أوروبي، تعدّ ذلك أفضل فرصة لضمان بقاء البلاد على المدى الطويل في ظل تناقص المساعدات الأميركية، وبقاء الضمانات الأمنية الغربية غير مؤكدة.

ويقول هاردي، بالطبع، تُصبح هذه الضمانات الأمنية غير ذات جدوى إذا لم توافق روسيا أبداً على وقف إطلاق النار، وللأسف، لا يزال الرئيس ترمب يرفض فرض ضغوط اقتصادية وعسكرية أشدّ من شأنها أن تُساعد في إقناع بوتين بإنهاء الحرب بشروطٍ يُمكن للأوكرانيين قبولها.

لذلك تريد أوكرانيا ليس فقط الحفاظ على جيشها خلال الحرب الحالية، بل تريد أيضاً جعله العمود الفقري لأي تسوية لما بعد الحرب، بهدف ردع روسيا عن غزوها مجدداً. وهو ما أوضحته أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، مؤخراً حين قالت: «يجب أن تصبح أوكرانيا شوكة حديدية، لا يهضمها الغزاة المحتملون».

صاروخ «فلامنغو»

وتراهن أوكرانيا على ازدهار صناعة الدفاع المحلية، التي سلّمت بالفعل طائرات دون طيار، وتعمل الآن على إنتاج أسلحة أكثر قوة.

وأعلنت أوكرانيا أنها أكملت تطوير وبدء إنتاج أول صاروخ كروز بعيد المدى محلي الصنع، حيث تأمل أن يمكن صاروخها الجديد، المسمى «فلامنغو»، الذي يبلغ مداه نظرياً نحو 3 آلاف كيلومتر، بحمولة تزيد على ألف كيلوغرام، من ضرب موسكو والعمق الروسي.

ويقول الخبراء إن مثل هذا السلاح يُمكن أن يكون بمثابة رادع أقوى لروسيا من أي تعهد غربي بالحماية، في الوقت الذي يتردد فيه الشركاء الغربيون في توريد صواريخهم، أو سلموها بموجب قيود استخدام صارمة، خوفاً من التصعيد، فقد قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا دفعات صغيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، لكن استخدامها مقيد بحيث لا يمكن استخدامها لضرب العمق الروسي. ورفضت ألمانيا أيضاً تسليمها صواريخ «توروس» بعيدة المدى.

وتطمح أوكرانيا إلى زيادة إنتاج صواريخها الخاصة، مرحبة بالتمويل الغربي لتسريع الإنتاج، حيث تخطط لزيادة الإنتاج سبعة أضعاف بحلول خريف هذا العام، الأمر الذي تعتقد أنه قد يغير المعادلة في الميدان.


مقالات ذات صلة

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
TT

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

قال جهاز الأمن الاتحادي الروسي، اليوم الأحد، إن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى روسيا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال محققون إن اللفتنانت جنرال أليكسييف، الذي يشغل منصب نائب رئيس المخابرات العسكرية، تعرض لعدة طلقات نارية في بناية سكنية في موسكو، يوم الجمعة. وذكرت وسائل إعلام روسية أنه خضع لعملية جراحية بعد الإصابة.

وأشار جهاز الأمن الاتحادي الروسي إلى أن روسياً يدعى ليوبومير كوربا اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه الهجوم.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال التي قال إنها تهدف لإفساد محادثات السلام.

وقالت كييف إنه لا علاقة لها بإطلاق النار عليه.

ويقود الأميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس المخابرات العسكرية ومدير أليكسييف، الوفد الروسي في مفاوضات مع أوكرانيا في أبوظبي بشأن الجوانب الأمنية في اتفاق سلام محتمل.


زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».