فرنسا تستدعي السفير الأميركي بعد اتهامه الحكومة بالتقاعس في مكافحة معاداة السامية

واشنطن تؤكد دعمها لموقف تشارلز كوشنر في اتهامه لباريس

TT

فرنسا تستدعي السفير الأميركي بعد اتهامه الحكومة بالتقاعس في مكافحة معاداة السامية

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

أكدت الولايات المتحدة، يوم الاثنين، دعمها الاتهامات التي وجّهها سفيرها إلى فرنسا بعدم بذل ما يكفي من الجهود لمكافحة معاداة السامية، بعدما استدعته باريس.

وأفاد الناطق باسم «الخارجية الأميركية»، تومي بيغوت: «ندعم تصريحاته»، وذلك في إشارة إلى السفير تشارلز كوشنر، والد صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وأضاف أن «السفير كوشنر هو ممثل حكومتنا في فرنسا، ويقوم بدور رائع في الدفاع عن مصالحنا الوطنية من خلال هذا الدور».

وكانت وزارة الخارجية الفرنسية قد أعلنت، أمس الأحد، أنها ستستدعي السفير الأميركي لديها عقب انتقاده -في رسالة بعث بها إلى الرئيس إيمانويل ماكرون- الحكومة لعدم اتخاذها إجراءات كافية لمكافحة معاداة السامية.

وحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فإن رسالة تشارلز كوشنر، المؤرخة في 25 أغسطس (آب) التي تسربت الأحد إلى وسائل الإعلام، تعكس انتقادات إسرائيلية مماثلة لفرنسا، قبل أيام، استدعت رداً حاداً من باريس.

وأشار كوشنر، في رسالته إلى ماكرون، إلى أن يوم الاثنين كان «الذكرى السنوية الـ81 لتحرير باريس من قِبل الحلفاء الذي أنهى ترحيل اليهود من الأراضي الفرنسية» في ظل الاحتلال النازي الألماني.

وقال: «أكتب إليكم من منطلق القلق العميق إزاء الارتفاع الحاد لمعاداة السامية في فرنسا وعدم اتخاذ حكومتكم إجراءات كافية لمواجهتها».

وأضاف: «لا يمر يوم في فرنسا من دون الاعتداء على يهود في الشوارع وتشويه كنيس ومدارس يهودية وتخريب شركات مملوكة ليهود».

وعلى الرغم من أن «معاداة السامية طالما تركت ندوباً في الحياة الفرنسية» على حد قول السفير الأميركي، فإنه عدّ كراهية اليهود «انفجرت منذ الهجوم الوحشي الذي شنته (حماس) في 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023»، وأشعل الحرب التي لا تزال مستمرة في غزة.

وبعد ساعات من نشر محتوى الرسالة، أصدرت «الخارجية الفرنسية» بياناً نفت فيه «بشدة هذه الادعاءات الأخيرة»، ووصفتها بأنها «غير مقبولة».

وأكدت الوزارة أن فرنسا «ملتزمة بشكل كامل» بمكافحة معاداة السامية.

وأضافت أن تعليقات السفير «لا ترقى إلى مستوى نوعية العلاقة عبر الأطلسي بين فرنسا والولايات المتحدة، والثقة التي ينبغي أن تنشأ بين الحلفاء».

ولفتت الوزارة إلى «واجب عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما هو منصوص عليه في اتفاقية فيينا لعام 1961 المنظمة للعلاقات الدبلوماسية».

وأضافت أنه سيتم استدعاء كوشنر إلى وزارة الخارجية، الاثنين.

«معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية»

وتأتي انتقادات كوشنر -وهو والد جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب- بعد أيام من اتهام نتنياهو للرئيس الفرنسي بـ«صب الزيت على نار معاداة السامية» عبر دعوته إلى الاعتراف بدولة فلسطينية.

واستنكرت الرئاسة الفرنسية، آنذاك، تصريحات نتنياهو، ووصفت الربط بين قرار الاعتراف بدولة فلسطينية وتصاعد أعمال العنف المعادية للسامية، بأنه «مبني على مغالطات ودنيء، ولن يمرّ من دون رد».

وعلى غرار نتنياهو، قال كوشنر إن «التصريحات التي تشوّه سمعة إسرائيل والتحركات التي تقر بدولة فلسطينية، تشجع المتطرفين وتؤجّج العنف وتعرّض الهوية اليهودية في فرنسا للخطر».

وأضاف: «اليوم، لم يعد هناك مجال للمراوغة: معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية، نقطة».

كما أعرب ممثل الولايات المتحدة لدى فرنسا عن غضبه من أن «نحو نصف الشباب الفرنسيين يقولون إنهم لم يسمعوا قط عن المحرقة».

وتابع أن «استمرار هذا الجهل يدفعنا إلى التشكيك في المناهج الدراسية بالمدارس الفرنسية».

وتعدّ قضية معاداة السامية أمراً بالغ الحساسية في فرنسا التي تضم أكبر جالية يهودية في أوروبا الغربية، مع 500 ألف شخص، بالإضافة إلى جالية عربية مسلمة كبيرة متعاطفة مع الفلسطينيين في قطاع غزة.

وسجلت الجاليتان ارتفاعاً حاداً في جرائم الكراهية منذ الهجوم الذي شنته إسرائيل على حركة «حماس» في القطاع.

وأثار إعلان ماكرون أن فرنسا ستعترف رسمياً بدولة فلسطينية خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) المقبل انتقادات سريعة من إسرائيل في ذلك الوقت.

وإثر ذلك، أعلنت دول عدة عزمها الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر، من بينها كندا وأستراليا وأندورا وفنلندا وآيسلندا وآيرلندا ولوكسمبورغ ومالطا ونيوزيلندا والنرويج والبرتغال وسان مارينو وسلوفينيا.


مقالات ذات صلة

وسط الانتقادات بسبب الصور الجنسية... أميركا تعلن دمج «غروك» في شبكات البنتاغون

تكنولوجيا وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (أ.ب)

وسط الانتقادات بسبب الصور الجنسية... أميركا تعلن دمج «غروك» في شبكات البنتاغون

أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن الجيش سيبدأ دمج أداة الذكاء الاصطناعي «غروك»، التابعة لإيلون ماسك، في شبكات البنتاغون، خلال وقت لاحق من هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب) play-circle

إيران تحذر من أنها ستقصف قواعد أميركا إذا هوجمت

قال ​مسؤول إيراني كبير، اليوم الأربعاء، إن طهران حذّرت دول المنطقة من أنها ستقصف ‌القواعد ‌العسكرية ‌الأميركية ⁠في ​تلك ‌الدول، حال تعرضها لهجوم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)

توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

أوقفت شرطة لوس أنجليس، الاثنين، نجم مسلسل «24» التلفزيوني وبطل فيلم مصاصي الدماء «ذي لوست بويز» الممثل كيفر ساذرلاند للاشتباه في اعتدائه على سائق سيارة أجرة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الولايات المتحدة​ كلوديت كولفن (ا.ب)

وفاة كلوديت كولفن الناشطة الرائدة في الحقوق المدنية الأميركية عن 86 عاماً

توفيت كلوديت كولفن، الناشطة الأميركية التي رفضت عندما كانت تبلغ 15 عاماً التخلي عن مقعدها في حافلة في ألاباما لامرأة بيضاء، عن 86 عاما، وفق ما أعلنت مؤسستها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب خلال زيارته مصنع فورد  في ديترويت في ولاية ميشيغن (رويترز)

رجل غاضب يُفقد ترمب أعصابه خلال زيارته مصنع سيارات

أظهرت لقطات تم تداولها على مواقع التواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو يرد بألفاظ بذيئة ويرفع إصبعه الأوسط بوجه شخص غاضب أثناء زيارة لمصنع سيارات في ميشيغن.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
TT

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)

عَدّ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الأربعاء، أن حملة القمع ضد المتظاهرين في إيران قد تكون «الأعنف» في تاريخ البلاد الحديث، داعياً السلطات إلى إنهائها «فوراً».

وأسفرت الحملة عن مقتل 734 شخصاً، على الأقل، وفق منظمة «إيران لحقوق الإنسان» (IHR) غير الحكومية، ومقرها النرويج، والتي تُقدِّر أن عدد القتلى الفعلي قد يكون بالآلاف.

عشرات الجثث ملقاة على الأرض بمركز للطب الشرعي في طهران (أ.ف.ب)

وقال بارو، لإذاعة «إر تي إل» الفرنسية: «نشتبه في أن هذه الحملة قد تكون الأعنف في تاريخ إيران الحديث، ويجب أن تتوقف فوراً»، دون أن يؤكد حصيلة القتلى، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح الوزير أن باريس تقدّمت بهذا الطلب إلى السفير الإيراني لدى فرنسا عند استدعائه، الثلاثاء.

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ووصف بارو الوضع قائلاً: «من الصور القليلة التي وصلتنا، نرى متظاهرين يتعرضون لإطلاق النار من مسافة قريبة بأسلحة هجومية، وجثثاً مكدسة في أكياس داخل مستشفيات مكتظة، ونرى عائلات إيرانية مفجوعة، ونسمع صرخات استغاثة لا يمكن أن نبقى غير مُبالين بها».

صورة من مقاطع فيديو جرى تصويرها بين 9 و11 يناير 2026 من مشرحة تضم عشرات الجثث في كهريزك بمحافظة طهران (أ.ب)

عند سؤاله عن ضرورة تغيير السلطة في إيران، أكد جان نويل بارو أنه يعود للشعب الإيراني أن يقرر مصيره، و«هذا ما يجب أن تفهمه سلطات البلاد».

وأوضح بارو أن مسؤولية فرنسا الأولى تتمثل في «ضمان سلامة مواطنينا الذين يبلغ عددهم نحو 900 في إيران، وسلامة موظفينا وسفارتنا، وبالطبع، سلامة مواطنَينا سيسيل كولر وجاك باريس»، الخاضعين للإقامة الجبرية في السفارة.


عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
TT

عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)

أظهرت أرقام رسمية أمس (الثلاثاء) أن فرنسا سجَّلت وفيات أكثر من المواليد في عام 2025، للمرة الأولى منذ ​نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو تطور يقوض الميزة الديموغرافية التي لطالما كانت تتمتع بها فرنسا، مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وأفاد «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية» بتسجيل 651 ألف حالة وفاة العام الماضي، بينما تراجعت حالات المواليد إلى 645 ألفاً. وانخفض عدد المواليد في فرنسا ‌بشدة منذ ‌جائحة «كوفيد-19».

وتتمتع فرنسا ‌تقليدياً ⁠بتركيبة ​سكانية ‌أقوى من معظم أوروبا، ولكن النسبة الكبيرة لكبار السن وانخفاض معدلات المواليد يظهران أنها ليست محصنة من الأزمة الديموغرافية التي ترهق المالية العامة في جميع أنحاء القارة.

وقال المعهد إن معدل الخصوبة انخفض إلى 1.56 طفل لكل امرأة ⁠العام الماضي، وهو أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية، وأقل ‌بكثير من 1.8 المفترض في توقعات تمويل المعاشات التقاعدية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي عام 2023 -وهو أحدث عام ‍مع مقارنات الاتحاد الأوروبي- احتلت فرنسا المرتبة الثانية بمعدل خصوبة 1.65، خلف بلغاريا التي بلغ معدل خصوبتها 1.81.

وحذَّر المكتب الوطني للتدقيق العام ​الشهر الماضي من أن التحول الديموغرافي سيدفع الإنفاق العام إلى أعلى مستوياته في ⁠السنوات المقبلة، وذلك مع تآكل القاعدة الضريبية.

وقال الخبير الاقتصادي فيليب كريفيل، من «مركز بحوث سيركل ديبارن»: «نظراً لتقاعد الأجيال الكبيرة التي ولدت في الستينات، من المرجح أن تزداد التوترات في سوق العمل ومشكلات القوى العاملة بسرعة في السنوات المقبلة».

وعلى الرغم من أن عدد الوفيات يفوق عدد المواليد، فقد ارتفع عدد سكان فرنسا بشكل طفيف العام الماضي إلى 69.1 مليون ‌نسمة جرَّاء صافي الهجرة التي قدرها المعهد بما يصل إلى 176 ألف نسمة.


خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
TT

خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)

تنص «المادة 42 - الفقرة السابعة»، من «معاهدة الاتحاد الأوروبي»، على ما يلي: «في حال تعرّضت دولةٌ عضو لعدوانٍ مسلّح على أراضيها، تلتزم الدول الأعضاء الأخرى تقديم العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها، وذلك وفق (المادة 51) من ميثاق الأمم المتحدة».

ومملكة الدنمارك عضو في «الاتحاد الأوروبي»، وبالتالي فإنها تحظى بـ«غطاء (المادة 42 - الفقرة السابعة)»، التي لم تفعّل سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت حينذاك لموجة من الهجمات الإرهابية. بيد أن لجزيرة غرينلاند القطبية، التي يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للاستحواذ عليها؛ إنْ سلماً أو باللجوء إلى القوة العسكرية، وفق ما أكده أكثر من مرة، وضعاً خاصاً؛ ذلك أنها لم تعد جزءاً من «الاتحاد الأوروبي»؛ بسبب نتيجة الاستفتاء الذي جرى في عام 1985 بحيث خسرت الانتماء إلى «الاتحاد الأوروبي» وتحولت إلى منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك مع استمرار الروابط الدستورية والدفاعية بين الطرفين.

ورغم ذلك، فإن دول «الاتحاد الأوروبي» تعدّ نفسها معنية مباشرة بمصير غرينلاند؛ لسببين رئيسيين: الأول أن السيادة عليها تعود إلى الدنمارك؛ العضو في «الاتحاد الأوروبي». والثاني بسبب انتماء الدنمارك إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» الذي تنتمي إليه غالبية النادي الأوروبي، وبالتالي؛ فإنها تتمتع، كما الجزيرة القطبية، بضمانة «المادة الخامسة» بعكس «المادة 42 - الفقرة السابعة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافة الثلاثاء قبل توجهه إلى مدينة ديترويت بولاية ميتشغان (رويترز)

حتى اليوم، اكتفى «الاتحاد الأوروبي» بالتصريحات؛ أبرزها جاء في بيان مشترك من 7 دول؛ هي: فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، وبولندا، والدنمارك، وأيضاً بريطانيا (من خارج الاتحاد)، يشدد على المبادئ الأساسية للقانون الدولي (احترم سيادة الدول وسلامة أراضيها، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز تغيير الحدود بالقوة...). والأهم أن البيان شدد على أن غرينلاند «تنتمي إلى شعبها»، وأنه «يعود إلى الدنمارك وغرينلاند وحدهما البتّ في المسائل التي تخصهما» مع التركيز على أهمية المحافظة على أمن القطب الشمالي وعلى دور «الحلف الأطلسي» في ذلك. وصدر عن «المفوضية الأوروبية» بيان شبيه ببيان «مجموعة السبع» هذه، التي تضم الدول الأوروبية الرئيسية السبع.

ترمب: الاستحواذ على غرينلاند «حاجة نفسية»

بكلام آخر، لم يتضح مطلقاً أن للأوروبيين خطة ما في مواجهة أطماع ترمب، الذي يبرر رغبته هذه بمنع الصين وروسيا من السيطرة على غرينلاند مما سيشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، مع إشارته إلى حاجة بلاده إلى ما يختزنه باطن الجزيرة من «معادن نادرة». ولم يتردد ترمب في تأكيد أنه يأمل إنهاء هذا الملف «خلال شهرين»، وأنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار «بين الاستحواذ على الجزيرة، ومصير (حلف الأطلسي)»، في إشارة إلى التحذيرات الأوروبية التي نبهته إلى «انهيار الحلف» في حال أقدم على تنفيذ خطة الاستيلاء.

كل ما سبق استوعبه الأوروبيون. لكن ما فاجأهم ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 7 يناير (كانون الثاني) الحالي من تصريحات لترمب، في مقابلة طويلة استمرت ساعتين... فقد سُئل عن سبب عدم اكتفائه بإرسال مزيد من القوات الأميركية إلى غرينلاند، الأمر المتاح قانوناً بموجب اتفاق سابق مع الدنمارك، إذا كان هدفه التصدّي للتهديدات الأجنبية، فكان رده أنه لن يشعر بالارتياح ما لم يكن مالكاً للجزيرة. وقال ما حرفيته: «هذا ما أشعر أنه مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح. أعتقد أن الملكية تمنحك أشياء لا يمكنك الحصول عليها؛ سواء عبر عقد إيجار ومعاهدة. الملكية تمنحك أموراً وعناصر لا يمكنك الحصول عليها بمجرد توقيع وثيقة، حتى لو كانت لديك قاعدة عسكرية». كذلك، فإن محللين أوروبيين يرون أن ترمب يريد أن يحفر اسمه إلى جانب الرؤساء الأميركيين الذين نجحوا في توسيع رقعة الأراضي الأميركية.

الخيارات الأوروبية: الدبلوماسية أولاً

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن الأوروبيين «يجدون أنفسهم في وضع صعب، وعاجزين عن إيجاد وسيلة للوقوف في وجه رغبات ترمب؛ بسبب حاجتهم إليه في ملفَي أوكرانيا و(حلف الأطلسي). من هنا، فإنهم يسعون إلى اتباع استراتيجية مزدوجة تقوم، من جهة، على محاولة إقناعه بأنه يستطيع تحقيق كل رغباته من غير الحاجة إلى ضم أو احتلال غرينلاند. ومن جهة ثانية، يركزون على الأضرار المترتبة على (مغامرته)؛ إن على صعيد احترام المبادئ الدولية، أو مصير (حلف الأطلسي)، أو العلاقة بالدول الأوروبية، فضلاً عن توفير الحجج لدول أخرى مثل روسيا والصين للاحتذاء بما قد يقدم عليه ترمب».

الواضح أن الطرف الأوروبي لا يرغب مطلقاً في مواجهة واشنطن، وأنه يراهن على السبل الدبلوماسية لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية، من خلال التذكير بأن «معاهدة الدفاع الأميركية - الدنماركية»، القائمة منذ عام 1951، التي جرى تحديثها في 2004، تسمح أصلاً بتوسيع كبير للوجود العسكري الأميركي على الجزيرة، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة.

من جانب آخر، يدفع الأوروبيون باتجاه عدّ أن مسؤولية الدفاع عن غرينلاند وعن أمن القطب الشمالي تقع على عاتق «حلف الأطلسي» الذي تتزعمه واشنطن. وبمعنى ما، يريد الأوروبيون، ومعهم مارك روته، الأمين العام لـ«حلف الأطلسي»، سحب البساط الأمني من تحت رجلَي ترمب، فيما سلطات كوبنهاغن وغرينلاند تؤكد انفتاحها على أي استثمارات أميركية في الجزيرة القطبية. كذلك يسعى الأوروبيون إلى إقناع سكان غرينلاند بأنهم قادرون على ضخ استثمارات توازي أو تتقدم على وعود الاستثمارات التي يغدقها ترمب وفريقه عليهم. وتخوف الأوروبيين عنوانه احتمال أن يختار السكان الانفصال عن الدنمارك في استفتاء مقبل؛ مما يسهل «مهمة الإغراء التِّرَمْبِيَّة». ووفق مشروع أولي لـ«المفوضية الأوروبية»، فإن «بروكسل» تقترح مضاعفة المنحة السنوية المعطاة لغرينلاند.

ركاب طائرة حطت في مطار نوك عاصمة غرينلاند الاثنين (أ.ب)

عقوبات وانتشار عسكري

إذا تبين للأوروبيين أن الإقناع والتحذير لا يكفيان، فإن كثيرين يدعون إلى رفع سلاح العقوبات الاقتصادية في وجه واشنطن، مذكرين بأن «الاتحاد» يمثل الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للولايات المتحدة، ويشكل سوقاً من 450 مليون مستهلك. وبفضل ما سبق، يستطيع الأوروبيون التأثير على الاقتصاد الأميركي؛ لا بل الذهاب إلى فرض عقوبات عليه، وصولاً إلى التهديد بإجراءات «انتقامية» تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، ومنع الأوروبيين من شراء السندات الحكومية الأميركية، وحتى استخدام ما تسمى «أداة مكافحة الإكراه» في «الاتحاد الأوروبي» التي تمنح «المفوضية الأوروبية» صلاحية حظر السلع والخدمات الأميركية في سوق «الاتحاد»، وفرض رسوم جمركية، وسحب حقوق الملكية الفكرية، ومنع الاستثمارات... بيد أن هذه الإجراءات ثنائية النصل؛ إذ إنها تصيب الاقتصاد الأوروبي في الصميم؛ بسبب التداخل بين الطرفين، وبالنظر إلى أن أي إجراءات سيكون الرد الأميركي عليها سريعاً. وللتذكير؛ فإن ترمب نجح في فرض اتفاقية تجارية على «الاتحاد الأوروبي» تتضمن فرض رسوم بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية. وليس مؤكداً أن كل الدول الأوروبية ستوافق على عقوبات من هذا النوع.

إذا كان «آخر الدواء الكَيّ»، فإن المتاح لأوروبا استباق أي محاولة أميركية، بنشر قوة عسكرية أوروبية في غرينلاند، بحيث تعدّ ورقة ضمانات للجزيرة القطبية، ولتضع واشنطن في وضع حرج؛ حيث على قواتها أن تقاتل قوة «أوروبية - أطلسية». وهذا الخيار طرحه وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، العام الماضي، وتبنته الحكومة الألمانية، وذكره مفوض الدفاع في «الاتحاد الأوروبي»، آندريوس كوبيليوس، الاثنين، حيث أشار إلى أن «الاتحاد» قادر على توفير مزيد من الأمن لغرينلاند إذا طلبت الدنمارك ذلك، بما في ذلك إرسال قوات وبنية تحتية عسكرية، مثل السفن الحربية، وقدرات لمكافحة الطائرات المسيّرة.

تجد أوروبا نفسها أمام «حائط» أميركي صعب الاجتياز، وأن «امتحان غرينلاند» ستكون له، دون شك، تبعات كبيرة على جانبي «الأطلسي»، وعلى مستقبل «الاتحاد الأوروبي»، وعلى كيفية تعزيز قدراته ليدافع على الأقل عن مصالحه وأعضائه.