خيري دومة: من العبث التفكير في نظرية نقدية عربية

فاز بجائزة الدولة التقديرية في مصر لعام 2025

خيري دومة
خيري دومة
TT

خيري دومة: من العبث التفكير في نظرية نقدية عربية

خيري دومة
خيري دومة

للناقد والمترجم دكتور خيري دومة حضور ملحوظ في المشهد الثقافي المصري، من خلال مؤلفاته النقدية وترجماته. حصل هذا العام (2025) على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، ومن أحدث مؤلفاته كتاب «سعد مكاوي كاتباً للقصة القصيرة»، الذي يعيد فيه الاعتبار لأحد رموز فن القصة الذين طالهم التهميش والنسيان. هنا حوار معه، عن كتابه الجديد ومؤلفاته النقدية الأخرى:

> كتابك الأحدث «سعد مكاوي كاتباً للقصة القصيرة»، يستعيد نموذج مكاوي في زمن البيست سيلر، وكذا يستعيد القصة القصيرة في زمن الرواية... فهل هو مقاومة للمشهد الإبداعي الراهن؟

- هو أحدث كتبي، وصدر في بداية هذا العام 2025 عن دار المعارف بالقاهرة، لكنه أقدم تجاربي البحثية، لأنه كان في الأصل رسالتي للماجستير، التي قدمتها إلى جامعة القاهرة عام 1989 بإشراف أستاذيّ الراحلين عبد المحسن طه بدر وسيد البحراوي، وناقشها معهما أستاذان كبيران آخران، هما سهير القلماوي وسيد حامد النساج.

ولم أجد في نفسي الجرأة على نشر هذا البحث إلا مؤخراً، وبتشجيع من أصدقائي الذين وجدوا أن قيمته لا تزال حاضرة. لقد تعرض سعد مكاوي لظلم كبير؛ فقد لعب أدواراً مهمة في تطور فن القصة القصيرة العربية، بخاصة في مرحلتها الواقعية ويعد واحداً من أهم الكتاب الذين استوعبوا عالم القرية المصرية وقدموه في إبداعهم. ومجموعته «الماء العكر» واحدة من أهم المجموعات القصصية، سواء في عالمها الذي ينهض على مهمشي القرى الذين لا يملكون أرضاً، الحداد والصياد وصانع البرادع وأبناء الليل... إلخ، أو في بنية هذه المجموعة القائمة على حلقات وصور متصلة منفصلة، وتيمات ومفردات يتردد صداها وتتكرر من قصة لأخرى. كما أن تكوين سعد مكاوي ينطوي على هذا المزيج الخاص بين عناصر من التراث العربي جاءته من والده مدرس اللغة العربية، وعناصر من الثقافة الغربية جاءته من رحلته الدراسية إلى فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية.

> هل هذا الكتاب محاولة لإنصاف سعد مكاوي الذي لم يأخذ حقه من الشهرة مقارنة بعدد من المجايلين له أو اللاحقين عليه؟

- ركز كثيرون من نقاد سعد مكاوي على روايته الفريدة «السائرون نياماً»، وهي تستحق ذلك بالطبع، لكن هذه الرواية الكبيرة لم تكن إلا بلورة لإمكانات كاتب كبير، بناها وطورها بالعمل على فن القصة القصيرة لعقود سبقت صدورها. ولعل من يقرأ قصصاً مثل «الزمن الوغد» و«في خير وسلام» يمكن أن يرى لمحات من فن سعد مكاوي في كتابة القصة القصيرة التي تجاوزت الواقعية في وقت مبكر.

الجوانب التاريخية والتوثيقية في هذا البحث ربما تفوق الجوانب النقدية في أهميتها؛ فرغم تقليدية المدخل الذي اتخذته دراستي إلى عالم سعد مكاوي وبنية قصصه، فإن تسجيل رحلة الرجل وقصصه ومقالاته وجمعها من الدوريات ووضعها في ببليوغرافيا موسعة، ربما ظل الجانب الأهم في هذه الدراسة. أعتقد أنه لا يزال لهذا البحث عن سعد مكاوي وقصته القصيرة قيمته في زمن الرواية. نعم كما لا تزال لعمليات التحقيق والفحص والدرس التفصيلي للنصوص قيمتها أيضاً.

> بوصفك ناقداً ومترجماً لكتاب مهم عن الأنواع الأدبية... كيف ترى حراك الأنواع الأدبية الحالي وسطوة الرواية في مقابل ما يشاع عن تراجع القصة والشعر؟

- عملت لسنوات طويلة على أنواع الأدب، وكان من حصاد هذه السنوات كتابان، أحدهما مؤلّف، وهو «تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1998، والآخر مترجم، وهو مجموعة دراسات جمعتها وأصدرتها في العام نفسه تحت عنوان «القصة، الرواية، المؤلف: دراسات في الأنواع الأدبية المعاصرة». ورغم أنني لم أتبن تماماً منظور توجهات ما بعد الحداثة، التي هاجمت فكرة النوع من أساسها، ولم تر لها قيمة كبيرة في دراسة الأدب وتقييمه، رغم هذا فإن الخلاصة التي انتهيت إليها من قراءة نصوص من أنواع الأدب المختلفة، ومن دراسة العلاقات المركبة أو التداخلات بينها، هي أنك لا تستطيع أن تفاضل بين نوع وآخر، لا تستطيع أن تقول مثلاً إن الرواية أفضل من الشعر، أو مناسبة أكثر لزمننا، لا تستطيع أن تستبعد الشعر أو الدراما أو القصة القصيرة أو غيرها لصالح الرواية.

> لكن هناك من يرى أن الرواية تسيدت المشهد الأدبي كمّاً وكيفاً؟

- لا أحد ينكر بطبيعة الحال المساحة التي احتلتها الرواية في الأدب العربي والعالمي، ولا عمليات التجريب التي لا تتوقف، ولا اكتشاف أرض وتجارب جديدة استطاعت الرواية أن تصل إليها. لكن لا أحد ينكر أيضاً أن مساحة كبيرة من هذه التجارب والاكتشافات الروائية، جاءت من أرض الشعر، والقصة القصيرة، والدراما، والسينما، والآداب الشعبية، والموسيقى والفنون التشكيلية، والرقمية. هي باختصار نتاج واضح لهذا التداخل بين أنواع الأدب والفن المختلفة. أو هي في أحسن تقدير نتاج لمقدرة الفن الروائي غير المحدودة على الاستيعاب.

لكن أنواع الأدب الأخرى لم تتوقف أيضاً عن اكتشاف أراض وتجارب جديدة، ففنون الشعر والقصة والدراما استوعبت تماماً روح السرد السارية في اللغة الإنسانية، وكثير من مجموعات القصص والقصائد لم تخف سعيها الخاص إلى استيعاب عالمنا الغامض المركب، مع الإبقاء على أجزائه منفصلة وروحه منعزلة.

> كيف ترى حركة الترجمة في العصر الحديث بعد عقود من بدء التواصل مع الآخر؟

- عاشت الترجمة إلى العربية مراحل وموجات صعود وهبوط مختلفة في عالمنا العربي الحديث، واقترنت موجات الصعود كثيراً بأسماء أعلام وجدوا في الترجمة قاطرة تقود عالمنا العربي إلى النهضة. بدأت هذه الموجات بما سعى إليه محمد علي وأسرته من نهضة مقيدة بمعرفة ما توصل إليه الغرب، فكانت البعثات ومدارس الترجمة والألسن وما إلى ذلك من مشاريع نعرفها جميعاً، وقد اقترنت الترجمة في هذه الموجة باسم رفاعة الطهطاوي ومدرسة الألسن، وتركت أثرها الواضح على مصر والعالم العربي في القرن التاسع عشر، ويمكنك أن تفكر في أعلام آخرين كثيرين اقترن اسمهم بموجات الصعود هذه، من أمثال طه حسين وجابر عصفور وغيرهما.

> ما الذي يعوق حراك الترجمة في الوطن العربي سواء إلى العربية أو عنها رغم كثرة المؤسسات المهتمة بها مؤخراً؟

- الترجمة ضرورة لكي تكون جزءاً من هذا العالم الذي لا يكف عن التحول، ليس لأننا متخلفون والعالم أكثر تقدماً منا، وإنما هي ضرورة لمزيد من الفهم وتوسيع الأفق ومعرفة موضع أقدامنا في هذا العالم المضطرب، هي ضرورة لأننا نعيش في عالم واحد حقّاً. حركة الترجمة مقترنة حتماً بمكانك بين الأمم، لا لأنك تتعلم عبر الترجمة فحسب، بل لأنك تمارس حضورك وقدرتك على الفهم، والدليل أن الأمم المتقدمة تترجم أضعاف ما تترجمه الأمم الأقل تقدماً. الترجمة مرتبطة حتماً بالصراع المحتدم في عالمنا. الترجمة ضرورة للبقاء. الترجمة إلى العربية تنهض على التعاون أكثر من التنافس بين مؤسسات مختلفة نشأت هنا وهناك خلال السنوات الأخيرة، وكان يجب أن تجعل المشهد الترجمي العربي أكثر تنوعاً، وأن تجعلنا أكثر فهماً للعالم، وأكثر قدرة على التنبؤ بما نحن سائرون إليه. لو كانت هذه المؤسسات تتعاون حقّاً لكنا الآن أكثر قدرة على استيعاب ما يجري في السياسات والحروب والنزاعات المحيطة، التي تخترق يوماً بعد يوم عالمنا العربي الممزق.أما الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، فتواجه صعوبات مختلفة، يرتبط معظمها بأننا لا نجد، وأحياناً لا نعرف، ما نقدمه للعالم من معرفة.

> لك اهتمامات بنظرية ما بعد الاستعمار، كيف ترى تفاعل الآخر الغربي مع أدبنا العربي، وهل ما زال ينتقي الأعمال التي تؤكد له منظوره الاستشراقي القديم عن العرب؟

- نظرية ما بعد الاستعمار، والآداب التي تسلط الضوء عليها، شغلتني لفترة طويلة ولم تزل إلى الآن تحتل مساحة من اهتمامي. وقد تبلور هذا الانشغال في كتابي «عدوى الرحيل» وأيضاً في الكتاب الأساسي الذي ترجمته تحت عنوان «الإمبراطورية ترد بالكتابة» ومقالات أخرى كثيرة عن رواية روبنسون كروزو، وعن صورة العربي في الرواية الغربية، وعن صورة البربري في الكتابات الأوروبية بصفتها تمهيداً آيديولوجياً لحركة الاستعمار. انخرطت في هذا الاهتمام حين كنت في اليابان من 2000 إلى 2004، الفترة التي شهدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) وبعدها غزو أميركا لأفغانستان والعراق، وما دخلت فيه منطقتنا من اضطراب مهول، ناتج عن الأيدي التي سعت إلى ما سمته الفوضى الخلاقة. في تلك الأيام - وما أشبه الليلة بالبارحة - وجدتني من جديد أمام مشهد الاستعمار القديم نفسه، بكل وجوهه العنصرية القبيحة، التي لم يسع المستعمرون الجدد إلى إخفائها. ووجدتني أقرأ من جديد رائعة الطيب صالح من منظور أنها كانت استكشافاً مبكراً لتمزقات المثقفين المستعمَرين التي لم تغادرهم واحتلت أذهانهم وقلوبهم طوال العصر الحديث، ولم يجدوا سبيلاً للفكاك منها فاضطروا للتكيف معها، والبحث عن طريق توفيقي هجين يسمح لهم بالحياة.

حللت الرواية من هذا المنظور، واستكشفت التشابه المرعب بين مصطفى سعيد والراوي والطيب صالح نفسه، ورغم ما يبدو بينهم من اختلاف ظاهري، فإن ثلاثتهم بدوا لي تنويعات على اللحن الممزق نفسه. وفي هذه الأثناء أيضاً تعرفت على كتاب «الإمبراطورية ترد بالكتابة» وترجمته مع مقدمة طويلة، ونشرته في دار أزمنة بالأردن عام 2005.

الترجمة ضرورة لكي تكون جزءاً من هذا العالم الذي لا يكف عن التحول

> بعيداً عن نماذج مثل إدوارد سعيد وإيهاب حسن، لماذا لا يساهم النقاد العرب الذين يعيشون في بلدانهم الأصلية في المشهد النقدي العالمي؟

- في العقود الأخيرة، مع اقترابنا أكثر من التفكير النقدي في العالم، وبتأثير وسائل التواصل وإتاحة الكتب والنظريات بلغات مختلفة على شبكة الإنترنت، صار التفكير النقدي والقضايا المطروحة متقاربة، إن لم تكن متطابقة بين مناطق مختلفة من العالم. وربما صار من العبث أن نفكر في نظرية نقدية عربية، فالنظرية هي النظرية، والأدب هو الأدب في كل مكان من العالم. الاختلاف مرجعه إلى اختلاف الثقافات والموروثات وطبائع اللغات المختلفة، وهذه أشياء يمكن أن تساعد في استكشاف جوانب خاصة من النظريات المطروحة. فما بعد الاستعمار بالنسبة لأدبنا العربي مختلف نسبيّاً عنه في ثقافات أفريقيا ومنطقة الكاريبي والهند وغيرها من مناطق المستعمرات القديمة.

> ما الملامح الأخرى التي يمكن أن يختص بها الأدب العربي وتمنحه خصوصية في الممارسة النقدية؟

- الأمر نفسه يمكن أن نراه في تحققات السرد بضمير المخاطب مثلاً الذي انشغلت به في الأدب العربي عبر كل مراحله وعصوره، وكانت تحققاته في أدبنا مختلفة نسبيّاً عنها في الآداب الأخرى، وحاولت بلورة ذلك في فصول كتابي «أنت»، خصوصاً بالوقوف عند كتاب متفرد لأبي حيان التوحيدي يسيطر عليه خطاب الأنت، وهو كتاب «الإشارات الإلهية»، أو في دراسة مصطلح «الحديث» الذي يسري تأثيره في أنواع مختلفة من الأدب العربي عبر عصوره المختلفة، ويربط بين الأدب العربي القديم والأدب العربي الحديث، وبين الأدب الفردي والرسمي، والأدب الشعبي الجمعي. وربما كانت هذه المادة الأدبية التي اختصت بها اللغة العربية عبر تاريخها هي ما يعطي للنقاد العرب الفرصة أن يقدموا فهمهم الخاص وإسهامهم المتميز في النقد والنظرية العالمية.


مقالات ذات صلة

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي
ثقافة وفنون متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.