احتدام معارك كردفان بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

صراع على خطوط الإمداد والموارد الغنية

لجأت عائلات سودانية نازحة في كردفان إلى ملعب كرة قدم في بلدة كادوقلي بجنوب الإقليم شهر مايو 2025 (أ.ب)
لجأت عائلات سودانية نازحة في كردفان إلى ملعب كرة قدم في بلدة كادوقلي بجنوب الإقليم شهر مايو 2025 (أ.ب)
TT

احتدام معارك كردفان بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

لجأت عائلات سودانية نازحة في كردفان إلى ملعب كرة قدم في بلدة كادوقلي بجنوب الإقليم شهر مايو 2025 (أ.ب)
لجأت عائلات سودانية نازحة في كردفان إلى ملعب كرة قدم في بلدة كادوقلي بجنوب الإقليم شهر مايو 2025 (أ.ب)

​احتدمت المعارك الطاحنة التي اندلعت على مدى الأيام الماضية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، وتتركز حالياً في الأجزاء الغربية من إقليم كردفان الذي تحدُّه كلٌّ من ولايات الخرطوم والنيل الأبيض، ودارفور. وأكدت مصادر محلية أن الطرفين حشدا قوات كبيرة من المقاتلين والعتاد من أجل تحقيق نصر ميداني في هذا الإقليم المهم.

ولإقليم كردفان أهمية استراتيجية كبيرة؛ إذ إنه يربط بين غرب السودان ووسطه وشماله، بالإضافة إلى أنه إقليم غني بموارده الطبيعية؛ حيث توجد معظم حقول النفط فيه، وينتج أيضاً الجزء الأكبر من الصمغ العربي على مستوى العالم، إضافة إلى ثروة حيوانية كبيرة وأراضٍ زراعية بمساحات شاسعة.

وتعد المعارك الجارية حول بلدة أم صميمة القريبة من مدينة الأُبيِّض، أكبر مدن الإقليم، بالنسبة للجيش، خطوة مهمة لفتح الطرق أمام تحركاته باتجاه إقليم دارفور الذي تسيطر عليه بالكامل «قوات الدعم السريع»، باستثناء مدينة الفاشر التي تحاصرها «الدعم السريع» منذ أكثر من عام، بينما يسعى الجيش إلى فك هذا الحصار.

من جانبها تعتبر «قوات الدعم السريع» إقليم كردفان ضمن خطوط دفاعها عن إقليم دارفور، فضلاً عن كونه يوسع مناطق نفوذها في البلاد.

تقاسم الإقليم

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما في إطاحة نظام البشير (أرشيفية- أ.ف.ب)

وظل الطرفان المتحاربان يتبادلان السيطرة على بلدتي أبو قعود وأم صميمة، اللتين تبعدان عن مدينة الأُبيِّض بنحو 40 كيلومتراً، وينشر كلٌّ من الطرفين مقاطع فيديو تبيِّن تفوقه في المعارك، وإلحاق خسائر بخصمه. ولكن تقارير المراقبين تشير إلى أن الطرفين خسرا أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، بالإضافة إلى معدات عسكرية تم تدميرها.

وإذا سيطرت «قوات الدعم السريع» على إقليم كردفان، بما في ذلك مدينة الأُبيِّض، فستكون قد استولت على منطقة جغرافية كبيرة جداً من البلاد، تضم إقليمَي دارفور وكردفان. وكذلك قد تتيح هذه السيطرة لـ«الدعم السريع» التقدم تجاه العاصمة الخرطوم، واستعادة المناطق التي كانت تسيطر عليها منذ بداية الحرب في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

وتسيطر «الدعم السريع» حالياً على 5 محليات في ولاية شمال كردفان، بينما يسيطر الجيش على ثلاث، بينما تدور المعارك على الحدود مع ولاية غرب كردفان التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، باستثناء مدينة بابنوسة.

وفي ولاية جنوب كردفان تسيطر «الدعم السريع» على الأجزاء الشمالية منها، وكذلك تسيطر «الحركة الشعبية» الحليفة لـ«الدعم السريع» على منطقة كاودا الجبلية في الولاية. وفي المقابل يسيطر الجيش على معظم الولاية، بما في ذلك حاضرتها مدينة كادوقلي.

وقال اللواء المتقاعد أمين إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن المعارك المشتعلة في كردفان تهدف في الأساس إلى تأمين السيطرة على الإقليم نفسه، بوصفه منطقة حيوية اقتصادياً، وأيضاً كون الإقليم الأكثر قرباً لدارفور. لذلك يسعى الجيش إلى حرمان «قوات الدعم السريع» من السيطرة على الإقليم الذي يقرِّبها من العاصمة الخرطوم، عبر الطريق البري الرابط بين مدينتي الأُبيِّض وأم درمان –طريق الصادرات– أو الطريق الذي يربط الأُبيِّض بمدينة كوستى في ولاية النيل الأبيض، والمحاور الأخرى.

وأوضح إسماعيل أن «إقليم كردفان يعتبر قاعدة للانطلاق نحو مدينة الفاشر ومناطق أخرى في إقليم دارفور، أي أن من يؤمِّن السيطرة على كردفان يستطيع الوصول إلى الطريق الاستراتيجي الذي يربط بين عدد من المدن المهمة، وهي الأُبيِّض والنهود وأم كدادة والفاشر». وأضاف أنه من مدينة النهود يمكن الانطلاق إلى مدينتي نيالا والجنينة في دارفور، لذلك فإن هذه المعارك لها أهداف عسكرية واقتصادية واجتماعية.

تعزيز أوراق التفاوض

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 (رويترز)

سياسياً، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية، صلاح الدين الدومة، في المعارك المتلاحقة التي تدور في كردفان، استباقاً لقرارات سياسية مرتقبة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن أي تحرك دبلوماسي، وأي جلوس إلى طاولة مفاوضات، لا بد من أن يستندا إلى موقف عسكري لتقوية سند المفاوض على الطاولة. لذلك يسعى الطرفان المتحاربان إلى تحقيق نتائج عسكرية لرفع سقف التفاوض».

من جهة أخرى، قال مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط»، طلب عدم ذكر اسمه، إن «قائد الجيش عبد الفتاح البرهان حدد شروطه لوقف الحرب، وأكد أن المعارك ستستمر حتى القضاء على الميليشيات (قوات الدعم السريع)؛ خصوصاً بعد ما سمَّاه انتصارات الجيش الأخيرة في منطقة أبو قعود».

ويرى بعض المراقبين أن اشتداد المعارك الأخيرة، هو جزء من عمليات استباقية لتحسين الوضع التفاوضي للطرفين في مفاوضات مرتقبة برعاية أميركية وإقليمية، وفق مصادر محلية. ورددت تلك المصادر أن هناك مساعي تقوم بها الإدارة الأميركية لوقف الحرب في السودان وإيجاد حل سياسي للأزمة؛ خصوصاً بعد اللقاء الذي تم مؤخراً في سويسرا، بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ومستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس.


مقالات ذات صلة

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

شمال افريقيا البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

أكد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، أن «النصر قادم» وأن «النصر سيكون حليف الشعب السوداني».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

تحليل إخباري شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

وقعت 5 فصائل مسلحة ذات ثقل اجتماعي مؤثر على ميثاق تحالف «شرق السودان» في محاولة لتشكيل قوة جديدة واستراتيجية تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة

محمد أمين ياسين (نيروبي)
رياضة عربية يخوض المنتخب السوداني أحد أعرق المنتخبات الأفريقية هذه البطولة بينما تتواصل الحرب (أ.ب)

أمم أفريقيا: منتخب السودان يسعى لمواساة شعب غارق في حرب مروعة

جاء محمد النور إلى المغرب لحراسة مرمى منتخب بلاده، السودان، في كأس أمم أفريقيا لكرة القدم، عازماً على مواساة شعبه الجريح الذي يعاني «رعب» حرب أهلية مروعة.

«الشرق الأوسط» (الدار البيضاء)
شمال افريقيا  مجلس الوزراء السوداني عقد أمس جلسته برئاسة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس (سونا)

مجلس الوزراء السوداني يجيز «موازنة 2026 الطارئة» ويصفها بـ«المعجزة»

وصف رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس، مشروع الموازنة الطارئة للعام المالي 2026، التي أقراها مجلس الوزراء يوم أمس (الثلاثاء)، بـ«المعجزة» مشيداً بضبط…

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أ.ب)

«اليونيسف» تحذر من مستوى غير مسبوق من سوء التغذية بين الأطفال في شمال دارفور بالسودان

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، اليوم الثلاثاء، من وجود «مستويات غير مسبوقة وخطيرة» من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور في غرب السودان.

«الشرق الأوسط» (دارفور)

«الوحدة» الليبية: ملتزمون بإبراز نتائج تحقيق طائرة الحداد المنكوبة بشفافية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)
TT

«الوحدة» الليبية: ملتزمون بإبراز نتائج تحقيق طائرة الحداد المنكوبة بشفافية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)

أكد وزير المواصلات الليبي، محمد الشهوبي، اليوم الخميس، أن الوصول إلى الحقيقة في حادثة الطائرة المنكوبة، التي كانت تقل رئيس الأركان في حكومة «الوحدة» الوطنية، محمد الحداد ورفاقه، الذين قضوا في حادث تحطم طائرة بالقرب من العاصمة التركية مساء الثلاثاء الماضي، «مسؤولية وطنية لا بد منها».

ونقلت قناة «ليبيا الأحرار» عن الشهوبي قوله في مؤتمر صحافي، اليوم، حول آخر مستجدات التحقيق في الطائرة المنكوبة: «نسقنا بشكل مباشر مع بريطانيا لتحليل الصندوق الأسود، واستقبلنا سفيرها لمتابعة الإجراءات الفنية». وأضاف الشهوبي موضحاً: «نسقنا مع وزير النقل التركي لدعم مسار التحقيق المشترك للوصول إلى الأسباب الحقيقية للحادث، الذي أودى بحياة رئيس الأركان، محمد الحداد ورفاقه الأربعة، إضافة إلى طاقم فرنسي من شخصين ومضيفة قبرصية يونانية»، مشيراً إلى أنه «لا يمكن التنبؤ بالفترة الزمنية اللازمة لقراءة بيانات الصندوق الأسود، ومؤكداً الالتزام بإبراز نتائج التحقيق للشارع العام بشفافية».

وكانت وزارة الداخلية بطرابلس قد أكدت يوم الجمعة الماضي نقل إجراءات تحليل بيانات الصندوق الأسود الخاص بالطائرة المنكوبة إلى بريطانيا، وذلك بعد اعتذار ألمانيا عن القيام بذلك، بسبب عدم توافر الإمكانات التقنية من أجل التعامل مع هذا النوع من الطائرات (فالكون 50) الفرنسية الصنع.

وتحطمت الطائرة الخاصة التي كانت تقل الفريق أول محمد علي أحمد الحداد وأربعة ضباط آخرين، وثلاثة أفراد من الطاقم، بعد إقلاعها من العاصمة التركية أنقرة، مما أسفر عن مقتل جميع الركاب الذين كانوا على متنها. وكان الوفد الليبي رفيع المستوى في طريق العودة إلى العاصمة الليبية طرابلس، بعد إجراء محادثات في أنقرة تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.

يشار إلى أن الحداد لعب دوراً حاسماً في الجهود الجارية، التي تتوسط فيها الأمم المتحدة، لتوحيد الجيش الليبي. وبهذا الخصوص اعتبر المحلل السياسي، فرج فركاش، أن غياب الحداد بهذا الشكل المفاجئ ومعه عضو لجنة «5+5» العسكرية، الفيتوري غريبيل، «يشكل ضربة كبيرة للمؤسسة العسكرية في غرب ليبيا»، لكون الحداد، وفق قوله، «ليس مجرد قائد عسكري تقليدي، بل شخصية محورية لعبت دوراً أساسياً في محاولات توحيد المؤسسة العسكرية، واحتواء الصراعات المحلية بطرابلس ومحيطها، وبناء علاقات عسكرية متوازنة مع شركاء دوليين، مثل تركيا وإيطاليا والأفريكوم».

وتعاني المؤسسة العسكرية الليبية، منذ عام 2014، من انقسام حاد أثر سلباً على وضع البلاد، وأدى لاشتعال حروب ومناوشات، كانت آخرها حرب طرابلس (2020/2019)، التي انتهت باتفاق وقف إطلاق نار ما زال ساري المفعول برعاية أممية.


البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

أكد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، أن «النصر قادم» وأن «النصر سيكون حليف الشعب السوداني».

وجاء خطاب البرهان بينما تتواصل المعارك الضارية بين الجيش والقوات المساندة له من جهة؛ و«قوات الدعم السريع» وحلفائها في ولاية جنوب كردفان من جهة أخرى.

وهنأ البرهان، في تسجيل مصور من أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم، الشعب السوداني بمناسبة العيد الـ70 لاستقلال السودان، الذي يوافق 1 يناير (كانون الثاني) من كل عام.

وقال في خطابه إن «هذه المعركة معركة الكرامة الوجودية التي نخوضها جميعاً»، مضيفاً: «نؤكد لكم مواطنينا في كل مكان؛ في دارفور وكردفان، أن النصر قادم، وأن السودانيين قادمون إليكم... حتماً سنجتمع هنا مرة أخرى كسودانيين ونحتفل بطرد التمرد والخونة والمرجفين من بلادنا».

وقال قائد الجيش إن «كل من خان وطنه وباعه فلن ينتصر، وجرى وراء سراب الدول التي تتحدث عن أوهام لن تتحقق في هذه الأرض»، وإن الشعب السوداني «مصمم ويؤكد على أنه سينتصر».

وأشار إلى أن «الأبواب لا تزال مشرعة للمصالحة الوطنية، ونرحب بكل من يريد أن ينضم إلى صوت الوطن والحق، وسنعمل جاهدين لنؤسس لدولة الوطن والمواطنة والسلام والعدالة».

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

استقلال ناقص

بدوره، قال رئيس وزراء الحكومة الموازية في البلاد، الموالية لــ«قوات الدعم السريع»، محمد حسن التعايشي، إن «الاستقلال السياسي إنجاز وطني عظيم، لكنه ظل إنجازاً ناقصاً؛ لأنه لم يتحول إلى مشروع وطني جامع يعالج اختلالات السلطة والثروة».

وأضاف في خطابه عشية العيد، الأربعاء، أن «حكومة السلام» جاءت بـ«مشروع وطني معلن لتأسيسٍ تاريخي شامل للدولة السودانية على مبادئ جديدة».

وأوضح أن الحرب في السودان لن تتوقف بحلول جزئية أو معالجات أمنية ضيقة، مشدداً على «أهمية إقامة نظام حكم لامركزي يعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة عبر صياغة عقد اجتماعي جديد وفقاً لدستور مدني ديمقراطي علماني».

وجدد التعايشي التأكيد على مطالب تأسيس جيش واحد ومنظومة أمنية جديدة تخضع للسلطة المدنية.

تجدد المعارك

ميدانياً، نشر أفراد من «قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو من بلدة هبيلا في ولاية جنوب كردفان، يؤكدون فيها إحكام سيطرتهم الكاملة على المنطقة، بعدما راجت أنباء عن استعادتها من قبل الجيش السوداني.

وكانت مصادر محلية أفادت بأن الجيش أحرز تقدماً على محاور القتال في كردفان، وبأن قواته استردت بلدتي كازقيل والرياش، جنوب مدينة الأبيض؛ عاصمة شمال الإقليم.

جنود سودانيون يسيرون بأحد شوارع أم درمان بمناسبة عيد الاستقلال الأربعاء (أ.ب)

وأعلنت «القوة المشتركة»، المتحالفة مع الجيش، تحقيق انتصارات ميدانية كاسحة في محور شمال كردفان. وقالت في بيان: «في إطار العمليات العسكرية، تمكنت قواتنا من التقدم والسيطرة على مناطق كازقيل والحمادي والرياش وهبيلا والدبيبات في شمال وجنوب كردفان». وأضافت: «العمليات أسفرت عن الاستيلاء على عدد من المركبات القتالية والعتاد الحربي، بعد دحر (قوات الدعم السريع)».

وفي السياق، نفت منصات إعلامية تابعة لقوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع»، ما يُتداول من معلومات بشأن فك الحصار عن مدينة الدلنج؛ ثانية كبرى مدن جنوب كردفان، التي تقع تحت سيطرة الجيش السوداني.

وكانت «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، المتحالفة مع «الدعم السريع»، دعت الجيش السوداني إلى تسليم مدينتي الدلنج وكادوقلي؛ عاصمة ولاية جنوب كردفان.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أكثر من 28 شهراً، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف، وتهجير أكثر من 14 مليون شخص من منازلهم.


شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
TT

شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

قبل أيام، وقعت 5 فصائل مسلحة، ذات ثقل اجتماعي مؤثر في شرق السودان، على ميثاق تحالف «شرق السودان»، الذي نأى بنفسه عن الدخول إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد «قوات الدعم السريع».

هذا الموقف الصريح بث «مخاوف جدية» من استغلال هذا الوضع ذريعة من قِبَل بعض الجهات وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة بين مكونات الإقليم، ما يبقي نفوذ القوة بيد مجموعات قبلية عرفت بولائها للسلطة القائمة في بورتسودان.

حسب قيادات سياسية مؤثرة في الإقليم تحدثت لــ«الشرق الأوسط»، فإن المشهد المحلي يظل هشاً، بوجود تكتلين: التحالف الجديد (مجموعة الخمس)، في مقابل تكتل آخر بقيادة ناظر عموم قبيلة الهدندوة، محمد الأمين «ترك»، الحليف الرئيسي للجيش والإسلاميين، مع تموضع «الجبهة الشعبية» وذراعها العسكرية «الأورطة الشرقية»، بقياة الأمين داوود، في تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالية للجيش.

قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

قوات الحركات الموقعة على الميثاق مؤخراً تأسست وتدربت في الأراضي الإريترية، وينتمي معظم أفرادها إلى قبائل وعشائر قومية البجا، وهي: الهدندوة والبني عامر والأمرار والجيملاب والرشايدة. وجميع هذه المكونات تربطها علاقة وثيقة بالرئيس أسياس أفورقي، ومع أن كل هذه الخطوات تمت بتنسيق بين إريتريا والجيش السوداني، فإن ذلك الارتباط يثير قلقاً داخلياً من تمدد النفوذ الإريتري في السودان.

ورأت المصادر، التي فضل بعضها عدم الكشف عن هويته لحساسية القضية، أن التحالف فرض واقعاً جديداً، وإن كان ما زال غير واضح الملامح، إذ استطاع حصد تأييد شعبي «غير مسبوق»، في إشارة إلى التفاعل الكبير مع خطاب قائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم عبد الله، المعروف باسم «عبد الله دنيا».

وعزت المصادر هذا القبول الواسع إلى مخاطبة قضايا قديمة متجددة بخصوص التهميش السياسي والاقتصادي لشرق السودان من قِبَل السلطة المركزية الحاكمة في البلاد، بالإضافة إلى رفض إقحام الإقليم في الحرب الدائرة حالياً، مع أن ثمة مواقف لتيارات أخرى تتحدث عن أن الشرق بأسره يصطف خلف الدولة السودانية وعلى رأسها مؤسسة القوات المسلحة.

حشود تستمع لخطاب قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

ويتخذ الجيش السوداني من بورتسودان، أكبر مدن شرق السودان، عاصمةً بديلةً، وأصبحت مقراً لقائد الجيش ورئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

رفض الحرب

لكن «عبد الله دنيا» في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس «حركة تحرير الشرق» بمنطقة شبوب في مدينة كسلا، وفي مناسبات أخرى متتالية، تحدث بلهجة حاسمة أن حركته ترفض أن يكون إقليم الشرق جزءاً أو وقوداً من حرب لم يتسبب فيها، إذ قال: «دربنا قواتنا لحماية إقليمنا ومواردنا وأراضينا... وأن نحكم أنفسنا بأنفسنا لأننا جديرون بذلك».

مسيرة في بورتسودان مؤيدة للجيش السوداني (أرشيفية - أ.ف.ب)

الظهور القوي لقائد الحركة لقى رواجاً في منصات التواصل الاجتماعي، لكنه أثار المزيد من الجدل بتحديه سلطة الجيش بقوله: «نحن جاهزون ولدينا جيوش جرارة... وسنقتلع حقوقنا بالقوة». وتطرق «دنيا» إلى التنافس الدولي الإقليمي في السيطرة على البحر الأحمر وممراته الحيوية ومواني السودان، وقال: «إن أهل الشرق أصحاب الحق التاريخي، وأي ترتيبات بشأنه يجب أن يكونوا شركاء أساسيين». مشدداً على أن التحالف تعاهد بعدم السماح لأي جهة بإثارة الفتن بين مكونات الشرق وتحويله لساحة للفوضى والاقتتال خدمةً لأجندات خارجية ومصالح ضيقة تحت شعارات زائفة.

وأضاف في خطابه: «نتابع الجهود الرامية عبر (الرباعية الدولية) وجهود المملكة العربية السعودية، ونرى ضرورة عاجلة لإنهاء معاناة الشعب السوداني ووقف نزيف الدم، نرحب بكل مبادرة جادة لتحقيق السلام».

ومنذ سنة 2019 شهدت مدن شرق السودان (القضارف وخشم القربة وبورتسودان وحلفا الجديدة وكسلا) حوادث ومواجهات عنيفة بين مجموعاتٍ من مكونات الإقليم الاجتماعية، وقع ضحيتها العشرات من المدنيين والعسكريين، بتدخل أيادي النظام السابق بعد سقوط الرئيس عمر حسن البشير مباشرةً في مايو (أيار) 2019، بالإضافة للخلافات السياسية حول «اتفاق جوبا» للسلام الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي كان يتضمن مساراً خاصاً بالإقليم.

البرهان وآبي أحمد خلال اجتماع في بورتسودان (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

وكان «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات» بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك، قد قاد حراكاً بالتحالف مع القادة العسكريين، عبر إغلاق ميناء بورتسودان والطرق الرئيسية لخنق الحكومة الانتقالية، برئاسة عبد الله حمدوك، ما مهد الطريق لانقلاب 25 أكتوبر 2021.

تحالف استراتيجي

يعد التحالف الجديد التكتل العسكري والاجتماعي الأكبر الذي يضم شخصيات نافذة لها ثقل قبلي مؤثر في الشرق، أبرزها رئيس مؤتمر البجا، موسى محمد أحمد؛ و«الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» التي يتزعمها محمد طاهر بيتاي، وهو رجل دين له نفوذ واسع ينحدر من قبيلة الجميلاب التي كانت جزءاً من نظارة قبيلة الهدوندة قبل أن تنفصل لنظارةٍ مستقلة، وتتمركز قواته في منطقة همشكوريب شمال شرقي كسلا؛ وقائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم دنيا. هذا التحالف، حسب المصادر السياسية، يمثل محاولة لإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً وميدانياً، بما يضمن رسم معادلة نفوذ قوة جديدة واستراتيجية في الإقليم، لا يمكن تجاوزها، تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة.

ويتمتع الإقليم الشرقي بموقع جغرافي استراتيجي بالغ الحساسية، ويمتلك السوداني ساحل على البحر الأحمر يبلغ أكثر من 853 كيلومتراً، تقع عليه مواني بورتسودان وسواكن، وتتاخم ولاياته الثلاث (القضارف وكسلا البحر والأحمر) كلاً من إريتريا وإثيوبيا ومصر بحدود برية مفتوحة. هذا الموقع يجعل من الإقليم ذا بُعد استراتيجي لهذه الدول، حيث إن أي توترات أمنية وعسكرية تلقي بظلالها مباشرة عليها، إضافة إلى تأثير التوترات الإقليمية بين هذه الدول في ملفات أخرى مثل المواني وسد النهضة، ما يجعل شرق السودان ملفاً أمنياً مهماً.

وقال الناطق الرسمي باسم «تحالف القوى المدنية لشرق السودان»، صالح عمار: «نختلف مع المجموعات العسكرية في حمل السلاح، ونطالب بتكوين جيش واحد يمثل كل السودانيين، لكننا نرحب بأي خطوة تؤدي إلى وحدة أهل الشرق عبر المصالحات والتفكير الإيجابي نحو المستقبل».

وأضاف عمار، وهو مرشح سابق للحكومة الانتقالية لولاية كسلا: «هناك نقاط إيجابية في الخطابات التي قدمها القادة العسكريون لحركات الشرق، برفضهم الحرب والانحياز للسلام، وتأييد مبادرة (الرباعية الدولية) ورفض تفكيك السودان والمطالبة بحقوق الإقليم». وأشار إلى أن هذه المضامين الإيجابية للخطابات وجدت ترحيباً من كل مكونات الشرق والسودان.

مطار بورتسودان (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

ارتباطات إقليمية

ازدياد عدد هذه الحركات لم يأتِ بمعزل عن تفاهمات غير معلنة مع القوات المسلحة السودانية والاستخبارات العسكرية، في سياق ترتيبات أمنية فرضتها الحرب. إضافة إلى تقاطعات إقليمية مع إريتريا، التي سمحت لبعض هذه الحركات باستخدام أراضيها لإقامة معسكرات تدريب وتمركز.

وتتمركز «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة» في منطقة «قرمايكا» داخل الأراضي الإريترية، فيما يوجد كل من «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» و«مؤتمر البجا» في منطقة لوكيب داخل إريتريا، في المقابل، تتخذ «حركة تحرير شرق السودان» مدينة كسلا مقراً لها.

وأثارت العلاقة بين هذه الحركات المسلحة ودولة إريتريا جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، خصوصاً مع تكرار تقارير تتحدث عن تنسيق لوجيستي وأمني، وفتح قنوات اتصال مباشرة، في إطار ما تصفه مصادر إقليمية بأنه «ترتيبات أمن حدودي» في ظل هشاشة الوضع السوداني. وتحتفظ إريتريا بتاريخ طويل من التأثير في ملفات شرق السودان، وتسعى إلى إدارة المخاطر الأمنية على حدودها الغربية، في وقت يخشى فيه سودانيون من أن يؤدي هذا الانخراط إلى تعقيد المشهد وزيادة الاستقطاب داخل الإقليم.

مساندة الجيش

وأعلن نائب رئيس «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة»، جعفر محمد الحسن، إن قوات الجبهة في الأورطة الشرقية استجابت منذ اندلاع الحرب لمساندة الجيش السوداني ضد مشروع «قوات الدعم السريع» في تجريف الدولة السودانية، وأضاف: «أن انحيازنا لمشروع الدولة الوطنية وليس لفكرة الحرب في حد ذاتها، ونحن مع السلام العادل وبندقية واحدة في البلاد وفي إطار ذلك عملنا ترتيبات مع الجيش وأفرادنا يقاتلون إلى جانبه».

وقال: «نحن مع أي شخص يُطالب بحقوقهِ. ويجب الاستماع لكل الأصوات وإدارة حوار معها بدلاً من شيطنتها... إننا نطرح مشروعاً يخاطب قضايا الإقليم جغرافياً، ويتبنى حلولاً من ضمن حل أزمة السودان ككل... إن المخاوف من حصول ارتدادات واستقطاب أمر طبيعي، ولكن نحن مطمئنون إلى أن كل مكونات الشرق الاجتماعية ونظارات قبائل البجا مؤيدة للجيش ولن يسمحوا بأي استقطاب ينسف الاستقرار المجتمعي».

موقف تكتيكي

ورأى مصدر مطلع من تيار آخر في شرق السودان، طلب أيضاً عدم الكشف عن اسمه، أن تحالف «الحركات الخمس» موقف تكتيكي ومناورات سياسية في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، يمكن أن يتغير هذا الموقف في أي لحظة، محذراً من وصول الأوضاع في الشرق إلى نقطة حرجة ما لم يتدارك قادته كيفية التعامل بحكمة لتجاوز خلافاتهم.

وأوضح أن موقف التحالف ليس ضد الجيش السوداني، وحسب تصريحات قادته فإنهم يرفضون جر الشرق إلى الحرب، مشيراً إلى أن قواتهم تأسست لحماية الإقليم من «قوات الدعم السريع» أو أي تدخل خارجي عسكري.

وقال إن التخوف الأكبر أنْ تستغل بعض الجهات الداخلية التطورات الأخيرة، وتحريك أدواتها المحلية بإثارة خطاب الكراهية والعنصرية والاقتتال الأهلي، لتفجير الأوضاع في الشرق، مثلما حدث في سنوات سابقة، بهدف أن تظل مسيطرة على نفوذ القوة في الإقليم. وحسب المصادر ذاتها، تبدو المؤشرات واضحة على أن الوضع في شرق السودان مرشح نحو مزيد من التوترات السياسية وتباين المواقف، لاختلاف أجندات ومصالح الفاعلين من حاملي السلاح. قد لا تصل هذه التوترات إلى المواجهة العسكرية بين المكونات الاجتماعية، لكنها قد تحدث تغيرات كبيرة في «موازين القوى» وإعادة رسم مسارات السلطة بقوى عسكرية وسياسية جديدة.