«قمة ألاسكا» كسرت الجمود وأطلقت مساراً صعباً للتسوية

تنازلات محدودة إقليمياً وأثمان باهظة للضمانات

ترمب وبوتين في آلاسكا (فرانس 24)
ترمب وبوتين في آلاسكا (فرانس 24)
TT

«قمة ألاسكا» كسرت الجمود وأطلقت مساراً صعباً للتسوية

ترمب وبوتين في آلاسكا (فرانس 24)
ترمب وبوتين في آلاسكا (فرانس 24)

تحوّلت «قمة ألاسكا» إلى نقطة فاصلة في الحرب الأوكرانية على الرغم من أنها أشعلت كثيراً من السجالات حول شكل تنظيمها ومجرياتها. ولقد أثارت السجادة الحمراء التي فرشت للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعرض العسكري المتقن للطيران الحربي الذي استقبله في أول زيارة لقاعدة عسكرية أميركية منذ سنوات سنوات طويلة نقاشات أكثر من مضمون الحوارات التي جرت خلف الأبواب المغلقة. وسرعان ما اتضح أن المخاوف الغربية من إحراز بوتين «انتصاراً» في مواجهته المباشرة الأولى مع نظيره الأميركي دونالد ترمب لم تكن الأمر الوحيد الذي يحدد مستقبل الحوار لوضع أسس للتسوية المنتظرة في أوكرانيا. إذ برزت عناصر أكثر أهمية عكستها الحقيقة التي انطلق منها الكرملين وهو يتمسك بشروطه رغم الضغوط الأميركية والتلويح بعقوبات رادعة وخصوصاً الفكرة الجوهرية التي حددت مجريات ونتائج القمة الفريدة من نوعها المتعلقة بإدراك بوتين تماماً أن أولويات ترمب وهو ينظم هذه القمة لا تتوافق تماماً مع أولويات أوروبا وحاجات أوكرانيا.

تباين الأولويات في «قمة ألاسكا» كان الورقة الأقوى التي لعب عليها جيداً فلاديمير بوتين، وهو يطرح رؤيته أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه المقرب، ليس فقط فيما يتعلق بالتسوية المحتملة في أوكرانيا، بل أيضاً حول آليات إعادة الثقة وفتح أبواب التعاون الواسع مع واشنطن، في إطار صفقات كبرى، وأيضاً في إطار الحديث عن مسؤوليات مشتركة عن الأمن والسلم الدوليين.

عناصر القوة والضعف

لقد ذهب «سيد الكرملين» إلى ألاسكا وهو يدرك جيداً عناصر قوته، ولا يتجاهل مناحي ضعفه. وهو يدرك أيضاً أن إدارة ترمب لا تحمل في جعبتها، بخلاف الأوروبيين، هواجس «منع موسكو من تحقيق انتصار». ثم إنه أيضاً لا يحمل وزر اقتطاع نحو خُمس الأراضي الأوكرانية وانتقالها إلى سيطرة الكرملين.

وانعكس هذا الفهم بشكل مباشر في التحضيرات التي سبقت القمة، سواء على صعيد فحص «السيناريوهات» المختلفة مع أركان فريق بوتين وتحضير أفكاره بشكل جيد، أو على الصعيد الميداني من خلال التصعيد القوي الذي سبق القمة بأسابيع، ومهّد الطريق لفرض أمر واقع ميداني جديد لا يمكن تجاهله عند الحديث عن أي انسحابات أو تنازلات إقليمية محتملة.

أربعة مكونات لانتصار بوتين

لا شك أن روسيا احتفلت على طريقتها بإحراز بوتين «انتصاراً كبيراً» في ألاسكا، وعنوَنت الصحف الكبرى وتعليقات مسؤولين بارزين الحدث بوصفه بداية النهاية للمشروع الغربي في أوكرانيا.

أبرز تلك العناصر فكرة تقويض أوهام عزلة روسيا، وفتح الأبواب أمام بوتين ليعود لاعباً رئيسياً في العالم في قضايا الحرب والسلام. وبعدما كان ترمب قبل أسابيع قليلة قد قال إن على بوتين أن يضع جهده في تسوية النزاع في أوكرانيا قبل أن يتوسّط لإنهاء الحرب الإيرانية الإسرائيلية، ها هو يستقبله في قاعدة عسكرية أميركية على السجادة الحمراء ووسط تصفيق واستعراض ترحيبي مثير للطيران الحربي. ثم يجلس معه نحو 3 ساعات لمناقشة شؤون المنطقة والعالم.

بعد هذا الحدث بيومين فقط، استقبل ترمب بعض القادة الأوروبيين مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض ليعرض عليهم خريطة أوكرانيا ومناطق النفوذ الجديدة. كان ذلك إقراراً مهماً بأن التسوية المنشودة ستمر بتنازلات مؤلمة ليس فقط من الجانب الأوكراني، بل ومن جانب الأوروبيين أيضاً.

العنصر الثاني البارز، تجلى في ما كشف عنه من التفاهمات الخفية. إذ تراجع ترمب عن فكرته التقليدية بضرورة التوصل إلى اتفاق لوقف النار في أوكرانيا، وبات يطرح على مسامع القادة الغربيين فكرة بوتين حول «السلام النهائي» الذي لا يُخفي فيه ضرورة «إنهاء الجذور الأصلية للنزاع»، منتقلاً بذلك مرة واحدة ليتبنى قناعة بوتين حول آليات التسوية المحتملة. وهذه نقطة جوهرية، إذ لن يعود بمقدور ترمب لاحقاً أن يقول إنه مستعد لفرض عقوبات على الكرملين لأن الأخير يواصل القتال.

أما العنصر الثالث، فقد تمثل في تبني ترمب أيضاً وجهة النظر الروسية حول المخاوف من أن تلعب أوروبا وأوكرانيا دوراً سلبياً لعرقلة السلام المنشود. وهو أمر عبّر عنه الرئيس الأميركي مباشرة بعد اللقاء في حديثه مع الصحافيين، وخلال اتصالاته مع قادة أوروبيين.

وكان العنصر الأخير الذي ركزت عليه التعليقات الروسية في إطار إبراز «انتصار بوتين» تمثل في بدء الحديث عن صفقات كبرى تم التوافق على ملامحها الأولى خلال اللقاء، بينها إشارات إلى استثمارات مشتركة في القطب الشمالي، وكلام عن تعاون في بناء السفن، وفقاً لمصادر روسية قالت إن قطاع الأعمال الروسي يستعد لانفتاحة كبرى على السوق والاستثمارات الأميركية.

ولا يغيب هنا حديث عن مشاريع استراتيجية في مناطق الشرق الأقصى، واستثمارات مشتركة في قطاع المعادن النادرة، وهذا أمر حيوي للغاية وينعكس مباشرة على آفاق التسوية في أوكرانيا، خصوصاً أن بعض المصادر الروسية تكلمت عن وعود باستثمارات مشتركة في هذا القطاع، ليس فقط داخل أراضي روسيا التي يعترف بها العالم، بل أيضاً في الأقاليم الأوكرانية الواقعة تحت السيطرة الروسية التي ضمتها روسيا بشكل أحادي.

تعهّدات ترمب

مهم هنا التذكير بأن ترمب نفسه كان قد قدم ثلاثة تعهدات للقادة الأوروبيين في اجتماع عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» سبق القمة، هي: وقف القتال، والتحضير للقاء ثلاثي يجمعه مع بوتين والرئيس فولوديمير زيلينسكي، والضمانات الأمنية لاحقاً لأوكرانيا.

التعهد الأول سقط تلقائياً بعدما غيّر ترمب وجهة نظره، واقتنع بموقف بوتين حول مبدأ الهدنة. والتعهد الثاني حصل فيه ترمب على مساحة صغيرة للمناورة، كون بوتين لم يعلن موقفاً محدداً بعد، واللافت هنا أن فريق الكرملين أعلن فور العودة لموسكو أن «موضوع القمة الثلاثية لم يطرح خلال المفاوضات». أما التعهد الثالث فبدا أن بوتين سار فيه خطوة لملاقاة ترمب، عندما أعلن أنه «يؤيد فكرة الرئيس الأميركي حول الضمانات» من دون أن يحدد طبيعة الضمانات المقترحة والأطراف المنخرطة فيها ومستوى هذا الانخراط. وهذا أمر مهم للغاية لأن موسكو تعارض بشكل قوي ضمانات قد تؤدي إلى نشر قوات أوروبية في أوكرانيا، أو تمنح الأوروبيين، عموماً، صلاحيات على خطوط التماس، أو في إطار إعادة تسليح الجيش الأوكراني.

في هذا السياق، ورغم أن ترمب أعلن أنه سوف يشاور الحلفاء في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والجانب الأوكراني، فإنه قد بدا أن هذه المشاورات حملت طابع الإبلاغ، وتقديم طلبات محددة للجانب الأوكراني، بمعنى أنها لم تكن مشاورات تهدف إلى تنسيق المواقف، وتبني خطوات مشتركة لفرض السلام المنشود، أو مواجهة الرؤية الروسية للسلام.

فرصة ثمينة للتسوية

رغم ذلك، تشير النقاشات التي جرت مع الجانب الأوروبي بحضور زيلينسكي، إلى أن الإدارة الأميركية تنطلق من أن «قمة ألاسكا» وفّرت فرصة ثمينة لإيجاد تسوية رغم أنها قد لا تلبي كل تطلعات الأطراف الغربية. إذ إن هذه المرة الأولى منذ اندلاع الحرب وتحولها إلى مواجهة شاملة بين روسيا والغرب، التي تنطلق فيها حوارات تفصيلية حول شكل التسوية المحتملة، من خرائط النفوذ وتقاسم الأراضي، إلى مضمون الضمانات التي يمكن أن تقدم لأوكرانيا، إلى آليات بناء فكرة الأمن الشامل في أوروبا بما يضمن مصالح كل الأطراف.

ذهب «سيد الكرملين» إلى ألاسكا وهو يدرك جيداً عناصر قوته

هذا التطور لم يكن ممكناً قبل القمة الروسية الأميركية. لكن هذا لا يعني أيضاً أن الفرصة الثمينة التي توفرت لا تواجه صعوبات بالغة وقنابل قابلة للانفجار في كل لحظة.

من جانبه، نجح الرئيس الأميركي في تحويل النقاش حول التسوية المنشودة من فكرة «ردع المعتدي»، وفقاً للمفهوم الغربي، ومحاولة إلحاق هزيمة به تحول دون تكرار شن هجمات على أوكرانيا أو على بلدان الجوار الأخرى لروسيا، إلى مناقشة تفصيلية تقرّ بالأمر الواقع الجديد، وتبحث في ترتيبات مستقبلية مقبولة بالحد الأدنى من الأطراف.

وفي هذا الإطار يجري النقاش حالياً حول مبدأ «تبادل الأراضي». وهذا مفهوم غامض في جوهره، لأنه يفترض تنازلات متبادلة من أوكرانيا وروسيا، في حين أن الواقع الميداني يميل بشدة لصالح موسكو التي تسيطر عملياً على خُمس أراضي أوكرانيا، ويتمدّد جيشها في مناطق عدة تتجاوز خطوط التماس والأقاليم التي جرى ضمها رسميا بشكل أحادي.

وضع آلية تبادل

موسكو التي تعلن أنها لن تتراجع أبداً عن مبدأ حماية «الأراضي الروسية الجديدة»، وتطلب شرطاً أساسياً للتسوية وهو انسحاب الجيش الأوكراني من المناطق التي ما زالت خاضعة لسيطرته في إقليم الدونباس، لا تمانع - كما اتضح في ألاسكا - وضع آلية «تبادل» فريدة من نوعها، تقوم على تكريس واقع التقدم الميداني، وتتجلى في انسحابات روسية من مناطق أوكرانية عدة بينها سومي وخاركيف... مقابل إقرار سيطرتها المطلقة على الدونباس وشبه جزيرة القرم ومنطقتي زاباروجيا وخيرسون.

لذلك قوبل اقتراح بوتين في ألاسكا بتجميد القتال في بعض المناطق على خطوط التماس لتسهيل فكرة التبادل هذه بارتياح كبير من جانب ترمب، وعد ذلك تنازلاً روسياً مهماً.

لكن هذه الفكرة محفوفة بالمخاطر، لأنها لا تحظى حتى الآن بقبول من جانب كييف والعواصم الأوروبية. وهي حتى لو مارست واشنطن ضغوطاً لإنجاحها تمهد لسلام هش قابل للانفجار وفقاً لخبراء في كييف.

الضمانات الممنوحة لأوكرانيا

النقطة الثانية المهمة المطروحة حالياً على جدول الأعمال تتعلق بطبيعة الضمانات الممنوحة لأوكرانيا. ولقد عارض الكرملين بشدة أي دور لحلف شمال الأطلسي «ناتو» في أوكرانيا، ورغم تراجع الغرب عموماً عن فكرة ضم أوكرانيا إلى الحلف، فإنه يناقش حالياً أفكاراً تقوم على تبني خيار مشابه للضمانات التي يمنحها البند الخامس في ميثاق الحلف. وهذا الموضوع يحظى بمعارضة شديدة من جانب بوتين. ومع تلميح الرئيس ترمب إلى أن الحلف لن يلعب دوراً في الضمانات المستقبلية لكييف، لكن إشارته إلى رغبة بلدان أوروبية في نشر قوات سلام في ما تبقى من أراضي أوكرانيا، لا تحظى أيضاً بقبول روسي، بسبب مخاوف روسيا من منح صلاحيات لقوات غربية على مقربة من خطوط التماس. وهذا فضلاً عن أن هذه الفكرة قد يجري تطويرها لدعم إعادة تأهيل الجيش الأوكراني وهذا أمر مرفوض روسياً بشكل قطعي أيضاً.

إذن ما زالت التفاصيل تشكل عائقاً مهماً أمام إحراز تقدم ملموس وسريع.

زيلينسكي (آ ب)

أوروبا وزيلينسكي خاسران

الأهم من هذا، بالنسبة إلى موسكو، تكريس فكرة أن «أوروبا خرجت خاسرة» من هذه المواجهة إلى جانب حليفها فولوديمير زيلينسكي، الذي بات مستقبله السياسي في مهب الريح مع الكلام عن ترتيبات جديدة تقود إلى انتخابات رئاسية ونيابية في أوكرانيا.

ووفقاً لتعليق نشرته وكالة «نوفوستي» الرسمية، لم تعد أوروبا قادرة على طرح مبادرة مستقلة تتجاهل الجهود الأميركية، وباتت تتحرك فقط على هامش هذه الجهود وتقوم بردود فعل عليها.

وجهة النظر الروسية تقوم الآن على أن الاستحقاق المقبل، بعد التخلص من زيلينسكي، يجب أن يبدأ بحوار روسي أوروبي شامل ليس على شروط التسوية الأوكرانية، فهذه قد حسمت ملامحها الأولى في البيت الأبيض، لكن حول الترتيبات الأمنية الشاملة في القارة. وهو يشمل رفع القيود والعقوبات ومراعاة مصالح كل الأطراف، ويشمل أيضاً تقديم ضمانات روسية لبلدان القارة بأن موسكو لا تنوي شن هجوم على أي بلد أوروبي في المستقبل.

فرصة لجهود التسويةعموماً، يرى الكرملين وفقاً لتصريحات مسؤولين رافقوا بوتين أن لقاء ألاسكا وفّر فرصة ثمينة لدفع جهود التسوية. ويدخل في هذا الإطار من وجهة نظر موسكو سقوط المطالبة بوقف فوري للنار، والعمل على دفع مفاوضات ثلاثية أو ثنائية لتحديد مسار التسوية المقبل مع الاحتفاظ بفكرتين أساسيتين: لا تنازلات إقليمية ولا تراجع عن مبدأ إنهاء الجذور الأصلية للصراع. ثم إن أي نقاشات مستقبلية حول الضمانات الممنوحة لأوكرانيا يجب أن تناقش وتراعي مصالح روسيا وكل الأطراف الأخرى بما في ذلك أوكرانيا.

واللافت أنه بينما يركز ترمب على جهود ترتيب لقاء ثنائي يجمع بوتين وزيلينسكي ويسبق لقاءً ثلاثياً يشارك به الرئيس الأميركي، فإن تعليقات الكرملين والمسؤولين الروس على الاتصالات الجارية في واشنطن لم تشر إلى موقف موسكو من ترتيب قمة روسية أوكرانية لإنهاء الصراع.

إذ ما زال بوتين، وفقاً لتصريح وزير الخارجية سيرغي لافروف، متمسكاً بموقفه السابق، في أنه لا يمانع اللقاء مع زيلينسكي، لكنه يرى أن ترتيب لقاء من هذا النوع يتطلب تحضيرات جيدة على مستوى الخبراء والوفود المفاوضة. ومن ثم، فإن اللقاء الرئاسي مع زيلينسكي - أو مع من سيخلفه في المنصب - يجب أن يكون للمصادقة على النتائج التي توصلت إليها الوفود المفاوضة... لا لإطلاق عملية التفاوض أصلاً.


مقالات ذات صلة

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسان بطرسبرغ (رويترز) p-circle

الصين تدخل على خط السجال الروسي الياباني... وتذكّر طوكيو بنتائج الحرب العالمية

الصين تدخل على خط السجال الروسي الياباني... وتذكّر طوكيو بنتائج الحرب العالمية وأوكرانيا تهاجم العمق الروسي بـ453 مسيرة.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد مضخات وقود في محطة بنزين في روستوف أون دون بروسيا (رويترز)

محطات وقود بموسكو تحد من المبيعات في ظل نقص الإمدادات

أعادت بعض محطات الوقود في موسكو، فرض قيود على شراء البنزين بسبب نقص الإمدادات المرتبط بهجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة على مصافٍ، وفي ظل طلب موسمي قوي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة بتركيا 8 يوليو 2026 (أ.ب)

هيئات مكافحة الفساد الأوكرانية تُحقق مع مسؤولين بارزين بمكتب زيلينسكي

أفادت هيئات مكافحة الفساد الأوكرانية، الأربعاء، بأنها تقوم بالتحقيق مع مسؤولين بارزين يعملون في مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا المتهم الأوكراني فولوديمير جورافلوف (يمين) يستمع إلى القاضي وهو يعلن قراره بعدم السماح بتسليمه إلى ألمانيا في قاعة محكمة وارسو الإقليمية 17 أكتوبر 2025 (أ.ب)

اعتقال مشتبه به ثانٍ في كرواتيا على صلة بتفجيرات «نورد ستريم»

قال ممثلون للادعاء في ألمانيا، الأربعاء، إن الشرطة في كرواتيا ألقت القبض على مشتبه به ثانٍ متهم بالمشاركة في تفجيرات خطي أنابيب «نورد ستريم» للغاز عام 2022.

«الشرق الأوسط» (برلين)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».