إيران: بيان «جبهة الإصلاحات» يكشف عن واقع الانقسام الداخلي

اشتداد السِّجال حول أزمة الحكم حتى بعد «حرب مع إسرائيل»

شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
TT

إيران: بيان «جبهة الإصلاحات» يكشف عن واقع الانقسام الداخلي

شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية

الخلافات بين التيارين الرئيسين في النظام السياسي الإيراني ليست جديدة، لكن الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، والتوترات المتفاقمة مع الغرب، أعادت إشعالها بشكل ملحوظ، وأفرزت ديناميكيات جديدة عززت هذا التباين. هذا ما برز بوضوح خلال تطورات الأسبوعين الماضيين، رغم الخطاب الرسمي الذي يحرص على التأكيد بأن إيران باتت أكثر وحدة وتلاحماً مما كانت عليه قبل الحرب. ولقد أثارت دعوات «جبهة الإصلاحات» لإحداث تغييرات جذرية في نهج المؤسسة الحاكمة، بما في ذلك التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم وخفض التوتر مع العالم الخارجي، غضباً واسعاً في الأوساط المحافظة، التي اتهمت الموقّعين على البيان بـ«الخيانة».

بزشيكان عقد ثالث اجتماع مع اعضاء جبهة الاصلاحات منذ توليه الرئاسة بعد أيام من انتهاء الحرب مع إسرائيل (الرئاسة الإيرانية)

تزداد في إيران وتيرة الضغوط على «الإصلاحيين» بالتوازي مع تحذير مكتب المرشد الإيراني علي خامنئي لمَن «يكرّرون خطاب الأعداء»؛ الأمر الذي طرح تساؤلات وشكوكاً بشأن صحة ما ردده المسؤولون عن التآزر والوحدة والمصالحة الداخلية.

الرئيس مسعود بزشكيان كان الأكثر إصراراً على تأكيد الوحدة الداخلية؛ تماشياً مع شعاره لتحقيق المصالحة الوطنية. إلا أنه أيضاً كان أول من أفصح عن التباينات في أعلى هرم السلطة بعدما شهدت البلاد تغييرات في أعلى هيئة أمنية تخضع لصلاحيات المرشد علي خامنئي، رغم الدور الرمزي للرئيس الإيراني. فبعد أيام من تعيين علي لاريجاني أميناً لمجلس الأمن القومي، قال بزشكيان لمجموعة من ممثلي وسائل الإعلام: «لا تريدون إجراء مباحثات؟ إذن، ما البديل؟ هل تريدون العودة إلى الحرب؟ لقد جاءوا وضربوا المنشآت النووية، وإذا أصلحناها سيعودون لضربها مجدداً».

أيضاً، حذّر بزشكيان من مواصلة تحدّي القوى الغربية، خصوصاً واشنطن، بقوله: «لا أتصور أننا بالخصومة يمكن أن نصل إلى أي نتيجة... إذا لم تتحاور معهم، فما الذي ستفعله؟ هل تريد أن نحارب؟... لم يقل أحد إنه عندما أتحدث سأذهب لأستسلم». وتعهّد بأنه لن يقوم بأي خطوة دون موافقة وتنسيق مع علي خامنئي، حتى وإن كانت مخالفة لرأيه الشخصي. وأردف: «باعتماد التنسيق لا ينبغي للآخرين الاعتراض، وما يصبّ في مصلحة البلد والشعب يجب تنفيذه».

مقترحات بيان الإصلاحيين أثارت غضب الأوساط المحافظة ضد التيار الإصلاحي وضد روحاني وظريف

بزشيكان يلتقي موظفي الوزارة الخارجية بعد الحرب (الرئاسة الإيرانية)

عاصفة من الانتقادات

أشعلت تصريحات بزشكيان هذه عاصفة من الانتقادات وصلت إلى حد تكرار التهديد الكلاسيكي لنواب البرلمان بطرح الثقة بالرئيس لعدم الأهلية السياسية. هذا وصفه أنصار بزشكيان بـ«سيناريو» الرئيس الإيراني الأول بعد ثورة 1979 أبو الحسن بني صدر، الذي عزله البرلمان من منصبه بعد خلافات مع المرشد الأول الخميني بشأن الحرب الإيرانية - العراقية في الثمانينات. وهو التهديد الذي واجه رؤساء سابقين في إيران، كان آخرهم حسن روحاني أثناء المفاوضات التي انتهت بالاتفاق النووي لعام 2015.

لم تقتصر الردود على نواب البرلمان ووسائل الإعلام المحافظة كصحيفة «كيهان»، بل جاء الرد سريعاً من المكتب السياسي في «الحرس الثوري» على لسان نائب مسؤول الشؤون السياسية، الجنرال عزيز غضنفري الذي قال «أخطاء الرئيس اللفظية تزداد في الأوقات الحرجة... ومجال السياسة الخارجية ليس مكاناً لقول كل الحقائق». وأضاف في مقال نشرته مواقع «الحرس الثوري» أن مجال السياسة الخارجية ليس مكاناً لذكر كل الحقائق... والعبارات غير الدقيقة من المسؤولين رفيعي المستوى تؤثر سلباً في عمل الحكومة وتزيد من صعوبة المهام في المجالين الخارجي والداخلي». وفي تحذير واضح، تابع: «التصريحات غير المدروسة تعود بالضرر الأكبر على الحكومة نفسها، وتجعل عملها في الساحة السياسية المعقدة، أكثر صعوبة».

«الإصلاحيون» يضغطون...

وحتى قبل أن تهدأ عاصفة تصريحات بزشكيان، وجّه الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي صدمة أخرى للساحة السياسية، وانتقد في بيان صريح، البرنامج النووي، ورد على التصريحات الأخيرة للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي قال أخيراً إن على الشعب أن يقترب من القمة، وعليه الصبر حتى حدوث ذلك. أما كروبي، فقال مخالفاً إن «النظام كان يريد أن يصل بالشعب إلى القمة عبر الطاقة النووية، بينما أوصل الأمة إلى قاع الهاوية... على المسؤولين العودة إلى الشعب وتوفير أرضية للإصلاحات الهيكلية القائمة على إرادة الأمة كي تبقى إيران، قبل فوات الأوان». وأبدى أسفه لما وصفه بـ«ابتعاد الناس عن الثورة والنظام بسبب سوء أداء المسؤولين».

وبموازاة كروبي، وجَّه الرئيس الأسبق حسن روحاني رسالة مطولة عبر فيديو نشره على موقعه الرسمي، تناول فيها مختلف جوانب الأوضاع الحالية. وتضمن الفيديو رسائل حساسة عدة مرَّرها بأسلوبه المعتاد، وعلى رأسها دعوته لخفض التوتر مع واشنطن، معتبراً ذلك «واجباً لا خياراً».

وشدَّد روحاني على ضرورة «صياغة استراتيجية وطنية محدثة تعكس إرادة الشعب، تقوم على تنمية البلاد وتعزيز الوحدة الوطنية»، محذراً: «من الاكتفاء بالشعارات من دون إصلاحات عملية لمعالجة الثغرات التي كشفتها الأحداث الأخيرة». وأضاف أن على القوات المسلحة والأجهزة الاستخباراتية التركيز على مهامها الأساسية، بعيداً عن الاقتصاد والدعاية والسياسة.

بدوره، وجَّه محمد جواد ظريف، وزير خارجية حكومة روحاني، وأحد مصمّمي الاتفاق النووي لعام 2015، رسائل مماثلة عبْر مجلة «فورين بوليسي» الأميركية - المؤثرة إيرانياً - دعا فيها لـ«تغيير المنظور والانتقال من نموذج التهديد إلى «نموذج الفرصة». وشدَّد على ضرورة عودة إيران والغرب إلى طاولة المفاوضات.

مع تنوعها، عكست هذه المواقف قلقاً داخلياً من التهديدات بشن حرب جديدة واحتمال تفاقم الأزمة مع الولايات المتحدة والتلويح الإسرائيلي باستهداف المرشد الإيراني ودعوات رئيس الوزراء الإسرائيلي للإيرانيين بالنزول إلى الشارع وتغيير نظام الحكم.

بيان «جبهة الإصلاحات»

من جهة ثانية، جاء بيان بعنوان «المصالحة الوطنية: فرصة ذهبية للتغيير والعودة إلى الشعب»، ليؤكد هذه المخاوف.

البيان تضمن «خريطة طريق» من 11 بنداً، لإحداث تغييرات أساسية في السياسة الخارجية، ومنها التوقف الطوعي عن تخصيب اليورانيوم، وقبول رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والدخول في مفاوضات شاملة مع واشنطن، وخفض التوتر مع الدول الغربية والتعاون مع دول المنطقة، خصوصاً المملكة العربية السعودية.

لكن المقترحات التي جاءت بعد شهرين من حرب مدمرة مع إسرائيل وضربات أميركية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، أثارت غضب الأوساط المحافظة ضد التيار الإصلاحي وضد روحاني وظريف. وبلغت الانتقادات ذروتها مع دخول مكتب المرشد الإيراني على الخط، عبر صحيفة «صوت إيران»، التي حذّرت التيار الإصلاحي من «ملء مخزن ذخيرة أعداء البلاد».

وأضافت الصحيفة في مقال افتتاحي، الثلاثاء، أن «ترديد مزاعم باطلة حول قضايا حساسة، كالنشاط النووي والتخصيب، عبر إعادة إنتاج القائمة التي أملاها الأميركيون، وفي ظل ظروف وقف إطلاق النار، لا يخدم إلا العدو ويبعث فيه الأمل بتحقيق مآربه».

الصحيفة اتهمت مراكز أبحاث أميركية بإطلاق حملة تأثير متعددة الوسائط داخل إيران في أعقاب الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل. وعدَّت أن هدف الحملة «إثارة نقاش داخلي ضد البرنامج النووي الإيراني وترسيخ فكرة أن الطموحات النووية هي مصدر انعدام الأمن لا مصدر الأمن». ورأت أن «عوامل متعددة أسهمت في إفشال المخططات الأميركية الأخيرة، لكن العامل الأهم والأبرز كان وحدة الشعب وتماسكه، وهي النقطة التي يسعى العدو لاستهدافها قبل أي شيء آخر».

وعكس المقال «غضب» أعلى المستويات في إيران في البيان الذي صدر الأحد الماضي، من «جبهة الإصلاحات» التي تشكل خيمة لأكثر من 30 حزباً في التحالف الإصلاحي الداعم للحكومة الحالية. وتعدّ مقرّبة من الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي.

خامنئي خلال مراسم حداد على قادة عسكريين وعلماء قُتلوا في حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل 29 يوليو 2025 (موقع المرشد)

...وهجوم المحافظين

من جهتها، تساءلت صحيفة «كيهان» التابعة لمكتب المرشد الإيراني، ما إذا كان «بيان جبهة الإصلاحات أو الترجمة الفارسية لخطاب نتنياهو». ووصف حسين شريعتمداري، رئيس تحرير الصحيفة وممثل المرشد الإيراني، الموقّعين على بيان «الجبهة» بـ«الطابور الخامس للعدو». وأنه «بعد هزيمة إسرائيل وأميركا، في الحرب التي استمرت 12 يوماً، تبدّد حلمهم المعلن رسمياً بتغيير النظام».

وأدلت بدلوها وكالة «فارس»، أبرز وسائل الإعلام التي يديرها «الحرس الثوري» وتلعب دورها أساسياً في الساحة الإعلامية، فاعتبرت أن كثيرين «يرون أن بيان جبهة الإصلاحات تتماشى مع أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الأخيرة». وأضافت: «البيان لم يتمكن أبداً من جذب انتباه الناس... الرصد الميداني وبيانات شبكة الإنترنت تظهر أنه قد نوقش فقط في الأوساط السياسية... لكن أهمية هذا الموضوع تكمن في أن مواقف هذا التيار غدت واضحة لكثيرين، خاصة في الظروف الأخيرة».

وألقت الوكالة باللوم على مقربين من الرئيس الأسبق محمد خاتمي، على رأسهم الناشط إبراهيم أصغر زاده، الذي يترأس اللجنة السياسية في «جبهة الإصلاحات»، والناطق باسم «الجبهة» الناشط الإصلاحي جواد أمام.

من جهتها، ذكرت صحيفة «وطن امروز» المحافظة أن البيان يشجّع الولايات المتحدة وإسرائيل على شن هجوم عسكري جديد ضد إيران. وأردفت: «في الواقع، قدّمت جبهة الإصلاح من خلال هذا البيان تنظيراً للتراجع والاستسلام، واعتبرت - عن طريق الخطأ - أن التراجع هو الحل للخروج من الوضع الراهن، بل وذهبت إلى حد اتهام النظام بأنّه في حال اندلاع حرب جديدة، فإن مسؤوليتها ستقع على عاتق الجمهورية الإسلامية».

وأدان حزب «مؤتلفة الإسلامية»، أبرز الأحزاب المحافظة وهو التكتل السياسي التقليدي لتجار البازار، بيان «جبهة الإصلاحات». واتهم التيار الإصلاحي بـ«إضعاف الروح المعنوية الوطنية... والاستقطاب الحزبي وخلق انقسام داخلي وإيحاء الضعف واليأس والترويج لمفاوضات شاملة، وإضعاف المؤسسة العسكرية والأمنية، وإرسال رسالة ضعف إلى العدو، وإظهار النظام بمظهر المخطئ وتجاهل الحقائق الإقليمية».

وقال الحزب إن دعوة الإصلاحيين لوقف تخصيب اليورانيوم، والتعاون التام مع الوكالة الذرية والجلوس على طاولة مفاوضات شاملة مع واشنطن «تطالب عملياً بنزع السلاح الاستراتيجي لإيران. بينما أظهرت تجربة الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوماً أن الأعداء لا يفكرون إلا في تقسيم وتدمير استقلال البلاد».

ورأى الحزب أن «تجاهل دعم محور المقاومة وحتى طرح تطبيع العلاقات مع أميركا، ابتعاد واضح عن مبادئ الثورة والمرشد، ويؤدي عملياً إلى تقوية الكيان الصهيوني... واقتراح مفاوضات مباشرة مع أميركا وتعليق التخصيب هو تكرار لسياسة (بناء الثقة من جانب واحد) الفاشلة التي ثبتت في تجربة البرنامج النووي ولم تؤد إلا إلى وعود جوفاء وزيادة الضغوط».

واتهم بيان «مؤتلفة»، التيار الإصلاحي بطرح مطالب «غير واقعية وفئوية»، مشيراً على وجه التحديد إلى طلب الإصلاحيين لإلغاء دور مجلس صيانة الدستور في الانتخابات، وحل المؤسسات الموازية وخروج القوات العسكرية من السياسة والاقتصاد». وقال إن هذه الدعوات «تتماشى مع مواقف أميركا والصهيونية، ومصممة لتمكين عودة تيار محدد إلى السلطة»، في إشارة إلى الإصلاحيين. كذلك اتهم الإصلاحيين بالانسجام مع أعداء الخارج لاستخدامهم عبارات مثل «يأس وقلق الشعب» أو «خطر الانهيار التدريجي». وقال البيان إن ذلك «يعكس مباشرة خطاب الأعداء في الظروف الحربية ويعدّ مثالاً على (الطعن من الخلف) للشعب والنظام».

ومن ثم انتقد البيان «الصورة القاتمة» التي قدمتها «جبهة الإصلاحات» من «تجاهل الإنجازات الوطنية والدور البارز للقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات في الحرب التي استمرت 12 يوماً».

أيضاَ انتقادات داخل «المعسكر الإصلاحي»

في المقابل، لم يعبّر سوى حزب إصلاحي واحد وبعض الناشطين الإصلاحيين عن تحفظاتهم إزاء بيان «جبهة الإصلاحات».

إذ ندد حزب «ندا» الإصلاحي المقرب من حلقة كمال خرازي، مستشار المرشد الإيراني، بالبيان. وانتقد النائب المعتدل السابق، علي مطهري حلفاءه «الإصلاحيين»، قائلاً: «حتى لو قبلنا بمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنهم سيطالبون بمطالب جديدة تتعلق بالصواريخ والمنطقة، ولن يتراجعوا حتى نقبل بحكم إسرائيل على المنطقة».

أيضاً احتجّ الناشط السياسي الإصلاحي محمد رضا جلايي بور على البيان، معتبراً أنه «يتناقض مع الواقع الإيراني... وهو في الحقيقة ليس أكثر من قائمة بالآمال والطموحات التي تتبناها جبهة الإصلاح، لكنه يفتقر إلى أي مسار عملي أو خطة واضحة لتحقيق أهداف واقعية».

وانتقد الصحافي الإصلاحي محمد قوجاني، رئيس تحرير صحيفة «سازندكي» الناطقة باسم تيار الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، البيان معتبراً أنه «يضعف حكومة بزشكيان». وحث الإصلاحيين على «التحلّي بالمسؤولية التاريخية والوقوف إلى جانب الرئيس، ودعم مؤسسات السياسة الخارجية والأمن الوطني».

وأخيراً، قال المحلل السياسي الإصلاحي أحمد زيد آبادي في مقال: «من حيث المبدأ، لست ضد مضمون بيان جبهة الإصلاحات الداعي إلى تعليق التخصيب؛ فأنا أتبنى هذا الطرح منذ أكثر من ثلاثين سنة. لكن إصدار البيان في هذا التوقيت كان خطأً؛ لأن أصحاب القرار لن يتأثروا به ما لم يقتنعوا داخلياً، بينما يوفّر البيان ذريعة مثالية للقوى المتشددة لتأليب دعايتها ضد الإصلاحيين».

مفترق طرق

هكذا، تكشف الأزمة التي فجّرها البيان الإصلاحي الأخير عن أن إيران تقف عند مفترق طرق حاسم بين مسارين متناقضين: التصعيد والمواجهة المستمرة، أو التهدئة والانفتاح.

وبينما تصر القوى المحافظة على ربط أي خطاب إصلاحي بتهديد الأمن القومي، يتمسك الإصلاحيون بالدعوة إلى إصلاحات هيكلية ومقاربات دبلوماسية لتخفيف التوترات الخارجية.

إلا أن عمق الأزمة يتجاوز الخلاف حول البرنامج النووي، ليعكس صراعاً عميقاً على هوية الدولة ومستقبلها في ظل تزايد المخاوف من أن استمرار الاستقطاب قد يفتح الباب أمام اهتزاز أركان النظام أو حتى سقوطه.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟