إيران: بيان «جبهة الإصلاحات» يكشف عن واقع الانقسام الداخلي

اشتداد السِّجال حول أزمة الحكم حتى بعد «حرب مع إسرائيل»

شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
TT

إيران: بيان «جبهة الإصلاحات» يكشف عن واقع الانقسام الداخلي

شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية

الخلافات بين التيارين الرئيسين في النظام السياسي الإيراني ليست جديدة، لكن الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، والتوترات المتفاقمة مع الغرب، أعادت إشعالها بشكل ملحوظ، وأفرزت ديناميكيات جديدة عززت هذا التباين. هذا ما برز بوضوح خلال تطورات الأسبوعين الماضيين، رغم الخطاب الرسمي الذي يحرص على التأكيد بأن إيران باتت أكثر وحدة وتلاحماً مما كانت عليه قبل الحرب. ولقد أثارت دعوات «جبهة الإصلاحات» لإحداث تغييرات جذرية في نهج المؤسسة الحاكمة، بما في ذلك التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم وخفض التوتر مع العالم الخارجي، غضباً واسعاً في الأوساط المحافظة، التي اتهمت الموقّعين على البيان بـ«الخيانة».

بزشيكان عقد ثالث اجتماع مع اعضاء جبهة الاصلاحات منذ توليه الرئاسة بعد أيام من انتهاء الحرب مع إسرائيل (الرئاسة الإيرانية)

تزداد في إيران وتيرة الضغوط على «الإصلاحيين» بالتوازي مع تحذير مكتب المرشد الإيراني علي خامنئي لمَن «يكرّرون خطاب الأعداء»؛ الأمر الذي طرح تساؤلات وشكوكاً بشأن صحة ما ردده المسؤولون عن التآزر والوحدة والمصالحة الداخلية.

الرئيس مسعود بزشكيان كان الأكثر إصراراً على تأكيد الوحدة الداخلية؛ تماشياً مع شعاره لتحقيق المصالحة الوطنية. إلا أنه أيضاً كان أول من أفصح عن التباينات في أعلى هرم السلطة بعدما شهدت البلاد تغييرات في أعلى هيئة أمنية تخضع لصلاحيات المرشد علي خامنئي، رغم الدور الرمزي للرئيس الإيراني. فبعد أيام من تعيين علي لاريجاني أميناً لمجلس الأمن القومي، قال بزشكيان لمجموعة من ممثلي وسائل الإعلام: «لا تريدون إجراء مباحثات؟ إذن، ما البديل؟ هل تريدون العودة إلى الحرب؟ لقد جاءوا وضربوا المنشآت النووية، وإذا أصلحناها سيعودون لضربها مجدداً».

أيضاً، حذّر بزشكيان من مواصلة تحدّي القوى الغربية، خصوصاً واشنطن، بقوله: «لا أتصور أننا بالخصومة يمكن أن نصل إلى أي نتيجة... إذا لم تتحاور معهم، فما الذي ستفعله؟ هل تريد أن نحارب؟... لم يقل أحد إنه عندما أتحدث سأذهب لأستسلم». وتعهّد بأنه لن يقوم بأي خطوة دون موافقة وتنسيق مع علي خامنئي، حتى وإن كانت مخالفة لرأيه الشخصي. وأردف: «باعتماد التنسيق لا ينبغي للآخرين الاعتراض، وما يصبّ في مصلحة البلد والشعب يجب تنفيذه».

مقترحات بيان الإصلاحيين أثارت غضب الأوساط المحافظة ضد التيار الإصلاحي وضد روحاني وظريف

بزشيكان يلتقي موظفي الوزارة الخارجية بعد الحرب (الرئاسة الإيرانية)

عاصفة من الانتقادات

أشعلت تصريحات بزشكيان هذه عاصفة من الانتقادات وصلت إلى حد تكرار التهديد الكلاسيكي لنواب البرلمان بطرح الثقة بالرئيس لعدم الأهلية السياسية. هذا وصفه أنصار بزشكيان بـ«سيناريو» الرئيس الإيراني الأول بعد ثورة 1979 أبو الحسن بني صدر، الذي عزله البرلمان من منصبه بعد خلافات مع المرشد الأول الخميني بشأن الحرب الإيرانية - العراقية في الثمانينات. وهو التهديد الذي واجه رؤساء سابقين في إيران، كان آخرهم حسن روحاني أثناء المفاوضات التي انتهت بالاتفاق النووي لعام 2015.

لم تقتصر الردود على نواب البرلمان ووسائل الإعلام المحافظة كصحيفة «كيهان»، بل جاء الرد سريعاً من المكتب السياسي في «الحرس الثوري» على لسان نائب مسؤول الشؤون السياسية، الجنرال عزيز غضنفري الذي قال «أخطاء الرئيس اللفظية تزداد في الأوقات الحرجة... ومجال السياسة الخارجية ليس مكاناً لقول كل الحقائق». وأضاف في مقال نشرته مواقع «الحرس الثوري» أن مجال السياسة الخارجية ليس مكاناً لذكر كل الحقائق... والعبارات غير الدقيقة من المسؤولين رفيعي المستوى تؤثر سلباً في عمل الحكومة وتزيد من صعوبة المهام في المجالين الخارجي والداخلي». وفي تحذير واضح، تابع: «التصريحات غير المدروسة تعود بالضرر الأكبر على الحكومة نفسها، وتجعل عملها في الساحة السياسية المعقدة، أكثر صعوبة».

«الإصلاحيون» يضغطون...

وحتى قبل أن تهدأ عاصفة تصريحات بزشكيان، وجّه الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي صدمة أخرى للساحة السياسية، وانتقد في بيان صريح، البرنامج النووي، ورد على التصريحات الأخيرة للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي قال أخيراً إن على الشعب أن يقترب من القمة، وعليه الصبر حتى حدوث ذلك. أما كروبي، فقال مخالفاً إن «النظام كان يريد أن يصل بالشعب إلى القمة عبر الطاقة النووية، بينما أوصل الأمة إلى قاع الهاوية... على المسؤولين العودة إلى الشعب وتوفير أرضية للإصلاحات الهيكلية القائمة على إرادة الأمة كي تبقى إيران، قبل فوات الأوان». وأبدى أسفه لما وصفه بـ«ابتعاد الناس عن الثورة والنظام بسبب سوء أداء المسؤولين».

وبموازاة كروبي، وجَّه الرئيس الأسبق حسن روحاني رسالة مطولة عبر فيديو نشره على موقعه الرسمي، تناول فيها مختلف جوانب الأوضاع الحالية. وتضمن الفيديو رسائل حساسة عدة مرَّرها بأسلوبه المعتاد، وعلى رأسها دعوته لخفض التوتر مع واشنطن، معتبراً ذلك «واجباً لا خياراً».

وشدَّد روحاني على ضرورة «صياغة استراتيجية وطنية محدثة تعكس إرادة الشعب، تقوم على تنمية البلاد وتعزيز الوحدة الوطنية»، محذراً: «من الاكتفاء بالشعارات من دون إصلاحات عملية لمعالجة الثغرات التي كشفتها الأحداث الأخيرة». وأضاف أن على القوات المسلحة والأجهزة الاستخباراتية التركيز على مهامها الأساسية، بعيداً عن الاقتصاد والدعاية والسياسة.

بدوره، وجَّه محمد جواد ظريف، وزير خارجية حكومة روحاني، وأحد مصمّمي الاتفاق النووي لعام 2015، رسائل مماثلة عبْر مجلة «فورين بوليسي» الأميركية - المؤثرة إيرانياً - دعا فيها لـ«تغيير المنظور والانتقال من نموذج التهديد إلى «نموذج الفرصة». وشدَّد على ضرورة عودة إيران والغرب إلى طاولة المفاوضات.

مع تنوعها، عكست هذه المواقف قلقاً داخلياً من التهديدات بشن حرب جديدة واحتمال تفاقم الأزمة مع الولايات المتحدة والتلويح الإسرائيلي باستهداف المرشد الإيراني ودعوات رئيس الوزراء الإسرائيلي للإيرانيين بالنزول إلى الشارع وتغيير نظام الحكم.

بيان «جبهة الإصلاحات»

من جهة ثانية، جاء بيان بعنوان «المصالحة الوطنية: فرصة ذهبية للتغيير والعودة إلى الشعب»، ليؤكد هذه المخاوف.

البيان تضمن «خريطة طريق» من 11 بنداً، لإحداث تغييرات أساسية في السياسة الخارجية، ومنها التوقف الطوعي عن تخصيب اليورانيوم، وقبول رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والدخول في مفاوضات شاملة مع واشنطن، وخفض التوتر مع الدول الغربية والتعاون مع دول المنطقة، خصوصاً المملكة العربية السعودية.

لكن المقترحات التي جاءت بعد شهرين من حرب مدمرة مع إسرائيل وضربات أميركية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، أثارت غضب الأوساط المحافظة ضد التيار الإصلاحي وضد روحاني وظريف. وبلغت الانتقادات ذروتها مع دخول مكتب المرشد الإيراني على الخط، عبر صحيفة «صوت إيران»، التي حذّرت التيار الإصلاحي من «ملء مخزن ذخيرة أعداء البلاد».

وأضافت الصحيفة في مقال افتتاحي، الثلاثاء، أن «ترديد مزاعم باطلة حول قضايا حساسة، كالنشاط النووي والتخصيب، عبر إعادة إنتاج القائمة التي أملاها الأميركيون، وفي ظل ظروف وقف إطلاق النار، لا يخدم إلا العدو ويبعث فيه الأمل بتحقيق مآربه».

الصحيفة اتهمت مراكز أبحاث أميركية بإطلاق حملة تأثير متعددة الوسائط داخل إيران في أعقاب الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل. وعدَّت أن هدف الحملة «إثارة نقاش داخلي ضد البرنامج النووي الإيراني وترسيخ فكرة أن الطموحات النووية هي مصدر انعدام الأمن لا مصدر الأمن». ورأت أن «عوامل متعددة أسهمت في إفشال المخططات الأميركية الأخيرة، لكن العامل الأهم والأبرز كان وحدة الشعب وتماسكه، وهي النقطة التي يسعى العدو لاستهدافها قبل أي شيء آخر».

وعكس المقال «غضب» أعلى المستويات في إيران في البيان الذي صدر الأحد الماضي، من «جبهة الإصلاحات» التي تشكل خيمة لأكثر من 30 حزباً في التحالف الإصلاحي الداعم للحكومة الحالية. وتعدّ مقرّبة من الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي.

خامنئي خلال مراسم حداد على قادة عسكريين وعلماء قُتلوا في حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل 29 يوليو 2025 (موقع المرشد)

...وهجوم المحافظين

من جهتها، تساءلت صحيفة «كيهان» التابعة لمكتب المرشد الإيراني، ما إذا كان «بيان جبهة الإصلاحات أو الترجمة الفارسية لخطاب نتنياهو». ووصف حسين شريعتمداري، رئيس تحرير الصحيفة وممثل المرشد الإيراني، الموقّعين على بيان «الجبهة» بـ«الطابور الخامس للعدو». وأنه «بعد هزيمة إسرائيل وأميركا، في الحرب التي استمرت 12 يوماً، تبدّد حلمهم المعلن رسمياً بتغيير النظام».

وأدلت بدلوها وكالة «فارس»، أبرز وسائل الإعلام التي يديرها «الحرس الثوري» وتلعب دورها أساسياً في الساحة الإعلامية، فاعتبرت أن كثيرين «يرون أن بيان جبهة الإصلاحات تتماشى مع أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الأخيرة». وأضافت: «البيان لم يتمكن أبداً من جذب انتباه الناس... الرصد الميداني وبيانات شبكة الإنترنت تظهر أنه قد نوقش فقط في الأوساط السياسية... لكن أهمية هذا الموضوع تكمن في أن مواقف هذا التيار غدت واضحة لكثيرين، خاصة في الظروف الأخيرة».

وألقت الوكالة باللوم على مقربين من الرئيس الأسبق محمد خاتمي، على رأسهم الناشط إبراهيم أصغر زاده، الذي يترأس اللجنة السياسية في «جبهة الإصلاحات»، والناطق باسم «الجبهة» الناشط الإصلاحي جواد أمام.

من جهتها، ذكرت صحيفة «وطن امروز» المحافظة أن البيان يشجّع الولايات المتحدة وإسرائيل على شن هجوم عسكري جديد ضد إيران. وأردفت: «في الواقع، قدّمت جبهة الإصلاح من خلال هذا البيان تنظيراً للتراجع والاستسلام، واعتبرت - عن طريق الخطأ - أن التراجع هو الحل للخروج من الوضع الراهن، بل وذهبت إلى حد اتهام النظام بأنّه في حال اندلاع حرب جديدة، فإن مسؤوليتها ستقع على عاتق الجمهورية الإسلامية».

وأدان حزب «مؤتلفة الإسلامية»، أبرز الأحزاب المحافظة وهو التكتل السياسي التقليدي لتجار البازار، بيان «جبهة الإصلاحات». واتهم التيار الإصلاحي بـ«إضعاف الروح المعنوية الوطنية... والاستقطاب الحزبي وخلق انقسام داخلي وإيحاء الضعف واليأس والترويج لمفاوضات شاملة، وإضعاف المؤسسة العسكرية والأمنية، وإرسال رسالة ضعف إلى العدو، وإظهار النظام بمظهر المخطئ وتجاهل الحقائق الإقليمية».

وقال الحزب إن دعوة الإصلاحيين لوقف تخصيب اليورانيوم، والتعاون التام مع الوكالة الذرية والجلوس على طاولة مفاوضات شاملة مع واشنطن «تطالب عملياً بنزع السلاح الاستراتيجي لإيران. بينما أظهرت تجربة الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوماً أن الأعداء لا يفكرون إلا في تقسيم وتدمير استقلال البلاد».

ورأى الحزب أن «تجاهل دعم محور المقاومة وحتى طرح تطبيع العلاقات مع أميركا، ابتعاد واضح عن مبادئ الثورة والمرشد، ويؤدي عملياً إلى تقوية الكيان الصهيوني... واقتراح مفاوضات مباشرة مع أميركا وتعليق التخصيب هو تكرار لسياسة (بناء الثقة من جانب واحد) الفاشلة التي ثبتت في تجربة البرنامج النووي ولم تؤد إلا إلى وعود جوفاء وزيادة الضغوط».

واتهم بيان «مؤتلفة»، التيار الإصلاحي بطرح مطالب «غير واقعية وفئوية»، مشيراً على وجه التحديد إلى طلب الإصلاحيين لإلغاء دور مجلس صيانة الدستور في الانتخابات، وحل المؤسسات الموازية وخروج القوات العسكرية من السياسة والاقتصاد». وقال إن هذه الدعوات «تتماشى مع مواقف أميركا والصهيونية، ومصممة لتمكين عودة تيار محدد إلى السلطة»، في إشارة إلى الإصلاحيين. كذلك اتهم الإصلاحيين بالانسجام مع أعداء الخارج لاستخدامهم عبارات مثل «يأس وقلق الشعب» أو «خطر الانهيار التدريجي». وقال البيان إن ذلك «يعكس مباشرة خطاب الأعداء في الظروف الحربية ويعدّ مثالاً على (الطعن من الخلف) للشعب والنظام».

ومن ثم انتقد البيان «الصورة القاتمة» التي قدمتها «جبهة الإصلاحات» من «تجاهل الإنجازات الوطنية والدور البارز للقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات في الحرب التي استمرت 12 يوماً».

أيضاَ انتقادات داخل «المعسكر الإصلاحي»

في المقابل، لم يعبّر سوى حزب إصلاحي واحد وبعض الناشطين الإصلاحيين عن تحفظاتهم إزاء بيان «جبهة الإصلاحات».

إذ ندد حزب «ندا» الإصلاحي المقرب من حلقة كمال خرازي، مستشار المرشد الإيراني، بالبيان. وانتقد النائب المعتدل السابق، علي مطهري حلفاءه «الإصلاحيين»، قائلاً: «حتى لو قبلنا بمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنهم سيطالبون بمطالب جديدة تتعلق بالصواريخ والمنطقة، ولن يتراجعوا حتى نقبل بحكم إسرائيل على المنطقة».

أيضاً احتجّ الناشط السياسي الإصلاحي محمد رضا جلايي بور على البيان، معتبراً أنه «يتناقض مع الواقع الإيراني... وهو في الحقيقة ليس أكثر من قائمة بالآمال والطموحات التي تتبناها جبهة الإصلاح، لكنه يفتقر إلى أي مسار عملي أو خطة واضحة لتحقيق أهداف واقعية».

وانتقد الصحافي الإصلاحي محمد قوجاني، رئيس تحرير صحيفة «سازندكي» الناطقة باسم تيار الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، البيان معتبراً أنه «يضعف حكومة بزشكيان». وحث الإصلاحيين على «التحلّي بالمسؤولية التاريخية والوقوف إلى جانب الرئيس، ودعم مؤسسات السياسة الخارجية والأمن الوطني».

وأخيراً، قال المحلل السياسي الإصلاحي أحمد زيد آبادي في مقال: «من حيث المبدأ، لست ضد مضمون بيان جبهة الإصلاحات الداعي إلى تعليق التخصيب؛ فأنا أتبنى هذا الطرح منذ أكثر من ثلاثين سنة. لكن إصدار البيان في هذا التوقيت كان خطأً؛ لأن أصحاب القرار لن يتأثروا به ما لم يقتنعوا داخلياً، بينما يوفّر البيان ذريعة مثالية للقوى المتشددة لتأليب دعايتها ضد الإصلاحيين».

مفترق طرق

هكذا، تكشف الأزمة التي فجّرها البيان الإصلاحي الأخير عن أن إيران تقف عند مفترق طرق حاسم بين مسارين متناقضين: التصعيد والمواجهة المستمرة، أو التهدئة والانفتاح.

وبينما تصر القوى المحافظة على ربط أي خطاب إصلاحي بتهديد الأمن القومي، يتمسك الإصلاحيون بالدعوة إلى إصلاحات هيكلية ومقاربات دبلوماسية لتخفيف التوترات الخارجية.

إلا أن عمق الأزمة يتجاوز الخلاف حول البرنامج النووي، ليعكس صراعاً عميقاً على هوية الدولة ومستقبلها في ظل تزايد المخاوف من أن استمرار الاستقطاب قد يفتح الباب أمام اهتزاز أركان النظام أو حتى سقوطه.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.