إعادة الهيكلة تعيد تموضع «سابك» في سباق البتروكيميائيات

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الشركة تراجع تكاليفها استعداداً لتعافٍ عالمي مرتقب

موظفان خلال عملهما في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)
موظفان خلال عملهما في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

إعادة الهيكلة تعيد تموضع «سابك» في سباق البتروكيميائيات

موظفان خلال عملهما في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)
موظفان خلال عملهما في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)

تواجه صناعة البتروكيميائيات العالمية اليوم تحديات جمَّة في ظل التباطؤ الاقتصادي في بعض الأسواق والتقلبات الجيوسياسية والتنامي الكبير في حالة عدم اليقين بسبب الرسوم الجمركية، وبفعل تراجع الطلب وازدياد المنافسة من المنتجين الآسيويين، خصوصاً الصين. هذا الأمر دفع الشركات التي تقلصت هوامش أرباحها إلى اعتماد استراتيجيات وخطط تتيح لها التكيف مع المتغيرات العالمية، واستعداداً لنمو متوقع في سوق البتروكيميائيات العالمي بنسبة 3.5 في المائة هذا العام.

هذا هو حال «الشركة السعودية للصناعات الأساسية»، (سابك)، التي بدورها أعلنت خطة إعادة هيكلة تستهدف تعزيز قدرتها التنافسية عالمياً، وذلك من خلال مراجعة محفظتها الاستثمارية، والتخارج من أنشطة غير استراتيجية، وإغلاق وحدات إنتاجية منخفضة الربحية. إذ شملت الخطة المعلنة مطلع العام الحالي، التخارج من شركة «حديد» أكبر منتج للصلب في الخليج، وبيع حصتها في «ألبا» البحرينية، وإغلاق مصنع في المملكة المتحدة. ورغم أن الشركة تكبّدت خسائر بنحو 5 مليارات ريال (1.33 مليار دولار) في النصف الأول من العام الجاري، فإن هذه الخطوات تمثل ركيزة لإعادة التموضع والتركيز على الابتكار والاستدامة، وتعزيز المرونة المالية استعداداً لمرحلة التعافي.

مقر «سابك» في هيوستن (موقع الشركة الإلكتروني)

تعد «سابك» من أكبر مُصنّعي البتروكيميائيات في العالم، وتلعب دوراً حيوياً في مختلف الصناعات والأسواق. وفي عام 2025، حافظت على مكانتها كثاني أغلى علامة تجارية كيميائية عالمياً، وحازت لقب أقوى علامة تجارية كيميائية عالمياً ضمن أفضل 500 علامة تجارية قيمة، إذ تبلغ قيمة علامتها التجارية 4.93 مليار دولار.

كما أن «سابك» أكبر شركة بتروكيميائيات في السعودية ولها مساهمات مرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي. وحسب بيانات «سابك» الرسمية، أسهمت الشركة بما قيمته 4.4 مليار ريال (1.2 مليار دولار) في الناتج المحلي في 2024، وهو ما يُظهر مدى تأثيرها في الاقتصاد الوطني.

جذور وطنية وتحول تاريخي

هذا التطور يعيد إلى الأذهان بدايات «سابك»، التي تأسست عام 1976 بمرسوم ملكي لمواجهة تحدي استثمار كميات الغاز المصاحب التي كانت تُحرق في الجو وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مضافة. وقد شكّلت تلك الخطوة انطلاقة لمشروع صناعي وطني ضخم غيّر ملامح الاقتصاد السعودي ورسخ مكانة المملكة في قطاع البتروكيميائيات.

بدأت الشركة نشاطها الفعلي مطلع الثمانينات من مدينة الجبيل الصناعية، حيث بُني أول مجمعاتها لإنتاج الميثانول والبولي إيثيلين والحديد والصلب عبر شركات تابعة مثل «الرّازي» و«حديد». ولم تكن هذه المشاريع مجرد مصانع، بل قاعدة متكاملة جمعت بين الغاز والبنية التحتية الصناعية، ووفَّرت آلاف الوظائف للمواطنين.

الانطلاقة العالمية

في عام 1983، انطلق أول صادرات «سابك» إلى الأسواق العالمية، وبعد عام واحد طُرحت 30 في المائة من أسهمها للتداول في السوق السعودية، لتتحول سريعاً إلى ركيزة اقتصادية كبرى ومشروع استراتيجي له وزنه العالمي.

ومع منتصف الثمانينات وبداية التسعينات، توسعت الشركة عبر شراكات مع «شل» و«إكسون موبيل» و«ميتسوبيشي»، مما أتاح لها الوصول إلى أحدث التقنيات وفتح أسواق جديدة. وفي عام 1996، أصبحت «سابك» أكبر شركة مساهمة في الشرق الأوسط، بإيرادات تجاوزت 19 مليار ريال (5.06 مليار دولار)، وصدّرت منتجاتها إلى أكثر من 100 دولة.

موقع صناعي لـ«سابك» في إسبانيا (موقع الشركة الإلكتروني)

مع مطلع الألفية الجديدة، تبنّت «سابك» استراتيجية أكثر جرأة بالتوسع الدولي عبر استحواذات نوعية. ففي 2002، استحوذت على وحدات البتروكيميائيات التابعة لمجموعة «دي إس إم» الهولندية، لتدخل السوق الأوروبية عبر «سابك أوروبا». وبعدها بخمس سنوات، عززت حضورها بشراء قطاع البلاستيك من شركة «جنرال إلكتريك» الأميركية، مما منحها منفذاً مباشراً إلى الأسواق الأميركية والآسيوية، ورسَّخ مكانتها في الصناعات التحويلية المتقدمة.

بلغت «سابك» ذروة نجاحها في 2008، حين حققت أرباحاً صافية تجاوزت 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار)، لتصبح من أكثر شركات البتروكيميائيات ربحية في العالم. ومع انتشار أعمالها في أكثر من 50 دولة، ومراكز أبحاث ومصانع في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، حافظت على موقعها ضمن قائمة «فورتشن غلوبال 500» لسنوات متتالية.

تكامل «أرامكو» و«سابك» لتعزيز المنافسة

في مارس (آذار) 2019، أعلنت «أرامكو السعودية» عن اتفاق لشراء 70 في المائة من أسهم «سابك» من صندوق الاستثمارات العامة، في صفقة بلغت قيمتها نحو 69.1 مليار دولار. أُغلقت الصفقة في يونيو (حزيران) 2020، لتبدأ مرحلة جديدة من التكامل بين النفط الخام والبتروكيميائيات، في وقت كان القطاع يستعد ليكون من أبرز محركات الطلب على النفط مستقبلاً.

لكن مع بداية العقد الحالي، واجهت «سابك» ضغوطاً متزايدة بفعل فائض الطاقة الإنتاجية عالمياً، والتشريعات البيئية، وتقلبات أسعار اللقيم والنفط، مما انعكس على أرباحها. ومع تراكم التحديات، كان خيار إعادة الهيكلة خطوة حتمية لتكييف الشركة مع بيئة السوق الجديدة.

في هذا السياق، أشار كبير مستشاري وزير النفط السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، إلى أن استحواذ «أرامكو» منح «سابك» القدرة على تقليص التكاليف، لتحقيق كفاءة إنتاجية أعلى. وأضاف أن خفض النفقات سيمنحها ميزة تنافسية سعرية خلال الفترة الحالية، كما سيمكِّنها من تعزيز التكامل مع الشركات العالمية لتحقيق أرباح أكبر في المستقبل.

وأوضح الصبان لـ«الشرق الأوسط» أن صناعة البتروكيميائيات العالمية تشهد حالياً مرحلة من الركود وارتفاع فائض الإنتاج، في الوقت الذي ينحسر فيه الطلب العالمي على المنتجات البتروكيميائية. وتابع أن شركة «سابك» كونها جزءاً من منظومة الإنتاج العالمي، تواجه تحديات مشابهة لتلك التي تعاني منها الشركات الأخرى المصدرة إلى مختلف الأسواق.

وأشار إلى أن الفترة الحالية تتيح لـ«سابك» فرصة لمراجعة تكاليفها التشغيلية وتقليصها، بما يساعد على الحد من الخسائر في مختلف مراحل الإنتاج والتسويق.

السهم والقطاع تحت المجهر

وفيما يخص الأداء، أكد رئيس أبحاث الأسهم في «الأهلي المالية» إياد غلام، أن تذبذب سعر سهم الشركة يعد جزءاً من طبيعة قطاع البتروكيميائيات الذي يمر بدورات اقتصادية تتأثر بها الأسعار، مشيراً إلى أن القطاع يشهد عادةً فترات من الارتفاع وأخرى من الانخفاض، تبعاً لتغيرات العرض والطلب.

وبيّن في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن سهم «سابك» انخفض منذ عام 2020 حتى اليوم بنحو 39.2 في المائة، مشيراً إلى أن قاع السهم خلال «جائحة كورونا» كان عند 62 ريالاً، قبل أن يصل في عام 2022 إلى 139 ريالاً، ثم يتراجع تدريجياً إلى نحو 57 ريالاً حالياً.

وأشار إلى أن التراجع الحالي في السهم يعكس تحديات يواجهها القطاع عالمياً، حيث تشهد الأسواق زيادة كبيرة في المعروض، خصوصاً من الصين التي ضخَّت كميات إنتاجية مرتفعة خلال السنوات الثلاث الماضية، ومن المتوقع أن تستمر لعامين إضافيين، في وقت ينمو فيه الطلب بنحو 3 في المائة مقابل زيادة في المعروض تتجاوز 8 في المائة في بعض المنتجات.

وأضاف أن تذبذب أسعار اللقيم والنفط يؤثر بدوره في التكلفة، مما يزيد من صعوبة الأوضاع، لافتاً إلى أن هذه الدورة الاقتصادية تعد أطول من المعتاد بسبب الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب، وأن بعض الشركات الصينية تنتج بكميات كبيرة لتحقيق الاكتفاء الذاتي حتى مع أرباح منخفضة.

وكشف عن أن نسب التشغيل للمصانع انخفضت عالمياً من متوسط 80 إلى 85 في المائة إلى نحو 70 في المائة، كما بدأت شركات كثيرة بالتخلص من أصول تواجه تحديات، خصوصاً في أوروبا، حيث قررت «سابك» في الربع الماضي بيع بعض أصولها هناك بسبب ارتفاع التكاليف وضعف الطلب.

موظف في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)

وتوقّع غلام أن تواجه نتائج الشركة تحديات كبيرة في الأرباع المقبلة، مذكراً بأن «سابك» كانت تحقق في السنوات العشر الماضية أرباحاً سنوية بين 15 و20 مليار ريال، في حين سجلت خسائر بنحو 5 مليارات ريال في النصف الأول من العام الحالي.

وأفاد بأن الشركة تعمل على برنامج طموح لخفض التكاليف بشكل كبير خلال السنوات الخمس المقبلة، مما يمنحها مرونة كبرى في مواجهة التحديات، مشيراً إلى أن هذا التوجه تتبناه أيضاً شركات عالمية أخرى في الفترات الصعبة.

ورجّح غلام استمرار التحديات خلال عامي 2025 و2026، مع إمكانية بدء تعافي القطاع في عام 2027 عند تعادل العرض مع الطلب، مبيناً أن الشركة تتداول حالياً عند مكرَّر قيمة دفترية يقارب 1، مقارنةً بمعدل تاريخي بين 1.4 و1.5، وهو ما يجعلها فرصة جيدة للاستثمار طويل الأجل، رغم صعوبة الأوضاع على المدى القصير.

ختاماً، تعكس التحولات الجارية في «سابك» حجم الضغوط التي يواجهها قطاع البتروكيميائيات عالمياً، والتي تفرض واقعاً جديداً على الشركات الكبرى. وتُعد خطة إعادة الهيكلة التي تتبناها الشركة محاولة استراتيجية لإعادة التكيف، وسيرتبط نجاحها بقدرتها على تحقيق التوازن بين استثماراتها وديناميكيات السوق المتغيرة.


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتراجع وسط ترقب تطورات الحرب والقمة الأميركية - الصينية

الاقتصاد السيدة الأولى للولايات المتحدة ميلانيا ترمب محاطة برئيسة مجموعة بورصة نيويورك لين مارتن (الثالثة من اليمين) والرئيسة التنفيذية لشركة أدفانسد مايكرو ديفايسز ليزا سو (الثانية من اليسار) تدق جرس افتتاح بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط ترقب تطورات الحرب والقمة الأميركية - الصينية

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» خلال تعاملات الأربعاء، تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط وصعود عوائد سندات الخزانة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار الأميركي والوون، وسعر أسهم شركتي «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» في سيول (أ.ب)

«كوسبي» الكوري يفقد زخمه بعد قفزة مبكرة بنحو 2 %

تخلت الأسهم الكورية الجنوبية عن معظم مكاسبها المبكرة خلال تعاملات الأربعاء، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص المخاطر.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد متعاملون في سوق الصرف بكوريا الجنوبية أمام شاشة تعرض الدولار والوون ومؤشر «كوسبي» (رويترز)

الأسهم الآسيوية ترتفع في معظمها بدعم من مكاسب «وول ستريت»

ارتفعت الأسهم الآسيوية في معظمها، يوم الثلاثاء، مدفوعةً بتحسن معنويات المستثمرين بعد صعود الأسهم في «وول ستريت» خلال الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

أسهم التكنولوجيا ترتفع مع تجدد التفاؤل بالذكاء الاصطناعي

ارتفعت أسهم التكنولوجيا يوم الثلاثاء، مدعومةً بتجدد التفاؤل حول الذكاء الاصطناعي، فيما واجهت أسواق الأسهم الأوسع صعوبةً في تحقيق مكاسب تُذكر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

الأسهم الأوروبية تستقر وسط ترقب محادثات محتملة بين واشنطن وطهران

استقرت الأسهم الأوروبية عند افتتاح تعاملات يوم الثلاثاء، في وقت يترقب فيه المستثمرون تطورات محادثات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، فيما ارتفعت أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ثقة المستهلكين الأميركيين تتراجع إلى أدنى مستوى في 4 أشهر خلال سبتمبر

مواطن يتسوق لشراء مواد غذائية في مدينة نيويورك (رويترز)
مواطن يتسوق لشراء مواد غذائية في مدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلكين الأميركيين تتراجع إلى أدنى مستوى في 4 أشهر خلال سبتمبر

مواطن يتسوق لشراء مواد غذائية في مدينة نيويورك (رويترز)
مواطن يتسوق لشراء مواد غذائية في مدينة نيويورك (رويترز)

أظهر مسح نُشر يوم الجمعة تراجع ثقة المستهلكين الأميركيين إلى أدنى مستوى في أربعة أشهر خلال سبتمبر (أيلول)، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع التضخم إلى تآكل القوة الشرائية للأسر.

وقالت جامعة ميشيغان، التي تجري مسوحات دورية لآراء المستهلكين، إن مؤشر ثقة المستهلك انخفض في قراءته النهائية لهذا الشهر إلى 48.1 نقطة، مقارنة مع 51.7 نقطة في أغسطس. ومع ذلك، جاءت القراءة أعلى من التقدير الأولي البالغ 47.8 نقطة، كما تجاوزت توقعات خبراء الاقتصاد الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، والبالغة 47.6 نقطة.

وتراجع المؤشر بنسبة 15 في المائة منذ يناير (كانون الثاني). وأشارت جامعة ميشيغان إلى انخفاض بنحو 10 في المائة في تقييم المستهلكين لأوضاعهم المالية الحالية وتوقعاتهم المالية للعام المقبل، في ظل استمرار تصاعد المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار.

وقالت جوان هسو، مديرة مسوحات المستهلكين: «بشكل عام، تكشف المقابلات عن اتفاق واسع النطاق عبر مختلف الأطياف السياسية على أن التوقعات الاقتصادية قد ضعفت منذ بداية العام».

وأضافت: «بعد الانخفاضات الكبيرة بشكل خاص في مستوى الثقة هذا الشهر، أصبحت ثقة الجمهوريين الآن أقل بنسبة 20 في المائة مما كانت عليه في يناير، فيما تراجعت ثقة الديمقراطيين بنسبة 13 في المائة خلال الفترة نفسها».

وارتفع مقياس المسح لتوقعات المستهلكين بشأن التضخم خلال العام المقبل إلى 4.6 في المائة، مقارنة مع 4 في المائة في أغسطس (آب). وقفزت توقعات التضخم للأشهر الاثني عشر المقبلة من 3.4 في المائة في فبراير (شباط)، أي قبل بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

كما ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى السنوات الخمس المقبلة قليلاً إلى 3.4 في المائة، بعدما استقرت عند 3.3 في المائة لثلاثة أشهر متتالية.


تراجع النفط يخفف ضغوط السندات ويدعم استقرار «وول ستريت»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

تراجع النفط يخفف ضغوط السندات ويدعم استقرار «وول ستريت»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

أسهم تراجع أسعار النفط يوم الجمعة في تخفيف بعض الضغوط التي تراكمت في «وول ستريت»، ما دفع الأسهم الأميركية إلى الارتفاع بشكل طفيف، في وقت ساعد فيه انخفاض أسعار الخام على استقرار عوائد سندات الخزانة.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، متعافياً من سلسلة خسائر استمرت ثلاثة أيام اتسمت بتقلبات حادة، بفعل الارتفاع في عوائد سوق السندات. ولا يزال المؤشر الرئيسي للأسهم الأميركية قريباً من أعلى مستوى قياسي سجله الشهر الماضي، كما يتجه إلى إنهاء أول أسبوع من المكاسب بعد أسبوعين متتاليين من التراجع، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وصعد مؤشر «داو جونز» الصناعي 179 نقطة، أو 0.3 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما ارتفع مؤشر «ناسداك» المجمع 0.4 في المائة.

وتلقت الأسهم دعماً من تراجع سعر خام برنت 1.6 في المائة إلى 98.63 دولار للبرميل. وكانت أسعار النفط قد شهدت تقلبات حادة في ظل حالة عدم اليقين بشأن موعد استئناف تدفقات النفط بحرية من الشرق الأوسط، على خلفية الحرب مع إيران. وتنخفض الأسعار مع تزايد الآمال في التوصل إلى اتفاق قد يتيح إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام ناقلات النفط، قبل أن تعاود الارتفاع مع تجدد الشكوك.

وفي وقت سابق من الأسبوع، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى دفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.20 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007. وساعد تراجع أسعار الخام يوم الجمعة على استقرار العائد عند 5.18 في المائة، وهو المستوى الذي سجله في أواخر جلسة الخميس.

وأدى استقرار العوائد إلى تخفيف بعض الضغوط على الأسواق، إذ إن ارتفاع تكاليف الاقتراض يمكن أن يحد من النشاط الاقتصادي، كما يضغط على أسعار الأسهم وغيرها من الاستثمارات. كما أثارت الزيادة في عوائد السندات عالمياً اضطرابات في الأسواق المالية، وسط مخاوف بشأن ارتفاع التضخم، وضخامة أعباء الديون الحكومية، واستمرار قوة الاقتصاد، إلى جانب عوامل أخرى.

وكان عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات يبلغ 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب مع إيران. وأثرت العوائد المرتفعة بشكل خاص على الأسهم التي تُتداول عند تقييمات مرتفعة، كما ضغطت على أسهم قطاع الذكاء الاصطناعي الذي شهد طفرة خلال السنوات الماضية مدفوعاً بالحماس تجاه هذه التكنولوجيا.

وارتفع سهم «إنفيديا» 0.9 في المائة، بعد انخفاضه 0.4 في المائة في الجلسة السابقة، في أكبر ضغط منفرد على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال تلك الجلسة.

وقفز سهم «أكاماي تكنولوجيز» 12.5 في المائة، مسجلاً أحد أكبر مكاسب السوق، بعدما أعلنت شركة الحوسبة السحابية اتفاقية متعددة السنوات بقيمة 11.6 مليار دولار مع «أنثروبيك»، الشركة المطورة لروبوت الدردشة المدعوم بالذكاء الاصطناعي «كلود».

كما ارتفع سهم «كوستكو هولسيل» 1.3 في المائة، بعدما أعلنت الشركة أرباحاً تجاوزت توقعات المحللين في الربع الأخير، رغم إشارة بعض المحللين إلى تباطؤ نمو عدد أعضائها خلال الفترة نفسها.

وفي أسواق الأسهم العالمية، تباين أداء المؤشرات الأوروبية بعد تحركات أكبر في الأسواق الآسيوية. وارتفع مؤشر «نيكي 225» الياباني 1.3 في المائة، في حين تراجع مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ 1 في المائة.


محافظ بنك إنجلترا: ارتفاع أسعار الطاقة يصعّب إبقاء الفائدة دون تغيير

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

محافظ بنك إنجلترا: ارتفاع أسعار الطاقة يصعّب إبقاء الفائدة دون تغيير

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

قال محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي يوم الجمعة، إن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة سيجعل من الصعب على البنك المركزي إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، في تحذير يعكس تحولاً في لهجته مؤخراً نحو تشديد السياسة النقدية وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ويأتي هذا التحذير في توقيت صعب لرئيس الوزراء آندي بيرنهام ووزير ماليته جون هيلي، اللذين يسعيان إلى الحد من ضغوط تكاليف المعيشة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نبرة إيجابية بشأن الاقتصاد قبل عرض الموازنة المقرر في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، وفق «رويترز».

وعلى خلاف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، لم يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة منذ اندلاع حرب إيران.

لكنّ عدداً من مسؤولي البنك، بينهم بيلي، أشاروا الأسبوع الماضي إلى تزايد مخاوفهم من الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة الناجم عن الحرب، والذي لم تظهر مؤشرات تذكر على انحساره.

وجدد بيلي هذه الرسالة يوم الجمعة، قائلاً خلال مؤتمر الاقتصاد النقدي الذي تستضيفه جامعة أكسفورد: «سيصبح الحفاظ على هذا الموقف أكثر صعوبة كلما استمرت أسعار الطاقة المرتفعة لفترة أطول».

وأضاف أن بنك إنجلترا لا يستطيع تحمل الانتظار حتى تتوافر أدلة كاملة على كيفية انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى توقعات التضخم.

تحول في لهجة لجنة السياسة النقدية

وصف بيلي الأدلة المتاحة حتى الآن بأنها «محدودة نسبياً»، لكنه كرر أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على نطاق أوسع من الأسعار.

وكان بيلي ضمن أغلبية من 6 أعضاء، مقابل 3 في لجنة السياسة النقدية، صوتوا الأسبوع الماضي لإبقاء أسعار الفائدة عند 3.75 في المائة، إلا أن تحولاً واضحاً ظهر في لهجة اللجنة، بعدما أثار بيلي و3 نواب لمحافظ البنك احتمال رفع الفائدة.

وأشارت اثنتان منهم؛ سارة بريدن وكلير لومبارديلي، مجدداً يوم الخميس، إلى اقترابهما من التصويت لصالح زيادة تكاليف الاقتراض، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وما يفرضه من مخاطر على استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف.

وقال بنك إنجلترا الأسبوع الماضي، إن التضخم «سيصل الآن إلى أعلى قليلاً من 4 في المائة في أوائل عام 2027»، أي أكثر من ضعف مستهدفه البالغ 2 في المائة. وقد تجاوز التضخم هذا المستوى المستهدف في جميع الأشهر تقريباً خلال السنوات الخمس الماضية.

وكان بيلي قد قال الأسبوع الماضي إن آفاق الاقتصاد لا تزال شديدة التقلب، بحيث لا يمكن الجزم بما إذا كانت الأسواق محقة في تسعير ما يقرب من 4 ارتفاعات في أسعار الفائدة خلال العام المقبل، مضيفاً أن لجنة السياسة النقدية لم تناقش هذا السيناريو.

لكن المستثمرين سعّروا يوم الجمعة احتمالاً يقارب 80 في المائة لرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة في نوفمبر (تشرين الثاني)، فيما تضمنت منحنى أسعار الفائدة توقعات بأكثر قليلاً من 4 ارتفاعات، بواقع ربع نقطة مئوية لكل منها خلال العام المقبل.

وقال بيلي إن الأوضاع النقدية والمالية في الاقتصاد البريطاني قد أصبحت أكثر تشدداً نتيجة إبقاء بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير خلال الأشهر الأخيرة، مقارنة بالتوقعات التي كانت سائدة قبل حرب إيران، والتي كانت تشير إلى خفض أسعار الفائدة مرتين خلال عام 2026.