إعادة الهيكلة تعيد تموضع «سابك» في سباق البتروكيميائيات

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الشركة تراجع تكاليفها استعداداً لتعافٍ عالمي مرتقب

موظفان خلال عملهما في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)
موظفان خلال عملهما في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

إعادة الهيكلة تعيد تموضع «سابك» في سباق البتروكيميائيات

موظفان خلال عملهما في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)
موظفان خلال عملهما في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)

تواجه صناعة البتروكيميائيات العالمية اليوم تحديات جمَّة في ظل التباطؤ الاقتصادي في بعض الأسواق والتقلبات الجيوسياسية والتنامي الكبير في حالة عدم اليقين بسبب الرسوم الجمركية، وبفعل تراجع الطلب وازدياد المنافسة من المنتجين الآسيويين، خصوصاً الصين. هذا الأمر دفع الشركات التي تقلصت هوامش أرباحها إلى اعتماد استراتيجيات وخطط تتيح لها التكيف مع المتغيرات العالمية، واستعداداً لنمو متوقع في سوق البتروكيميائيات العالمي بنسبة 3.5 في المائة هذا العام.

هذا هو حال «الشركة السعودية للصناعات الأساسية»، (سابك)، التي بدورها أعلنت خطة إعادة هيكلة تستهدف تعزيز قدرتها التنافسية عالمياً، وذلك من خلال مراجعة محفظتها الاستثمارية، والتخارج من أنشطة غير استراتيجية، وإغلاق وحدات إنتاجية منخفضة الربحية. إذ شملت الخطة المعلنة مطلع العام الحالي، التخارج من شركة «حديد» أكبر منتج للصلب في الخليج، وبيع حصتها في «ألبا» البحرينية، وإغلاق مصنع في المملكة المتحدة. ورغم أن الشركة تكبّدت خسائر بنحو 5 مليارات ريال (1.33 مليار دولار) في النصف الأول من العام الجاري، فإن هذه الخطوات تمثل ركيزة لإعادة التموضع والتركيز على الابتكار والاستدامة، وتعزيز المرونة المالية استعداداً لمرحلة التعافي.

مقر «سابك» في هيوستن (موقع الشركة الإلكتروني)

تعد «سابك» من أكبر مُصنّعي البتروكيميائيات في العالم، وتلعب دوراً حيوياً في مختلف الصناعات والأسواق. وفي عام 2025، حافظت على مكانتها كثاني أغلى علامة تجارية كيميائية عالمياً، وحازت لقب أقوى علامة تجارية كيميائية عالمياً ضمن أفضل 500 علامة تجارية قيمة، إذ تبلغ قيمة علامتها التجارية 4.93 مليار دولار.

كما أن «سابك» أكبر شركة بتروكيميائيات في السعودية ولها مساهمات مرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي. وحسب بيانات «سابك» الرسمية، أسهمت الشركة بما قيمته 4.4 مليار ريال (1.2 مليار دولار) في الناتج المحلي في 2024، وهو ما يُظهر مدى تأثيرها في الاقتصاد الوطني.

جذور وطنية وتحول تاريخي

هذا التطور يعيد إلى الأذهان بدايات «سابك»، التي تأسست عام 1976 بمرسوم ملكي لمواجهة تحدي استثمار كميات الغاز المصاحب التي كانت تُحرق في الجو وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مضافة. وقد شكّلت تلك الخطوة انطلاقة لمشروع صناعي وطني ضخم غيّر ملامح الاقتصاد السعودي ورسخ مكانة المملكة في قطاع البتروكيميائيات.

بدأت الشركة نشاطها الفعلي مطلع الثمانينات من مدينة الجبيل الصناعية، حيث بُني أول مجمعاتها لإنتاج الميثانول والبولي إيثيلين والحديد والصلب عبر شركات تابعة مثل «الرّازي» و«حديد». ولم تكن هذه المشاريع مجرد مصانع، بل قاعدة متكاملة جمعت بين الغاز والبنية التحتية الصناعية، ووفَّرت آلاف الوظائف للمواطنين.

الانطلاقة العالمية

في عام 1983، انطلق أول صادرات «سابك» إلى الأسواق العالمية، وبعد عام واحد طُرحت 30 في المائة من أسهمها للتداول في السوق السعودية، لتتحول سريعاً إلى ركيزة اقتصادية كبرى ومشروع استراتيجي له وزنه العالمي.

ومع منتصف الثمانينات وبداية التسعينات، توسعت الشركة عبر شراكات مع «شل» و«إكسون موبيل» و«ميتسوبيشي»، مما أتاح لها الوصول إلى أحدث التقنيات وفتح أسواق جديدة. وفي عام 1996، أصبحت «سابك» أكبر شركة مساهمة في الشرق الأوسط، بإيرادات تجاوزت 19 مليار ريال (5.06 مليار دولار)، وصدّرت منتجاتها إلى أكثر من 100 دولة.

موقع صناعي لـ«سابك» في إسبانيا (موقع الشركة الإلكتروني)

مع مطلع الألفية الجديدة، تبنّت «سابك» استراتيجية أكثر جرأة بالتوسع الدولي عبر استحواذات نوعية. ففي 2002، استحوذت على وحدات البتروكيميائيات التابعة لمجموعة «دي إس إم» الهولندية، لتدخل السوق الأوروبية عبر «سابك أوروبا». وبعدها بخمس سنوات، عززت حضورها بشراء قطاع البلاستيك من شركة «جنرال إلكتريك» الأميركية، مما منحها منفذاً مباشراً إلى الأسواق الأميركية والآسيوية، ورسَّخ مكانتها في الصناعات التحويلية المتقدمة.

بلغت «سابك» ذروة نجاحها في 2008، حين حققت أرباحاً صافية تجاوزت 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار)، لتصبح من أكثر شركات البتروكيميائيات ربحية في العالم. ومع انتشار أعمالها في أكثر من 50 دولة، ومراكز أبحاث ومصانع في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، حافظت على موقعها ضمن قائمة «فورتشن غلوبال 500» لسنوات متتالية.

تكامل «أرامكو» و«سابك» لتعزيز المنافسة

في مارس (آذار) 2019، أعلنت «أرامكو السعودية» عن اتفاق لشراء 70 في المائة من أسهم «سابك» من صندوق الاستثمارات العامة، في صفقة بلغت قيمتها نحو 69.1 مليار دولار. أُغلقت الصفقة في يونيو (حزيران) 2020، لتبدأ مرحلة جديدة من التكامل بين النفط الخام والبتروكيميائيات، في وقت كان القطاع يستعد ليكون من أبرز محركات الطلب على النفط مستقبلاً.

لكن مع بداية العقد الحالي، واجهت «سابك» ضغوطاً متزايدة بفعل فائض الطاقة الإنتاجية عالمياً، والتشريعات البيئية، وتقلبات أسعار اللقيم والنفط، مما انعكس على أرباحها. ومع تراكم التحديات، كان خيار إعادة الهيكلة خطوة حتمية لتكييف الشركة مع بيئة السوق الجديدة.

في هذا السياق، أشار كبير مستشاري وزير النفط السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، إلى أن استحواذ «أرامكو» منح «سابك» القدرة على تقليص التكاليف، لتحقيق كفاءة إنتاجية أعلى. وأضاف أن خفض النفقات سيمنحها ميزة تنافسية سعرية خلال الفترة الحالية، كما سيمكِّنها من تعزيز التكامل مع الشركات العالمية لتحقيق أرباح أكبر في المستقبل.

وأوضح الصبان لـ«الشرق الأوسط» أن صناعة البتروكيميائيات العالمية تشهد حالياً مرحلة من الركود وارتفاع فائض الإنتاج، في الوقت الذي ينحسر فيه الطلب العالمي على المنتجات البتروكيميائية. وتابع أن شركة «سابك» كونها جزءاً من منظومة الإنتاج العالمي، تواجه تحديات مشابهة لتلك التي تعاني منها الشركات الأخرى المصدرة إلى مختلف الأسواق.

وأشار إلى أن الفترة الحالية تتيح لـ«سابك» فرصة لمراجعة تكاليفها التشغيلية وتقليصها، بما يساعد على الحد من الخسائر في مختلف مراحل الإنتاج والتسويق.

السهم والقطاع تحت المجهر

وفيما يخص الأداء، أكد رئيس أبحاث الأسهم في «الأهلي المالية» إياد غلام، أن تذبذب سعر سهم الشركة يعد جزءاً من طبيعة قطاع البتروكيميائيات الذي يمر بدورات اقتصادية تتأثر بها الأسعار، مشيراً إلى أن القطاع يشهد عادةً فترات من الارتفاع وأخرى من الانخفاض، تبعاً لتغيرات العرض والطلب.

وبيّن في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن سهم «سابك» انخفض منذ عام 2020 حتى اليوم بنحو 39.2 في المائة، مشيراً إلى أن قاع السهم خلال «جائحة كورونا» كان عند 62 ريالاً، قبل أن يصل في عام 2022 إلى 139 ريالاً، ثم يتراجع تدريجياً إلى نحو 57 ريالاً حالياً.

وأشار إلى أن التراجع الحالي في السهم يعكس تحديات يواجهها القطاع عالمياً، حيث تشهد الأسواق زيادة كبيرة في المعروض، خصوصاً من الصين التي ضخَّت كميات إنتاجية مرتفعة خلال السنوات الثلاث الماضية، ومن المتوقع أن تستمر لعامين إضافيين، في وقت ينمو فيه الطلب بنحو 3 في المائة مقابل زيادة في المعروض تتجاوز 8 في المائة في بعض المنتجات.

وأضاف أن تذبذب أسعار اللقيم والنفط يؤثر بدوره في التكلفة، مما يزيد من صعوبة الأوضاع، لافتاً إلى أن هذه الدورة الاقتصادية تعد أطول من المعتاد بسبب الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب، وأن بعض الشركات الصينية تنتج بكميات كبيرة لتحقيق الاكتفاء الذاتي حتى مع أرباح منخفضة.

وكشف عن أن نسب التشغيل للمصانع انخفضت عالمياً من متوسط 80 إلى 85 في المائة إلى نحو 70 في المائة، كما بدأت شركات كثيرة بالتخلص من أصول تواجه تحديات، خصوصاً في أوروبا، حيث قررت «سابك» في الربع الماضي بيع بعض أصولها هناك بسبب ارتفاع التكاليف وضعف الطلب.

موظف في «سابك»... (موقع الشركة الإلكتروني)

وتوقّع غلام أن تواجه نتائج الشركة تحديات كبيرة في الأرباع المقبلة، مذكراً بأن «سابك» كانت تحقق في السنوات العشر الماضية أرباحاً سنوية بين 15 و20 مليار ريال، في حين سجلت خسائر بنحو 5 مليارات ريال في النصف الأول من العام الحالي.

وأفاد بأن الشركة تعمل على برنامج طموح لخفض التكاليف بشكل كبير خلال السنوات الخمس المقبلة، مما يمنحها مرونة كبرى في مواجهة التحديات، مشيراً إلى أن هذا التوجه تتبناه أيضاً شركات عالمية أخرى في الفترات الصعبة.

ورجّح غلام استمرار التحديات خلال عامي 2025 و2026، مع إمكانية بدء تعافي القطاع في عام 2027 عند تعادل العرض مع الطلب، مبيناً أن الشركة تتداول حالياً عند مكرَّر قيمة دفترية يقارب 1، مقارنةً بمعدل تاريخي بين 1.4 و1.5، وهو ما يجعلها فرصة جيدة للاستثمار طويل الأجل، رغم صعوبة الأوضاع على المدى القصير.

ختاماً، تعكس التحولات الجارية في «سابك» حجم الضغوط التي يواجهها قطاع البتروكيميائيات عالمياً، والتي تفرض واقعاً جديداً على الشركات الكبرى. وتُعد خطة إعادة الهيكلة التي تتبناها الشركة محاولة استراتيجية لإعادة التكيف، وسيرتبط نجاحها بقدرتها على تحقيق التوازن بين استثماراتها وديناميكيات السوق المتغيرة.


مقالات ذات صلة

تهاوي الأسهم الآسيوية تحت وطأة تصعيد الحرب في الخليج

الاقتصاد يراقب متداولو العملات شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب في سيول (أ.ب)

تهاوي الأسهم الآسيوية تحت وطأة تصعيد الحرب في الخليج

تراجعت الأسهم الآسيوية بشكل ملحوظ خلال تعاملات يوم الخميس، مقتفية أثر الخسائر الحادة في «وول ستريت».

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد متداولون يقفون قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» الكوري في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)

أسواق آسيا تتنفس الصعداء قبيل قرار «الفيدرالي»

شهدت الأسواق الناشئة في آسيا ارتفاعاً ملحوظاً يوم الأربعاء، مدفوعة بمكاسب قوية في قطاع التكنولوجيا في كل من كوريا الجنوبية وتايوان.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مؤشر الأسهم الألماني «داكس» على شاشة كبيرة في غرفة التداول ببورصة فرانكفورت (د.ب.أ)

هدوء حذر للأسهم الأوروبية وسط مخاوف من الأضرار الاقتصادية للحرب

لم تشهد الأسهم الأوروبية تغيراً يُذكر يوم الثلاثاء، إذ ظلّ المستثمرون يقيّمون الأضرار الاقتصادية المحتملة الناجمة عن استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مستثمران يتابعان تحركات سهم «أرامكو» في السوق السعودية (رويترز)

مؤشر السوق السعودية يغلق مرتفعاً قبل عطلة عيد الفطر

أغلق مؤشر السوق السعودية مرتفعاً في آخر جلسات التداول قبل عطلة عيد الفطر التي تستمر أسبوعاً، في وقت حافظت فيه على أداء أفضل مقارنة بمعظم أسواق الخليج.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يتابع تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

سوق الأسهم السعودية تتراجع بضغط من قطاع البنوك

تراجعت سوق الأسهم السعودية في مستهل تعاملات اليوم (الأحد) بفعل من قطاع البنوك، لتتخلى بذلك عن جزء من المكاسب التي حققتها الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مسؤولان في «الفيدرالي»: الحرب الإيرانية تُلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

مسؤولان في «الفيدرالي»: الحرب الإيرانية تُلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

قال مسؤولان في «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الجمعة، إن الحرب الإيرانية وتأثيرها على أسواق الطاقة تُلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية والسياسات النقدية، حيث عرض أحد صناع السياسات توقعات تدعو إلى خفض أسعار الفائدة بشكل ملحوظ أكثر مما يدعمه معظم مسؤولي البنك المركزي الأميركي حالياً.

وقال محافظ «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي»: «لا نعلم إلى أين ستؤول الأمور، ولكن علينا أن نفكر في أن الحذر قد يكون مُبرراً» بالنسبة لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، نظراً لما يحدث من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة.

وأشار إلى أن العديد من صدمات أسعار النفط عادةً ما تنطوي على ارتفاع حاد يتبعه انخفاض، وأن «الاحتياطي الفيدرالي» يراقب ما إذا كانت الأسعار سترتفع وتستمر مرتفعة، لأن ذلك يُشكل الخطر الأكبر لرفع التضخم الذي يتجاوز بالفعل هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، على حد قوله.

محافظ «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر (أ.ف.ب)

وأضاف والر: «إذا بدأت أسعار الطاقة المرتفعة في رفع معدلات التضخم الأساسية، فلا بد من اتخاذ إجراء ما». لكن في الوقت الراهن، «أريد فقط الانتظار لأرى إلى أين ستؤول الأمور، وإذا سارت الأمور على نحو جيد واستمر ضعف سوق العمل، فسأبدأ بالدعوة مجدداً إلى خفض سعر الفائدة في وقت لاحق من هذا العام». وأضاف أنه لا يرى أي داعٍ للنظر في رفع تكاليف الاقتراض، كما يفكر بعض مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» حالياً.

وفي مقابلة منفصلة مع شبكة «فوكس بيزنس»، صرَّحت نائبة رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لشؤون الإشراف، ميشيل بومان، قائلةً: «ما زلتُ قلقةً بشأن سوق العمل». وفيما يتعلق بتوقعات السياسة النقدية، أضافت: «لقد أدرجتُ ثلاثة تخفيضات مُحتملة قبل نهاية عام 2026، بهدف دعم سوق العمل».

وتتناقض توقعات بومان، ذات التوجه التيسيري الواضح في السياسة النقدية، مع آراء العديد من زملائها في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي».

نائبة رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لشؤون الإشراف ميشيل بومان (أ.ف.ب)

أما بخصوص تداعيات الحرب، فقد قالت ميشيل بومان إنها تعتقد أنه «من السابق لأوانه تحديد الأثر طويل الأجل للحرب على النشاط الاقتصادي الأميركي، وكيفية التعامل مع ذلك في ضوء توقعاتنا الاقتصادية طويلة الأجل، وكيفية تناولنا لهذا الأمر في اجتماعاتنا (السياسية) وأي تغييرات في أسعار الفائدة قد نُجريها نتيجةً للتطورات الاقتصادية المُستقبلية».


تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران
TT

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذت الأسهم العالمية والدولار، يوم الجمعة، لكنها اتجهت نحو تسجيل خسائر أسبوعية، بينما ظلَّت السندات تحت ضغط، في ظلِّ تحذيرات البنوك المركزية من أن الحرب الإيرانية قد تعيد إشعال فتيل التضخم.

وظلَّ التداول متقلباً، وتصاعدت حدة التوتر، مما يسلط الضوء على هشاشة ثقة المستثمرين وحساسية الأسواق للأخبار المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط.

واتجهت «وول ستريت» نحو نهاية أسبوعها الرابع على التوالي من الخسائر، إلا أن تراجع أسعار النفط خفَّف بعض الضغط عن أسواق الأسهم العالمية. وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة في بداية تداولات يوم الجمعة، وكان في طريقه لتسجيل أطول سلسلة خسائر أسبوعية له منذ عام. وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 53 نقطة، وانخفض مؤشر «ناسداك المركب» بنسبة 0.7 في المائة.

وتراجعت الأسهم الأميركية تحت وطأة ارتفاع جديد في عوائد السندات، مما يزيد من تكلفة الاقتراض للشركات والأسر، ويؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد.

وذكر تقرير لـ«أكسيوس»، يوم الجمعة، أنَّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدرس خططاً لاحتلال أو حصار جزيرة خارك الإيرانية؛ للضغط على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز.

وفي جلسة متقلبة، ارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي، الذي يضم مختلف مناطق أوروبا، بنسبة 0.34 في المائة خلال تداولات الجمعة، لكنه اتجه نحو انخفاض أسبوعي بنسبة 1.7 في المائة تقريباً، بينما كان من المتوقع أن يتراجع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي للأسبوع الثالث على التوالي، في حين انخفض مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع نطاقاً لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 0.5 في المائة يوم الجمعة، ولكنه مع ذلك ارتفع بشكل طفيف خلال الأسبوع.

وبعد أسبوع حافل باجتماعات السياسة النقدية، كان الاستنتاج الرئيسي للمستثمرين هو احتمال اتباع نهج أكثر تشدداً في السياسة النقدية.

وقالت ساندرا هورسفيلد، الخبيرة الاقتصادية في «إنفستيك»: «من الواضح أن البنوك المركزية أدركت خطورة القول إن صدمة الطاقة عابرة تماماً، وسط مخاطر الآثار المباشرة وغير المباشرة... لذا، نرى رد فعل أكثر تشدداً. لم يعد المتداولون يتوقَّعون خفضاً لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، بينما ارتفعت احتمالات رفعها من قبل بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي في اجتماعاتهما المقبلة». وأفادت مصادر بأنَّ البنك المركزي الأوروبي قد يحتاج إلى بدء مناقشة رفع أسعار الفائدة في أبريل (نيسان)، وربما تشديد السياسة النقدية في يونيو (حزيران).

وقالت هورسفيلد: «في الوقت الراهن، يبدو توجيه رسالة أكثر تشدداً أمراً منطقياً للغاية. ولكن كما ذكرت، إنها رسالة متشددة، وليست إجراءً فورياً».

وارتفعت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو لليوم الثالث على التوالي، يوم الجمعة، بعد انخفاض حاد في اليوم السابق، بينما قفز عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ عام 2008. وسجَّل آخر ارتفاع له 7.6 نقطة أساس ليصل إلى 4.93 في المائة.

أما عائد السندات الألمانية لأجل عامين، والذي ارتفع بنحو 59 نقطة أساس خلال الشهر، فقد سجَّل آخر ارتفاع له 3.2 نقطة أساس ليصل إلى 2.61 في المائة.

اختناق في قطاع الطاقة

وشهدت أسعار النفط تقلبات حادة يوم الجمعة، بينما عرضت دول أوروبية كبرى واليابان الانضمام إلى الجهود المبذولة لتأمين ممر آمن للسفن عبر مضيق هرمز، كما أعلنت الولايات المتحدة عن خطوات لزيادة إمدادات النفط.

وشهدت أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعاً كبيراً، حيث قفزت في أوروبا بنسبة تصل إلى 35 في المائة يوم الخميس؛ نتيجةً لهجمات إيرانية وإسرائيلية استهدفت بعضاً من أهم بنى الغاز التحتية في الشرق الأوسط. ودفع ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطالبة إسرائيل بعدم تكرار هجماتها على بنى الغاز الطبيعي الإيرانية.

وقالت أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك «ناتيكس»: «حتى لو انسحبت الولايات المتحدة من الصراع، فقد لا تنسحب إسرائيل، وقد تستمر بعض الهجمات، وسترد إيران، ربما بوتيرة أقل. لكن هذا يعني أن المنطقة ستظل تحت ضغط... لذا لن تعود أسعار النفط إلى 60 دولاراً، بل ربما تبقى عند 90 دولاراً، على الأقل حتى نهاية العام. وبالتالي، باتت الصدمة حتمية».

انخفاض الدولار من ذروته

ومن جانبه، كان الدولار مُهيأً لخسارة أسبوعية بنسبة 1.15 في المائة، وكان آخر ارتفاع طفيفاً له، حيث يُنظَر الآن إلى «الاحتياطي الفيدرالي» على أنه البنك المركزي الرئيسي الوحيد الذي لا يُتوقَّع أن يرفع أسعار الفائدة هذا العام. وقد أسهم ذلك في احتفاظ اليورو بمعظم مكاسب يوم الخميس، البالغة 1.2 في المائة، ليصل إلى 1.1575 دولار، بينما انخفض الجنيه الاسترليني بنسبة 0.22 في المائة إلى 1.34 دولار، بعد ارتفاعه بنسبة 1.3 في المائة في اليوم السابق. أما الين، الذي كان على وشك بلوغ 160 يناً للدولار في الجلسة السابقة، فقد استقرَّ عند 158.57 ين.

وفي أسواق المعادن النفيسة، ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة تقارب 0.8 في المائة ليصل إلى نحو 4684 دولاراً للأونصة.


غاز آسيا بذروة 3 سنوات... وصدمة تعطيل منشآت قطر تمتد لـ2027

عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)
عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)
TT

غاز آسيا بذروة 3 سنوات... وصدمة تعطيل منشآت قطر تمتد لـ2027

عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)
عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)

سجل مؤشر الغاز الطبيعي المسال لآسيا (JKM) مستويات قياسية هي الأعلى منذ ثلاث سنوات، مدفوعاً بتداعيات الهجمات الإيرانية التي أدت إلى خروج 17 في المائة من طاقة قطر التصديرية عن الخدمة. ووفقاً لبيانات «بلاتس»، بلغ سعر المؤشر المرجعي لليابان وكوريا 22.73 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

وعلى الرغم من تراجع طفيف في الأسعار اليومية بنسبة 10.5 في المائة، فإن كينيث فو، مدير تسعير الغاز المسال العالمي في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، أكد أن التأثير المستقبلي للأضرار التي لحقت بـ«خطوط الإنتاج» القطرية بدأ يظهر بوضوح في أسواق العقود الآجلة حتى عام 2027.

وأوضح فو أن المشترين تجنبوا في البداية صفقات السوق الفورية على أمل تعافي الإمدادات القطرية بحلول الربع الثاني من العام، إلا أن حجم الدمار في منشآت رأس لفان القطرية حطّم هذه الفرضيات، مما دفع المستهلكين إلى العودة بقوة لتأمين احتياجاتهم من السوق الفورية وعبر منحنى العقود الآجلة.

وتشير التقارير إلى أن الأسواق الآسيوية بدأت تظهر رغبة شديدة في تأمين «غطاء شتوي» مبكر، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المشتقات المالية لمؤشر الغاز الطبيعي المسال لآسيا للربعين الثالث والرابع من عام 2026 وفصل الشتاء، وسط مخاوف من طول أمد الإصلاحات.

وكان وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، قد صرّح لـ«رويترز» بأن الهجمات الإيرانية ألحقت أضراراً بالغة بخطين من أصل 14 خطاً لإنتاج الغاز المسال، بالإضافة إلى منشأة لتحويل الغاز إلى سوائل، مؤكداً أن عمليات الإصلاح ستؤدي إلى توقف 12.8 مليون طن سنوياً من الغاز المسال لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.