نتنياهو يتهم ماكرون بـ«تأجيج معاداة السامية»... والرئيس الفرنسي يرد: تصريح دنيء

على وقع الخلاف بين تل أبيب وباريس بسبب الاعتراف بدولة فلسطين

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه في باريس 10 ديسمبر 2017 (أرشيفية-أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه في باريس 10 ديسمبر 2017 (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يتهم ماكرون بـ«تأجيج معاداة السامية»... والرئيس الفرنسي يرد: تصريح دنيء

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه في باريس 10 ديسمبر 2017 (أرشيفية-أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه في باريس 10 ديسمبر 2017 (أرشيفية-أ.ف.ب)

تصاعد الخلاف بين فرنسا وإسرائيل، أمس الثلاثاء، بسبب قرار باريس الاعتراف بدولة فلسطين، إذ اتّهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ«تأجيج معاداة السامية»، ما دفع «الإليزيه» إلى الرد بحدّة، وعَدّ تصريح نتنياهو «دنيئاً» و«مبنياً على مغالطات».

وقال نتنياهو، في رسالةٍ وجّهها إلى ماكرون، إنّ الخطوة الفرنسية تؤجج «نار معاداة السامية»، وأضاف أنّ «دعوتكم للاعتراف بدولة فلسطينية تسكب الوقود على نار معاداة السامية هذه. هذه ليست دبلوماسية، بل استرضاء. إنها تكافئ إرهاب (حماس)، وتزيد من إصرار (حماس) على عدم إطلاق سراح الرهائن، وتشجع أولئك الذين يهددون اليهود الفرنسيين، وتُغذي الكراهية التي تجوب شوارعكم الآن، ضد اليهود»، وفق قوله. ودعا نتنياهو فرنسا إلى «استبدال الفعل بالضعف، والحزم بالتساهل، وأن يحصل ذلك قبل موعد واضح: رأس السنة العبرية في 23 سبتمبر (أيلول)» المقبل.

وتنتهي أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، المقرر عقدها في سبتمبر المقبل، في 23 من الشهر نفسه، وهو التاريخ الذي حدده نتنياهو في رسالته.

وتابع نتنياهو: «أشعر بالقلق إزاء التصاعد المُقلق لمعاداة السامية في فرنسا، وعدم اتخاذ حكومتكم إجراءات حاسمة لمواجهتها. في السنوات الأخيرة، اجتاحت معاداة السامية المدن الفرنسية»، مؤكداً أنها تفاقمت منذ قرار فرنسا بشأن الاعتراف بدولة فلسطين.

طفل فلسطيني يبكي أمام جثمانيْ عمه محمد حرب وابنة عمه لين حرب اللذين قُتلا في غارات إسرائيلية بخان يونس بقطاع غزة (أ.ب)

واستنكرت الرئاسة الفرنسية تصريحات نتنياهو، وقالت، في بيان، إن الربط بين قرار فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر المقبل، وتأجيج أعمال العنف المُعادي للسامية، «مبنيّ على مغالطات، ودنيء ولن يمرّ دون رد». وأضاف «الإليزيه» أن «الجمهورية تحمي وستحمي دائماً مُواطنيها اليهود... نحن نمر بفترةٍ تتطلب (التصرف) بجدية ومسؤولية، لا التشويش والتلاعب».

كان الرئيس الفرنسي قد أعلن، أواخر الشهر المنصرم، أن باريس ستعترف بدولة فلسطين في سبتمبر، في خطوةٍ أثارت غضب إسرائيل. وعلى أثر ذلك، أعلنت دولٌ عدة عزمها الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر، من بينها كندا وأستراليا وأندورا وفنلندا وأيسلندا وآيرلندا ولوكسمبورغ ومالطا ونيوزيلندا والنرويج والبرتغال وسان مارينو وسلوفينيا.

من جهتها، ذكرت الصحافة الأسترالية أن نتنياهو أرسل رسالة مماثلة، في 17 أغسطس (آب) الحالي، إلى رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، اتهمه فيها أيضاً بـ«تأجيج نار معاداة السامية»، ودعاه إلى التحرك.

وفي رسالته لماكرون، أشاد نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، ووصفه بأنه مثال لـ«محاربة» الجرائم المعادية للسامية و«حماية اليهود الأميركيين». وتابع: «أيها الرئيس ماكرون، معاداة السامية سرَطان ينتشر عندما يلتزم القادة الصمت، ويتراجع عندما يتحرك القادة».

«عنف غير مقبول»

وفي رسالته، عدّد نتنياهو كثيراً من الحوادث التي وقعت أخيراً، منها نهب مدخل مكاتب شركة الطيران الإسرائيلية «إل عال» في باريس، والاعتداء على رجل يهودي في ليفري-غارغان، و«الاعتداء على حاخامات في شوارع باريس». وقال إن «هذه الحوادث ليست معزولة، إنها وباء».

وتُعدّ قضية معاداة السامية حساسة، خصوصاً في فرنسا التي تُشكل موطناً لأكبر جالية يهودية في أوروبا الغربية، مع 500 ألف شخص، كما أنها تضم جالية عربية مسلمة كبيرة متعاطفة مع مصير الفلسطينيين في قطاع غزة.

وأضاف بيان «الإليزيه»: «العنف ضد الجالية اليهودية أمر غير مقبول. لذلك، وبعيداً عن الإدانات، طالب رئيس الدولة بشكل منهجي كل حكوماته منذ عام 2017، ولا سيما بعد الهجمات الإرهابية في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 باتخاذ أقصى درجات الحزم تجاه مرتكبي الأعمال المعادية للسامية».

من جانبها، استنكرت السلطة الفلسطينية رسالة نتنياهو، وعَدَّتها «هجوماً غير مبرَّر ومعادياً للسلام». وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية، في بيان، إنّها «تستنكر بشدّةٍ الهجوم الذي شنّه» نتنياهو ضدّ ماكرون، و«تَعدُّه غير مبرَّر ومعادياً للسلام وللإجماع الدولي على مبدأ حلّ الدولتين». وأضافت أن «اسطوانة الخلط بين انتقاد الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، أو تأييد حقوق الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال، وبين معاداة السامية أو كراهية اليهود، باتت مشروخة ومكشوفة ولا تنطلي على أحد».

طفل فلسطيني يفر من غارات إسرائيلية في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعدما أبدى ماكرون تضامنه مع إسرائيل بعد أحداث 7 أكتوبر، نأى بنفسه عن استراتيجية الحكومة الإسرائيلية في غزة، وزاد من انتقادها، في حين أصبحت المكالمات الهاتفية بين الزعيمين نادرة، بعدما كانت متكررة كثيراً في بداية تلك الفترة، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، لكن هذه المسألة ليست الوحيدة التي تثير احتكاكات بين الجانبين، فهناك خلافات حول تسليم الأسلحة والانتقادات الفرنسية للمأساة الإنسانية في القطاع الفلسطيني، التي وُصفت بأنها «عار» و«فضيحة»، وسياسة الاستيطان في الضفة الغربية.

وأسفرت الحرب الإسرائيلية عن مقتل 62064 شخصاً على الأقل، غالبيتهم من المدنيين، وفق وزارة الصحة في قطاع غزة، وهي أرقام تَعدُّها «الأمم المتحدة» موثوقة.


مقالات ذات صلة

الرئيس الفلسطيني: ماضون في تنفيذ برنامج إصلاحي شامل

المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز) play-circle

الرئيس الفلسطيني: ماضون في تنفيذ برنامج إصلاحي شامل

قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في بيان اليوم الأربعاء، إن السلطة ماضية في تنفيذ برنامج إصلاحي وطني شامل، يهدف إلى تطوير وتحديث المنظومة القانونية والمؤسسية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الخليج صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (رويترز)

إجماع دولي في جدة على دعم فلسطين... ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية

أعلنت وفود دولية رفيعة المستوى من جدة، دعمها لفلسطين ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية، مؤكدة ضرورة «حل الدولتين»، وإنهاء الاحتلال، وحماية الحقوق الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج قافلة شاحنات تحمل مساعدات سعودية تدخل سوريا من معبر نصيب مع الأردن 6 يناير (رويترز)

مشاريع «مركز الملك سلمان» في سوريا تتضاعف أكثر من 100 % خلال 2025

أظهرت تحديثات جديدة كشفت عنها المنصة الإلكترونية لـ«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تسجيل أرقام جديدة حول مشاريع المركز المنجزة.

غازي الحارثي (الرياض)
المشرق العربي وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يستعرض خريطة لتوسيع مستوطنة «معاليه أدوميم» في الضفة الغربية (أ.ف.ب) play-circle

تقرير أممي: الاستيطان في الضفة الغربية يبلغ أعلى مستوى له منذ 2017

بلغ التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة مستوى قياسياً هذا العام منذ بدء مراقبة الأمم المتحدة في 2017، وفق تقرير صادر عن الأمين العام للمنظمة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج مقر وكالة «الأونروا» في مدينة غزة (أرشيفية - رويترز) play-circle

دول عربية وإسلامية: دور «الأونروا» لا غنى عنه ولا يمكن استبداله

أكدت السعودية ومصر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر، على الدور الذي «لا غنى عنه» لوكالة «الأونروا» في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

إيران محور سيناريو إسرائيلي لـ«حرب متعددة الجبهات»

نتنياهو يرفع خريطة لإظهار ما سماه «لعنة محور الإرهاب الإيراني» خلال كلمته في الأمم المتحدة الجمعة (أ.ف.ب)
نتنياهو يرفع خريطة لإظهار ما سماه «لعنة محور الإرهاب الإيراني» خلال كلمته في الأمم المتحدة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إيران محور سيناريو إسرائيلي لـ«حرب متعددة الجبهات»

نتنياهو يرفع خريطة لإظهار ما سماه «لعنة محور الإرهاب الإيراني» خلال كلمته في الأمم المتحدة الجمعة (أ.ف.ب)
نتنياهو يرفع خريطة لإظهار ما سماه «لعنة محور الإرهاب الإيراني» خلال كلمته في الأمم المتحدة الجمعة (أ.ف.ب)

رغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حاول تهدئة طهران بالقول إنه «لا يخطط لمحاربتها»، ظهرت تقارير تفيد بأن جيشه يكثف استعداداته لحرب جديدة مفاجئة على ثلاث جبهات تشمل إيران ولبنان والضفة الغربية.

وفي حال فُتحت النيران في هذه الجبهات، فهذا يعني أن إسرائيل تمضي قدماً لتنفيذ خطة تمتد حتى عام 2023، تشمل توسعاً لنشاط الجيش الإسرائيلي، يوصف بـ«الدراماتيكي».

«عملية عسكرية مباغتة»

وقال المراسل العسكري للقناة «12» الإسرائيلية إن الخطة التي يقودها رئيس أركان الجيش، إيال زامير، تتبلور حالياً من تجربة أكثر من عامين من الحرب، وفي موازاة إعدادها يجري العمل على رفع الجاهزية لاحتمال اندلاع حرب أو تنفيذ عملية عسكرية مباغتة.

وكان نتنياهو قد أعلن، خلال لقاءات صحافية مع وسائل إعلام أميركية في ميامي، أن إسرائيل لا تبادر إلى مهاجمة إيران.

وجاء كلام نتنياهو بعد أنباء عن أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منح نتنياهو ضوءاً أخضر لضرب إيران، بسبب مزاعم عن تجديد مشروعها النووي وإنتاج كميات من الصواريخ الباليستية.

وكانت طهران حذرت من التخطيط الحربي الأميركي الإسرائيلي وقالت إنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاءه.

ويعتقد أن تصريح نتنياهو جاء للتهدئة من روع الإيرانيين، لكن الجيش الإسرائيلي قال إن إيران في صدارة سيناريوهات التهديد.

متظاهرون في طهران خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وتراجع العملة الإيرانية (أ.ف.ب)

أبعاد الاحتجاج في إيران

ولفت تقرير القناة «12» الإسرائيلية إلى أن تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تفترض أن الضغوط التي تولدها الاحتجاجات الداخلية في إيران قد تدفع النظام إلى مهاجمة إسرائيل، في محاولة لصرف الأنظار عن أزمته الداخلية.

في هذا السياق، نقلت القناة عن مصدر إسرائيلي رفيع قوله: «نرصد حدثاً داخلياً دراماتيكياً في إيران، وما زال من المبكر تحديد تداعياته»، على حد تعبيره.

إلى ذلك، ذكرت مصادر مقربة من نتنياهو لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، أنه أجرى مشاورات وتقييمات للاحتجاجات في إيران، فيما امتنعت دائرته المقربة عن التعليق بشكل مباشر على ما يجري هناك، «خشية أن تدفع أي تصريحات علنية طهران إلى اتخاذ خطوات ضد إسرائيل بهدف احتواء الاحتجاجات».

وأشار التقرير إلى أن زامير حدد محورين مركزيين في الخطة المتعددة السنوات، تشمل تأهيل العامل البشري وتطوير القدرات في مجال الفضاء.

ووفق القناة، يرى الجيش الإسرائيلي الفضاء الخارجي مجالاً حاسماً للتطور في منظومات الدفاع والهجوم وقدرات جمع المعلومات الاستخبارية.

وقالت القناة «12» إن الجيش الإسرائيلي يستعد، للمرة الأولى، لإمكانية تنفيذ هجمات في الفضاء، بما يشمل القدرة مستقبلاً على استهداف أقمار اصطناعية، وكذلك ضرب أهداف على الأرض انطلاقاً من الفضاء.

ووفق التقرير، تتطلب عملية بلورة الخطة المتعددة السنوات مرونة في آليات العمل، على أن تشمل، ضمن سيناريوهات المرجعية، تهديدات من الدائرتين الثانية والثالثة، بما في ذلك الاستعداد لمواجهة إضافية مع إيران.

وجرى توصيف كل جبهة محتملة في المنطقة ومكوناتها، مع تركيز خاص على جبهتي لبنان والضفة الغربية، والتشديد على استيعاب التحولات والتهديدات المتغيرة ضمن إطار الخطة.

ترمب مستقبلاً نتنياهو في منتجع مارالاغو بفلوريدا (أ.ف.ب)

حصيلة 2025

وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نشر تلخيصاً لعملياته في 2025. وقال إن قواته نفذت هجمات ضد نحو 20.900 هدف في مختلف الجبهات خلال عام 2025، في إطار العمليات العسكرية المتواصلة على عدة ساحات، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول طبيعة الأهداف أو حصيلة الخسائر.

وأفادت بيانات قسم القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي بأن عام 2025 شهد مقتل 91 جندياً إسرائيلياً وإصابة 821 آخرين خلال العمليات العسكرية. كما هاجر إلى إسرائيل نحو 3.300 جندي وحيد (من أصل يهودي يقيم والداه خارج البلاد)، وانضموا إلى الخدمة العسكرية، فيما عاد نحو 54.000 جندي احتياطي بعد انتهاء إعفائهم من الخدمة، لتعزيز القدرات العسكرية والاستعداد للتحديات الأمنية المختلفة، إلى جانب تجنيد قرابة 306.830 جندياً في قوات الاحتياط.


سنة 2025: وتيرة غير مسبوقة في الاستيطان الإسرائيلي بالضفة الغربية

جنود إسرائيليون يداهمون متاجر ويعتقلون فلسطينيين بالبلدة القديمة في نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (د.ب.أ)
جنود إسرائيليون يداهمون متاجر ويعتقلون فلسطينيين بالبلدة القديمة في نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (د.ب.أ)
TT

سنة 2025: وتيرة غير مسبوقة في الاستيطان الإسرائيلي بالضفة الغربية

جنود إسرائيليون يداهمون متاجر ويعتقلون فلسطينيين بالبلدة القديمة في نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (د.ب.أ)
جنود إسرائيليون يداهمون متاجر ويعتقلون فلسطينيين بالبلدة القديمة في نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (د.ب.أ)

لم يمض يومان على إبداء الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضيفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قلقه إزاء السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية واتساع رقعة الاستيطان وانفلات المستوطنين، إلا وكشفت مصادر في تل أبيب أن وزارة الدفاع أعدت خطة لإعادة الجيش الإسرائيلي إلى مواقع كان قد انسحب منها في شمال الضفة الغربية سنة 2005 ضمن خطة الانفصال عن غزة آنذاك.

وتضمنت الخطة إعادة المستوطنات الأربع التي سبق وأخلتها إسرائيل، ومضاعفة مساحة المستوطنات الجديدة على حساب الأراضي الفلسطينية، وتوسيع مناطق النفوذ الإسرائيلي في الضفة.

وأشار تقرير لحركة «السلام الآن» الإسرائيلية التي تتابع عملية الاستيطان في الضفة الغربية إلى أن عام 2025 شهد «قفزة هائلة غير مسبوقة» في وتيرة البناء الاستيطاني؛ فقد صادقت السلطات الإسرائيلية على بناء أكثر من 28 ألفاً و163 وحدة استيطانية جديدة في الضفة، كما أن هناك خططاً لمناقشة بناء 1033 وحدة جديدة، بينها 126 في مستوطنة «سانور» الواقعة شمال الضفة الغربية، والتي كانت قد أُخليت سابقاً ضمن خطة فك الارتباط وقررت الحكومة في شهر مايو (أيار) الماضي إعادة بنائها.

ويُقدَّر عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بنحو 750 ألف مستوطن، بينهم 250 ألفاً في القدس الشرقية.

إلى جانب ذلك، أقامت جهات متطرفة بين المستوطنين ميليشيات مسلحة تنفذ اعتداءات يومية بحق الفلسطينيين، تشمل حرق الممتلكات، والاعتداء الجسدي، وتخريب الأراضي الزراعية، في إطار سياسة تهدف إلى فرض تهجير قسري وتغيير الطابع الديمغرافي للأرض. وساند الجيش الإسرائيلي هذا، بل ونفذ بدوره خططاً تمثلت في عمليات اجتياح وتدمير وإطلاق الرصاص والاعتقال.

قوات إسرائيلية تداهم متاجر في السوق المركزية بالبلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (د.ب.أ)

وأثارت صور وتسجيلات توثّق هذه الاعتداءات انتقادات واسعة، من ضمنها انتقادات في الغرب لم يستطع ترمب تجاهلها، فقال لضيفه إنه يتوقع منه أن يغير هذه السياسة، فما كان من نتنياهو إلا أن زعم أن هذه مجرد أعمال هامشية يقوم بها فتية مارقون.

ترسيخ الوجود العسكري

ولكن الرد الإسرائيلي الحقيقي جاء في تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي عدها «دفاعاً عن النفس»، وقال إن جيشه يرصد خطر تنفيذ هجوم فلسطيني أو أكثر من الضفة الغربية على البلدات الحدودية في إسرائيل «على نمط هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023».

وزار كاتس، الأربعاء، مقر فرقة «يهودا والسامرة» (الضفة الغربية) التابعة للجيش الإسرائيلي، حيث تلقّى إحاطة أمنية وتقييماً للوضع الميداني، حسبما جاء في بيان صدر عن الوزارة. وقد أشاد كاتس بقيادة وجنود الجيش وحرس الحدود والأجهزة الأمنية، قائلاً إن نشاطهم «الحازم» أدى إلى «تراجع دراماتيكي» فيما وصفه بـ«الإرهاب»، وإلى «تحسّن ملحوظ» في الوضع الأمني.

وزعم كاتس أن العمليات التي نُفذت خلال العام الأخير في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس بالضفة «يجب أن تُدرَّس بوصفها نموذجاً»، ودعا إلى «فحص توسيعها لتشمل مخيمات أخرى»، مع التشديد على ضرورة العمل «بصورة متواصلة»، في إشارة إلى ترسيخ الوجود العسكري داخل التجمعات الفلسطينية.

مبنى مدمر خلال عملية هدم مبان في عملية عسكرية بمخيم نور شمس قرب مدينة طولكرم بالضفة الغربية يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

وأضاف كاتس أن سياسة الجيش في الضفة الغربية ينبغي أن تكون «كما في لبنان وسوريا وقطاع غزة»، واستطرد قائلاً إن قوات الجيش «ستبقى في الميدان» بوصفها «حاجزاً فاصلاً» بين السكان وما وصفه بـ«عناصر الإرهاب»، بهدف منع «تعاظم قوتهم»، وإحباط أي هجمات محتملة.

كما وجّه كاتس تعليماته بـ«دفع خطة نقل معسكرات الجيش إلى شمال الضفة الغربية بأسرع وقت ممكن»، عادّاً ذلك «تصحيحاً تاريخياً ذا أهمية أمنية واستيطانية»، مضيفاً أن «العودة إلى شمال السامرة من شأنه تعزيز القبضة الأمنية والاستقرار في المنطقة».

تدهور غير مسبوق

كانت معطيات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني قد وثقت 621 اعتداء من المستوطنين خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 وحده.

ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، قتل الجيش والمستوطنون ما لا يقل عن 1103 فلسطينيين في الضفة، وأصابوا نحو 11 ألفاً، إضافة إلى اعتقال أكثر من 21 ألفاً.

وخلال عام 2025، تدهورت الأوضاع الإنسانية والأمنية والاقتصادية بالضفة بقوة، وتعزّزت السياسات الإسرائيلية القائمة على الاستهداف والاعتقال والتهجير والاستيطان، بما عمّق المساس بحقوق الفلسطينيين ورسّخ واقعاً قاسياً.

شاب فلسطيني يفتح صنبور صهريج مياه كي تشرب أغنامه وإلى جواره نقطة تمركز استيطاني جديدة أقيمت على أرض بها تجمع بدوي فلسطيني قرب أريحا بالضفة الغربية يوم الخميس (أ.ف.ب)

وتشير أرقام جهاز الإحصاء في رام الله إلى أن عدد سكان فلسطين بلغ مع نهاية عام 2025 نحو 5.56 مليون نسمة، بينهم 3.43 مليون في الضفة الغربية.

وحذَّر الجهاز من أن استمرار الخسائر البشرية وتقييد الحركة والعمل والخدمات انعكس مباشرة على الاستقرار السكاني والنسيج الاجتماعي، وعمَّق مظاهر الهشاشة المجتمعية.

على الصعيد الميداني

ميدانياً، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته قتلت فلسطينياً ​في الضفة الغربية في الساعات الأولى من صباح الخميس عندما فتحت النار على أشخاص كانوا يرشقون الجنود بالحجارة.

وأضاف الجيش في بيان أن ‌اثنين آخرين ‌أصيبا على ‌طريق ⁠رئيسي بالقرب ​من ‌قرية اللبن الشرقية في نابلس. ووصف البيان المستهدَفين بأنهم مسلحون، وأوضح أن رشق الحجارة كان جزءاً من كمين، حسبما أوردت وكالة «رويترز».

وذكرت وكالة الأنباء ‍والمعلومات الفلسطينية (وفا) أن القوات الإسرائيلية أغلقت المدخل الرئيسي لقرية اللبن الشرقية وعدة طرق فرعية.

وفيما يتعلق بحملة الاعتقالات، قالت جمعية نادي الأسير الفلسطيني إن إسرائيل اعتقلت، مساء الأربعاء وصباح الخميس، 50 فلسطينياً من الضفة الغربية والقدس، غالبيتهم معتقلون ‌سابقون.

وأضافت الجمعية ‌في ‌بيان: «​عمليات ‌الاعتقال والتحقيق الميداني تركزت في محافظة رام الله»، فيما توزعت بقية الاعتقالات على محافظات الخليل وطوباس وطولكرم ونابلس وجنين ⁠وغيرها. وذكرت أن الاعتقالات رافقتها «‌عمليات اقتحام وتنكيل ‍واسعة، واعتداءات بحق ‍المعتقلين وعائلاتهم».

ولم يصدر بعد بيان من جانب إسرائيل حول الاعتقالات، حسب وكالة «رويترز».

وتشير معطيات الجمعية إلى أن إسرائيل ​تحتجز 9300 فلسطيني في سجونها، حوالي نصفهم من دون ⁠تهم أو محاكمات.

ووفقاً للوكالة، تستخدم إسرائيل قانوناً قديماً يتيح لها اعتقال الفلسطينيين دون محاكمة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر قابلة للتجديد، بدعوى وجود ملف أمني سري للمعتقل.


تركيا: لن نسمح لـ«قسد» بفرض أمر واقع في المنطقة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن بلاده لن تسمح للتنظيمات الإرهابية بتهديد المنطقة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن بلاده لن تسمح للتنظيمات الإرهابية بتهديد المنطقة (الرئاسة التركية)
TT

تركيا: لن نسمح لـ«قسد» بفرض أمر واقع في المنطقة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن بلاده لن تسمح للتنظيمات الإرهابية بتهديد المنطقة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن بلاده لن تسمح للتنظيمات الإرهابية بتهديد المنطقة (الرئاسة التركية)

أكدت تركيا أنها لن تسمح لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بفرض أمر واقع في المنطقة، وطالبتها بتنفيذ اتفاق الاندماج في الجيش السوري بشكل عاجل.

وقال الرئيس رجب طيب إردوغان إن تركيا تخوض نضالاً مكثفاً من أجل ترسيخ الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وغيرها من المناطق، انطلاقاً من سياستها القائمة على مبدأ «السلام في الوطن، والسلام في العالم».

وأضاف أن هناك «فرصة تاريخية» لتحويل المكاسب التي حققتها تركيا، رغم الصعوبات، والعوائق الجسيمة، إلى نجاحات دائمة.

وأكد إردوغان، في كلمة وجهها إلى اجتماع لوزير الدفاع يشار غولر مع مجموعة من القادة العسكريين في أنقرة بمناسبة العام الجديد، أن تركيا لن تسمح لأي تنظيم إرهابي، أياً كان الاسم، أو القيم التي يستغلها، بأن يقف حائلاً بينها وبين أهدافها.

تنفيذ اتفاق الاندماج

بدوره، قال وزير الدفاع، يشار غولر، إن بلاده لن تسمح لأي تنظيم إرهابي، وبخاصة «حزب العمال الكردستاني»، وأذرعه مثل «وحدات حماية الشعب الكردية»، و«قسد»، بمواصلة أنشطتها، أو فرض أمر واقع في المنطقة.

غولر متحدثاً خلال لقاء مع عسكريين في قيادة مدرسة المدفعية والصواريخ في أنقرة بمناسبة العام الجديد (وزارة الدفاع التركية- إكس)

وتشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية، المدعومة أميركياً في إطار الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي، العماد الأساسي لـ«قسد»، لكن تركيا تعتبرها «تنظيماً إرهابياً» يشكل امتداداً لـ«حزب العمال الكردستاني» في سوريا، وتتمسك بضرورة حل «قسد»، واندماجها في الجيش السوري، ومغادرة عناصرها الأجنبية الأراضي السورية.

وأكد غولر ضرورة أن تفي «قسد» بالتزاماتها كاملة، وبصورة عاجلة وفق الاتفاق الذي وقعته مع دمشق في 10 مارس (آذار) الماضي، للاندماج في صفوف الجيش السوري، لافتاً إلى أنها يجب أن تندمج كأفراد، وليس كوحدة مستقلة.

قوى «الأسايش» الأمن الداخلي للإدارة الذاتية عقدت مؤتمراً صحافياً في الرقة استعرضت خلاله أبرز الأنشطة خلال عام 2025 (هاوار)

وكان مقرراً بحسب الاتفاق، الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، أن يتم انتهاء عملية الاندماج بحلول نهاية العام 2025، وهو ما لم يتحقق.

وتتهم أنقرة ودمشق «قسد» بالمماطلة في تنفيذ الاتفاق. وتعتقد الأولى أن القوات ذات الغالبية الكردية تتبع هذا النهج بتشجيع من إسرائيل.

وقال غولر: «موقف دولتنا من هذه المسألة واضح ولا لبس فيه، أكرر مرة أخرى أننا لن نسمح لأي تنظيم إرهابي، وفي مقدمتها (العمال الكردستاني، وحدات حماية الشعب وقسد) بمواصلة أنشطتها في المنطقة، أو فرض أي أمر واقع».

تعاون مع دمشق

وأضاف غولر أن العملية تدار بتنسيق مع المؤسسات التركية المعنية، وبحوار وثيق مع الإدارة السورية، وبنهج حذر وعقلاني، مؤكداً أن هدفهم النهائي يتمثل في القضاء على الإرهاب.

كان المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك قال، في إفادة صحافية الأربعاء، إن «قسد» تواصل المطالبة باللامركزية، والفيدرالية، ولا تتخذ أي خطوات نحو الاندماج في السلطة المركزية بسوريا.

وأضاف: «كما أكدنا سابقاً، فإن هذا الموقف يضر بوحدة الأراضي السورية واستقرارها، ونحن نحافظ على تعاون وثيق مع الحكومة السورية وفقاً لمبدأ (دولة واحدة، جيش واحد)، ونتابع من كثب عملية الاندماج».

وزراء خارجية ودفاع تركيا وسوريا خلال لقاء في دمشق في 22 ديسمبر الماضي (الدفاع التركية - إكس)

وأكد أكتورك أنه إذا قررت الحكومة السورية اتخاذ مبادرة لتعزيز وحدتها وسلامتها، فإن تركيا ستدعمها، في تلميح إلى إمكانية القيام بعملية عسكرية مشتركة ضد «قسد».

ولفت غولر إلى النجاح الذي حققته القوات المسلحة التركية عبر عملياتها خارج الحدود (في سوريا، والعراق) في منع تشكيل «ممر إرهابي» على طول حدودها الجنوبية، موضحاً أن ذلك تحقق بفضل التفوق العسكري في الميدان المدعوم بتعاون دبلوماسي.

وذكر أن علاقات أنقرة القوية مع الإدارة الجديدة في سوريا، وآليات التعاون القائمة مع العراق، أسهمتا في تعزيز الفهم الأمني المشترك.

وأضاف أن العام 2025 شكل منعطفاً حاسماً ظهرت فيه نتائج ملموسة لنضال القوات المسلحة التركية الحازم ضد الإرهاب.

وتابع غولر أنه «من خلال عمليات فعالة داخل البلاد وخارجها، قيدنا بدرجة كبيرة قدرة التنظيمات الإرهابية على الحركة، وأضعفنا بشكل جدي إمكاناتها القائمة على الإيواء، واللوجستيات، والموارد البشرية».