أنقرة تسابق الزمن لتنفيذ اتفاقاتها مع حكومة دمشق

حزب معارض ينتقد موقفها من أكراد سوريا

جانب من الاجتماع التنسيقي بين المؤسسات التركية بشأن العلاقات مع سوريا (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع التنسيقي بين المؤسسات التركية بشأن العلاقات مع سوريا (الخارجية التركية)
TT

أنقرة تسابق الزمن لتنفيذ اتفاقاتها مع حكومة دمشق

جانب من الاجتماع التنسيقي بين المؤسسات التركية بشأن العلاقات مع سوريا (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع التنسيقي بين المؤسسات التركية بشأن العلاقات مع سوريا (الخارجية التركية)

أجرت المؤسسات التركية مراجعة شاملة للعلاقات مع سوريا، والخطوات التي ستُتخذ، خلال الفترة المقبلة ،لتعزيزها وتنفيذ الاتفاقات التي توصل إليها الجانبان في مختلف المجالات.

في الوقت ذاته، انتقد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، موقف الحكومة التركية من «الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، معتبراً أنه يناقض عملية السلام وحل المشكلة الكردية التي انطلقت من خلال حل حزب «العمال الكردستاني».

وعقدت مجموعة التنسيق بين المؤسسات التركية اجتماعها الثامن بمقر وزارة الخارجية في أنقرة، برئاسة نائب وزير الخارجية، نوح يلماظ.

تحركات سريعة ومراجعة شاملة

وقالت مصادر بالخارجية التركية إن الاجتماع الذي عُقِد، مساء الجمعة، تناول جوانب العلاقات التركية - السورية، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، والخطوات التي اتُّخِذت على مدى الأشهر الماضية، وتنفيذها، وسبل المضي في تعزيز العلاقات.

وزيرا الدفاع التركين يشار غولر، والسوري، مرهف أبو قصرة، خلال توقيع مذكرة تفاهم للتعاون العسكري في أنقرة (الدفاع التركية)

وشهدت الأيام الأخيرة حركة مكثفة على خط أنقرة - دمشق، بدأت بزيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لسوريا، ولقائه الرئيس أحمد الشرع، في 8 أغسطس (آب) الحالي، ثم زيارة وزيري الخارجية والدفاع السوريين، أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة، ورئيس المخابرات حسن سلامة، في 12 أغسطس، التي شهدت توقيع مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري والتسليح والتدريب والاستشارات.

وانصبَّت هذه التحركات في الجانب الأبرز منها على أزمة السويداء والتدخلات الإسرائيلية، ومماطلة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، التي تقودها «وحدات حماية الشعب» الكردية المدعومة أميركياً، في تنفيذ الاتفاق الموقَّع مع دمشق، في 10 مارس (آذار) الماضي، والمخاوف من مساعٍ لتقسيم سوريا وتمزيق وحدتها.

وعلى الجانب الاقتصادي، اتفقت تركيا وسوريا على إنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة، وبدء دراسة إنشاء مناطق صناعية، بهدف إنعاش الاقتصاد السوري المتضرر من جراء الحرب وتعزيز التجارة بينهما...

كما أعاد البلدان الجاران تأسيس مجلس الأعمال المشترك الذي توقف عن العمل في 2011، خلال اجتماع عُقِد الأربعاء، في مقر مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي بمدينة إسطنبول.

جانب من اجتماع وزيري التجارة التركي والاقتصاد السوري ووفدي البلدين في أنقرة (حساب وزير التجارة التركي عمر بولاط في إكس)

ووقعت أنقرة ودمشق بروتوكولاً لتأسيس اللجنة، بمقر وزارة التجارة التركية في أنقرة، الثلاثاء الماضي، أعقبه اجتماع «الطاولة المستديرة التركي - السوري» الذي ضم وزير التجارة التركي عمر بولاط، ووزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، ورئيس اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركي، رفعت هيصار جيكلي أوغلو.

وتهدف تركيا إلى تجاوز عتبة مليارَي دولار في صادراتها إلى سوريا، نهاية العام الحالي، مستغلَّة الزخم في العلاقات التجارية بينهما.

وقال رئيس لجنة سوريا، في مجلس المصدّرين الأتراك، جلال قاضي أوغلو، في بيان، الأربعاء، إن اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة وقّعت مذكرات تعاون مع غرفتي تجارة دمشق وحلب.

وأضاف أن وزارة التجارة التركية وضعت مبادرات مهمة لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية أشمل من اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع سوريا سابقاً، ولم تُنفذ فعلياً بعد عام 2011.

وارتفعت صادرات تركيا إلى سوريا بنسبة 49.3 في المائة، لتتجاوز 1.2 مليار دولار خلال الأشهر الـ7 الأولى من العام الحالي. وبحسب قاضي أوغلو، قد يتجاوز حجم الصادرات التركية الهدف المحدد لنهاية العام بملياري دولار، بالنظر إلى الطلب من الجانب السوري.

انتقادات للموقف تجاه الأكراد

في غضون ذلك، انتقدت المتحدثة باسم «حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عائشة غل دوغان، المؤيد للأكراد في تركيا، موقف الحكومة من الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا، وطالبتها بالتخلي عن لغة التهديد تجاه أكراد سوريا، وبناء علاقات صداقة جيدة مع الإدارة الذاتية.

المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» عائشة غل دوغان (من حسابها في إكس)

وقالت، خلال مؤتمر صحافي بمقر حزبها، ليل الجمعة – السبت، إن عملية السلام بين الأتراك والأكراد في تركيا التي انطلقت مع قرار حل حزب العمال الكردستاني بدعوة من زعيمه السجين عبد الله أوجلان، ليست قضية حزبها فقط، بل قضية تركيا.

وفي إشارة إلى تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، عقب مباحثاتهما في أنقرة، الأربعاء الماضي، التي وجه فيها تحذيرات بالتحرك ضد «قسد»، إذا لم تنفذ اتفاق الاندماج الموقَّع مع دمشق، وتتوقف عن تهديد تركيا بالعناصر الإرهابية التي جلبتها من مناطق مختلفة من العالم، وتلقي أسلحتها، أشارت دوغان إلى أن «مكاسب الأكراد في سوريا، وتشكيل سوريا ديمقراطية، لا يمكن أن تُشكل خطراً على تركيا، بل يمكن تحويلها إلى فرصة».

فيدان والسيباني خلال مؤتمر صحافي بعد مباحثاتهما في أنقرة (إ.ب.أ)

ووصفت دوغان تصريحات فيدان بـ«المتغطرسة» و«الديماغوجية»، وقالت إنه يتحدث كما لو كان عضواً في الحكومة السورية، وليس وزيراً لخارجية تركيا.

ولفتت إلى أن هناك اشتباكات عرضية بين «قسد» وقوات الحكومة الانتقالية أو الجماعات التابعة لها، وأن تصريحات مُناهضة لـ«قسد» صدرت عن بعض الفصائل العربية، مضيفة: «مع ذلك، نعتقد أنه من الضروري تحليل الوضع في سوريا بتفسيرٍ صحيح. ما نقوله هو أنه بينما تسعى تركيا إلى حل داخلي، ينبغي عليها أيضاً السعي إلى مصالحةٍ تاريخيةٍ ودائمةٍ مع الأكراد السوريين».


مقالات ذات صلة

الإفراج عن 600 معتقل بين «قسد» والحكومة السورية اليوم

المشرق العربي فريق «قسد» في اجتماع مع المبعوث الرئاسي لتطبيق اتفاق 29 يناير (سانا)

الإفراج عن 600 معتقل بين «قسد» والحكومة السورية اليوم

التقى العايش، الأربعاء، مع قائد «قسد» مظلوم عبدي، وبحث معه ترتيبات إطلاق الدفعة الثانية من المعتقلين، ومتابعة ملف دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية.

«الشرق الأوسط» (القامشلي (سوريا))
المشرق العربي حديث بين سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك قبل اجتماع مجلس الأمن بشأن الوضع في الشرق الأوسط الأربعاء (رويترز)

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، في كلمة هي الأولى له خلال اجتماع لمجلس الأمن، بالإنجازات التي حققتها حكومة الرئيس أحمد الشرع حتى الآن

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري من العملية الأمنية في مدينة دمر وسط سوريا عقب هجوم «داعش» في ديسمبر الماضي (أرشيفية - وزارة الداخلية)

تحليل إخباري غياب التنسيق على الحدود السورية العراقية قد يدعم خلايا «داعش»

مخاوف من تحول الحدود السورية العراقية إلى مناطق هشة تتسرب منها خلايا تنظيم «داعش»

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي صورة للمفرج عنهم من سجن «علايا» الذي تسيطر عليه «قسد» في القامشلي خلال فبراير الماضي (الفرات)

دمشق تعمل مع «قسد» على إغلاق ملف المعتقلين السياسيين

تعمل دمشق مع «قسد» على إغلاق ملف المعتقلين السياسيين الموجودين لدى الطرفين. وطالب عدد من أهالي محافظة الحسكة بالإفراج عن أبنائهم من سجن «علايا» في القامشلي...

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي أكراد سوريون يعودون إلى منازلهم في الحسكة بعد الاتفاق بين «قسد» والحكومة السورية (رويترز)

الجيش السوري يتسلّم قاعدة بعد انسحاب قوات التحالف منها

أعلنت وزارة الدفاع السورية، اليوم، أن قوات الجيش تسلمت قاعدة عسكرية في شمال شرق البلاد بعدما انسحبت منها القوات التابعة للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

ضربات ديمونة وعراد تهز الإسرائيليين بقوة

جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)
جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)
TT

ضربات ديمونة وعراد تهز الإسرائيليين بقوة

جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)
جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)

الضربات الإيرانية الأخيرة التي أصابت، مساء السبت، بلدتي ديمونة وعراد في النقب، أحدثت هزة قوية في إسرائيل، باعتبارهما من المناطق الحساسة والخطرة لوجود منشأة ديمونة النووية فيها.

وأصيب أكثر من 140 شخصاً بجروح، بعضها خطيرة، جراء ضربتين صاروخيتين على جنوب إسرائيل، مساء السبت، هما الأكثر فتكاً منذ بدء الحرب. وجُرح 84 شخصاً، 10 منهم بجروح بالغة، في ضربة صاروخية إيرانية استهدفت بلدة عراد في جنوب إسرائيل، وذلك بعد ضربة صاروخية سبقتها على بلدة ديمونة التي تضم منشأة نووية في صحراء النقب، ما أسفر عن إصابة 58 شخصاً.

وهرع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المكان صباح الأحد، وكذلك قادة الجيش الإسرائيلي لتطمين السكان بأن الأمور تحت السيطرة، وأن إيران تحاول، وهي في «النَّفَسِ الأخير» تسجيل صورة انتصارات. فعندما ترى طهران الإسرائيليين قلقين وفزعين تستطيع أن تُقنع شعبها بأنها ما زالت تشكل قوة لضرب إسرائيل.

سماء إسرائيل

يهودي إسرائيلي يتفقد موقع هجوم صاروخي إيراني في عراد (أ.ف.ب)

لفت النظر ما كتب قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» مجيد موسوي، عبر منصة «إكس»، بعد دقائق من استهداف منطقة النقب وسقوط رؤوس صاروخية في بلدتي عراد وديمونة، قائلاً: «إيران تعلن تفوقها الصاروخي في سماء إسرائيل من الآن فصاعداً. وهي تعتزم استخدام أنظمة صاروخية جديدة في الأيام المقبلة، وهذه الأنظمة ستُفاجئ الولايات المتحدة وإسرائيل».

ورغم أن هذا التصريح الإيراني جاء رداً على الادعاءات الإسرائيلية بأنها تسيطر على سماء إيران، فإن الوصول إلى ديمونة قد أخاف الكثيرين في إسرائيل، رغم أنهم لا يشعرون بتهديد وجودي، لكن الهجوم جعلهم يتساءلون عن سبب فشل الدفاعات الأرضية في التصدي للصواريخ الإيرانية.

وجاء قصف محيط ديمونة رداً قصف إسرائيل لمنشأة نطنز، فأرسلت إيران صاروخاً انشطارياً باتجاه ديمونة، فأحدثت قنابل الصاروخ وشظاياه أضراراً جانبية. وسارعت إسرائيل للإعلان أنها ليست مسؤولة عن القصف في نطنز.

وقال الجيش الإسرائيلي في بياناته اللاحقة إن قواته نفذت ضربات واسعة داخل إيران، استهدفت مئات المواقع، بينها جامعة «مالك الأشتر للتكنولوجيا» في طهران، التي زُعم أنها تُستخدم لتطوير مكونات نووية، ومنشآت لإنتاج وتخزين الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاق ومنظومات دفاع جوي، لكن ليس نطنز.

إصابات عدة

ينظر الناس إلى المباني السكنية المتضررة جراء ضربة صاروخية إيرانية في عراد بجنوب إسرائيل (أ.ب)

ثم أطلقت إيران موجة أخرى من الصواريخ، أحدها سقط في المنطقة الصناعية في ديمونة على بعد بضعة كيلومترات من المفاعل النووي، والثاني بعد ساعتين، نحو العاشرة ليلاً بالتوقيت المحلي، سقط بين البيوت في بلدة عراد في النقب، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من ديمونة.

في ديمونة، أُصيب نحو 58 شخصاً، جراء سقوط الصاروخ الذي أدى إلى انهيار مبنى واشتعال النيران فيه، إلى جانب تسجيل أضرار في 12 موقعاً نتيجة إصابة صاروخية مباشرة وسقوط شظايا اعتراضية.

وفي عراد، أُصيب نحو 84 شخصاً، بينهم 10 حالات حرجة، وتسبب الهجوم في دمار واسع طال عدة مبانٍ واندلاع حرائق، فيما أعلنت طواقم الإنقاذ التعامل مع الحادث بأنه «حدث متعدد الإصابات».

وعلى إثر نشر أقوال السكان في الموقعين عن خطورة الضربة، وما نُشر في الإعلام بأن الوصول قرب المفاعل النووي في ديمونة، بالإضافة للحديث الإيراني عن استخدام صواريخ جديدة، ظهر الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي ليؤكد أن هذه الصواريخ استخدمت من قبل في الحرب الحالية.

المدارس مغلقة

طفل يقف ممسكاً بعربة أطفال بالقرب من موقع هجوم صاروخي إيراني في عراد (أ.ف.ب)

كما ظهر رئيس الأركان إيال زامير، متحدثاً عن اجتماع طارئ تقرر فيه التصعيد ضد إيران وتوجيه ضربات مؤلمة لعدد من المناطق الموجعة، مؤكداً أنه أعطى التعليمات للتحقيق في أسباب فشل المضادات والقبة الحديدية في التصدي للصواريخ الإيرانية.

وأعلن نتنياهو أنه أجرى مشاورات مع أعضاء المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة، لإقرار إجراءات الرد على إيران، وفي الوقت نفسه قرروا إلغاء القرار السابق بفتح المدارس يوم الاثنين، ومددوا إغلاقها أسبوعاً آخر، ما يعني أن الأوضاع الأمنية لا تتيح العودة إلى الحياة الطبيعية.

وفي التحقيقات الأولية، قالت مصادر عسكرية إن الفشل في التصدي للصواريخ الإيرانية ناجم عن خطأ تقني، إذ إن الصاروخ الاعتراضي الإسرائيلي الذي أُطلق باتجاه الصاروخ الإيراني انحرف فجأة عن مساره، ما أتاح للصاروخ الإيراني إصابة الهدف.

لكن الحديث يجري عن فشلين، لذلك فإن البعض يرى أن التفسير الرسمي يجب أن يكون مقنعاً أكثر، خصوصاً أن الضربة استهدفت المفاعل النووي، الذي بدأ تشغيله في عام 1963.

ديمونة القديم

صورة أرشيفية لمفاعل ديمونة (رويترز)

ومنذ أكثر من 15 سنة تطالب قوى اجتماعية في إسرائيل بإغلاق المفاعل لأن العمر المحدد للمفاعلات النووية لا يزيد على 50 عاماً في حين عمر مفاعل ديمونة 63 عاماً.

وأشاروا إلى أنه حتى من دون توجيه ضربة صاروخ له، فقد بات المفاعل يشكل تهديداً لسكان البلدة بأسرها، بل للجنوب الإسرائيلي والأردني وجنوب الضفة الغربية أيضاً، مشددين على أن أي إصابة له يمكن أن تتحول إلى كارثة إشعاع نووي خطيرة.

وبدأت تتصاعد الانتقادات في إسرائيل للحكومة وللجيش بسبب البيانات والتصريحات التي تكثر من الحديث عن إنجازات ومكاسب وإصرار على استمرار الحرب حتى النصر غير المحددة معالمه. ويقول هؤلاء إن المسؤولين في تل أبيب يتصرفون مثل نظرائهم الإيرانيين في الترويج للانتصارات الميدانية وتضخيمها مقابل الاستخفاف بالخسائر.

وفي هذا الصدد، كتب المراسل العسكري لموقع «واللا»، قائلاً إن هناك عملية تشويه للحقائق تُحدث بلبلة لدى الجمهور الإسرائيلي. وحذر من أنه في الوقت الحالي تُعدّ الثقة عنصراً أساسياً في «صمود الشعب»، داعياً قيادة الجيش إلى مصارحة الجمهور والكف عن التضليل.


هل دخل البرنامج الصاروخي الإيراني عتبة المدى العابر للقارات؟

رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
TT

هل دخل البرنامج الصاروخي الإيراني عتبة المدى العابر للقارات؟

رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)

يكشف إطلاق صاروخ إيراني باتجاه قاعدة «دييغو غارسيا» البريطانية - الأميركية المشتركة في المحيط الهندي عن أخطر تطور في مسار البرنامج الباليستي الإيراني منذ سنوات، إذ أعاد إلى الواجهة، دفعة واحدة، ملف الصاروخ العابر للقارات الذي لطالما نفت طهران سعيها إليه أو قللت من أهميته.

وبينما تباينت الروايات الغربية والإسرائيلية في توصيف السلاح المستخدم، فإن الحادثة أعادت مسار تطوير الصواريخ الإيرانية إلى الواجهة، وفتحت الباب أمام أسئلة مباشرة بشأن حدود المدى الفعلي، وما إذا كانت طهران تقترب من مستوى يطول عمق القارة الأوروبية.

بدأت الموجة الأحدث من الجدل مع تقارير عن إطلاق إيران صاروخاً أو صاروخين باتجاه قاعدة «دييغو غارسيا»، الواقعة على مسافة نحو 4000 كيلومتر (2500 ميل) من الأراضي الإيرانية.

وتحدثت التقارير الأولى عن إطلاق صاروخين باليستيين متوسطي المدى، سقط أحدهما في أثناء الطيران وأسقطت سفينة أميركية الآخر، بينما ذهب الجيش الإسرائيلي إلى توصيف أبعد، قائلاً إن إيران استخدمت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات من مرحلتين.

ولم يبدد هذا التباين في التوصيف الدلالة الأساسية للواقعة. فمجرد محاولة استهداف قاعدة على هذه المسافة عكس اتساع هامش المدى الإيراني إلى مستوى يتجاوز السقف الذي ظل يتكرر في الخطاب الرسمي الإيراني لسنوات وهو ألفا كيلومتر. وبذلك انتقلت القضية سريعاً من نقاش تقني إلى ملف أمني أوسع، لا يتعلق بإسرائيل والمنطقة فقط، بل بأوروبا أيضاً.

وعلى الفور، أقرت لندن، السبت، بأن إيران استهدفت القاعدة المشتركة في «دييغو غارسيا»، ووصفت الهجوم بأنه «متهور»، من دون الدخول في تفاصيل تقنية بشأن نوع الصاروخ أو مدى اقترابه من الهدف. وعكس هذا التحفظ البريطاني حرصاً على تثبيت الحدث نفسه، مع تجنب تبني الرواية الإسرائيلية الأشد تصعيداً في توصيف المدى.

ومع ذلك، فإن الإقرار البريطاني بوقوع الاستهداف كان كافياً لإبقاء النقاش مفتوحاً حول طبيعة التطور الذي بلغه البرنامج الإيراني. فالجدل لم يعد يدور فقط حول ما يمكن أن تفعله إيران مستقبلاً، بل حول ما حاولت فعله بالفعل في ساحة عمليات بعيدة.

جدل أميركي

جاء إطلاق الصاروخ بعد أسابيع من جدل في الولايات المتحدة، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن إيران تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة. لكن تقارير لاحقة نقلت عن مصادر مطلعة على التقييمات الاستخباراتية الأميركية أن هذه التقديرات لا تدعم هذا الزعم، وأن إيران لا تزال بعيدة سنوات عن امتلاك صاروخ قادر على ضرب الأراضي الأميركية على نحو موثوق.

لكن ضربة «دييغو غارسيا» قد تعيد الجدل إلى الواجهة وتعزز موقف ترمب. ورغم أنها لم تثبت بعد أن إيران قادرة على ضرب البر الأميركي، فإنها أظهرت أن هامش المدى الإيراني اتسع أكثر مما كانت تشير إليه الحدود المعلنة رسمياً، وأن مسألة الوصول إلى أهداف بعيدة لم تعد فرضية استخباراتية مجردة.

تجربة صاروخ «قدر» الباليستي فبراير 2016 وكانت أول تجربة صواريخ باليستية عقب إبرام الاتفاق النووي في فترة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما (أرشيفية - مهر)

ومن شأن الهجوم أن يضغط على الدوائر الاستخباراتية الأميركية التي شككت بتحذيرات ترمب، ليس لأن إيران صارت في اليوم التالي قادرة على إصابة نيويورك أو واشنطن، بل لأن الطريق إلى المديات الأبعد لم يعد يبدو نظرياً بالقدر نفسه.

وفي هذا السياق، قال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، الأحد إن من المهم أن إيران قد أظهرت قدرتها على إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى قادرة على ضرب أجزاء كبيرة من أوروبا.

وقال والتز، في حديث لقناة «فوكس نيوز»، إن إيران أخفت جزءاً من تطوير قدرتها على إعادة دخول الغلاف الجوي لهذا النوع من الصواريخ ضمن ما يُسمى «برنامج الفضاء»، مضيفاً: «لا أعتقد أن أحداً يتوقع رؤية إيرانيين على سطح القمر».

تحذير إسرائيلي

في إسرائيل، استثمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الواقعة إلى أقصى حد للضغط على الأوروبيين، وجاء في بيان صادر عن مكتبه، الأحد، أن إيران أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات على «دييغو غارسيا» بمدى 4000 كيلومتر، معتبراً أن ذلك يثبت أن إيران باتت قادرة على تهديد عمق أوروبا.

وبدا واضحاً أن نتنياهو لم يتعامل مع الحادثة بوصفها مجرد ضربة بعيدة المدى، بل بوصفها دليلاً إضافياً على أن البرنامج الصاروخي الإيراني تجاوز الإطار الإقليمي ودخل في حسابات الأمن الأوروبي والعالمي.

قبل نتنياهو بساعات، قدم رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير التوصيف العسكري الأوضح للحادثة، عندما قال إن إيران أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات من مرحلتين بمدى 4000 كيلومتر باتجاه هدف أميركي في «دييغو غارسيا». وأضاف أن هذه الصواريخ «ليست مخصصة لضرب إسرائيل»، وأن مداها يضع برلين وباريس وروما ضمن نطاق التهديد المباشر.

وتكمن أهمية كلام زامير في أنه ربط مباشرةً بين حادثة «دييغو غارسيا» وبين الأمن الأوروبي، وهي نقطة من المرجح ان تتكرر لاحقاً في الخطاب الإسرائيلي.

على نقيض ذلك، وصفت وسائل إعلام غربية الصواريخ بـ«متوسطة المدى»، وهو ما أبقى الخلاف قائماً حول توصيف السلاح نفسه، لا حول وقوع الاستهداف.

تغيير العقيدة الإيرانية

على الجانب الإيراني، جاءت تصريحات قائد العمليات في هيئة الأركان والقيادي في «الحرس الثوري»، الجنرال علي عبد اللهي، لتضيف بعداً آخر إلى المشهد. فقد قال إن عقيدة القوات المسلحة الإيرانية انتقلت «من الدفاع إلى الهجوم»، وإن تكتيكات الميدان عُدِّلت بما يتناسب مع هذا التحول. وأضاف أن إيران أنتجت «تجهيزات وأسلحة متطورة»، وأن استخدامها سيقلب حسابات العدو بالكامل.

ولم يتطرق عبد اللهي إلى «دييغو غارسيا» مباشرةً في هذا التصريح، لكنه قدم إشارات ودلالات مهمة تزامناً مع الجدل بشأن قدرة إيران على استهداف قاعدة «دييغو غارسيا».

ومن شأن تزامن الحديث عن انتقال العقيدة من الدفاع إلى الهجوم مع إطلاق صاروخ بعيد المدى، ألا يُبقي رسالة عبد اللهي محصورة في إطار الردع التقليدي، بل تمتد إلى إعلان استعداد لاستخدام قدرات متطورة في سياق هجومي مباشر.

قبل ذلك بأشهر، كان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي قد أعطى إشارة واضحة إلى اتجاه البرنامج، حين دعا في 12 فبراير (شباط) 2025 إلى مواصلة تطوير القدرات الصاروخية «دون توقف»، مع التشديد على رفع الدقة والابتكار.

وقال خامنئي: «التقدم يجب ألا يتوقف، لا يمكن أن نرضى (بمستوانا الحالي). وضعنا من قبل حداً لدقة صواريخنا، لكننا نشعر الآن أن هذا الحد لم يعد كافياً. يجب أن نمضي قدماً» في إشارة فُسِّرت على أنها ضوء أخضر لرفع مدى الصواريخ الباليستية. ومثَّل ذلك التوجيه محطة مهمة، لأنه رفع الملف من مستوى تصريحات القادة العسكريين إلى مستوى الغطاء السياسي من صاحب كلمة الفصل في المؤسسة الحاكمة.

خلال عملية إطلاق صاروخ «باليستي» إيراني من مكان غير معلن بإيران... صورة منشورة في 25 مايو 2023 (رويترز)

جاء خطاب خامنئي بعد فترة من تصاعد الحديث داخل إيران عن إمكان تجاوز سقف الألفي كيلومتر، وبعد تقارير ربطت بين تجارب صاروخية ومنشآت إنتاج واختبار جديدة. وبذلك بدا أن التوجيه لم يكن معزولاً عن مسار قائم، بل أقرب إلى تثبيت رسمي له.

أوروبا في الخطاب

في أغسطس (آب) 2025 قال أمير حياة مقدم، النائب المقرب من «الحرس الثوري»، إن جميع الدول الأوروبية باتت في مرمى الصواريخ الإيرانية، مضيفاً أن طهران تستطيع نظرياً استهداف واشنطن ونيويورك من البحر.

جاء هذا التصريح في سياق توتر متصاعد مع أوروبا حينها، حول ملف «سناب باك» لإعادة العقوبات الأممية الذي تم تفعيله في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنه حمل في الوقت نفسه معنى أوسع يتعلق بكيفية تقديم البرنامج الصاروخي بوصفه أداة ردع خارج الإطار الإقليمي المباشر.

كانت هذه من أكثر اللحظات صراحة في الخطاب الإيراني بشأن أوروبا. فالحديث لم يعد يقتصر على الإيحاء بإمكان رفع المدى أو التلميح إلى مراجعة الحدود المعلنة، بل صار يتضمن وضع أوروبا نفسها ضمن دائرة التهديد الصريح، مع توسيع النقاش ليشمل، نظرياً، أهدافاً أميركية أبعد.

إشارات أقدم

لم يبدأ هذا المسار في 2025 ودخول حرب الظل مع إسرائيل إلى المواجهة المباشرة. وفي فبراير 2023 قال قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده، إن سقف 2000 كيلومتر للصواريخ الإيرانية قائم «احتراماً للأوروبيين»، في صيغة أوحت بأن هذا الحد ليس تقنياً ثابتاً بقدر ما هو قرار سياسي قابل للمراجعة.

وبعد ثلاثة أيام من تحذير حاجي زاده، قال قائد «الحرس الثوري» السابق حسين سلامي، إن إيران تستطيع زيادة مدى أسلحتها، داعياً الأوروبيين إلى الحذر وعدم تعريض أنفسهم للخطر. وقُتل كل من حاجي زاده وسلامي في الضربات الأولى من حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران).

ويعود هذا النوع من الخطاب إلى ما هو أقدم من ذلك. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 دعا سلامي، وكان آنذاك نائباً لقائد «الحرس الثوري»، الأوروبيين إلى عدم تحدي إيران في الملف الصاروخي والاعتراف بقدراتها.

وهذا يعني أن البعد الأوروبي كان حاضراً في الخطاب الصاروخي الإيراني قبل سنوات من التحول الأخير، وإن كان قد اتَّخذ يومها طابعاً سياسياً أقل مباشرةً مما ظهر لاحقاً.

من الفضاء إلى الميدان

ولطالما أبدت القوى الغربية قلقها من أنشطة إيران لتطوير برامج متعلقة بإرسال صواريخ حاملة للأقمار الاصطناعية إلى مدار الأرض. فالولايات المتحدة وحلفاؤها ينظرون إلى هذا البرنامج بوصفه أحد المسارات التي قد تسرّع تطوير صواريخ أبعد مدى، لا سيما مع استخدام تقنيات تتداخل مع البرنامج الباليستي، مثل المحركات العاملة بالوقود الصلب، وتعدد المراحل، وأنظمة الدفع والتوجيه.

وتكررت التحذيرات الأوروبية لإيران من أن إطلاق الأقمار الاصطناعية، بوصفه مساراً يمنح إيران خبرة تقنية متراكمة يمكن توظيفها لاحقاً في تطوير صواريخ تقترب من المديات العابرة للقارات.

في هذا السياق، اكتسب إطلاق القمر العسكري «نور 3» في سبتمبر 2023، ثم إطلاق «تشمران - 1» في سبتمبر 2024، دلالة تتجاوز البعد الفضائي البحت. فواشنطن وصفت برنامج الإطلاق الفضائي الإيراني أكثر من مرة بأنه غطاء لأنشطة باليستية بعيدة المدى، وربطت بين تطوير الحوامل الفضائية وبين احتمال تقصير الطريق إلى صاروخ عابر للقارات.

صاروخ «سلیماني» الباليستي خلال عرضه إلى جانب صاروخ يحمل أقماراً اصطناعية خلال مسيرة ذكرى الثورة في فبراير الماضي (تسنيم)

تستند هذه المخاوف إلى تقديرات استخباراتية وخبرات فنية تراكمت خلال السنوات الماضية. ومن أبرز ما استندت إليه المواقف الغربية ما أورده تقييم مجتمع الاستخبارات الأميركي لعام 2022، الذي قال إن تطوير مركبات إطلاق الأقمار الاصطناعية «يقصِّر الجدول الزمني» لإيران لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، لأن التقنية المستخدمة متشابهة.

كما ركز خبراء غربيون على الصواريخ الحاملة العاملة بالوقود الصلب بوصفها أكثر العناصر إثارةً للقلق، نظراً إلى ما توفره من قابلية للتخزين والاستجابة السريعة وإمكان البناء على تقنياتها للوصول إلى مديات أبعد.

ولم تكن المخاوف الغربية مرتبطة فقط بالإطلاقات الفردية، بل أيضاً بالبنية الصناعية التي كشفت عنها صور الأقمار الاصطناعية في منشآت إيرانية لتوسيع إنتاج الصواريخ ومحركاتها.

في هذا الإطار، تبدو ضربة «دييغو غارسيا» أكثر من مجرد حادثة ميدانية فاشلة. فهي لم تثبت نهائياً أن إيران أصبحت تملك قدرة مستقرة ومكتملة على تشغيل صاروخ عابر للقارات بالمعنى العسكري الكامل، لكنها كشفت عن أن المسار الذي لطالما دار حوله الجدل لم يعد يمكن فصله عن الوقائع الميدانية. كما أظهرت أن السقف الذي تحدثت عنه طهران طويلاً بوصفه حداً لمدى صواريخها لم يعد كافياً لشرح طبيعة التطور الحاصل.


تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)
مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)
TT

تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)
مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)

بينما يتصاعد الجدل في تركيا حول لوائح قانونية مرتقبة بشأن «عملية السلام» التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، كشفت مصادر عن توجّه لتصنيف عناصر الحزب إلى 4 فئات بهدف تحقيق الاندماج في إطار هذه العملية.

ومن المتوقع أن يبدأ البرلمان التركي مناقشة تقرير أعدته لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، التي شكّلها لاقتراح الإطار القانوني لنزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» خلال الأيام المقبلة داخل لجنة العدل، على أن تناقش اللوائح القانونية التي توافق عليها اللجنة في الجلسات العامة للبرلمان لاحقاً.

وبينما تتواصل النقاشات حول الإطار القانوني المقترح للعملية التي تطلق عليها أنقرة «مسار تركيا خالية من الإرهاب»، قالت مصادر في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم إن هناك توجهاً لتصنيف أعضاء «العمال الكردستاني» إلى 4 فئات، على أساس التورط في «الأعمال الإرهابية» التي ارتكبها الحزب ضد الدولة التركية على مدى ما يقرب من نصف قرن.

عملية تصنيف

وبحسب ما نقلت صحيفة «تركيا» القريبة من الحكومة التركية عن تلك المصادر، الأحد، سيتم تصنيف أعضاء «العمال الكردستاني» إلى «متورطين في جرائم، وغير متورطين، ومطلوبين، وسجناء».

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» نفذت انسحاباً من تركيا في 26 أكتوبر الماضي تنفيذاً لدعوة أوجلان (رويترز)

ولفتت المصادر إلى وجود نحو 4 آلاف عضو من الحزب في السجون حالياً، منهم أكثر من 500 عضو يقضون أحكاماً بالسجن لمدد مشددة، بمن فيهم زعيمه عبد الله أوجلان، المحكوم بالسجن المؤبد المشدد، والذي أمضى ما يقرب من 27 سنة من مدة محكوميته، وتتصاعد المطالبات بإطلاق سراحه استناداً إلى قيادته لـ«عملية السلام» الحالية.

وأكدت المصادر مجدداً أن إقرار اللوائح القانونية يبقى رهناً لتأكيد مؤسسات الدولة المعنية (المخابرات ووزارتا الدفاع والداخلية) الانتهاء بشكل كامل من نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني». وأضافت أنه بناء على ذلك، قد يُصدر الرئيس رجب طيب إردوغان توجيهات بسن «قانون إطاري» خلال أبريل (نيسان) المقبل، استناداً إلى تقرير من جهاز المخابرات يؤكد اكتمال عملية نزع الأسلحة.

رفعت لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» تقريرها حول المتطلبات القانونية لـ«عملية السلام» إلى البرلمان في 18 فبراير الماضي (البرلمان التركي - إكس)

في الوقت ذاته، أشارت المصادر إلى احتمال أن تؤدي الحرب في إيران إلى إبطاء المسار القانوني للعملية لبعض الوقت.

وبالتوازي، ترددت مزاعم بشأن إرسال أوجلان رسالة إلى الرئيس المشارك السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية»، صلاح الدين دميرطاش، السجين منذ عام 2017 في سجن أدرنة في غرب تركيا، طلب منه فيها الاستعداد للعودة إلى معترك السياسة.

أوجلان يسعى لحزب جديد

وبحسب وسائل إعلام تركية قريبة من الجانب الكردي، تضمنت الرسالة مطالبة أوجلان لدميرطاش بالاستعداد لقيادة حزب سياسي جديد، سيكون له زعيم واحد، وأن أوجلان يرى أن دميرطاش هو الشخص المناسب لهذا المنصب.

وسبق أن تحدث مسؤولون في حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، عن رغبة أوجلان في إطلاق حزب جديد يحل محل الأحزاب الكردية التقليدية، ويواكب «عملية السلام» والاندماج الديمقراطي، ولا يركز فقط على القاعدة الكردية، بل يصبح حزباً يمثل فيه الأكراد والأتراك.

أكراد في تركيا يرفعون صورة لدميرطاش للمطالبة بإطلاق سراحه خلال أحد تجمعاتهم في إسطنبول (حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» - إكس)

واعتُقل دميرطاش، وهو محامٍ وسياسي كردي بارز، عام 2017 مع الرئيسة المشاركة لحزب «الشعوب الديمقراطية»، فيجان يوكسكداغ، وعدد آخر من السياسيين الأكراد بتهم تتعلق بدعم «منظمة إرهابية» (حزب العمال الكردستاني)، ويواجه حزبهما دعوة إغلاق منذ سنوات لم تبت فيها المحكمة الدستورية حتى الآن.

وأصدرت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية قرارات عدة بالإفراج الفوري عن دميرطاش، الذي نافس إردوغان في انتخابات الرئاسة مرتين؛ الأولى عام 2014، والثانية من داخل السجن عام 2018، ونجح عام 2015 في قيادة حزب كردي في تركيا لدخول البرلمان بكتلة برلمانية بعد اجتياز العتبة الانتخابية (10 في المائة من أصوات الناخبين في ذلك الوقت).

دميرطاش يعود للواجهة

وطالب رئيس حزب «الحركة القومية» حليف حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، أكثر من مرة بتنفيذ قرارات محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بالإفراج عن دميرطاش، بعدما أطلق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» نيابة عن «تحالف الشعب»، في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، والتي بموجبها أطلق أوجلان في 27 فبراير (شباط) 2025 «نداء من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي»، دعا فيه حزب «العمال الكردستاني» إلى حل نفسه وإلقاء أسلحته.

ويعد إطلاق سراح دميرطاش، ويوكسكداغ، وباقي النواب والسياسيين الأكراد السجناء، أحد المطالب الرئيسية لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب».

الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تونجر باكيرهان متحدثاً خلال احتفال بـ«عيد النوروز» في ديار بكر جنوب شرق تركيا وخلفه صورة لأوجلان (حساب الحزب في «إكس»)

وفي كلمة خلال احتفالات «عيد النوروز» في ديار بكر، السبت، حيث احتشد آلاف الأكراد، طالب الرئيس المشارك للحزب، تونجر باكيرهان، بإطلاق سراح أوجلان، وتمكينه من أن يحضر احتفالات «النوروز» في ديار بكر، وأن يتحدث إلى الشعب. كما جدد المطالبة بإطلاق سراح دميرطاش ويوكسكداغ وباقي السجناء، واتخاذ الخطوات القانونية لحل المشكلة الكردية، داعياً الحكومة إلى سن «قانون السلام»، والمعارضة إلى دعم السلام، والرأي العام إلى تبني عملية «المصالحة والتسامح»، والأكراد إلى العمل في إطار وحدة ديمقراطية.