جدل حول تعيين شخصية فلسطينية لإدارة حكم قطاع غزة

من هو سمير حليلة صاحب الاسم المطروح؟

فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)
فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

جدل حول تعيين شخصية فلسطينية لإدارة حكم قطاع غزة

فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)
فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)

أثار تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الثلاثاء، ويحمل معلومات نقلاً عن منظمة «شومريم» أو «الحراس» اليهودية الأميركية حول تعيين شخصية فلسطينية لإدارة القطاع جدلاً واسعاً ما بين تأكيد ونفي.

فبينما نفى مصدر مسؤول في الرئاسة الفلسطينية صحة ما نُقل عن تعيين رجل الأعمال الفلسطيني سمير حليلة حاكماً لقطاع غزة بعلم من القيادة الفلسطينية، أكد حليلة بنفسه خلال لقاءات مع إذاعات محلية في رام الله أن هناك لقاءات واتصالات جرت بهذا الصدد، بهدف الانتقال لليوم التالي للحرب، لكنها لم تفضِ إلى نتائج.

وشدد المصدر الفلسطيني الرسمي على أن «الجهة الوحيدة المخولة بإدارة قطاع غزة هي دولة فلسطين ممثلةً بالحكومة أو لجنتها الإدارية المتفق عليها والتي يرأسها وزير في الحكومة»، مؤكداً أن أي تعاطٍ مع غير ذلك «يعدّ خروجاً عن الخط الوطني، ويتساوق مع ما يريده الاحتلال الذي يريد فصل غزة عن الضفة، وتهجير سكانها»، مؤكداً أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية.

فلسطينيون يتدافعون للحصول على مساعدات من شاحنة في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

وقال حليلة، في مقابلة مع إذاعة «أجيال» المحلية، إنه تلقى بالفعل اتصالاً قبل أشهر من مقاول كندي يعمل مع الإدارة الأميركية للبحث عن شخص لتولي إدارة قطاع غزة يكون مقبولاً لدى كل الأطراف، كأحد شروط وقف الحرب.

وأشار إلى أنه ناقش العرض مباشرةً مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحصول على دعمه ومباركته، دون أن يوضح ما إذا كان قد وافق أو رفض، مكتفياً بالتأكيد على أن المطلوب مباركة الأطراف وليس موافقتهم ليسير المقترح قدماً.

وأضاف أنه ليس لديه اتصالات مباشرة مع حركة «حماس»، مشيراً إلى استعداده لتنفيذ ما يُطلب منه بهذا الشأن فلسطينياً وعربياً ودولياً.

ولم تعلق «حماس» على تلك الأنباء، سواء المتعلقة بالتقرير العبري، أو بتصريحات حليلة نفسه.

وقال حليلة، في مقابلة أخرى مع إذاعة «راديو الناس» المحلية: «تلقّيت عرضاً من البيت الأبيض يتعلّق بإدارة شؤون اليوم التالي في غزة، وتواصلت مع السلطة الفلسطينية في هذا الشأن. تم طرح اسمي لأنني مستقل سياسياً».

وأضاف: «اشترطت على الأميركيين قبول الشرعية الفلسطينية، وتوفير قوات عربية في القطاع لفرض الأمن والسلطة في غزة».

من أين بدأت المبادرة؟

وفقاً لما هو منشور في «يديعوت أحرونوت»، نقلاً عن منظمة «شومريم» المعنية بالقضية، فإن وثائق قُدمت إلى وزارة العدل الأميركية في الأشهر الأخيرة تشير لتحركات تتعلق بتنصيب حاكم جديد لغزة، يكون مقبولاً لدى إسرائيل والولايات المتحدة والأطراف العربية، بما يسمح بالتقدم نحو «اليوم التالي» للحرب بغزة.

وأشارت إلى أن آري بن مناشيه، الناشط في جماعات الضغط والذي يعمل من كندا، هو من يقود هذا الحراك، وقالت إن المبادرة اكتسبت زخماً في الأسابيع الأخيرة، ويعود ذلك جزئياً إلى اجتماعات عُقدت بهذا الشأن في الولايات المتحدة، واتصالات أجراها حليلة بنفسه.

فلسطينيون يحاولون الحصول على مياه بمنطقة مواصي خان يونس بجنوب قطاع غزة وسط حرارة لافحة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وبن مناشيه إسرائيلي وُلد في إيران، وصنع لنفسه في الماضي اسماً في سياقات لم تكن غالبيتها إيجابية، كما تذكر صحيفة «يديعوت أحرونوت» التي أشارت إلى أنه اتُّهم في أوائل الثمانينات بالتورط في قضية «إيران غيت»، وحوكم في الولايات المتحدة، وتمت تبرئته، وحينها هاجر إلى أستراليا ثم إلى كندا.

وادعى بن مناشيه أنه عمل سابقاً لحساب جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) ورئيس الوزراء الأسبق إسحاق شامير، ثم فنَّدت إسرائيل مزاعمه تلك ونفتها بشدة.

وبحسب الوثائق المقدمة لوزارة العدل الأميركية، فإن بن مناشيه سجل نفسه كجماعة ضغط لصالح حليلة قبل عدة أشهر، ضمن حملة بهدف التأثير على صناع القرار في الولايات المتحدة للترويج لترشيحه لمنصب حاكم غزة، في مبادرة ترتكز على فكرة أن جميع الأطراف المعنية تُفضل أن يدير القطاع شخصية فلسطينية مقبولة عربياً وأميركياً.

وبحسب الصحيفة العبرية، فإن هذه الخطوة أُطلقت العام الماضي، في نهاية ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، لكنها لم تكتسب زخماً إلا بعد وصول دونالد ترمب للبيت الأبيض.

تفاصيل الخطة

تُظهر الوثائق التي قدمها بن مناشيه أن الخطة تتضمن نشر قوات أميركية وعربية بغزة، واعتراف الأمم المتحدة بوضع غزة الخاص، ومن ثم يمكن أن تمثل حلاً لاعتراض إسرائيل على دخول السلطة الفلسطينية رسمياً إلى قطاع غزة.

وقال حليلة لمنظمة «شومريم» إن المبادرة نفسها كانت فكرة بن مناشيه الذي جاء من كندا لمقابلته، وعرض عليه الفكرة، وقبلها، مشيراً إلى أنه دفع لبن مناشيه حتى الآن 130 ألف دولار للترويج للفكرة. وذكرت منظمة «شومريم» أن إجمالي قيمة العقد المبرم بين حليلة وشركة بن مناشيه تبلغ نحو 300 ألف دولار.

ويقول حليلة إن نجاح هذه الخطة مرتبط بشكل أساسي بالتزام الأطراف بوقف دائم للنار وإنهاء الحرب، من أجل الحديث عن اليوم التالي، بحيث يكون قادراً على إدارة قطاع غزة وإعماره بدعم عربي ودولي، وإدخال المساعدات بشكل منظَّم، وفتح معابر حرة للبضائع من دون قيود إسرائيلية، وإعادة فرض القانون والنظام، بما يضمن عدم وجود أي سلاح سوى للجهة الأمنية التي ستحكم القطاع، بما في ذلك أسلحة «حماس» و«الجهاد الإسلامي».

فلسطيني يحمل جثمان أخته التي سقطت في هجوم إسرائيلي وذلك خلال تشييعها بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

ورأى أن هناك بصيص أمل في التقدم نحو ذلك، بعد أن أصبحت إسرائيل أكثر انفتاحاً لأول مرة لمناقشة إنهاء الحرب.

حليلة في سطور

سمير حليلة من مواليد أريحا عام 1957، ويقيم في رام الله، وهو خبير اقتصادي، وشخصية سياسية وتجارية معروفة في أوساط الفلسطينيين خاصةً بالضفة الغربية، وله علاقات واسعة في السلطة الفلسطينية، إلى جانب علاقاته التجارية الممتدة داخلياً وخارجياً.

شغل حليلة مناصب حكومية، منها منصب الأمين العام للحكومة الفلسطينية في حكومة رئيس الوزراء الأسبق أحمد قريع عامي 2005 و2006، ووكيل وزارة الاقتصاد من عام 1994 إلى 1997، ورئيس مجلس إدارة المعهد الفلسطيني لأبحاث السياسات الاقتصادية، وعضو مجلس إدارة مركز التجارة الفلسطيني، والرئيس التنفيذي لشركة «باديكو» أكبر شركة قابضة في الأراضي الفلسطينية، ورئيس مجلس إدارة بورصة فلسطين من أغسطس (آب) 2022 إلى مارس (آذار) 2025.

دخان يتصاعد من مبان دمرتها ضربة إسرائيلية في غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

ويعدّ حليلة مقرباً جداً من رجل الأعمال بشار المصري، الملياردير الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الأميركية، والذي كان وراء إنشاء مدينة روابي الفلسطينية، أكبر مشروع للقطاع الخاص في الأراضي الفلسطينية، والمعروف بصلاته الجيدة بإدارة ترمب، وله علاقات مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وآدم بوهلر، وكان يلعب دوراً في محاولات التوصل لاتفاق بين «حماس» والولايات المتحدة، خاصةً في قضية الرهينة عيدان ألكسندر الذي يحمل الجنسية الأميركية والذي أُفرج عنه مؤخراً بمشاركة رجال أعمال آخرين منهم بشارة بحبح.


مقالات ذات صلة

«وزاري إسلامي» يبلور موقفاً موحداً إزاء تطورات الصومال

الخليج جانب من أعمال الدورة الاستثنائية للمجلس الوزاري الإسلامي بشأن الصومال في جدة السبت (الخارجية السعودية)

«وزاري إسلامي» يبلور موقفاً موحداً إزاء تطورات الصومال

أكدت السعودية رفضها أي محاولات لفرض كيانات موازية تتعارض مع وحدة الصومال وسلامة أراضيه، وأي تقسيم أو إنقاص لسيادته، مُجدَّدة دعمها لمؤسسات الدولة الصومالية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي فلسطينيون يشقون طريقهم وسط المباني المتضررة جراء الحرب في جباليا بشمال قطاع غزة (أ.ف.ب) play-circle

«حماس»: لدينا قرار بحل الجهات الحكومية التي تدير غزة

دعت حركة «حماس» الفلسطينية، اليوم السبت، للإسراع بتشكيل لجنة التكنوقراط التي من المقرر أن تتولى إدارة الأوضاع في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يبحث مع نظيره الأردني أيمن الصفدي ترتيبات القمة العربية الطارئة يوم 3 مارس 2025 (إ.ب.أ) play-circle

مصر والأردن تؤكدان ضرورة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار في غزة

أكدت مصر والأردن، اليوم السبت، ضرورة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتنفيذ بنوده كاملة وفق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. 

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي طفل فلسطيني يبكي بسبب البرد وظروف الحياة القاسية بعدما تضررت خيمة عائلته في خان يونس بجنوب قطاع غزة بسبب الرياح والأمطار الجمعة (إ.ب.أ)

إسرائيل تواصل تصعيدها الميداني... والظروف الإنسانية تتفاقم في غزة

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني بحق الفلسطينيين في قطاع غزة مع استمرار المنخفضات الجوية الشتوية التي تفاقم معاناة النازحين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية فلسطينية تطهو الطعام بين حطام منزلها في غزة (رويترز)

تركيا تتوقع انتقالاً قريباً إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة

توقعت تركيا أن يتم الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، خلال الأيام القليلة القادمة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الجيش الأميركي يشن ضربات واسعة ضد أهداف لـ«داعش» في سوريا

مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يشن ضربات واسعة ضد أهداف لـ«داعش» في سوريا

مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)

أكدت القيادة المركزية الأميركية، السبت، شن ضربات واسعة النطاق ضد أهداف لتنظيم «داعش» في سوريا.

وقالت القيادة المركزية، في بيان، إن الضربات جاءت ضمن العملية التي بدأت في 19 ديسمبر (كانون الأول) بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب.

وأضافت القيادة أن الضربات تأتي ضمن «التزامنا المستمر باستئصال الإرهاب ضد قواتنا وقوات التحالف بالمنطقة».

كانت قناة تلفزيون «فوكس نيوز» قد نقلت عن مسؤولين قولهم، في وقت سابق اليوم، إن عدة أهداف تابعة لـ«داعش» في سوريا تعرضت لضربات جوية. ولم تتضح بعد نتائج هذه الضربات.

وقالت وزارة الدفاع البريطانية، السبت، إن القوات الجوية البريطانية والفرنسية ​نفذت عملية مشتركة لقصف مستودع أسلحة تحت الأرض يشتبه في أن تنظيم «داعش» في سوريا كان يستخدمه.

وتقوم الطائرات الغربية بدوريات لمنع التنظيم المتشدد الذي حكم أجزاء ‌من سوريا ‌حتى عام 2019 ‌من ⁠الظهور ​مجدداً. ‌وقالت بريطانيا إن تحليلاً مخابراتياً حدد منشأة تحت الأرض يُعتقد أنها تُستخدم لتخزين الأسلحة والمتفجرات في الجبال الواقعة شمال تدمر.

وقال وزير ⁠الدفاع البريطاني جون هيلي: «يُظهر هذا العمل قيادة المملكة المتحدة وعزمها على الوقوف جنباً إلى جنب مع حلفائنا لمنع أي عودة لـ(داعش) وآيديولوجياتهم الخطيرة والعنيفة في الشرق الأوسط».


سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
TT

سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)

قُطعت المياه عن مدينة حلب مساء اليوم (السبت) بعد إيقاف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ضخ مياه نهر الفرات شرق حلب، مما يهدد ملايين الناس في مدينة حلب وريفها بالعطش.

وقالت وزارة الطاقة السورية في بيان لها، تلقت وكالة الأنباء الألمانية نسخة منه: «توقف ضخ المياه من محطة البابيري في ريف حلب الشرقي عند الساعة 30: 5 من مساء اليوم، وذلك نتيجة إيعاز مباشر من عناصر عسكرية تابعة لتنظيم (قسد)».

وأكد بيان وزارة الطاقة أن «محطة البابيري تخضع لسيطرة تنظيم (قسد)، وتعد المصدر الرئيس المغذي لمدينة حلب وريفها، وقد أدى توقفها إلى حدوث أضرار مباشرة طالت كامل المحافظة، وانعكست سلباً على حياة المواطنين والخدمات الأساسية».

قوات أمن سورية تنتشر بحي الشيخ مقصود في حلب (أ.ب)

وحمّلت وزارة الطاقة السورية «تنظيم (قسد) المسؤولية الكاملة عن هذا الانقطاع المتعمد. ونؤكد أن استهداف البنية التحتية الحيوية وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية يعدان انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الإنسانية والدولية».

وجاء في بيان الوزارة: «التزامنا ببذل كل الجهود الممكنة لإعادة ضخ المياه وتأمين الخدمات، وندعو الجهات المعنية والمنظمات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه هذه الممارسات التي تمس الأمن الخدمي والإنساني لملايين المواطنين».


ملف الأمن تحدٍّ مركزي لعهد الرئيس اللبناني في عامه الثاني

الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
TT

ملف الأمن تحدٍّ مركزي لعهد الرئيس اللبناني في عامه الثاني

الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)

تزامن مرور عام على تولّي الرئيس اللبناني جوزيف عون رئاسة الجمهورية، مع مرحلة سياسية وأمنية واقتصادية معقّدة يشهدها لبنان، في ظل تداخل الأزمات الداخلية مع تداعيات الحرب الإسرائيلية والتطورات الإقليمية. وخلال السنة الأولى من العهد، برزت مقاربات مختلفة في إدارة عدد من الملفات السيادية والأمنية والعلاقات الخارجية، بحيث يبقى ملف الأمن تحدياً مركزياً في المرحلة المقبلة.

وانتخب قائد الجيش السابق جوزيف عون في 9 يناير (كانون الثاني) 2024 بعد أكثر من عامين من الفراغ في سدة الرئاسة، متعهداً بأن تبدأ معه «مرحلة جديدة من تاريخ لبنان».

وجاء انتخاب عون الذي حظي بتأييد واسع من الكتل النيابية، بمن فيهم الثنائي الشيعي؛ حركة «أمل» و«حزب الله»، بعد نحو ثلاثة أشهر من الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان، التي انتهت بـ«اتفاق وقف الأعمال العدائية» ينص بشكل أساسي على حصرية السلاح بيد الدولة وسحب سلاح «حزب الله».

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً البابا ليو الرابع عشر في بيروت (الرئاسة اللبنانية)

العهد أعاد انتظام المؤسسات

«مرور سنة على العهد يفرض تقييماً موضوعياً لما تحقق وما لم يتحقق على المستوى السياسي»، حسب ما يؤكد عضو اللقاء الديمقراطي (الحزب التقدمي الاشتراكي)، النائب بلال عبد الله، معتبراً أنّ أبرز ما يُسجَّل هو إعادة وضع المؤسسات الدستورية والإدارية على السكة الصحيحة.

وأوضح عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنّ السنة الأولى شهدت «قيام حكومة فعلية، وبداية تنشيط جدي للإدارة العامة، وملء مجالس إدارات وهيئات ناظمة طال انتظارها، إضافة إلى الشروع في معالجة ملفات مزمنة تتعلق بقوانين إصلاحية قديمة أو غير مكتملة»، لافتاً إلى أن «ملف القضاء كان من العناوين التي حظيت بتركيز واضح خلال هذه المرحلة».

اجتماع بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

واعتبر أنّ «أهم إنجاز سياسي يتمثّل في الالتزام العملي بخطاب القسم، ولا سيما العمل مع رئيس الحكومة على تثبيت منطق الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، من دون تعريض الساحة الداخلية لأي اهتزاز أمني»، مشيراً إلى أنّ سياسة الانفتاح على الدول الراغبة بمساعدة لبنان شكّلت خياراً ثابتاً، وتجلّت خصوصاً في تعزيز الحضور اللبناني ضمن المسارات الدبلوماسية والآليات الدولية المعنية بالوضع اللبناني».

إصلاحات لم تكتمل

في المقابل، شدّد عبد الله على أنّ «الإصلاحات المالية الجوهرية لم تُنجز بعد»، مؤكداً أنّ «أي إصلاح مالي لا قيمة له إذا لم ينصف المودعين، ولم تُستكمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، باعتبارها المدخل الطبيعي لاستعادة الثقة وجذب الاستثمارات والمساعدات».

ملف الأمن تحدٍّ مركزي

وقال عبد الله هذه الملفات «لا تقع على عاتق مجلس الوزراء والعهد وحدهما، بل تتطلب تعاوناً مباشراً ومسؤولاً مع مجلس النواب»، لافتاً إلى أنّ ملف الأمن وبسط سلطة الدولة يشكّل تحدياً مركزياً في المرحلة المقبلة.

وأضاف: «خطة الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني أُنجزت، فيما يُفترض الانتقال إلى خطوات شمال الليطاني»، لكنه ربط ذلك «بالحاجة إلى حدّ أدنى من وقف الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، ووقف مناخ التهويل المستمر بحرب جديدة على لبنان»، معتبراً أنّ «غياب أي ضمانات فعلية بوقف العدوان أو الانسحاب الإسرائيلي يُعقّد مهمة الدولة».

الرئيس جوزيف عون خلال الاحتفال بذكرى شهداء الجيش في وزارة الدفاع الوطني (الرئاسة اللبنانية)

وفيما أكّد أنّ «العهد، ضمن الظروف الداخلية والخارجية القائمة، كان على مستوى المسؤولية وسعى إلى توفير الحد الأدنى من الاستقرار والأمان للبنانيين»، ولفت إلى أنّ «استكمال بناء الدولة لا يرتبط فقط بالعمل الداخلي، بل أيضاً بالمسار الخارجي»، مشدّداً على أنّ «(حزب الله) لا يسهّل هذه المهمة في كثير من المحطات، إلا أنّ الإسرائيلي يبقى العامل الأخطر والأكثر تهديداً للاستقرار اللبناني».

انتقال من الخطاب إلى الفعل

بدوره، رأى المحلل السياسي عباس ضاهر أن قضية حصر السلاح شكّلت الملف الأبرز في العام الأول من العهد.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن قرار دعم الخطة العسكرية لبسط سلطة الدولة جنوب نهر الليطاني، وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة، أعادا تثبيت معادلة الدولة مرجعيةً وحيدةً للأمن، ولو ضمن نطاق جغرافي محدد.

وأشار ضاهر إلى أن «الملف الأبرز يتمثّل في مقاربة رئيس الجمهورية لمسألة حصر السلاح بيد الدولة، من خلال طرح مفهوم الاستراتيجية الأمنية الوطنية، وما رافقه من دعم سياسي لإقرار الخطة العسكرية في مجلس الوزراء»، معتبراً أن «هذا المسار شكّل الإطار العملي الأول لمعالجة هذا الملف الشائك، لا سيما جنوب نهر الليطاني، في انتظار استكمال المعطيات المرتبطة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتطورات الوضع الميداني».

غير أن هذا التقدّم بقي محكوماً بسقف التوازنات الداخلية والإقليمية، في ظل استمرار الخلاف حول مصير سلاح «حزب الله» خارج الجنوب، ما دفع العهد إلى اعتماد مقاربة تدريجية، تُراكم الوقائع بدل الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.

الرئيس عون متفقداً غرفة عمليات الأمن الداخلي ليلة رأس السنة (الرئاسة اللبنانية)

استعادة هيبة الدولة

وشدّد ضاهر على «أنّ الإصرار على معالجة الواقع الأمني، وهو أحد العناوين الأساسية في خطاب القسم، تُرجم للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بسلسلة توقيفات طالت كبار تجّار المخدرات والمتورطين في الجرائم المنظمة»، معتبراً أن «هذا التحوّل يعكس قراراً سياسياً واضحاً بإعادة الاعتبار لهيبة الدولة، بعيداً عن منطق التسويات أو المحسوبيات».

عودة إلى الحضن العربي

على المستوى الخارجي، سجّل العهد اختراقاً واضحاً في ملف العلاقات العربية، بعد سنوات من القطيعة والجفاء. فقد أعاد لبنان فتح قنوات التواصل السياسي مع عواصم عربية أساسية، مستنداً إلى خطاب رسمي أقل استفزازاً، وأكثر التزاماً بالحياد.