محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

رحلة البحث عن شعره واستحضاره من جديد

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري
TT

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

شكَّل الشاعر محمود البريكان ظاهرة كبيرة في الشعرية العراقية والعربية، اتسمت بجودة شعره وباحتجابه وزهده في الحضور والنشر، فنادراً ما تجد شاعراً زاهداً في حضور المهرجانات أو الدعوات والسفر وطباعة الدواوين واللقاءات التلفزيونية، والكثير الكثير من عوامل النجومية والشهرة التي يطمح أغلب الشعراء لها، إلا أن البريكان زهد بكل ذلك. ولكنه في الوقت نفسه، بقي ساهراً وحارساً على القصيدة العربية الحديثة، يتأملها ويراجع فيها، يضيف لها مزاجاً مختلفاً عن معظم الرواد، فينفر بها بعيداً عن غنائية جيله، ورومانسيتهم، يغذِّي قصيدته بمرجعيات ثقافية كبرى، ربما تعدى شعراء مجايلين له بخطوات عديدة، حيث الثقافة العربية والأجنبية تدخل بقوة في نسيج القصيدة البريكانية، تلك التي تحولت بفضل صاحبها المحتجب إلى ما يشبه الأسطورة، حيث تنسج الحكايات والقصص الغريبة عن شاعر عراقي اسمه محمود البريكان يراه شعراء البصرة بعدد محدود جداً. لم يكن متاحاً للجميع، لذلك تحول إلى أسطورة الغائب الشعري، الذي نتسقط حكاياته وأسراره، حتى قيل لنا إن قصائده أيام الحرب العراقية - الإيرانية كانت مودَعة في مصرف الرافدين فرع البصرة، وهي حكاية غريبة لم نتثبت من صحتها، ولكن البريكان تحول مثل كرة الثلج إلى حكايات وأساطير، حتى موته كان يشبه الأسطورة حين تنبأ به في أحد نصوصه:

على الباب نقر خفيف

على الباب نقر بصوت خفيف ولكن شديد الوضوح

يعاود ليلاً. أراقبه. أتوقعه ليلة بعد ليلة

أصيخ إليه بإيقاعه المتماثل

يعلو قليلاً قليلاً

ويخفت

أفتح بابي

وليس هناك أحد

مَن الطارق المتخفِّي؟ ترى؟

شبح عائد من ظلام المقابر؟

ضحية ماضٍ مضى وحياة خَلَتْ

أتت تطلب الثأر؟

روح على الأفق هائمة أرهقتها جريمتها

أقبلت تنشد الصفح والمغفرة؟

رسول من الغيب يحمل لي دعوة غامضة

ومهراً لأجل الرحيل

وهذا الغياب المتعمَّد من البريكان نظر إليه نقّاد وباحثون منهم الدكتور حيدر سعيد، حيث سمّاه «شهوة الغياب»، فمثلما أن للحضور شهوة، كذلك فإن للغياب شهوةً تمنح الغائب هالة عظيمة، وهذا ما كان عليه محمود البريكان الذي ربما كان يشعر بالمرارة حين لم يجد اسمه في قائمة الشعراء الرواد، وهو الذي ينظر إلى نفسه وإلى تجربته على أنه متقدم على تجربة الرواد فنياً.

وحين ننظر إلى نتاج البريكان الشعري، ففي الواقع لا يوجد عمل شعري يجمع كل شعره، فقد كان محتجباً عن النشر والظهور، ما عدا بعض الملفات والقصائد التي كانت تُنشر له، وبالأخص ملف مجلة «الأقلام» 1993 وملف 1998، فضلاً عن عمل نشره عبد الرحمن طهمازي دراسة ومختارات ضمت 12 قصيدة فقط «سيادة الفراغ: محمود البريكان» 1989، وآخر نشره باسم المرعبي «متاهة الفراشة» 2003 ضم 70 قصيدة، لذلك بقي شعر البريكان حلماً يراود جميع مريدي الشعر الحديث فضلاً عن أن حضور شعر ه الآن هو استحضار له من جديد، قد ينافس على الريادة، من حيث الأسلوب والموضوعات، لا من حيث التاريخ والبداية.

قصة هذه الأعمال الشعرية بدأت حين كلَّفني الناقد والمترجم الدكتور حسن ناظم وزير الثقافة والسياحة والآثار السابق، مديراً عاماً لدار الشؤون الثقافية، حيث بدأنا بسلسلة في غاية الأهمية بدأناها بالأعمال الكاملة للجواهري، ومن ثم استمرّت القائمة لتشمل عدداً كبيراً من الرواد العراقيين في ميادين الشعر والقصة والفكر والمعرفة، وهنا التمع البريكان في ذاكرتي مرة ثانية، وبدأت اتصل بأصدقائي من شعراء البصرة، وأسأل عن شعر البريكان، أين ذهب؟ وهل هناك جهة تحتفظ بشعره؟ وأسئلة عديدة بدأت أطلقها في وجوه أصدقائي شعراء البصرة، وبعض القريبين من محمود البريكان، وقتها تكفل الصديق الشاعر علي نوير بمتابعة الأمر، وقد دلَّني على أخي البريكان، وهو عبدالله البريكان الذي يقيم في المملكة العربية السعودية، وأعطاني صفحته في «فيسبوك»، فدخلت على الخاص، وسلمت عليه، وعرَّفته بنفسي، فردَّ التحية باقتضاب، ثم قلت له إنني أريد أن أطبع أعمال البريكان الشعرية، فلم يردّ عليَّ، تركته أياماً، وعُدتُ إليه، فلم يرد عليَّ، ثم عُدتُ إليه ولكن من دون جواب، حتى سمعت بعد اقل من شهر بوفاته، ساعتها علمت صعوبة وضعه الصحي أيام كنت أسأله عن شعر أخيه البريكان. كانت لحظة مخيبة، فقد ضاع الخيط الذي يوصلنا إلى شعر البريكان، ومرت سنتان تقريباً أو أقل بقليل، حتى عاد الصديق علي نوير ليخبرني بأن ابن عم البريكان قاسم البريكان المقيم أيضاً في الرياض، قد تحصل على كل شعر البريكان، حيث سلَّمته زوجة عبد الله الأمانة التي كانت مع زوجها. اطمأن قلبي أنَّ شعر البريكان بخير وعافية ما دام موجوداً بأيادٍ أمينة، وبدأنا بجولة مفاوضات مع قاسم الشمري، عن طريق علي نوير للقائه، ولكن مرت أكثر من سنة دون أن نوفَّق للقاء، حتى حان موعد برنامج «المعلّقة» الذي كنت أصوّره في مدينة الرياض، وبدأت أتواصل من السيد قاسم الشمري الذي زارني يوم 5 - 2 - 2024 في مقر إقامتي في الفندق في الرياض، وكان شخصاً أميناً على تراث ابن عمه، فشكرته باسم المثقفين العراقيين، حيث حافظ على هذا الإرث العظيم، وسلَّمني لحظتها حقيبة تزن عشرة كيلوغرامات، وإذا بها أشعار محمود البريكان. شعرت بسعادة غامرة تلفّني في الرياض، بقيت فيها ثملاً حيث عدت إلى البصرة بعد يومين، مشاركاً في المربد الشعري ومعي أشعار البريكان التي كانت أشبه بالتميمة التي يبحث الناس عنها.

عدت بعد ذلك إلى بغداد، ومباشرةً قمت بتشكيل لجنة من أساتذة متخصصين وشعراء قريبين من البريكان نفسه، حيث كانت اللجنة مكوَّنة من ماجد السامرائي، وعلي نوير، وطالب عبد العزيز، والدكتورة سهير أبو جلود، وعارف الساعدي. اللجنة اجتمعت أكثر من أربعة اجتماعات، وعملت بحرص ومعاينة شديدة لشعر البريكان، حيث كانت الأشعار التي جلبتها معي كلها بخط يد البريكان، وهناك خطوط وأسطر غير واضحة تماماً، فبدأنا بجولة تنضيد الأشعار، ومن ثم مطابقتها ومراجعتها وتصحيحها، كأن العملية عملية تحقيق نص تراثي لصعوبته، ولكن أخيراً استوى العمل على عوده، وخرج بحلَّة تليق بشعر البريكان وبمرحلة غيابه وانتظار الكل لشعره.

الغريب أني أهديت نسخة من ديوان البريكان بمجلدين لأحد الشعراء الأصدقاء، وكان يتطلع بحب لقراءة شعره، لكن بعد يومين التقيت صديقاً لي، وإذا به غير متفاعل مع شعر البريكان، قائلاً إن لغته غير شعرية وعوالمه مختلفة عن جيل الرواد، وإن الأفكار التي يطرحها في شعره ممكن أن تُطرح في مقالة فكرية أو فلسفية، وهذا الشاعر الصديق ليس جاهلاً أو قارئاً سطحياً، فكيف تُقنعه بأن للبريكان لغة خاصة مختلفة عن كل الشعراء العراقيين وأن الميوعة والرومانسية واللغة الندِّية أبعد ما تكون عن تجربته الشعرية، كما يقول حسن ناظم في كتابه «الشعرية المفقودة» 2020: «من هنا تكون تأملات البريكان في الوجود منطلقاً لتأسيس حرية، حرية خاصة به، تتملص من اشتراطات الآيديولوجيا؛ سائدةً وغير سائدة، ومن شَرَك اللحظة الراهنة بكل ثقلها ومعطياتها المهمة للشاعر مع ذلك، وأخيراً من أعباء التراث الشعري؛ قديمه وحديثه، هذا التملص والروغان فرض على أشعار البريكان لغةً خاصة، لغة كان عليه أن يكتشفها ويطوّعها لأغراضه، وأن يجرّب وفاءها بمراميه في قصائد متنوعة ومتعددة، لغة (ليست شعرية) تتوخى كتابة قصيدة حقيقية... إن هذا التفكير في اكتشاف لغة تلائم التأمل الأنطولوجي شعراً هو بمثابة مسار آخر في تجديد الشعر العربي يوازي المسار الذي اختطه السياب ونازك وبلند الحيدري، مسار لم يُكتب له الانتشار ولا كان له تأثير بين الشعراء العرب...». وقد لا يتفق مع هذه الآراء عدد غير قليل من المتذوقين والنقاد، من الذين يبحثون عن اللغة المائية أو الصورة الشعرية الصادمة التي يحفظها الناس ويتناقلونها، ولكن هنا في تجربة البريكان علينا أن نتوقف متأملين هذه التجربة الوجودية التي طوَّع لها الشعر، الشعر فقط؛ لتتجلى أسئلة وقلقاً ومراجعة للتاريخ ونصوصه في «الطوفان» و«البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد» وبعشرات النصوص الأخرى التي تنبئ عن مرجعية تراثية قلقة تختزن وتستبطن السؤال والحيرة والقلق وليس الإجابة. لذلك فالذين يبحثون عن إجابات مطمئنة لن يجدوا ضالَّتهم في شعر البريكان، لأن شعره يذهب بك إلى الشوارع التي لا نهاية لها وإلى بيوت لا عناوين لها. من يبحث عن القلق والارتباك سيجده هنا، ومن يبحث عن الراحة والطمأنينة سيجده عند غيره من الشعراء. وهذه كلها وجهات نظر لا نفضّل من خلالها البريكان على شعراء جيله، بقدر ما نصف بعضاً من تجربته الغامضة وغير المقروءة بشكل جيد، لهذا فطباعة أعماله الشعرية، كما قلنا، هي لحظة استحضار جديدة للبريكان عراقياً وعربياً.

هناك عشرات المباحث والموضوعات التي يحتملها شعر البريكان والتي لم تأخذ طريقها للدرس والبحث العلمي، ففي النية عقد مؤتمر يتم بالشراكة بين اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وبين جامعة البصرة، يتضمن بحوثاً وشهادات عن البريكان وتجربته الشعرية، فضلاً عن حفل إشهار لإطلاق الأعمال الشعرية في موطن ولادته البصرة، لنحتفل به من جديد بين أهله ومحبيه وعشاق شعره، وهي لحظة لاستعادة تجربة مهمة من تجارب الشعر العربي الحديث.


مقالات ذات صلة

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة

د. آمال موسى
ثقافة وفنون «عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة

منى أبو النصر (القاهرة)

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».