حكاية «الغزال الأسمر»… مسيرة سليمان العبيد بين المجد الكروي ومعاناة غزة

محمد صلاح سلط الضوء على حكاية «بيليه فلسطين» بانتقادات لاذعة لـ«يويفا»

خاض العبيد 24 مباراة بقميص المنتخب الفلسطيني (وسائل إعلام فلسطينية)
خاض العبيد 24 مباراة بقميص المنتخب الفلسطيني (وسائل إعلام فلسطينية)
TT

حكاية «الغزال الأسمر»… مسيرة سليمان العبيد بين المجد الكروي ومعاناة غزة

خاض العبيد 24 مباراة بقميص المنتخب الفلسطيني (وسائل إعلام فلسطينية)
خاض العبيد 24 مباراة بقميص المنتخب الفلسطيني (وسائل إعلام فلسطينية)

في أحد شوارع جنوب قطاع غزة المدمّرة، كان سليمان العبيد، النجم الذي لطالما صفّقت له الجماهير الفلسطينية، واقفاً في طابور طويل ينتظر كيس دقيق أو سلة طعام لأطفاله الخمسة. لم يكن يرتدي قميص المنتخب أو يحمل كرة، بل كان أباً يبحث عن لقمة العيش وسط مدينة أنهكتها الحرب والحصار. لحظة واحدة كانت كافية لتضع نهاية لمسيرة استثنائية، حين أصابته رصاصة قناص إسرائيلي فأردته قتيلاً، ليختتم «الغزال الأسمر» مسيرته خارج الملعب بمشهد يلخص مأساة جيل كامل في غزة.

بدأ مسيرته في الملاعب الشعبية قبل أن يلمع نجمه مع نادي «خدمات الشاطئ»... (وسائل إعلام فلسطينية)

وُلد سليمان أحمد زايد العبيد في 24 مارس (آذار) عام 1984 بمدينة غزة، وبدأ مسيرته في الملاعب الشعبية، قبل أن يلمع نجمه مع نادي «خدمات الشاطئ». انتقل لاحقاً إلى الضفة الغربية حيث قاد «شباب الأمعري» بين عامي 2009 و2013، محققاً معهم لقبَي «دوري المحترفين» في موسم 2010 - 2011 و«كأس الشهيد ياسر عرفات» في العام نفسه. عاد بعد ذلك إلى غزة ليلعب موسماً واحداً مع «خدمات الشاطئ»، قبل أن ينتقل إلى «غزة الرياضي» ويتوّج هدافاً للدوري الممتاز في موسم 2015 - 2016 برصيد 17 هدفاً. وفي الموسم التالي، عاد إلى فريقه الأم وسجل 15 هدفاً، ليصبح الهداف التاريخي للنادي.

على الصعيد الدولي، خاض العبيد 24 مباراة بقميص المنتخب الفلسطيني «الفدائي»، وترك بصمات بارزة، أبرزها هدف بضربة خلفية مزدوجة في مرمى اليمن خلال بطولة اتحاد غرب آسيا عام 2010، إلى جانب هدف آخر في مباراة ودية أمام إندونيسيا، ومشاركته في تصفيات «كأس التحدي الآسيوي 2012» وتصفيات كأس العالم 2014. ومع اقتراب مسيرته من خط النهاية لاعباً، حصل على دورة تدريبية معتمدة من الاتحاد الآسيوي، وكان يتهيأ للانتقال إلى عالم التدريب، لكن رصاصة الحرب كانت أسرع من أحلامه.

انتقل إلى الضفة الغربية حيث قاد «شباب الأمعري»... (وسائل إعلام فلسطينية)

في 6 أغسطس (آب) 2025، وبينما كان يقف بهدوء في نقطة لتوزيع المساعدات الأميركية جنوب القطاع، أصيب العبيد برصاصة قناص إسرائيلي، وفقاً لمسعفين وشهود عيان. حاول الأهالي إنقاذه، لكن الإصابة كانت قاتلة. لم يعلّق الجيش الإسرائيلي على الحادثة، لكن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة كان قد حذر الشهر الماضي من تدهور الوضع الإنساني في غزة، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من 1300 فلسطيني كانوا يحاولون الحصول على مساعدات غذائية منذ أواخر مايو (أيار) الماضي.

رحيله فجّر موجة من الحزن في الشارع الرياضي الفلسطيني، ونعاه الاتحاد المحلي لكرة القدم، واصفاً إياه بـ«بيليه فلسطين» و«أحد ألمع نجوم كرة القدم الفلسطينية»، مشيراً إلى أنه سجل أكثر من 100 هدف خلال مسيرته. كما ذكّر «الاتحاد» بأن العبيد كان أحد 6 لاعبين من غزة مُنعوا عام 2010 من السفر مع المنتخب لخوض مباراة ودية في موريتانيا، وهو ما وصفه حينها بأنه شعور بالقهر، قائلاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أي رياضي يحلم بارتداء قميص منتخبه في المحافل الدولية... نريد السفر بحرية مع عائلاتنا مثل أي رياضي في العالم».

محمد صلاح وجه انتقادات لاذعة إلى «يويفا»... (أ.ب)

زوجته دعاء العبيد تحدثت بصوت يختلط فيه الألم بالفخر، قائلة: «ذهب ليحضر لقمة عيش لأولاده... سليمان استشهد من أجل لقمة العيش. لم يكن يتبع تنظيماً أو يحمل سلاحاً، ذهب فقط ليطعم أطفاله». وأضافت أنها تؤيد دعوة النجم المصري محمد صلاح لإجراء تحقيق ومحاسبة المسؤولين، متمنية أن «يقف الجميع مع هذه الفكرة حتى يُؤخذ حق سليمان». ابن أخته، تامر العبيد، تبنى الموقف نفسه، مؤكداً أن خاله «لم يكن يقاوم أو يفعل شيئاً... كان إنساناً بسيطاً، بغض النظر عن شهرته بصفته لاعباً». أما ابنته إيناس، فاختصرت حكاية والدها قائلة: «كان يحب كرة القدم والمنتخب... وكان يحب أن يتحدث الناس عنه بالخير».

محمد صلاح، مهاجم ليفربول، وجّه انتقادات مباشرة إلى «الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)» بعد أن نشر الأخير صورة للعبيد على حسابه الرسمي في منصة «إكس» معلقاً على موهبته التي منحت الأمل للأطفال حتى في أصعب الظروف. صلاح أعاد نشر الصورة وكتب متسائلاً: «قولوا لنا كيف مات، وأين، ولماذا؟»، في إشارة واضحة إلى مطالبته بتحقيق شفاف. هذا الموقف من صلاح أثار ردود فعل واسعة؛ إذ عدّه كثيرون صفعة أخلاقية لـ«يويفا»، الذي يكتفي عادة بالبيانات التضامنية من دون متابعة حقيقية لقضايا اللاعبين من مناطق النزاع.

الانتقادات ضد صمت «الاتحاد الأوروبي» لم تأتِ من صلاح وحده، بل انضم إليها نشطاء وحقوقيون اتهموا «يويفا» بالاكتفاء بالشعارات. فبالنسبة إليهم، صورة العبيد بقميص المنتخب وابتسامته في لحظات المجد، يجب أن تقترن بإجراءات حقيقية تلاحق من تسبب في قتله، خصوصاً أن «الاتحاد الفلسطيني» أكد أن عدد ضحايا كرة القدم في غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بلغ 325 لاعباً ومدرباً وإدارياً وحكماً، ضمن حصيلة بلغت 662 شخصاً من قطاع الرياضة قُتلوا خلال الحرب.

سليمان العبيد قتل على يد قناص إسرائيلي (وسائل إعلام فلسطينية)

قصة سليمان العبيد تتجاوز حدود الرياضة، فهي حكاية إنسان حاصرته الجغرافيا والسياسة، لكنه حاول أن يركض بالكرة نحو أفق أوسع. نجا من ضغط المباريات النهائية، ومن التحديات الصعبة في الملاعب، لكنه لم ينجُ من رصاصة استقرت في جسده وهو في طابور الإغاثة. رحل «الغزال» تاركاً إرثاً من الأهداف والذكريات، وصورة أب فلسطيني يقف شامخاً حتى في لحظات الانكسار. اليوم، تحولت قصته إلى رمز لمعاناة رياضيي غزة، ورسالة للعالم بأن الموهبة لا تحمي أصحابها من ويلات الحروب.


مقالات ذات صلة

«عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

تحليل إخباري خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

«عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة بتشكيل لجنة إدارة القطاع التي واجهت على الفور سيل تصريحات إسرائيلية بشأن التمسك باسترجاع الرفات الأخيرة أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا الدمار يظهر في موقع غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً وسط قطاع غزة (رويترز) play-circle

يدعو لتنفيذها بالكامل... الاتحاد الأوروبي يرحّب بإطلاق المرحلة الثانية من خطة ترمب بشأن غزة

رحَّب الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، بإعلان البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​  فلسطينيون يسيرون بجانب مبان دمرتها غارات إسرائيلية في حي الزيتون بقطاع غزة (ا.ب)

مسؤولون أميركيون: إرسال دعوات «مجلس سلام غزة»

قال مسؤولون أميركيون ​إنه تم توجيه دعوات لأطراف للمشاركة في «مجلس السلام» الدولي ‌الذي سيتولى ‌إدارة ‌غزة ⁠مؤقتاً، ​وذلك ‌في إطار خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

تقرير: رئيس وزراء بريطانيا سيقبل مقعداً في مجلس ترمب لإدارة غزة

يُتوقع أن ينضم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى المجموعة التي يخطط لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لترتيب الوضع في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي 
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الدروس داخل خيمة قرب الخط الفاصل بين «حماس» وإسرائيل في بيت لاهيا شمال غزة (رويترز)

مشاورات في القاهرة لحسم «لجنة إدارة غزة»

انطلقت في القاهرة، أمس، مشاورات جديدة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وأفاد مصدر فلسطيني «الشرق الأوسط»، الاثنين، بوصول وفد من حركة «حماس» برئاسة خليل الحية.

محمد محمود (القاهرة) «الشرق الأوسط» (غزة)

مرموش على رادار غلاطة سراي في «الشتوية»

صلاح يواسي مرموش بعد الخسارة الأخيرة أمام السنغال (رويترز)
صلاح يواسي مرموش بعد الخسارة الأخيرة أمام السنغال (رويترز)
TT

مرموش على رادار غلاطة سراي في «الشتوية»

صلاح يواسي مرموش بعد الخسارة الأخيرة أمام السنغال (رويترز)
صلاح يواسي مرموش بعد الخسارة الأخيرة أمام السنغال (رويترز)

يستهدف فريق غلاطة سراي التركي التعاقد مع المهاجم المصري الدولي عمر مرموش، نجم فريق مانشستر سيتي الإنجليزي، خلال فترة الانتقالات الشتوية الحالية، وفقاً لتقرير صحافي، الخميس.

ويأتي ذلك في ظل غموض موقف مرموش، الذي ابتعد عن حسابات الإسباني غوارديولا، المدير الفني لمانشستر سيتي، خلال الموسم الحالي.

وكشف موقع «أفريكا سوكر» الإلكتروني أن مرموش الذي يشارك وكيله جورج جاردي في المفاوضات، ضمن اهتمامات غلاطة سراي لضمّه على سبيل الإعارة حتى نهاية الموسم الحالي.

ويعاني مرموش، الذي انضم إلى مانشستر سيتي مقابل 75 مليون يورو، من قلة المشاركة المنتظمة، حيث خاض 15 مباراة فقط بجميع المسابقات، بإجمالي 389 دقيقة فقط، مسجلاً هدفاً واحداً وممرراً كرة حاسمة وحيدة.

ورغم اهتمام الأندية التركية، أوضح موقع «أفريكا سوكر» الإلكتروني أن مرموش متردد في الرحيل عن الدوري الإنجليزي الممتاز، مع إمكانية انتقاله إلى أستون فيلا أو توتنهام.

ومع ذلك، يجهز غلاطة سراي عرضاً رسمياً لاستعارة مرموش على أمل ضم النجم المصري لتعزيز خياراته الهجومية لما تبقى من الموسم الحالي.

ومرموش حالياً في المغرب مع المنتخب المصري للمشاركة في بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025، حيث سجّل هدفين خلال مسيرة الفريق في المسابقة القارية، قبل لقاء منتخب «الفراعنة» مع نظيره النيجيري السبت، في لقاء تحديد صاحبي المركزين الثالث والرابع.


حديث حسام حسن عن «بُعبع أفريقيا» يخطف الاهتمام في مصر

حسام حسن خلال المؤتمر الصحافي (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن خلال المؤتمر الصحافي (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

حديث حسام حسن عن «بُعبع أفريقيا» يخطف الاهتمام في مصر

حسام حسن خلال المؤتمر الصحافي (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن خلال المؤتمر الصحافي (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أثارت تصريحات المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، عقب خروج فريقه من بطولة كأس الأمم الأفريقية، ردود فعل متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي، وخطفت الاهتمام في مصر بعد تصدرها «الترند» على «إكس» و«غوغل»، الخميس.

وخرج المنتخب المصري من بطولة كأس الأمم الأفريقية المقامة في المغرب إثر هزيمته أمام السنغال بهدف دون مقابل، وبدا الغضب على المدير الفني وفق لقطات تداولتها صفحات «سوشيالية» ومواقع إخبارية، حيث أشار إلى الجمهور برقم 7 في إشارة إلى حصول مصر على اللقب القاري 7 مرات.

وفي مؤتمر صحافي بعد المباراة، قال حسام حسن إنه راض تماماً عن أداء المنتخب، وشدّد على أنه لا يتعامل بمنطق تبرير الإخفاقات، لكنه في الوقت ذاته أبدى اعتراضه على بعض القرارات التحكيمية التي شهدتها المباراة، مؤكداً أن من حقه المطالبة بمراجعتها.

وانتقد حسام حسن الأداء التحكيمي، مؤكداً أن القارة الأفريقية ما زالت تعاني من غياب العدالة في بعض البطولات، كما أكد أن هناك فارقاً في الراحة 24 ساعة بين مصر والسنغال، معرباً عن تمنيه في تدخل «فيفا» في البطولات الكبرى مثل أمم أفريقيا، وقال إن مصر ستظل بلداً كبيراً بالبطولات والتاريخ، ووصفها بأنها «أم العرب»، و«أم أفريقيا»، وأيضا بأنها ستظل «بُعبُع أفريقيا»، الأسد الذي يخافه الجميع.

وأكد المدير الفني أن مصر ستظل قوة كبرى في القارة، وتاريخها الحافل بالبطولات لا يضاهيه أي منتخب آخر، سواء على المستوى العربي أو الأفريقي.

ويرى الناقد الرياضي المصري، أسامة صقر، أن «خروج المنتخب المصري أحدث ضجة وغضباً وحزناً لدى الجمهور المصري، خصوصاً بعد أن شعرنا بأننا قريبون جداً من اللقب الثامن للبطولة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تصريحات حسام حسن تعبّر عن هذا القدر من الحزن الذي ألم بجمهور الكرة المصري، وتحدث عن بطولات مصر ومجدها وما حققته من إنجازات وهذا أمر طبيعي، فالمنتخب المصري سواء الأول أو الثاني حين يخوض أي بطولة يكون من المرشحين لحصد لقبها، وكونه يتحدث عن غيرة منتخبات أخرى منا لم ترد لنا المكسب، فهذا أمر طبيعي وبديهي، الغيرة موجودة في كرة القدم، لأن الجميع يطمح للمكسب، وهذه هي طبيعة المنافسات».

وتوالت التعليقات على تصريحات حسام حسن على وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الفيديو الذي تحدث فيه معلقاً على المباراة، بعضها جاءت متضامنة مع التصريحات.

والبعض الآخر حمل انتقادات للتصريحات.

في حين يصف الناقد الرياضي المصري، محمد البرمي، الحجج التي جاءت في الفيديو بأنها «لا تليق بقيمة وأهمية منتخب مصر، ولا بقيمة مدرب منتخب مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك أسباب أخرى، المنتخب كان جيداً دفاعياً لكن هجومياً لم يكن قادراً على مجاراة منتخب السنغال، وهذه المباريات تحسمها تفاصيل صغيرة ».

وتابع: «لا أحد ينكر قيمة منتخب مصر بصفته أكثر المنتخبات فوزاً بـ(الكان). وفي رأيي، وسط كل هذه الظروف، أتمنى أن يركز الكابتن حسام حسن على الأخطاء التي وقع فيها المنتخب ووقع فيها هو شخصياً بدلاً من خطاب متعالٍ يضر المنتخب أكثر مما ينفعه، ويزيد من الغضب تجاه المنتخب الوطني في البطولات الأفريقية».


المغرب يقف على أعتاب كتابة تاريخ جديد في كأس أفريقيا

الفرحة المغربية تسعى للاكتمال في النهائي (أ.ف.ب)
الفرحة المغربية تسعى للاكتمال في النهائي (أ.ف.ب)
TT

المغرب يقف على أعتاب كتابة تاريخ جديد في كأس أفريقيا

الفرحة المغربية تسعى للاكتمال في النهائي (أ.ف.ب)
الفرحة المغربية تسعى للاكتمال في النهائي (أ.ف.ب)

يُقدّم المغرب نفسه في هذه النسخة من كأس الأمم الأفريقية بصورة فريقٍ يلعب بلا توتر، وبلا انتظارٍ قلق، وبإيمانٍ راسخ بأنه قادر أخيراً على كسر صيامٍ دام خمسين عاماً عن اللقب.

في الدقيقة الثمانين من نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية بين المغرب ونيجيريا، بدأ نحو 60 ألف متفرج داخل ملعب الأمير مولاي عبد الله بالقفز المتواصل، وهم يغنون، يلوحون بالأعلام الحمراء، ويطلقون صافرات الاستهجان كلما لمس لاعب نيجيري الكرة. ولو لم تكن تعرف أن النتيجة ما تزال تشير إلى التعادل السلبي، لاعتقدت أن المغرب في طريقه لفوزٍ مريح.

من سيفوز باللقب الأفريقي (د.ب.أ)

بحسب شبكة «The Athletic»، وضع الجمهور المغربي ضغطاً هائلاً على لاعبيه من أجل الفوز بالبطولة. التوقعات لا تتوقف عند مجرد بلوغ النهائي، بل تمتد إلى موكب احتفالي يجوب شوارع الرباط يوم الاثنين المقبل. وقطع فريق وليد الركراكي خطوةً ضخمة نحو تحقيق تلك الأمنية بعد إقصاء نيجيريا بركلات الترجيح.

اللحظة الوحيدة التي خفت فيها صوت المدرجات قليلاً كانت في نهاية الوقت الإضافي، حين بات واضحاً أن المواجهة تتجه إلى ركلات الترجيح. لم يتذمر أحد، ولم يظهر أي إحباط، حتى عندما واصل قلب الدفاع النيجيري كالفن باسي إبعاد الكرات برأسه، أو عندما أمسك الحارس ستانلي نوابالي بالكرة إثر ركنية مغربية. على العكس، بدا أن ذلك يشعل الحماس أكثر.

استضافة البطولة تمنح أفضلية لا يمكن إنكارها، لكن لا ينبغي التقليل من حجم إنجاز المغرب. كثيرون يتذكرون مسيرته التاريخية إلى نصف نهائي كأس العالم الأخيرة في قطر، حين أصبح أول منتخب أفريقي يبلغ هذا الدور، غير أن نتائجه في كأس الأمم الأفريقية ظلت دون التطلعات لسنوات طويلة. هذا الانتصار في نصف النهائي يمثل دفعة نفسية هائلة.

كانت هذه أول مرة يبلغ فيها المغرب نصف النهائي منذ عام 2004. في تلك النسخة، كان المدرب الحالي وليد الركراكي يبلغ 28 عاماً، ويشغل مركز الظهير الأيمن، وشارك أساسياً في جميع مباريات المنتخب حتى النهائي الذي خسره أمام تونس. أما القائد أشرف حكيمي، فكان قد أتم عامه الخامس للتو.

ورغم الثقة العالية، أظهر المغرب صلابة كبيرة لتجاوز منافسه. المخضرم رومان سايس وقائد الإيقاع في الوسط عز الدين أوناحي غابا بداعي الإصابة. وتمكن النيجيري برونو أونيمايتشي من الحد من خطورة براهيم دياز، هداف البطولة ونجمها الأبرز. وأهدر حمزة إيغامان ركلة ترجيح، مانحاً نيجيريا فرصة التقدم 2-1 في السلسلة، لكنها أضاعتها.

شلّ المغرب تماماً منتخب نيجيريا الذي سجل 14 هدفاً في خمس مباريات. عانى فيكتور أوسيمين وأديمولا لوكمان من أجل ترك أي بصمة. واضطر أليكس إيوبي للتراجع بجوار زميله في فولهام كالفن باسي، مع الاكتفاء بإرسال كرات طويلة يائسة باتجاه أكور آدامز. لم تسدد نيجيريا سوى كرتين على المرمى، ولم تسجل سوى 11 لمسة داخل منطقة جزاء المغرب. وغالباً ما يُسلّط الضوء على القوة الهجومية الهائلة للمغرب، لكن الحقيقة أنه لم يستقبل سوى هدف واحد طوال البطولة، جاء من ركلة جزاء سجلها لاسيني سينايوكو لصالح مالي في ثاني مباريات دور المجموعات. ولن يكون من السهل على السنغال اختراق هذا الدفاع.

جماهير المغرب ساندت منتخبها حتى النهائي (أ.ف.ب)

ووصف الظهير النيجيري برايت أوسايي-صامويل تحكيم الغاني دانيال لاريّا بـ«المريع»، وقال: «من المؤلم فعلاً أن نرى حكاماً كهؤلاء في مباريات كبيرة». وكانت هناك بعض القرارات التي أضرت بنيجيريا بشكل غير منصف، لكنها لم ترقَ إلى مستوى الجدل الذي رافق قرار مباراة الكاميرون ضد المغرب، حين بدا أن آدم ماسينا ارتكب خطأً ضد برايان مبويمو دون احتسابه.

عكست الاحتفالات حجم الإنجاز. ركض الركراكي ليحتفل مع لاعبيه بعد أن سجل يوسف النصيري ركلة الترجيح الحاسمة. وانزلق ياسين بونو وبراهيم على صدريهما فوق أرضية الملعب. واحتشد الجهازان الفني والإداري واللاعبون في دائرة الوسط قبل أن يطوفوا لتحية الجماهير. وبدأ بعض الصحافيين المحليين في ترديد «ألي بونو» خلال المؤتمر الصحافي للحارس الأول، الذي تصدى لركلتي ترجيح من صامويل تشوكويزي وأونيمايتشي.

لكن اللافت أن الهدوء كان السمة الأبرز عند مغادرة الملعب. خرج بونو وهو يتجول برفقة ابنه، بينما كان بلال الخنوس برفقة شقيقه الأصغر. وتبادل سايس وعبد الصمد الزلزولي الحديث مع بعض القنوات التلفزيونية دون أن ترتسم على وجهيهما سوى ابتسامة خفيفة. واكتفى براهيم بالقول بهدوء: «نحن في النهائي»، أثناء مروره أمام الإعلام، دون مشاهد صاخبة كتلك التي عاشتها نيجيريا بعد فوزها على الجزائر في ربع النهائي. كل ذلك عزز الانطباع بأن المغرب لم يكن قلقاً أصلاً من الخسارة، وأن البلاد بأكملها مقتنعة، منذ المباراة الافتتاحية، بأن الكأس ستعود أخيراً إلى خزائنها بعد نصف قرن.

ستكون السنغال خصماً صعباً، لكن يمكن المجادلة بأن هذه المباراة كانت الأصعب في مشوار المغرب. نيجيريا كانت قوة هجومية ضاربة، ولم تستقبل أي هدف في الأدوار الإقصائية. وقدم كالفن باسي واحدة من أفضل مبارياته في البطولة وربما في مسيرته، وهو يصد محاولات براهيم، وأيوب الكعبي، وإسماعيل صيباري. غير أن السنغال ستفتقد في النهائي لركيزتين دفاعيتين هما كاليدو كوليبالي وحبيب ديارا بسبب الإيقاف. نيكولاس جاكسون مهاجم جيد، لكنه لا يقترب من مستوى أوسيمين. ومع ذلك، ستدخل السنغال اللقاء بأفضلية بدنية بعد إقصائها مصر خلال 90 دقيقة.

أما السؤال الأكبر بالنسبة لنيجيريا بعد هذه الخيبة، فهو: لماذا يعجز هذا الجيل الموهوب عن الفوز بالمباريات الحاسمة؟ ففي فبراير (شباط) 2024، خسرت نهائي كأس الأمم الأفريقية أمام كوت ديفوار رغم تقدمها في الشوط الأول بهدف ويليام تروست-إيكونغ. وفي العام الماضي، خرجت من تصفيات كأس العالم بركلات الترجيح أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية. والآن، ودّعت البطولة على يد الدولة المضيفة. وكان تروست-إيكونغ قد قال في مقابلة مع «The Athletic» في أكتوبر (تشرين الأول) إن المنتخب تعلم من اللعب في أجواء «عدائية» في أبيدجان أمام كوت ديفوار، لكن القائد الذي اعتزل الشهر الماضي تبيّن أنه كان مخطئاً.

فشلت نيجيريا مرةً أخرى، بينما يقف المغرب على أعتاب كتابة تاريخ جديد، والاقتراب من لحظة قد تحوله إلى أبطالٍ لا يُنسون.