«مسيد شيخ الأمين» يطعم آلاف الجوعى في الخرطوم

خدمة مجانية لمن يحتاج إليها دون تمييز في الديانة أو الهوية أو الولاء

شيخ الأمين وسط مريديه (موقعه على «فيسبوك»)
شيخ الأمين وسط مريديه (موقعه على «فيسبوك»)
TT

«مسيد شيخ الأمين» يطعم آلاف الجوعى في الخرطوم

شيخ الأمين وسط مريديه (موقعه على «فيسبوك»)
شيخ الأمين وسط مريديه (موقعه على «فيسبوك»)

في حي «بيت المال» الشهير بمدينة أم درمان، إحدى مدن العاصمة الثلاث، اختفت معظم مظاهر الحياة منذ أيام الحرب التي عصفت بالعاصمة الخرطوم، فسادَ فيها الجوع والمَسغبة، وبمواجهة ذلك، فتح «مسيد شيخ الأمين» (مركز ديني لتحفيظ القرآن الكريم) أبوابه يومياً للفقراء والمحتاجين، يقدم لهم وجبات طعام متكاملة بلا مقابل، وبجانبها الدواء، راسماً مشهداً إنسانياً في غاية النبل، لقيمة «التكافل» في ظل واقع الانهيار الذي عاشته البلاد.

ورغم أن الجيش استعاد الخرطوم، وبدأت المدينة تلتقط أنفاسها تدريجياً، لكن آثار الحرب عقَّدت صعوبة العيش، وما زال الحصول على «الطعام» مهمة قاسية لكثير من الأُسر وكبار السن والأطفال، الذين فقدوا مصادر دخلهم وأرصدتهم، في ظل ارتفاع طاحن بأسعار السلع، فإن «المسيد» لا يزال يقدم خدمة الإطعام لمئات الجوعى الذين يقصدونه يومياً لتلقّي وجباتهم.

الطعام على النار والناس ينتظرونه (الشرق الأوسط)

طعام بلا أسئلة

منذ بداية النزاع المسلَّح بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، توقفت خدمات الدولة والحياة تقريباً، وفرّ ملايين السكان من الخرطوم، لكن «المسيد» - تسمية محلية للمراكز الدينية الأهلية لتحفيظ القرآن - الذي أنشأه الشيخ الأمين عمر الأمين، أحد «أقطاب الطرق الصوفية» في السودان، استمر في القيام بدور إنساني لافت تعدَّى الدور التقليدي للمسيد الذي تحوَّل لـ«تكية»، وهي مكان ديني يقدَّم فيه الطعام مجاناً لروادها وضيوفها.

لا تزال «تكية» شيخ الأمين تُعِد يومياً وتوزِّع وجبات لأكثر من 800 شخص، من كل شرائح المجتمع دون تمييز ديني أو جِهوي أو عِرقي، تقدِّم الطعام للجائع، مواطناً كان أم أجنبياً، يكفي فقط أن تكون محتاجاً لتحصل على وجبة ساخنة، بل تنقل وجبات أخرى إلى منازل بعض الأُسر، وفق تقديرات يُشرف عليها شيخ الأمين شخصياً.

شيخ الأمين بملابس عصرية أكسبته حُب الشباب (موقعه على «فيسبوك»)

زارت «الشرق الأوسط» التكية، وحضرت وجبة إفطار هناك، وتضم أصنافاً متعددة من الأطعمة، بما في ذلك اللحوم، وشهدت إشراف أعداد من الشباب على المطبخ الذين يُعِدون الأطعمة، يُعرَفون بـ«المقدمين»، و«الخلفاء»، و«الفقيرات»، وهي تسميات وتقسيمات داخلية في الطريقة الصوفية.

مِن حُر مال الشيخ

قال الخليفة أيمن عمر، وهو شقيق شيخ الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة إعداد الطعام اليومي تتجاوز 3.5 مليون جنيه سوداني (نحو 1200 دولار)، وسط ارتفاع مستمر بأسعار السلع. وأضاف: «هذه المصروفات تُغطى بالكامل من مال شيخ الأمين الخاص، دون دعم من أي منظمة أو جهة رسمية».

وإبان ذروة الحرب، والعاصمة مقسمة بين الطرفين المتقاتلين، كان المسيد يذبح 4 خراف يومياً، أو عجلاً كل يومين، ويشتري كميات كبيرة من اللحم من المذابح. هكذا قال الشيخ أيمن، وتابع: «رغم صعوبة الحركة، كنا نقوم بذلك ونواجه المخاطر»، وأضاف: «اليوم، وبعد انحسار الاشتباكات، لا تزال التكية تعمل بالنشاط نفسه تقريباً».

الفقيرات يقُدن العمل

سيدات يُلقبن بـ«الفقيرات» يعملن على القدور الضخمة لإعداد الوجبات (الشرق الأوسط)

في مطبخ التكية، تعمل النساء الملقّبات بـ«الفقيرات» (لفظة تعني الفقيهات بالدارجة السودانية) في صناعة وطبخ الطعام، بينهن نجلاء عبد المنعم وزينب مهدي، وهما سيدتان التزمتا المسيد منذ أكثر من 14 عاماً. تقول نجلاء، لـ«الشرق الأوسط»: «جذَبَنا إلى المسيد طريقة وأسلوب شيخ الأمين وتعاملاته». وتضيف: «هو شخص كريم، يتحدث بلغة الشباب، ويهتم بمشاكلهم، لذلك يجد قبولاً كبيراً بينهم».

وخرج «شيخ الأمين» بفكرة «المسيد» من شكلها ومضمونها التقليدي إلى رحاب العصر، بدأها بنفسه بصورة مختلفة عن شيوخ الطرق الصوفية، إذ يرتدي ملابس فاخرة بألوان زاهية، ويعيش حياة عصرية، ما جعله يحظى بقبول واسع، ولا سيما بين الشباب، الذين انجذبوا لخطابه الديني الاجتماعي المختلف والمتسامح.

الموت بوجه الحياة

لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، فأثناء الحرب قُتل أربعة من شباب المسيد برصاص طائش أثناء تحضيرهم الطعام، ودُفن أحدهم قرب المسيد بعد تعذر الوصول إلى المقابر، ولا يزال قبره شاهداً على تراجيديا القتال الذي اجتاح العاصمة.

عملية إعداد الوجبات (الشرق الأوسط)

واجه شيخ الأمين، أثناء الحرب، اتهامات بالتعاون مع قوات «الدعم السريع»، بلغت مِن الحِدة أنْ طالب نشطاء ومواقع تواصل اجتماعي بقصف المسيد بمن فيه، وذلك على خلفية زيارات لبعض قادة «الدعم السريع» للمسيد، أثناء سيطرتهم على المنطقة، لكن الشيخ نفى بشكل قاطع ذلك، وقال إن المسيد يقدم خدمته لمن يحتاج إليها، دون أن يسأل عن هويته أو ولائه.

وبعد استعادة الجيش الخرطوم، وبعد أن أصبحت منطقة «ود البنا»، حيث المسيد تحت إدارة الجيش، أكد الشيخ، في مقطع فيديو، دعْمه للجيش السوداني، وجدد عزمه على مواصلة «التكية» دورها الإنساني بموافقة القيادة العسكرية، ولا يزال وفياً للعهد الذي قطعه للمحتاجين.

الخبز مقابل الولاء

يستند شيوخ المتصوفة في السودان إلى إرث طويل من الإطعام، ويَعدّون «الخبز» أحد أسرار الحياة. وهناك مقولة منسوبة لـ«العبيد ود ريا»، أحد كبار شيوخهم: «لو ما عجيني، منو البجيني»، والعجين هنا مقصود به «عجين الخبز» والمعنى: لولا الطعام لا أحد يأتيني.

أيمن «شقيق شيخ الأمين» يتابع العمل بنفسه (الشرق الأوسط)

ومن هذا الإرث ينتج ويقدم مسيد شيخ الأمين، إلى جانب الوجبات للناس، «الخبز» من مخبز خاص ملحق بالمسيد. يقول محمد ود الشيخ، المسؤول عن المخبز، لـ«الشرق الأوسط»، إنهم يخبزون 10 جوالات من دقيق القمح يومياً، لإنتاج آلاف من قطع الخبز التي تُوزَّع على المواطنين وعلى تكايا ومراكز أخرى.

أفضل مكان في العالم

من داخل ساحة التكية يوجد السيد بابو لآل، وهو مواطن هندي يقيم في السودان منذ سنوات، قال، لـ«الشرق الأوسط»: «لستُ مسلماً، لكن شيخ الأمين يعاملني بصفتي إنساناً ويرسل لي الطعام إلى البيت، ومنذ بداية الحرب وحتى الآن، لم أجُع يوماً... هذا المسيد هو أفضل مكان في العالم».

مواطن هندي يقيم في السودان يحصل على وجباته من المسيد (الشرق الأوسط)

وبعد تراجع العمليات العسكرية في الخرطوم وسيطرة الجيش، فإن آثار الحرب لا تزال تضغط على كاهل الناس، وما زال معظمهم بلا دخلٍ ولا طعام ولا خدمات. وإزاء هذا الواقع المظلم، يبرز مسيد شيخ الأمين و«تكايا» أخرى، بصفتها تجربة استثنائية في الإغاثة الشعبية ذات الطابع الديني، تُقدم للناس الطعام والدواء، بل تعليم الأطفال، فيثير الإعجاب والجدل معاً. من هذا الإعجاب أن معهد أوسلو لأبحاث السلام رشّح غرف الطوارئ - تجمعات شبابية طوعية نظمت تكايا الإطعام - لجائزة نوبل للسلام.

العشرات ينتظرون طعامهم بفارغ الصبر (الشرق الأوسط)

ففي زمن الحرب، يصبح الخبز رحمة، واللقمة رسالة، والتكية التي قد تبدو بسيطة في عيون البعض، صارت عند كثيرين ملاذاً من الجوع، ومساحة للنجاة، وربما أكثر من ذلك أيضاً.


مقالات ذات صلة

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

شمال افريقيا مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

أكدت مصر حرصها على استمرار العمل في إطار «الرباعية الدولية» (تضم السعودية، ومصر، والولايات المتحدة والإمارات) للتوصل إلى هدنة إنسانية شاملة في السودان.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا نازحون من الفاشر في مخيم طويلة بشمال دارفور يوم 17 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

حاكم إقليم دارفور: قواتنا حققت انتصارات في المحور الغربي بالإقليم

قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن «المقاومة الشعبية حققت انتصارات عظيمة في المحور الغربي بولاية شمال دارفور» ضد «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية)

السيسي: الأمن المائي المصري قضية وجودية وأولوية قصوى

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض مصر القاطع لأي محاولات للنيل من أمن السودان واستقراره، وأنها لن تسمح بذلك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

تستضيف القاهرة الأربعاء الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان ودفع مسارات وقف الحرب الداخلية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

تحليل إخباري هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

أجمع خبراء عسكريون أن الحرب في السودان تقف أمام مرحلة تحول يمكن وصفها بـ«سباق تسلح نوعي»

محمد أمين ياسين (نيروبي)

إنقاذ طاقم سفينة جنحت قرب مجرى قناة السويس

أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
TT

إنقاذ طاقم سفينة جنحت قرب مجرى قناة السويس

أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)

قالت هيئة قناة السويس المصرية، الأربعاء، إن وحدات الإنقاذ التابعة لها، نجحت في إنقاذ جميع أفراد طاقم سفينة البضائع «FENER»، والاستجابة الفورية لطلب استغاثة ربان السفينة، بعد جنوح السفينة واتجاهها نحو الغرق خلال وجودها خارج المجرى الملاحي للقناة بمنطقة الانتظار الغربية شمال مدينة بورسعيد، على مسافة 5 أميال غرب المدخل الشمالي لقناة السويس بالبحر المتوسط.

وبحسب «الهيئة» يبلغ طول السفينة 122 متراً وغاطسها 3.5 متر بحمولة 4 آلاف طن قادمة من تركيا.

وجاء الحادث في وقت تواصل هيئة قناة السويس جهودها لإقناع السفن بالعودة إلى استخدام الممر الملاحي بعد تأثره بالأوضاع الإقليمية. وشهدت حركة الملاحة بالقناة، الثلاثاء، «عبور 35 سفينة من الاتجاهين بإجمالي حمولات صافية قدرها 1.6 مليون طن»، وفق «الهيئة».

وأكد رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع، الأربعاء، أنه فور تلقي مكتب تحركات ميناء بورسعيد ومركز مراقبة الملاحة الرئيسي البلاغ من ربان السفينة، مساء الثلاثاء، تم تجهيز قاطرتين والدفع بثلاث قطع بحرية من طراز بحّار للقيام بإخلاء جميع أفراد طاقم السفينة وعددهم 12 فرداً، وتأمين السفينة خلال عملية إنقاذ الطاقم، لافتاً إلى أن «جميع أفراد الطاقم بحالة صحية جيدة، وتم توفير خدمات الرعاية الصحية اللازمة لأحد أفراد الطاقم المصاب بخلع في الكتف».

وفرت إدارة الخدمات بهيئة قناة السويس خدمات الإسعاف (الهيئة)

وقال مستشار النقل البحري وخبير اقتصاديات النقل بمصر، الدكتور أحمد الشامي، إن «ما حدث للسفينة عطل، تعاملت معه هيئة قناة السويس كإجراء طبيعي رغم أنه خارج المجرى الملاحي، لكنه دور من أدوار (الهيئة) من أجل أمان الملاحة في القناة». وتحدث عن «التعامل السريع من (الهيئة) التي تمتلك إدارات متعددة مع بلاغ قبطان السفينة».

وأكد الشامي لـ«الشرق الأوسط» أن «المجرى الملاحي لقناة السويس لم يتأثر»، كما أشار إلى أنه «حتى لو حدث أي عطل في المجرى، فـ(الهيئة) تستطيع التعامل الفوري معه بسبب ميزة ازدواجية القناة».

ولفت ربيع في إفادة، الأربعاء، إلى أنه «تم التعامل السريع مع متطلبات موقف السفينة الطارئ، حيث تولت إدارة التحركات بالهيئة الدفع الفوري بالوحدات البحرية اللازمة للتوجه لإخلاء الطاقم، فيما قامت إدارة الخدمات بالهيئة بتوفير خدمات الإسعاف، فضلاً عن تولي أقسام الأمن والعلاقات العامة القيام بالتنسيق مع الجهات المعنية وتوفير الخدمات اللوجيستية، ثم نقل الطاقم بناءً على طلبهم للإقامة بأحد الفنادق».

وأشار إلى أن «لجنة إدارة الأزمات بالهيئة» تتابع على مدار الساعة تطورات الموقف الطارئ ورفع درجة الجاهزية لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع السفينة، موضحاً أن «قناة السويس استحدثت مجموعة من الخدمات الملاحية واللوجيستية الجديدة لملاءمة احتياجات العملاء في الظروف الاعتيادية والطارئة، وأبرزها خدمات الإسعاف البحري وتبديل الأطقم البحرية».

هيئة قناة السويس أكدت أن جميع أفراد طاقم السفينة بحالة صحية جيدة (الهيئة)

كما أكد ربيع «جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة، من خلال منظومة متكاملة تضم كفاءات ملاحية وخبرات متراكمة في أعمال الإنقاذ البحري ووحدات بحرية متخصصة في أعمال الإنقاذ البحري والتأمين الملاحي ومكافحة التلوث».

وحول احتمالية غرق السفينة، يرى الشامي أن «ذلك يتوقف على حالة السفينة»، لكنه استبعد حصول ذلك، موضحاً أن «قبطان السفينة عندما شعر بالأزمة تحرك إلى منطقة الانتظار لشحط السفينة». ويفسر الشامي بأن «منطقة الشحط تعني أن أعماقها ضعيفة، لذا لن تنحدر السفينة لأعماق كبيرة، ويسهل التعامل معها»، مضيفاً: «واضح أن القبطان يعرف حجم المشكلة قبل حدوثها فتوجه لمنطقة الشحط».

وأفاد رئيس هيئة قناة السويس، الثلاثاء، بأن «السفينة كانت قادمة من تركيا لتحميل شحنة من الملح بميناء شرق بورسعيد، وبعد مغادرة السفينة للميناء ونتيجة لسوء الأحوال الجوية، طلب ربان السفينة الانتظار في منطقة المخطاف ببورسعيد لحين تحسن الأحوال الجوية». لكنه أضاف أن «فريق الإنقاذ البحري التابع للهيئة تلقى إخطاراً من السفينة بوجود فتحة بأحد العنابر، أسفرت عن دخول المياه لبدن السفينة، وكإجراء احترازي قام ربان السفينة بالتحرك جنوب منطقة الانتظار لشحط السفينة، خوفاً من غرقها، وذلك قبل وصول فريق الإنقاذ البحري».


«تصنيف ترمب» يضاعف الضغوط على «إخوان مصر»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

«تصنيف ترمب» يضاعف الضغوط على «إخوان مصر»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

صنّفت واشنطن، جماعة الإخوان المسلمين بمصر رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، بعد أكثر من 12 عاماً من حظرها في مصر، عقب سقوط حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي إلى الجماعة.

ويرى خبراء أن هذا التصنيف يضاعف الضغوط على الجماعة، ويحرمها من الروافد المالية والغطاء القانوني، ويزيد من قرارات تجفيف التمويل والملاحقة، و«يغلق تماماً باب المصالحة»، بين الحكومة والجماعة، الذي يثار منذ سنوات.

تصنيف أميركي

وأعلنت وزارتا الخزانة والخارجية الأميركيتان، الثلاثاء، عن هذه الإجراءات ضد فروع جماعة «الإخوان المسلمين» في لبنان والأردن ومصر، وقالتا إنها تشكل خطراً على الولايات المتحدة ومصالحها.

والخطوة الأميركية بدأت منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حين أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي بدأ دراسة إجراءات تصنيف بعض فروع الإخوان «منظمات إرهابية أجنبية».

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» بوصفها «جماعة إرهابية» منذ عام 2013؛ في عودة لعقود من تلك المواجهات، ويقبع معظم قيادات الإخوان، وفي مقدمهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حالياً التنظيم وسط انقسامات حادة.

ويرى خبير الأمن الإقليمي، اللواء محمد عبد الواحد، أن مصر كانت سبّاقة في تصنيف الجماعة بالإرهاب منذ سنوات، إلا أن قرار ترمب «ينهي فكرة المظلومية التي ترددها الجماعة، ويشجع القاهرة على مطالبة واشنطن بالضغط وتوسيع حظر الجماعة في بلدان أخرى، وتشديد إجراءات تجفيف التمويل والملاحقة في مصر»، مشيراً إلى «خطوات جريئة» اتخذتها مصر، وخصوصاً قانون مكافحة الإرهاب، لعبت دوراً حاسماً في مواجهة الجماعة.

ووفق المحلل في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، فإن قرار ترمب يحمل صدى كبيراً لما أقدمت عليه مصر منذ سنوات بحظر الجماعة ونعتها بـ«الإرهابية»، ويؤكد القرار نجاح الرؤية المصرية ومسارها تجاه تلك الجماعة، بما يعزز من خطوات الملاحقة وتجفيف التمويل بصورة أكبر وهذه المرة بدعم أميركي، وينهي باب المصالحة مطلقاً مع التنظيم.

ورحبت القاهرة بإعلان إدارة ترمب تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر «كياناً إرهابياً عالمياً»، وعَدّت القرار «خطوة فارقة تعكس خطورة الجماعة وآيديولوجيتها المتطرفة، وما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين».

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الثلاثاء، إن «القاهرة تُثمّن الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترمب في مكافحة الإرهاب الدولي والتصدي للتنظيمات الإرهابية، بما يتوافق مع الموقف المصري الثابت تجاه (جماعة الإخوان)».

في المقابل، رفضت الجماعة في بيان، الثلاثاء، التصنيف الأميركي وقالت إنها ستطعن عليه.

ورأى اللواء محمد عبد الواحد أن «الجماعة تتلاشى فوق السياسة الأميركية التي ارتأت الآن أن تساند دولاً بالمنطقة، ولكن قد تتغير تلك السياسات لاحقاً، خاصة أن واشنطن تستخدم تلك الجماعات باعتبارها أداة لتخريب المنطقة»، بحسب رأيه.

ويعتقد فرغلي، من جهته، أن الجماعة «ستزداد كموناً ولن تحرّك أي خطط فوضى ضد مصر، خشية الملاحقات المنتظرة التي تلاقي هذه المرة شرعية دولية أكبر»، مشيراً إلى أن تحركات الجماعة للطعن لن تغيّر من واقع الأمر شيئاً «فهي محظورة بمصر ومنبوذة أميركياً».


كيف استقبل الليبيون تكليف الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية؟

المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
TT

كيف استقبل الليبيون تكليف الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية؟

المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)

أثار قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي تكليف الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي الصلابي، مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية، موجة جدل واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية الليبية، عكست عمق الانقسام القائم حول مسار المصالحة وشخصياتها، في بلد يعاني انسداداً سياسياً مزمناً.

وجاء الجدل في ضوء خلفية الصلابي الفكرية والسياسية؛ إذ يُعد من الشخصيات المحسوبة على تيار جماعة «الإخوان المسلمين»، كما أن اسمه مدرج منذ يونيو (حزيران) 2017 على قوائم الإرهاب الصادرة عن السعودية ومصر والإمارات والبحرين، ضمن قائمة شملت 59 شخصية و12 كياناً، دون صدور قرار لاحق برفع اسمه منها.

ولم يصدر تعليق رسمي من الصلابي على قرار تعيينه عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، في حين أعاد شقيقه أسامة الصلابي نشر القرار، الثلاثاء، معلقاً: «نسأل الله لك العون والتوفيق والسداد». كما تداولت وسائل إعلام محلية صورة ضوئية للقرار موقعاً من المنفي بتاريخ 30 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، دون صدور نفي رسمي من المجلس الرئاسي.

انتقادات حادة

وقُوبل القرار بانتقادات حادة من أطراف سياسية وإعلامية عدّته «استفزازياً»، واعتبرته امتداداً لما وصفوه بـ«صفقات سياسية» تجري في غرب البلاد، محذرين من أن اختيار شخصية ذات خلفية إسلامية مثيرة للجدل قد يكرّس الانقسام بدلاً من ردمه.

وذهبت منصات إعلامية قريبة من مجلس النواب إلى وصف الخطوة بأنها «أحادية الجانب»، محذّرة من تداعياتها على العلاقة المتوترة أصلاً بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب في بنغازي، ومثيرة تساؤلات حول صلاحيات الرئاسي في إجراء تعيينات بهذا الثقل السياسي خلال مرحلة انسداد دستوري.

وفي غرب البلاد، ظهرت أصوات متحفظة على القرار؛ إذ عبّر سالم كرواد، أحد أعيان مدينة مصراتة، عن استيائه، مطالباً المنفي بالتراجع عنه، معتبراً أنه «يضعف جهود المصالحة ويقوض مصداقيتها، ويزيد من حدة الانقسام والتوتر بين الليبيين».

وعلى مستوى التفاعل الشعبي، ركز نشطاء مستقلون على ما وصفوه بـ«التناقض» في تكليف شخصية تقيم خارج ليبيا، بإدارة ملف مصالحة داخلية معقدة، متسائلين عن مصير «قانون المصالحة» الذي لا يزال متعثراً داخل المؤسسات التشريعية.

متطلبات المصالحة

وفي هذا السياق، قال الكاتب الصحافي الليبي عيسى عبد القيوم إن «نجاح أي مشروع للمصالحة يتطلب شخصيات محايدة ومقبولة من جميع الأطراف»، معتبراً، في منشور عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن «اختيار الصلابي يفتقر إلى هذا الشرط، كونه طرفاً في النزاع وخصماً لتيارات عدة، ما قد يزيد من تعثر مسار المصالحة».

كما أثار توقيت القرار تساؤلات إضافية، خاصة مع تزامنه مع تصنيف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ثلاثة فروع لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن ولبنان، «منظماتٍ إرهابية». وذهب الناشط الليبي خالد درنة إلى تفسير الخطوة باعتبارها «محاولة استباقية لدمج شخصيات خاضعة لعقوبات في هياكل رسمية، بما يسهل تحركاتها تحت غطاء العمل الحكومي».

في المقابل، دافع مؤيدون عن القرار، معتبرين أن الصلابي يمتلك خبرة سابقة في ملفات المصالحة، مستشهدين بدوره في «مراجعات سجن بوسليم» خلال العقد الأول من الألفية، وقدرته - بحسب رأيهم - على مخاطبة التيارات الإسلامية والمجموعات المسلحة بلغة دينية مؤثرة. واعتبر الباحث الليبي علي سليم أن الصلابي «اسم وزان في المشهد الديني والاجتماعي، ويتمتع بعلاقات واسعة داخل ليبيا وخارجها، وله حضور مؤثر في أكثر من ساحة».

ويعود حضور الصلابي في المشهد الليبي إلى عقود؛ إذ وُلد في مدينة بنغازي عام 1963، واعتُقل في مطلع شبابه خلال عهد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وقضى نحو ثماني سنوات في السجن. ولاحقاً، لعب دور وسيطٍ فيما عُرف بـ«المراجعات الفكرية» للجماعة الإسلامية المقاتلة، بالتنسيق مع سيف الإسلام القذافي، وأسهم في الإفراج عن مئات السجناء مقابل إعلان نبذ العنف، وهو الدور الذي أكسبه حضوراً سياسياً واسعاً.

ومع اندلاع ثورة فبراير (شباط) 2011، برز الصلابي كأحد الوجوه الداعمة للحراك، قبل أن ينصرف في السنوات الأخيرة إلى نشاط دعوي عبر منصاته الرقمية، نادراً ما يتناول فيه الشأن السياسي الليبي.

اختبار جديد

ويأتي تعيين الصلابي بعد أسبوع من إطلاق المنفي «الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية» في السابع من الشهر الحالي، إلى جانب الإعلان عن تأسيس «المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية»، واعتماد يوم توقيع الميثاق يوماً وطنياً للمصالحة، في محاولة لإيجاد إطار مرجعي لمعالجة آثار الصراع وإعادة بناء الثقة بين الليبيين.

ورغم أن ملف المصالحة الوطنية يخضع رسمياً لاختصاص المجلس الرئاسي منذ اتفاق جنيف عام 2021، فإن هذا المسار لم يحقق تقدماً ملموساً، وسط استمرار الانقسام السياسي، وتراجع نتائج المؤتمرات واللقاءات التحضيرية التي عُقدت برعاية الاتحاد الأفريقي خلال السنوات الماضية.

وبين معارض يعد الصلابي «طرفاً إشكالياً»، ومؤيد يرى فيه «وسيطاً محتملاً»، يبقى قرار تعيينه اختباراً جديداً لمدى قدرة المؤسسات الليبية على إدارة ملف المصالحة، بعيداً عن التجاذبات والانقسامات الحادة.