«هجمات متكررة» شرق الكونغو... هل باتت تعهدات السلام مع «23 مارس» بلا جدوى؟

تنديد أممي بهجمات المتمردين التي خلفت نحو 319 قتيلاً الشهر الماضي

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم عقب اشتباكات بين متمردي «23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم عقب اشتباكات بين متمردي «23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«هجمات متكررة» شرق الكونغو... هل باتت تعهدات السلام مع «23 مارس» بلا جدوى؟

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم عقب اشتباكات بين متمردي «23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم عقب اشتباكات بين متمردي «23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

رغم مساعي السلام في شرق الكونغو الديمقراطية، فإن هجمات حركة «23 مارس» المتمردة المدعومة من رواندا، ازدادت وتيرتها، خلال يوليو (تموز) الماضي، وهو ما لقي تنديداً أممياً ومخاوف من عرقلة جهود التهدئة. تلك الهجمات يراها خبير في الشؤون الأفريقية «تجعل تعهدات السلام بلا جدوى، وقد تُقوّضها»، مشيراً إلى أن «شهر أغسطس (آب) الحالي قد يكون حاسماً في المُضي في خطوات التهدئة أو تعثر جديد».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تسيطر «الحركة» على مساحات شاسعة في شرق الكونغو الديمقراطية الغنيّ بالمعادن، منذ استئنافها أنشطة التمرد في عام 2021، وسط 10 اتفاقات هدنة لم تصمد، ما أدى إلى أزمة إنسانية متفاقمة في منطقة غارقة في نزاعات منذ ثلاثة عقود.

وندّد مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بهجماتٍ اتّهم حركة «23 مارس»، المدعومة من رواندا، بشنِّها، خلال يوليو الماضي، ووصفها بأنها «مروّعة». وقال تورك، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، إنها أوقعت 319 قتيلاً، على الأقل، في صفوف المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، مضيفاً: «يجب أن تتوقف فوراً كل الهجمات على المدنيين، ويجب محاسبة كل المسؤولين عنها».

ووثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان هجمات عدة في أقاليم شمال كيفو وجنوب كيفو وإيتوري، في شرق الكونغو الديمقراطية المُحاذي لأوغندا ورواندا وبوروندي، وفق المصدر نفسه.

وحضّ تورك «الموقِّعين والمسهِّلين لكل من اتفاقَي الدوحة وواشنطن على ضمان ترجمتهما سريعاً إلى سلامة وأمن وتحسّن حقيقي للمدنيين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، الذين ما زالوا يعانون التداعيات المدمّرة لهذه النزاعات».

المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، يرى أن ازدياد هجمات حركة «23 مارس» في شرق الكونغو، خلال الفترة الأخيرة، رغم تعهدات السلام الموقَّعة في الدوحة وبرعاية دولية، يكشف عن واقع ميداني يُناقض الخطاب السياسي.

ولفت إلى أن التقارير الأممية تتحدث عن مقتل 319 مدنيّاً في يوليو الماضي وحده، وهو ما يعكس عجزاً في ردع الحركة، أو السيطرة على تحركاتها، خصوصاً في ظل اتهامات مستمرة لرواندا بدعمها، رغم إنكارها المتكرر.

ونوه بأن التحرك الدبلوماسي بين الكونغو ورواندا بوساطة أميركية، بما في ذلك الاتفاق الثلاثي الموقَّع في يونيو (حزيران) 2025، لم يحقق انفراجة حقيقية حتى الآن، والبنود الرئيسية في الاتفاق، كانسحاب القوات الرواندية، ونزع سلاح المتمردين الهوتو (FDLR)، لم تُنفَّذ فعليّاً، ما أفرغ الوثيقة من مضمونها.

ويعتقد عيسى أن السلام في شرق الكونغو ما زال رهينة المصالح الإقليمية، وتوازنات السلاح، والانقسامات الداخلية في الحكومة الكونغولية نفسها، مؤكداً، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل غياب إرادة دولية فاعلة لفرض تنفيذ الاتفاقات، تظل تعهدات السلام، سواء في الدوحة أم نيويورك أم أديس أبابا، مجرد وثائق تُضاف إلى الأرشيف الدبلوماسي، لا تغير من الواقع شيئاً».

ويرى أن السؤال حول جدوى هذه التعهدات لم يعد سؤالاً نظريّاً، بل يعكس حقيقة على الأرض، الاتفاقات السياسية لا تصنع سلاماً دون قوة تنفيذية ورغبة صادقة من جميع الأطراف.

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

يأتي هذا التصعيد من المتمردين بعد اتفاق سلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا الداعمة لحركة «23 مارس»، والذي جرى توقيعه في العاصمة واشنطن، في 27 يونيو الماضي، وينص على إنشاء هيئة تنسيق أمني مشتركة لرصد التقدم، وتعهدتا فيه بوقف الدعم للمتمردين بالبلدين.

واستكمالاً لهذا الاتفاق، رعت «الخارجية القطرية»، في 19 يوليو الماضي، إعلان مبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«تحالف نهر الكونغو - حركة 23 مارس» بعد جهودٍ امتدت لأشهر قليلة، وفق بيان لـ«الخارجية» القطرية آنذاك.

ونصّ إعلان المبادئ الموقَّع في الدوحة على تعهّد طرفَي النزاع «باحترام التزاماتهما من أجل وقف إطلاق نار دائم»، بما في ذلك وقف «الترويج للكراهية»، و«أيّ محاولة للاستيلاء بالقوة على مواقع جديدة».

كما سيجري توقيع اتفاق سلام نهائي بين الجانبين في موعدٍ أقصاه 18 أغسطس الحالي، مع شرط أن يتوافق مع اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا، الذي جرى التوصل إليه بوساطة أميركية في يونيو الماضي، وفقاً لنسخة من الإعلان أوردتها وكالة «أسوشيتد برس» الأميركية.

ورغم الزخم الدبلوماسي الذي رافق اتفاقات الدوحة ونيويورك ومحادثات كيغالي وكينشاسا، فإن المعطيات على الأرض، وفق المحلل السياسي التشادي، لا تعطي مؤشرات قوية على تهدئة وشيكة، خلال أغسطس الحالي، مؤكداً أن حركة «23 مارس» لا تزال في وضع هجومي، مستفيدة من دعم خارجي غير معلَن، ومن ارتباك واضح داخل المؤسسة العسكرية الكونغولية.

وينبه إلى أنه «حتى الآن، لم يظهر تغيير جذري في التموضع العسكري أو الانسحاب من المناطق التي جرى احتلالها»، مؤكداً أن «التهدئة لا تتحقق بمجرد توقيع الاتفاقات، بل تبدأ عندما تتوقف لغة السلاح، وتُفرض آليات مراقبة دولية فعالة، ويُحاسَب مَن يخرق التفاهمات، وحتى هذه اللحظة لا شيء من ذلك تحقَّق فعليّاً في الواقع الميداني».

ومن غير المتوقع، وفقاً لعيسى، أن تمضي عملية السلام في شرق الكونغو دون عراقيل، بوصف أن طبيعة النزاع معقدة، لا تقوم فحسب على الخلافات السياسية أو العسكرية، بل على تشابك طويل الأمد بين الجماعات المسلّحة، الصراعات الإثنية، التدخلات الإقليمية، وسوء توزيع الثروات، البيئة الأمنية الهشّة، وافتقار الدولة المركزية للسيطرة الكاملة على مناطق واسعة.


مقالات ذات صلة

«الصليب الأحمر»: «إيبولا» في الكونغو لم يصل بعد إلى ذروته... وقد يستمر عاماً

أفريقيا طبيب يرتدي معدات الوقاية الشخصية ويقف بالقرب من سيارة إسعاف في مركز لعلاج مرض إيبولا بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز) p-circle

«الصليب الأحمر»: «إيبولا» في الكونغو لم يصل بعد إلى ذروته... وقد يستمر عاماً

كشف مسؤول في الصليب الأحمر اليوم الثلاثاء أن وباء إيبولا ​في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية لم يصل بعد إلى ذروته.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أفريقيا حشد من المتظاهرين بالقرب من مبنى البرلمان في كينشاسا في يوم 12 يونيو (رويترز)

احتجاجات متصاعدة في الكونغو الديمقراطية ضد تعديل الدستور

تشهد الكونغو الديمقراطية توترات جديدة تضاف إلى أزمات صحية ومسلحة شرق البلاد، بعد اندلاع احتجاجات واسعة أمام مقر البرلمان في العاصمة كينشاسا.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

إثيوبيا لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية بعد الانتخابات

تترقب الأوساط السياسية في إثيوبيا إعلان كامل نتائج الانتخابات العامة السابعة التي شهدتها البلاد، وسط خلافات حادة مع معارضين لرئيس الوزراء آبي أحمد.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)

مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

تصدر ملف نهر النيل والأوضاع الإنسانية والأمنية في شرق الكونغو الديمقراطية محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)

مصر تتجه لإرجاء القمة الأفريقية في العلمين بسبب «إيبولا»

قال مصدر مصري مسؤول إن هناك اتجاهاً لتأجيل «قمة منتصف العام التنسيقية» للاتحاد الأفريقي التي كانت مقررة نهاية الشهر الجاري بسبب «إيبولا».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

خالد حفتر يبحث مع خوري سبل توحيد المؤسسات الليبية

خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
TT

خالد حفتر يبحث مع خوري سبل توحيد المؤسسات الليبية

خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)

بحث الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، مع ستيفاني خوري، نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة للشؤون السياسية بالبلاد، سبل دعم الجهود الرامية لتعزيز الاستقرار وتوحيد المؤسسات الليبية.

يأتي هذا اللقاء في ظل جهود مكثفة تبذلها البعثة الأممية في أعقاب إعلان مخرجات «الحوار المهيكل» الأسبوع الماضي، فضلاً عن حراك دولي يتعلق بالمسار السياسي في البلاد لتفعيل «الخريطة الأممية»، الهادفة إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية.

وأفادت رئاسة الأركان العامة، الثلاثاء، بأن خالد حفتر تطرق في اجتماعه مع خوري إلى «آخر مستجدات الأوضاع السياسية في ليبيا، مع تأكيد أهمية دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في الدفع بالعملية السياسية نحو تحقيق الاستقرار الدائم».

الأمين العام للقيادة العامة الفريق خيري التميمي خلال مباحثاته مع خوري (البعثة الأممية)

وسبق أن التقت خوري الأمين العام للقيادة العامة، الفريق خيري التميمي، الاثنين، وبحثت معه، وفقاً للبعثة الأممية، «آخر المستجدات على الساحة، بما في ذلك الاختتام الناجح لأعمال (الحوار المهيكل)، ولا سيما التوصيات الصادرة عنه، والهادفة إلى إصلاح وتوحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية».

وحسب بيان البعثة، أشادت خوري بـ«الدور الذي تضطلع به اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وبالنموذج الذي أرسته في مجال التنسيق والتعاون بين المؤسسات العسكرية الوطنية»، مؤكدةً «أهمية دعم جميع الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات، بما يسهم في تحقيق تطلعات الليبيين إلى الاستقرار والتنمية».

وفي إطار التباحث بشأن مخرجات الحوار، التقت خوري، الاثنين، سفير روسيا لدى ليبيا، أيدار أغانين، لمناقشة آخر التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد.

وتناولت المناقشات، حسب البعثة، نتائج عملية «الحوار المُهيكل»، و«التقدم المحرز» في الاجتماع المصغر المكلف بمعالجة العراقيل التي أعاقت تنفيذ الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق، التي ترعاها الأمم المتحدة للوصول إلى انتخابات وطنية.


من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً وفراغاً واسعاً في الشوارع، بدأت العاصمة الخرطوم تستفيق من غفوتها، وتعيد شيئاً من ألقها المفقود، وسط محاولات حكومية لإعادة الأنشطة الرياضية إلى الملاعب، واستئناف الفرق الموسيقية لعروضها الفنية، وفتح صالات الأفراح أبوابها مرة أخرى، إلى جانب تجمعات الشباب في أندية مشاهدة مباريات كأس العالم، وهي ملامح شاحبة في مدينة أنهكتها الحرب.

وبين ركام المباني وآثار التخريب، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، ومصاعب الحياة الأخرى، يحاول السكان استعادة تفاصيل حياتهم اليومية وصناعة مساحات للأمل، في مشهد يعكس رغبة قوية في تجاوز آثار الصراع والعودة إلى الحياة الطبيعية رغم التحديات الكبيرة التي لا تزال قائمة.

ذكريات جميلة

عاد استاد الخرطوم إلى الواجهة الرياضية من جديد باحتضانه أول ديربي بين الهلال والمريخ (أكبر ناديين في السودان)، بحضور رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي بذلت حكومته جهوداً من أجل إبراز هذه الجوانب. وشكلت المباراة حدثاً استثنائياً؛ لأنها أعادت كرة القدم إلى أحد أبرز ملاعب السودان بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات. ورغم الأوضاع الصعبة وارتفاع درجات الحرارة، حرصت الجماهير على الحضور إلى استاد الخرطوم لاستعادة ذكريات جميلة، غيبتها الحرب.

مشهد من مباراة الهلال والمريخ بأستاذ الخرطوم الذي أعيد تأهيله (الشرق الأوسط)

يقول المواطن عيسى إبراهيم إن مشاعر الفرح غمرته مع عودة النشاط الرياضي إلى الخرطوم، مؤكداً أن رؤية لاعبي فريقه الهلال على أرض استاد الخرطوم أعادت إليه ذكريات جميلة، وأشعرته بأن الحياة بدأت تستعيد إيقاعها الطبيعي من جديد.

من جانبه، يرى المواطن مصطفى عبد الجليل أن عودة المنافسات الرياضية إلى العاصمة تمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار التعافي المجتمعي، معرباً عن سعادته بمشاهدة لاعبي فريقه المريخ وهم يخوضون مبارياتهم داخل البلاد بعد فترة طويلة من الغياب. ويقول إن الرياضة تمنح الناس متنفساً يحتاجون إليه بشدة في ظل الظروف المعيشية الصعبة، بما في ذلك الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف الحياة.

لكن المواطن موسى الضو، وآخرين، يرون أن هذه الخطوة هي الأولى في مسيرة المليون خطوة لاستعادة الحياة بالكامل. ويرون أن وقف الحرب، ومعالجة آثارها، واستعادة الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والنقل، وتوفير المتطلبات الضرورية، كل ذلك يشكل الأولوية القصوى.

مشاهدة كأس العالم

وفي مؤشر آخر، تحاول حكومة إدريس الدفع به، وهو إعادة نشاط أندية المشاهدة، تدريجياً، حيث فتحت أبوابها في قصر الشباب والأطفال وعدد من المناطق لاستقبال الجماهير الراغبة في متابعة منافسات كأس العالم. وتحولت هذه المساحات إلى نقاط تجمع اجتماعي يلتقي فيها الشباب حول شاشات العرض.

وحرم الآلاف من سكان العاصمة والمدن الأخرى، من مشاهدة مباريات كأس العالم بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الذي يمتد يومياً لساعات طويلة. لذا فقد جاءت خطوة فتح بعض الأندية للجمهور الرياضي، لتعيد بعض الفرح في بلد خيم عليه الحزن منذ سنوات.

كما عاد المواطنون إلى تنظيم حفلات الأعراس داخل الصالات المغلقة بعد سنوات من التوقف والاضطراب. وتصدح الموسيقى مجدداً في مناسبات طال انتظارها.

الفنان التشكيلي عثمان حسين أمام أحد المعارض في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وفي جانب آخر، يقول الفنان التشكيلي عثمان حسين إن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب إعادة بناء المشهد التشكيلي عبر المعارض والجداريات والأنشطة الفنية التي تعيد الحياة إلى الفضاء العام، مشيراً إلى أنه ظل في الخرطوم طوال سنوات الحرب إيماناً منه بدور الفن في توثيق ذاكرة الصمود والأمل.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال حسين إن الفنانين يتجهون حالياً نحو الفضاءات العامة والمواقع السياحية القريبة من المجتمع، لما توفره من فرص للتفاعل مع الأسر والأطفال والزوار، مستشهداً بمعرض الزهور الذي أقيم الفترة الماضية في حديقة مارينا بوصفه نموذجاً يجمع بين الجمال والطابع الثقافي والترفيهي.

ويرى حسين أن الفن التشكيلي يمثل وسيلة للتعبير عن آمال السودانيين وتطلعاتهم، كما يسهم في الدعم النفسي والترويح عن الذات، مؤكداً أن الألوان تحمل أثراً إيجابياً يساعد على التعافي من آثار الحرب. وأشار إلى أن أعماله تستلهم ملامح البيت السوداني وتراث مناطق السودان المختلفة، سعياً لإبراز القيم الجمالية والإنسانية التي تعكس تنوع الثقافة السودانية وثرائها.

عودة الفرق الموسيقية

وعادت «فرقة جاز الديوم» إلى الخرطوم بعد سنوات الحرب التي تسببت في توقف نشاطها وفقدان جزء كبير من معداتها وتشتيت أعضائها، حاملةً إيمانها بأن الفن قادر على مواجهة الخراب واستعادة نبض الحياة.

وتُعد الفرقة من أبرز رموز «العصر الذهبي» لموسيقى الجاز السوداني؛ إذ تأسست بين عامي 1965 و1966، ونجحت في تقديم تجربة موسيقية مميزة مزجت بين السلم الخماسي السوداني والآلات الغربية، لتصنع هوية فنية أفرو سودانية خاصة.

أعضاء فرقة «جاز الديوم» خلال إحدى البروفات (الشرق الأوسط)

يقول رئيس الفرقة إبراهيم حسين، الذي تولى قيادتها منذ عام 1983، إن الحرب أوقفت نشاطها لنحو ثلاثة أعوام، قبل أن تستأنف أعمالها بخطط لإحياء عدد من أغنياتها الشهيرة، مثل «إشراقة» و«براي يا خِلة» و«ساكن قصاد الدار»، إلى جانب تقديم أعمال جديدة أبرزها أغنية «أنساها».

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الفرقة فقدت العديد من آلاتها الموسيقية بسبب أعمال النهب، ما اضطرهم إلى إعادة بناء تجربتهم من الصفر. ورغم الخسائر المادية والنفسية، نجحت مؤخراً في تنظيم حفل جماهيري حظي بتفاعل واسع داخل السودان وخارجه، في مؤشر على عودة الحياة الثقافية والفنية إلى العاصمة.

ورغم أن آثار الحرب لا تزال حاضرة في الشوارع والأحياء وعلى وجوه كثير من السكان، فإن عودة المباريات إلى الملاعب، وامتلاء الصالات بالأفراح، واحتشاد الجماهير حول شاشات متابعة كأس العالم، تمثل مؤشرات واضحة على تمسك أهل الخرطوم بالحياة؛ فبين أنقاض الدمار، يواصل السكان كتابة فصل جديد عنوانه الأمل والتعافي، مؤمنين بأن المدينة التي صمدت في وجه الحرب قادرة أيضاً على استعادة نبضها واسترجاع مكانتها بوصفها عاصمة نابضة بالحركة والثقافة والفرح.


«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
TT

«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)

اعتادت محلات «عصير القصب» في مصر أن تفترش موائد أمامها وعلى أرصفتها، كي تتيح لقاصديها تناول مشروبهم الشعبي المفضل في أجواء صيفية حارة، يقتنصون خلالها دقائق معدودة يمتزج فيها مذاق العصير المثلج مع شعور منعش بذهاب الظمأ، بينما يتسلل في الخلفية -في أحيان كثيرة- صوت المنشد ياسين التهامي وهو يشدو «أكادُ من فرطِ الجمالِ أذوبُ»، كأنه يصف حالهم مع مشروبهم.

المشهد المعتاد لا يزال محتفظاً بتفاصيله، إلا أنه بات مهدداً بأن يفقد «جماله» مع ما أثير خلال الأيام الماضية عن «غش» عصير القصب، عبر إذابة مادة «ثاني أكسيد التيتانيوم» فيه لإكسابه لوناً أبيض.

وتصدَّر الإعلان عن ضبط هذه المادة في عدد من المحلات بمحافظات مختلفة اهتمام وسائل الاعلام المصرية، مع توالي الضبطيات.

عامل يعصر أعواد القصب أمام أعين الزبائن (الشرق الأوسط)

وانتشر الجدل حول المادة الكيميائية مع ضبط كميات منها نهاية الأسبوع الماضي بمحافظة القليوبية شمالي القاهرة، وتكرار الأمر في محافظة أسيوط بصعيد البلاد، حيث ضُبطت المادة نفسها داخل أحد محال بيع عصير القصب.

ومع شن الأجهزة الرقابية حملات تفتيش مفاجئة بمختلف المحافظات، تم ضبط 18 كيلوغراماً من «ثاني أُكسيد التيتانيوم» بمحافظة بني سويف، الواقعة على بعد 120 كيلومتراً إلى الجنوب من القاهرة، و4 كيلوغرامات بمحافظة الغربية بدلتا النيل، وفق وسائل إعلام محلية.

هل تأثر المشهد؟

ولا تكاد شوارع المدن المصرية والأحياء الشعبية بالقاهرة تخلو من محال وعصّارات القصب التي تصطف على مسافات متقاربة، فيما يتزاحم عليها الزبائن العطشى. لكن هل تأثر مشهد الزحام بما أثير مؤخراً عن «غش» القصب؟

لا يبدو ثمة تأثر رصدته «الشرق الأوسط» في جولة بين عدد من المحال والعصارات. ففي منطقة الإسعاف بوسط القاهرة، وقف عشرات الزبائن بأكواب القصب أمام محلين شهيرين متجاورين، دون أن يختلف المشهد عما هو معتاد.

من بين الزبائن، قال محمد سامي الذي أوصى البائع بعصّر أعواد قصب لا تتضمن «الزَّعزوعة»، وهي الجزء العلوي غير السكري: «عصير القصب بالنسبة لي طقس يومي في الصيف منذ الصغر، ولن أوقف عادتي بسبب واقعة أثيرت حوله. هناك كلام كثير يُقال، لكننا نستطيع تمييز القصب الطبيعي من المغشوش. أعتقد هناك مبالغة، ولا أصدق كل ما يتردد».

عصير القصب خيار صحي ومنعش لدى المصريين (الشرق الأوسط)

ومن وسط القاهرة إلى وسط دلتا النيل، وتحديداً مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية، لم يختلف مشهد الزبائن أمام محلات العصائر التي قال أحد أصحابها، جمال العجواني، إن الإقبال على المشروب الشعبي لم يتأثر، مؤكداً أن حركة البيع تسير بمعدلاتها الطبيعية.

وأضاف: «بعض الزبائن يُبدون مخاوفهم، والاطمئنان يأتي عبر التجربة المباشرة، حيث نطلب منهم ترك كوب العصير 10 ثوانٍ قبل تناوله، فإذا بدأ اللون في التغير نحو الأغمق، فهذا دليل قاطع على أنه عصير طبيعي؛ أما إذا ظل الكوب محتفظاً بلونه الأبيض، فهذا يعني وجود إضافات غير طبيعية».

وهو يرى أن الهجوم الأخير على محلات عصير القصب ليس عفوياً، بل «حملة ممنهجة» قال إن بعض شركات المشروبات الغازية تقف وراءها للتغلب على تراجع مبيعاتها نتيجة الارتفاع الكبير في أسعارها.

يتفق معه مصطفى خليل، وهو تاجر قصب بصعيد مصر وصاحب محلات للعصائر بعدة محافظات، مُرجحاً أن ما يُروَّج يستهدف التشكيك في سلامة عصير القصب «كمحاولة من بعض الشركات لصالح مشروباتها، التي يُحذر منها الأطباء، ويقاطعها المستهلك».

ويضيف: «على غير المتوقع، هذه الضجة الأخيرة أحدثت أثراً إيجابياً، وأسهمت في فرز السوق، حيث تراجعت حركة البيع في المحلات التي كانت تعتمد على الإضافات المبيضّة، بينما شهدت المحلات الموثوقة زيادة في الإقبال». وتابع: «الناس أصبحوا أكثر وعياً، وبدأوا يميزون بين العصير الطبيعي والمغشوش».

العصر أمام الزبائن

وتحظر الهيئة القومية لسلامة الغذاء في مصر، استخدام مادة «ثاني أكسيد التيتانيوم» كمادة مضافة إلى العصائر الطبيعية. وبشأن ما أثير عن إضافتها إلى عصير القصب، طمأنت الهيئة المصريين بالقول في بيان يوم الأحد: «لا توجد حتى تاريخه مؤشرات تدل على انتشار هذه الممارسة»، لافتةً إلى أن احتمالية وقوع بعض الممارسات المخالفة من جانب عدد محدود من متداولى الغذاء تظل قائمة.

حركة بيع عصير القصب تسير بمعدلات طبيعية وفق تأكيدات أصحاب المحلات (الشرق الأوسط)

ويؤكد الدكتور أيمن حسني، المدير السابق لمعهد المحاصيل السكرية، لـ«الشرق الأوسط» أن ما يُتداول حول استخدام إضافات مثل «أكسيد التيتانيوم» يمثل في جوهره حالات فردية استثنائية لا تعكس الواقع العام للصناعة.

ويُرجع حسني ثقة المستهلك في عصير القصب إلى طبيعته كمنتَج يُحضَّر طازجاً أمام أعين الزبائن، قائلاً: «المواطن يراقب عملية العصر لحظة بلحظة، وهذا يختلف جذرياً عن المنتجات المعبأة مسبقاً التي لا يمكن للزبون التأكد من سلامة مراحل تصنيعها».

كما يلفت إلى أن عصير القصب بما يمثله من مصدر طبيعي للطاقة وما يزخر به من عناصر غذائية يجعله خياراً صحياً ومنعشاً، إذا ما قورن بكثير من المشروبات المصنعة.

Your Premium trial has ended