100 % رسوماً على أشباه الموصلات... ترمب يضغط على الشركات لـ«الصناعة في أميركا»

نموذج مصغر لعامل موضوع بين لوحات دوائر مطبوعة تحتوي على شرائح أشباه الموصلات (رويترز)
نموذج مصغر لعامل موضوع بين لوحات دوائر مطبوعة تحتوي على شرائح أشباه الموصلات (رويترز)
TT

100 % رسوماً على أشباه الموصلات... ترمب يضغط على الشركات لـ«الصناعة في أميركا»

نموذج مصغر لعامل موضوع بين لوحات دوائر مطبوعة تحتوي على شرائح أشباه الموصلات (رويترز)
نموذج مصغر لعامل موضوع بين لوحات دوائر مطبوعة تحتوي على شرائح أشباه الموصلات (رويترز)

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن الولايات المتحدة ستفرض رسوماً جمركية بنسبة 100 في المائة تقريباً على واردات أشباه الموصلات، لكنه قدَّم إعفاءً كبيراً، فلن تُطبَّق على الشركات التي تصنع في الولايات المتحدة أو التي التزمت بذلك.

وتُعدُّ هذه الخطوة جزءاً من جهود ترمب لإعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة، وقد جاءت تصريحاته، يوم الأربعاء، بالتزامن مع إعلانه أن شركة «أبل» ستستثمر 100 مليار دولار إضافية في سوقها المحلية.

وقال للصحافيين، في المكتب البيضاوي، إنه بالنسبة لشركات مثل «أبل»، التي التزمت بالبناء في الولايات المتحدة، «لن تكون هناك رسوم». لكنه حذَّر من أن الشركات يجب ألا تحاول التملص من تعهداتها ببناء مصانع في الولايات المتحدة.

وأضاف ترمب: «إذا قلت لسبب ما إنك ستبني ولم تقم بالبناء، فسنعود ونضيفها ونجمعها وتتراكم ونحاسبك في وقت لاحق، وعليك أن تدفع، وهذا ضمان».

رقاقة أشباه موصلات معروضة بمعرض «تاتش تايوان» في تايبيه (رويترز)

ومع ذلك، لم تكن هذه التعليقات إعلاناً رسمياً للتعريفات الجمركية، ولا يزال كثير من الغموض يكتنف كيفية تأثر الشركات والبلدان في جميع أنحاء العالم، وفق «رويترز».

وقد جاء ذكر ترمب للمعدل المقترح بنسبة 100 في المائة على الرقائق قبيل بدء تطبيق الرسوم الأميركية التي تتراوح بين 10 في المائة و50 في المائة، يوم الخميس، على كثير من السلع من عشرات الشركاء التجاريين. وكانت الرسوم المفروضة على أشباه الموصلات وغيرها من السلع التكنولوجية الرئيسية الأخرى موضوع تحقيق في الأمن القومي الأميركي، ومن المتوقع أن يتم إعلان نتائجه بحلول منتصف أغسطس (آب).

ردود فعل فورية

وقد أثارت تصريحات ترمب، يوم الأربعاء، موجةً من ردود الفعل الفورية من الدول المعنية وجماعات الضغط التجارية.

وقال كبير المبعوثين التجاريين لكوريا الجنوبية، يوم الخميس، إن شركتَي «سامسونغ» للإلكترونيات و«إس كيه هاينيكس» الكوريَّتين الرئيسيَّتين لصناعة الرقائق لن تخضعا لرسوم جمركية بنسبة 100 في المائة، وستحصل كوريا الجنوبية على أكثر الرسوم تفضيلاً على أشباه الموصلات بموجب اتفاق تجاري بين واشنطن وسيول.

وعلى الطرف الآخر، قال رئيس صناعة أشباه الموصلات الفلبينية، دان لاتشيكا، إن خطة ترمب ستكون «مُدمِّرةً» لبلاده.

وفي ماليزيا، وهي لاعب كبير في اختبار الرقائق وتغليفها على مستوى العالم، حذَّر وزير التجارة، تنغكو ظفرول عزيز، البرلمانَ من أن بلاده «ستخاطر بفقدان سوق رئيسية في الولايات المتحدة إذا أصبحت منتجاتها أقل تنافسية؛ نتيجة لفرض هذه التعريفات».

بقاء الأكبر

قال وزير المجلس الوطني للتنمية في تايوان، ليو تشين تشينغ، للصحافيين، يوم الخميس، إن الشركات التايوانية تقوم ببناء مصانع في الولايات المتحدة، أو شراء شركات أميركية لديها مصانع محلية، بالإضافة إلى التعاون مع صانعي الرقائق الأميركية لمواجهة الرسوم الجمركية المحتملة على الرقائق.

من المتوقع أن تكون شركة «تي إس إم سي» التايوانية المصنعة للرقائق سالمةً نسبياً؛ نظراً لامتلاكها مصانع في الولايات المتحدة، لذلك من غير المرجح أن يواجه العملاء الرئيسيون مثل «إنفيديا» زيادة تكاليف التعريفة الجمركية على الرقائق المصنوعة في الولايات المتحدة.

أشخاص يتجولون خارج متحف الابتكار التابع لشركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية في مقرها الرئيسي في هسينشو (أ.ف.ب)

كما تُخطِّط شركة «إنفيديا»، التي تصنع وحدات معالجة الرسومات المتطورة في مجال الذكاء الاصطناعي، لاستثمار مئات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة.

أنشأ الكونغرس برنامج دعم لتصنيع أشباه الموصلات والأبحاث، بقيمة 52.7 مليار دولار في عام 2022. وقد أقنعت وزارة التجارة في عهد الرئيس جو بايدن العام الماضي جميع شركات أشباه الموصلات الخمس الرائدة في مجال أشباه الموصلات بتحديد مواقع مصانع الرقائق في الولايات المتحدة في جزء من البرنامج.

وقالت الوزارة إن الولايات المتحدة أنتجت العام الماضي نحو 12 في المائة من رقائق أشباه الموصلات على مستوى العالم، بعد أن كانت 40 في المائة في عام 1990.

وقال مارتن تشورزيمبا، الزميل البارز في «معهد بيترسون» للاقتصاد الدولي: «هناك كثير من الاستثمارات الجادة في الولايات المتحدة في إنتاج الرقائق، لدرجة أن كثيراً من هذا القطاع سيكون معفى».

وأضاف أنه من غير المرجح أن يتم إعفاء الرقائق التي تصنعها شركتا «إس إم آي سي» و«هواوي» الصينيتان، لكنه أشار إلى أن الرقائق من هذه الشركات التي تدخل السوق الأميركية تم دمجها في الغالب في الأجهزة المجمعة في الصين. وقال: «إذا تم تطبيق هذه الرسوم الجمركية دون تعريفة على المكونات، فقد لا يُحدث ذلك فرقاً كبيراً».

موظفة تنتج رقائق أشباه الموصلات للتصدير في مصنع بمدينة بينتشو بشرق الصين (أ.ف.ب)

وقال الاتحاد الأوروبي إنه وافق على فرض تعريفة جمركية واحدة بنسبة 15 في المائة على الغالبية العظمى من صادرات الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك السيارات والرقائق والمستحضرات الصيدلانية. وقالت اليابان إن الولايات المتحدة وافقت على عدم منحها معدل تعريفة جمركية أسوأ من الدول الأخرى على الرقائق.

وارتفعت أسهم شركات صناعة الرقائق الآسيوية التي لديها خطط استثمارية أميركية كبيرة يوم الخميس، حيث ارتفعت أسهم شركتي «تي إس إم سي» و«سامسونغ» بنسبتَي 4.4 في المائة و2 في المائة على التوالي. وقفز سهم مُنتج رقائق السيليكون «غلوب وويفرز»، الذي يمتلك مصنعاً في تكساس، بنسبة 10 في المائة.

وقالت شركة «غلوب وويفرز» إنها نفَّذت استراتيجيات استباقية لخفض التكاليف، وتعتقد أن لديها فرصةً للحفاظ على قدرتها التنافسية.


مقالات ذات صلة

خاص يُعد التنبؤ بالطلب باستخدام تعلم الآلة أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في سلاسل الإمداد وتستخدمه 45 % من المؤسسات (أدوبي)

خاص سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

يكشف توسع الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد عن أن المرونة تعتمد على تكامل الأنظمة والبيانات، وتحويل التوصيات إلى قرارات تشغيلية سريعة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «أنثروبيك» على بصمة نصية خفية تُنشأ في أثناء التوليد عبر أنماط إحصائية في اختيار الكلمات وليست علامة مرئية داخل النص ( أدوبي)

كيف تعمل البصمة النصية في «Claude»... ومتى يمكن أن تختفي؟

تزداد قابلية اكتشاف البصمة في النصوص الأطول، في حين تكون الإشارة أضعف في المقاطع القصيرة أو المحتوى الذي يفرض صياغات محددة.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد العاصمة الفيتنامية هانوي (أ.ف.ب)

فيتنام تتصدر قائمة الاقتصادات الأسرع نمواً في جنوب شرق آسيا... وتايلاند الأخيرة

احتفظت فيتنام بتصدرها قائمة الاقتصادات الأسرع نمواً بجنوب شرق آسيا، خلال الربع الثاني، في حين جاءت تايلاند بالمرتبة الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قرصنة برنامج للذكاء الاصطناعي جاءت بمبادرة منه تماماً ولم تكتشف «أوبن. إيه. آي» الهجوم إلا بعد وقوعه (رويترز)

«أوبن. إيه. آي» تعيد النظر في قواعد السلامة بعد تمرد نماذج للذكاء الاصطناعي

بدأت شركة تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأميركية «أوبن. إيه.آي» تشديد إجراءات السلامة في اختبارات الذكاء الاصطناعي بعد قيام برنامج بعملية قرصنة رفيعة المستوى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

السوق السعودية تسجل أعلى إغلاق منذ يونيو بدعم الأسهم المتوسطة

مستثمر يعبر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يعبر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

السوق السعودية تسجل أعلى إغلاق منذ يونيو بدعم الأسهم المتوسطة

مستثمر يعبر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يعبر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) تعاملات الخميس مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ يونيو الماضي، بدعم مكاسب عدد من الأسهم المتوسطة، رغم تراجع سهم «أرامكو السعودية» بعد نهاية أحقية التوزيعات النقدية.

وأغلق المؤشر عند 10954 نقطة، مرتفعاً 29 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 5.1 مليار ريال. وسجل خلال الجلسة أعلى مستوى عند 10961 نقطة وأدنى مستوى عند 10909 نقاط.

وارتفع سهم «مصرف الراجحي» بأقل من 1 في المائة إلى 64.80 ريال، فيما صعدت أسهم «سينومي ريتيل» و«أماك» و«تهامة» و«ساسكو» و«شاكر» و«عزم» و«إم آي إس» و«نفوذ» و«بدجت السعودية» بنسب تراوحت بين 3 و6 في المائة.

كما ارتفع سهم «سماسكو» بنسبة 1 في المائة إلى 5.77 ريال، عقب إعلان الشركة توزيعات نقدية للمساهمين.

في المقابل، تراجع سهم «أرامكو السعودية» بنسبة 1 في المائة إلى 26.40 ريال، بعد نهاية أحقية توزيعات نقدية بواقع 0.34 ريال للسهم عن الربع الثاني من 2026.

كما انخفضت أسهم «صناعة الورق» و«تبوك الزراعية» و«الوطنية» و«بي إس إف» بنسب تراوحت بين 2 و3 في المائة.


«هيوماين» تطور جيلاً جديداً من أجهزة الكمبيوتر لتشغيل الذكاء الاصطناعي محلياً

ضيوف في جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية "هيوماين" خلال مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" في الرياض (الشركة)
ضيوف في جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية "هيوماين" خلال مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" في الرياض (الشركة)
TT

«هيوماين» تطور جيلاً جديداً من أجهزة الكمبيوتر لتشغيل الذكاء الاصطناعي محلياً

ضيوف في جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية "هيوماين" خلال مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" في الرياض (الشركة)
ضيوف في جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية "هيوماين" خلال مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" في الرياض (الشركة)

تعمل شركة «هيوماين» للذكاء الاصطناعي المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، بالتعاون مع «كوالكوم»، على تصميم الجيل الجديد من جهاز «HUMAIN AI PC»، بهدف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محلياً على الجهاز، وفق ما أعلن طارق أمين، الرئيس التنفيذي للشركة.

وقال أمين، في منشور على منصة «إكس»، إن العمل على الجهاز مستمر منذ 12 شهراً، موضحاً أنه سيجمع بين وحدة المعالجة المركزية (CPU)، ووحدة معالجة الرسوميات (GPU)، ووحدة المعالجة العصبية (NPU)، لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على الجهاز مباشرة.

وأشار إلى أن تركيز الشركة لا ينصب فقط على مكونات الجهاز، بل يمتد إلى نظام التشغيل الذي سيعمل عليه، متسائلاً عن شكل نظام تشغيل مصمم لعالم يعتمد على الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، بدلاً من أن يتمحور حول التطبيقات، ليكون قائماً على «النوايا» التي يحددها المستخدم.

ومن المقرر الكشف عن مزيد من التفاصيل حول الجهاز خلال النسخة الخامسة من مؤتمر «ليب» (LEAP)، الذي تستضيفه الرياض خلال الفترة من 31 أغسطس (آب) إلى 3 سبتمبر (أيلول) 2026، في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات في ملهم. ويُعدّ المؤتمر من أبرز فعاليات التقنية والابتكار، ويجمع شركات التقنية والمستثمرين والشركات الناشئة والمبتكرين.


40 تريليون دولار... الدين الأميركي يدخل منطقة الخطر

40 تريليون دولار... الدين الأميركي يدخل منطقة الخطر
TT

40 تريليون دولار... الدين الأميركي يدخل منطقة الخطر

40 تريليون دولار... الدين الأميركي يدخل منطقة الخطر

لم يعد تجاوزُ الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار مجردَ رقم قياسي جديد في دفاتر «الخزانة»، بل بات علامة على تحول أعمق في علاقة الولايات المتحدة بالاقتراض. فمع بلوغ الدين الإجمالي هذا المستوى لأول مرة، تجد واشنطن نفسها أمام مفارقة مالية لافتة: الاقتصاد الأميركي ما زال الأكبر عالمياً، وسنداته لا تزال أهم أصول الملاذ الآمن في النظام المالي، لكن المستثمرين بدأوا يطالبون بعائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالديون الأميركية طويلة الأجل.

وتزامن بلوغ الدين هذا المستوى مع وصول عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أكثر من 5.3 في المائة، وهو أعلى مستوى في نحو عقدين، قبل أن تتدخل وزارة الخزانة بإجراء غير معتاد لتهدئة سوق السندات.

وهكذا، لم يعد السؤال المطروح في واشنطن هو فقط: كيف ستسدد الولايات المتحدة ديونها؟ بل أصبح أيضاً: كم ستكلفها عملية الاستمرار في الاقتراض؟

رقم يتضخم بسرعة

تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار في 19 أغسطس (آب) الحالي، ويتوزع بين نحو 32.3 تريليون دولار من الديون المملوكة للجمهور، و7.8 تريليون دولار من الحيازات الحكومية الداخلية، وفق بيانات من وزارة الخزانة الأميركية نقلتها «رويترز». وكان الدين قد بلغ نحو الضعف منذ عام 2017.

ولا تأتي القفزة في فراغ. فالولايات المتحدة تسير هذا العام نحو اقتراض أكثر من تريليون دولار لتغطية التزاماتها، في وقت تزداد فيه نفقات برامج الرعاية الاجتماعية، والدفاع، وخدمة الدين.

والأكبر إثارة للقلق أن جزءاً متصاعداً من العجز لم يعد يذهب إلى الاستثمار أو الإنفاق العام، وإنما إلى دفع فوائد الديون السابقة.

ووفق تقديرات نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد أصبحت مدفوعات الفائدة أحد أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي، فيما يشكل ارتفاعها نحو نصف العجز المتوقع هذا العام.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: الدين يولّد فائدة، والفائدة تحتاج إلى اقتراض جديد، والاقتراض الجديد يضيف ديناً جديداً.

وعود ترمب بخفض الدين تصطدم بالواقع

تأتي هذه القفزة في الدين رغم تعهدات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بإعادة الانضباط إلى المالية العامة؛ ففي حملته الأولى للرئاسة عام 2016، وعد ترمب بالقضاء على الدين خلال 8 سنوات، لكن الدين الأميركي تضاعف منذ ذلك الحين.

وفي ولايته الثانية، لم تنجح حتى الآن محاولات خفض الإنفاق بالقدر المعلن. كما أدت الحرب مع إيران إلى زيادة الإنفاق العسكري، بينما أضعفت إعادة مبالغ كبيرة من الرسوم الجمركية قدرة التعريفات على تعزيز الإيرادات.

وتشير «نيويورك تايمز» إلى أن وزارة الخزانة كانت تستهدف خفض العجز إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2028، مقارنة بأكثر من 6 في المائة عند تولي ترمب منصبه، لكن المسار الحالي لا يزال بعيداً عن هذا الهدف.

سوق السندات ترسل الإشارة

المشكلة لا تكمن في حجم الدين وحده، وإنما في رد فعل المستثمرين عليه. فعندما يزداد المعروض من السندات الحكومية، ويشك المستثمرون في قدرة الحكومة على ضبط العجز، فإنهم قد يطالبون بعائد أعلى مقابل شراء تلك السندات. وعندما ترتفع عوائد سندات الخزانة، ترتفع معها تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الأميركي كله.

وهذا ما بدأ يظهر بوضوح. فقد تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً 5.3 في المائة هذا الأسبوع، مسجلاً أعلى مستوى منذ نحو عقدين. وفي الوقت نفسه، اقتربت معدلات الرهن العقاري من 7 في المائة.

ولا تتوقف آثار ذلك عند سوق السندات. فعائد سندات الخزانة الأميركية لـ10 سنوات يمثل مرجعاً أساسياً لتسعير القروض العقارية وقروض الشركات والسيارات؛ مما يعني أن ارتفاعه ينتقل سريعاً إلى المستهلكين والشركات.

وكلما ارتفعت تكلفة تمويل الحكومة، ارتفعت معها تكلفة تمويل الاقتصاد.

شاشة تعرض إجمالي الدين الوطني الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار لأول مرة (رويترز)

بيسنت يدخل سوق السندات

وفي تطور لافت، تحرك وزير الخزانة، سكوت بيسنت، هذا الأسبوع لتهدئة سوق السندات. وأعلنت وزارة الخزانة أنها ستضاعف الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء السندات الأميركية طويلة الأجل، لترفع المبلغ المستهدف في العملية الواحدة من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل، بدءاً من 9 سبتمبر (أيلول) المقبل.

وقد استجابت السوق سريعاً؛ إذ تراجع عائد السندات لأجل 30 عاماً بنحو عُشر نقطة مئوية في الساعات الأولى بعد الإعلان، قبل أن يستقر لاحقاً قرب 5.2 في المائة.

وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض يوم 30 يوليو 2026 (أ.ب)

ورسمت الخطوة صورة غير معتادة لوزير خزانة أميركي يتدخل بصورةٍ مباشرةٍ أكبر في سوق السندات، في محاولة للحد من ارتفاع العوائد. وتعتزم «الخزانة»، بموجب الزيادة الجديدة، رفع عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل في العملية الواحدة؛ مما يعني أنها قد تشتري نحو 128 مليار دولار من سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 30 عاماً على مدار عام إذا استمرت بالوتيرة الجديدة. ومع ذلك، فإن حجم التدخل يبقى محدوداً مقارنة بسوق الخزانة البالغة نحو 31 تريليون دولار؛ مما يثير تساؤلات بشأن مدى قدرته على معالجة الضغوط التي تدفع العوائد إلى الارتفاع.

لكن هذه الخطوة لا تعالج أصل المشكلة. فإعادة شراء السندات يمكن أن تساعد على تحسين السيولة وتهدئة السوق، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تمويل العجز المتصاعد ولا تخفض حجم الدين الإجمالي بصورة جوهرية؛ مما يجعل التدخل أقرب إلى أداة لتهدئة السوق منه إلى حل لمشكلة الدين المتفاقمة.

لماذا يهم الرقم العالم؟

الدين الأميركي ليس شأناً أميركياً فقط. فسندات الخزانة الأميركية تشكل أحد أهم الأصول التي تحتفظ بها البنوك المركزية وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية حول العالم. كما أن الدولار يمثل العملة الرئيسية للاحتياطات الدولية وتسوية التجارة والتمويل العالمي.

ولهذا؛ فإن ارتفاع العوائد الأميركية يفرض نفسه على الأسواق العالمية. فعندما ترتفع عوائد السندات الأميركية، تصبح الأصول المقيّمة بالدولار أعلى جاذبية نسبياً، لكن ارتفاع العوائد يرفع في الوقت نفسه تكلفة التمويل على الحكومات والشركات في الاقتصادات الأخرى، خصوصاً الدول والأسواق التي تعتمد على الاقتراض الخارجي. كما يمكن أن يؤدي ارتفاع العوائد الأميركية إلى جذب رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة، بما يزيد الضغوط على العملات الأخرى.

ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تتزامن أزمة السندات الأميركية مع ارتفاع عوائد السندات في اقتصادات كبرى أخرى. فقد شهدت أسواق السندات العالمية ضغوطاً متصاعدة مع تلاقي المخاوف بشأن التضخم والعجز والإنفاق الحكومي.

هل يهدد الدين مكانة الدولار؟

لا يعني تجاوز الدين 40 تريليون دولار أن الدولار يفقد مكانته بصفته عملة احتياطية بين ليلة وضحاها. فالسوق الأميركية لا تزال تتمتع بعمق وسيولة لا تنافسها فيهما سوق أخرى بسهولة، كما أن سندات الخزانة تظل من أهم أدوات النظام المالي العالمي.

لكن الخطر يكمن في تآكل الثقة تدريجياً إذا استمر الدين والعجز في الارتفاع من دون مسار واضح للسيطرة عليهما. وتحذر مؤسسات مالية بأن ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يدفع المستثمرين في مرحلة ما إلى المطالبة بعوائد أعلى بصورة مستمرة؛ مما يخلق حلقة يصعب كسرها: عجز أكبر، ثم إصدار سندات أكثر، ثم عوائد أعلى، ثم فوائد أكبر، ثم عجز أكبر.

«الفيدرالي» في قلب المعادلة

وتزداد حساسية المشهد مع وجود تغيير مرتقب في سياسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)». فالأخير يحتفظ بمحفظة تبلغ نحو 6.8 تريليون دولار من السندات الحكومية والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري. وقد جعل رئيسه، كيفين وارش، تقليص حجم هذه المحفظة أولوية، مع توقع مراجعة استراتيجية الميزانية العمومية قبل نهاية العام.

ويثير أي بيع واسع للسندات طويلة الأجل مخاوف المستثمرين؛ لأنه قد يزيد المعروض المتاح في السوق في وقت تحاول فيه وزارة الخزانة نفسها تهدئة العوائد.

وهنا تظهر مفارقة السياسة الأميركية: وزارة الخزانة تريد احتواء العوائد، بينما يدرس «الاحتياطي الفيدرالي» تقليص ميزانيته العمومية، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى إصدار مزيد من الديون.

ما بعد الرقم

قد لا يكون الرقم نفسه هو المشكلة الأكبر إلحاحاً. فالولايات المتحدة تمتلك اقتصاداً ضخماً، وقاعدة ضريبية واسعة، وسوقاً مالية هي الأعمق في العالم، وتصدر عملة الاحتياط الرئيسية.

لكن سرعة تراكم الدين، وازدياد تكلفة خدمته، هما ما يجعلان الرقم أكبر أهمية. فالولايات المتحدة لم تصل إلى 40 تريليون دولار لأن الاقتصاد انهار، وإنما لأن الإنفاق الحكومي ظل يتجاوز الإيرادات على مدى سنوات، بينما أصبحت الفائدة نفسها جزءاً متصاعداً من المشكلة.

ولهذا؛ فإن السؤال الحقيقي بعد تجاوز هذا الحاجز ليس ما إذا كان الدين الأميركي يستطيع الوصول إلى 50 تريليون دولار، بل ما إذا كان الاقتصاد الأميركي سيظل قادراً على تحمل تكلفة هذا الدين من دون أن يضطر المستثمرون إلى رفع العائد المطلوب بصورة أكبر.

فالدين الأميركي عند 40 تريليون دولار لا يمثل نهاية عصر الاقتراض، لكنه قد يمثل بداية عصر يصبح فيه الاقتراض أعلى تكلفة على واشنطن، وعلى الاقتصاد الأميركي، وعلى العالم. وهذه هي النقطة التي تجعل الرقم الجديد مختلفاً عن مجرد رقم قياسي آخر.

حقائق

وقائع رقمية:

40.047 تريليون دولار إجمالي الدين الأميركي

32.266 تريليون دولار ديون مملوكة للجمهور

7.782 تريليون دولار حيازات حكومية داخلية

5.34 في المائة عائد السندات لأجل 30 عاماً عند الذروة

4 مليارات دولار حجم إعادة الشراء في العملية الواحدة

128 مليار دولار مشتريات محتملة خلال عام

31 تريليون دولار حجم سوق الخزانة الأميركية