جدل حول تصريحات ترمب بترك قرار احتلال قطاع غزة لإسرائيل

تكتيك تفاوضي للضغط على «حماس» أم تشجيع للهجرة الطوعية وتصعيد الحرب؟

الرئيس الأميريكي دونالد ترمب يرد على أسئلة الصحافيين في واشنطن مساء الثلاثاء (رويترز)
الرئيس الأميريكي دونالد ترمب يرد على أسئلة الصحافيين في واشنطن مساء الثلاثاء (رويترز)
TT

جدل حول تصريحات ترمب بترك قرار احتلال قطاع غزة لإسرائيل

الرئيس الأميريكي دونالد ترمب يرد على أسئلة الصحافيين في واشنطن مساء الثلاثاء (رويترز)
الرئيس الأميريكي دونالد ترمب يرد على أسئلة الصحافيين في واشنطن مساء الثلاثاء (رويترز)

أثار تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن قرار «إعادة احتلال» قطاع غزة والسيطرة عليه أمر «يعود لإسرائيل» جدلاً واسعاً، إذ حمل إشارة إلى نهج متساهل إزاء قضية بالغة الحساسية بمنطقة الشرق الأوسط.

وبدا من حديث الرئيس الأميركي أنه مرتاح لفكرة ترك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحكم في مصير قطاع غزة ويمضي قدماً نحو توسيع عملياته العسكرية، وما يمكن أن يعنيه هذا من تصعيد كبير للحرب المستمرة منذ 22 شهراً وتعريض عدد لا يحصى من الفلسطينيين للخطر، إضافة إلى المعارضة الشديدة من جانب عائلات الرهائن المحتجزين لدى حركة «حماس»، التي تعد هذا القرار «حكم إعدام» للرهائن.

وفي حديثه للصحافيين، مساء الثلاثاء، أكد ترمب أن تركيزه ينصبّ على تأمين وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة؛ لكنه ترك لإسرائيل مسألة السيطرة على غزة على المدى الطويل.

وعندما سئل عن موقفه من التقارير التي تفيد بأن إسرائيل تفكر في توسيع هجومها، هز كتفيه وقال: «الأمر متروك لإسرائيل. أنا أركز على إدخال الطعام، وتحقيق وقف إطلاق النار، وإعادة هؤلاء الرهائن إلى ديارهم».

وجاءت تصريحات ترمب في وقت تعثرت فيه مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، وتواجه فيه غزة كارثة إنسانية متفاقمة تشمل مجاعة ونزوحاً جماعياً وعنفاً متواصلاً. كما أن حديثه يعكس تحولاً عن خطابه السابق الذي طرح فيه خطة مثيرة للجدل لسيطرة الولايات المتحدة على غزة وتحويلها إلى «ريفييرا الشرق الأوسط». وهو الاقتراح الذي تضمن تهجير سكان القطاع إلى دول أخرى، ولاقى انتقادات حادة من الدول العربية ومنظمات حقوق الإنسان التي وصفت المقترح بأنه ينطوي على تطهير عرقي.

سائقون يقفون بجوار شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية عند معبر رفح الحدودي يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

وقد أقر ترمب بالمجاعة المتفشية في غزة، ووعد بإنشاء مراكز غذائية في القطاع، وأعلن أن بلاده قدمت 60 مليون دولار لتوفير المساعدات الإنسانية. وقد واجهت إدارته انتقادات لدعمها «مؤسسة غزة الإنسانية» المثيرة للجدل، وهي مؤسسة توزيع مساعدات مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وارتبط اسمها بحوادث مميتة في مواقع الإغاثة.

صورة «صانع السلام»

وانقسمت آراء المحللين حول تصريحات ترمب، التي رأى فيها البعض استمراراً لنهجه المساند لإسرائيل بما يمنحها الضوء الأخضر لتكثيف هجماتها العسكرية، بينما رأى البعض الآخر التهديد بإعادة احتلال غزة تكتيكاً تفاوضياً يهدف إلى الضغط على «حماس» ورهاناً على أن الحركة قد تنهار تحت الضغط العسكري والدبلوماسي.

لكن الخبراء اتفقوا على أن التصريحات تعني بوضوح لا لبس فيه دعم شركاء نتنياهو اليمينيين المتطرفين الذي يدعون لتصعيد الحرب والسيطرة على غزة وطرد سكانها من خلال «الهجرة الطوعية» وإعادة بناء المستوطنات التي تم تفكيكيها بعد انسحاب إسرائيل من القطاع عام 2005.

ويقول آرون ديفيد ميلر، الزميل البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن موقف ترمب يعكس «نهجاً وضعياً» أكثر منه «التزاماً آيديولوجياً» تجاه إسرائيل. وأوضح قائلاً: «ترمب ليس مسانداً آيديولوجياً لإسرائيل؛ إنه براغماتي يرى نتنياهو حليفاً قوياً، لكنه في الوقت نفسه يريد إنهاء حرب غزة لمحو أي تشكيك في مصداقيته بوصفه صانع سلام».

فلسطينيون يركضون لالتقاط مساعدات أُسقطت جواً فوق النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

ويشير ميلر إلى إحباط بات يتملك ترمب من بطء وتيرة محادثات وقف إطلاق النار ورغبته في تجنب التورط في صراع طويل الأمد، ويضيف: «بقوله إن الأمر يعتمد على إسرائيل، فإنه يتنصل من المسؤولية ويواصل الضغط على حماس للتنازل، ولكنه يخاطر بتمكين ائتلاف نتنياهو المتشدد من التصعيد».

ويستطرد: «يريد ترمب جائزة نوبل للسلام، لكن الحروب لا تنتهي بالتمني. قد يُكسبه نهجه المتساهل بعض الوقت، لكنه يترك مصير غزة ومصداقية الولايات المتحدة في الميزان».

و حذر السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، دانيال شابيرو، من أن نهج ترمب المتساهل قد يشجع العناصر المتطرفة في حكومة نتنياهو، التي يدعو بعضها إلى إعادة ضم غزة وتشريد سكانها.

وقال: «يضم ائتلاف نتنياهو أصواتاً ترى تصريحات ترمب السابقة بشأن الاستيلاء شيكاً على بياض. إن التنازل لإسرائيل الآن قد يُعطي الضوء الأخضر لخطط تنتهك القانون الدولي وتزعزع استقرار المنطقة»، مشيراً إلى أن الأردن ومصر والمملكة العربية السعودية رفضت دعوات تهجير الفلسطينيين.

مركبة عسكرية إسرائيلية تُخلّف غباراً كثيفاً خلال تحركها على الحدود الجنوبية لإسرائيل مع قطاع غزة يوم الثلاثاء (ا.ف.ب)

وعملياً، فإن توسيع العمليات العسكرية البرية الإسرائيلية للسيطرة الكاملة على قطاع غزة يعني الدخول إلى مناطق كثيفة السكان في دير البلح والمواصي، وهي «المنطقة الإنسانية» التي يعيش فيها مئات الآلاف في مخيمات. وهذا يعني بدوره إعاقة وصول المساعدات، ودفع الفلسطينيين إلى موجة نزوح جماعي أخري، ويعني أن الحرب ستزداد سوءاً، وستزيد الفجوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وبريطانيا وفرنسا وحلفاء آخرين من جانب آخر، يحاولون الضغط على إسرائيل للتوصل لوقف لإطلاق النار مع «حماس».


مقالات ذات صلة

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

الولايات المتحدة​ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع واشنطن على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز) play-circle

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم 

«الشرق الأوسط» (واشنطن - موسكو)
تحليل إخباري ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

تحليل إخباري زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

أدى انسحاب «الشرطي الأميركي» من مناطق النزاع التقليدية إلى ولادة نظام عالمي جديد يقوم على «الأقطاب الإقليمية».

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري عام من شبه الجمود التشريعي مرّ على الكونغرس (أ.ب)

تحليل إخباري الكونغرس في عام ترمب الأول... جمود تشريعي وانقسامات حزبية

جلس المُشرّعون على مقعد المتفرج، وسط محاولات خجولة للقيام بواجباتهم التشريعية، وفي ظلّ شلل تسبّبت به الانقسامات العميقة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

رنا أبتر (واشنطن)

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
TT

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع الولايات المتحدة على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

وقال ‍بيسنت للصحافيين ‍على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في ​دافوس بسويسرا: «أنا واثق بأن القادة لن يصعدوا، وأن هذا الأمر سينتهي بصورة جيدة للغاية للجميع».

وهو كان قد حذّر الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي.

وأعلن ترمب رغبته في السيطرة على غرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي، وهدد بفرض رسوم جمركية على الدول المعارضة له. ويدرس الاتحاد الأوروبي، في المقابل، اتخاذ إجراءات مضادة.

وقال بيسنت في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي؛ لأنه يعده «استراتيجياً»، و«لن نَكِلَ أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».

ورداً على سؤال حول رسالة وجهها ترمب إلى رئيس الوزراء النرويجي، وبدا فيها أنه يربط مطالبته بغرينلاند بفشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام، أجاب بيسنت بأنه لا يعلم شيئاً عن هذه الرسالة. وقال: «لكنني أعتقد أنه من السخف الظنّ بأن الرئيس سيفعل ذلك بسبب جائزة نوبل».

وأشار ترمب في هذه الرسالة إلى أنه لم يعد مضطراً للتفكير «فقط في السلام» بعد فشله بالفوز بجائزة نوبل، مشيراً إلى أن العالم لن يكون آمناً حتى تصبح غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة.

وشنّ ترمب حملة شرسة للفوز خلال العام الفائت بجائزة نوبل للسلام مكافأة له على جهوده في إنهاء 8 حروب، بحسب قوله.

ومُنحت الجائزة للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي توجهت إلى أوسلو، الشهر الماضي، في اليوم التالي لتسليم الجائزة، بعد أن فرّت من فنزويلا على متن قارب.


تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة، تمثّلت في توسّع غير مسبوق في صلاحيات الرئاسة، وتراجع واضح في استقلالية المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها الكونغرس ووزارة العدل وأجهزة الأمن الفيدرالية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

اعتمد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض على فريق من المقرّبين والموالين، بدل الشخصيات الجمهورية التقليدية، ما سمح له بإحكام السيطرة على مفاصل الدولة التنفيذية. وقد ترافق ذلك مع إصدار كثيف للأوامر التنفيذية، مكّنته من فرض إرادته على الإدارات الفيدرالية وتقليص أي معارضة داخلية محتملة.

وشمل هذا التوسّع في النفوذ إخضاع وزارة العدل، والتأثير المباشر في عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرئاسة في مجالات لم يسبق لرؤساء أميركيين أن تدخلوا فيها بهذا الشكل خلال فترات السلم.

صورة من جلسة للكونغرس الأميركي (رويترز - أرشيفية)

تراجع دور الكونغرس

شهد الكونغرس تهميشاً غير مسبوق، حيث باتت جلساته تُعلّق لتفادي النقاشات، بينما تحوّل مجلس الشيوخ إلى مؤسسة ضعيفة التأثير، مع بقاء عدد محدود فقط من الأصوات الجمهورية المنتقدة دون قدرة فعلية على تعطيل قرارات البيت الأبيض.

استخدام الطوارئ

وسّع ترمب صلاحياته عبر إعلان حالات طوارئ اقتصادية سمحت له بفرض رسوم جمركية واسعة على دول عدة، ما أجبر شركاء واشنطن، بمن فيهم حلفاء تقليديون، على الدخول في مفاوضات تجارية جديدة بشروط أميركية.

كما جرى استخدام القوة الفيدرالية ضد ولايات أميركية يُسيطر عليها الديمقراطيون، من خلال نشر الحرس الوطني وتوسيع دور وكالة الهجرة والجمارك، التي أصبحت لاعباً أمنياً أساسياً داخل المدن الأميركية، مع هامش واسع للتحرّك وقيود قانونية أقل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال فعالية للإعلان عن تعريفات جمركية جديدة في «حديقة الورود» بالبيت الأبيض في واشنطن... 2 أبريل 2025 (أ.ب)

الضغوط على الإعلام والجامعات والاقتصاد

شهدت وسائل الإعلام تراجعاً في قدرتها على المواجهة، وسط ضغوط سياسية وقضائية ومالية متزايدة. كما طالت الإجراءات الجامعات الكبرى عبر تقليص التمويل الفيدرالي، في إطار إعادة ضبط ما يُعتبر معاقل فكرية معارضة.

وفي المجال الاقتصادي، تم تجاوز قواعد التجارة الحرة التقليدية، مع تدخل مباشر للرئاسة في توجيه السوق وفرض قيود حمائية واسعة.

عناصر إنفاذ القانون يحرسون مبنى في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية... في 17 يناير 2026 (رويترز)

مرحلة سياسية شديدة الحساسية

مع دخول السنة الثانية من ولاية ترمب، تتزايد المخاوف من غياب آليات فعالة لكبح قرارات الرئيس أو مراجعتها، في ظل ضعف المؤسسات الرقابية. ويأمل الديمقراطيون في استعادة جزء من السيطرة عبر انتخابات الكونغرس المقبلة هذا العام، لكن هناك مخاوف من احتمال الطعن في نتائجها أو تعطيل مسارها.


زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

بعد مرور عام كامل على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعُد المؤسسة العسكرية الأميركية هي ذاتها التي عرفها العالم لعقود. لم يكتفِ ترمب بتغيير القيادات، بل أحدث انقلاباً جذرياً في فلسفة القوة، مُحوّلاً البنتاغونمن حارس للنظام العالمي إلى أداة لتعزيز الهيمنة الأميركية. وتحت شعارات «تفكيك البيروقراطية» وإعادة «عقيدة المحارب»، شهد عام 2025 تحوّلات بنيوية في الميزانية والتسليح والانتشار العسكري، أعادت رسم خريطة النفوذ الأميركي.

من «الدفاع» إلى «الحرب»

كانت الخطوة الأولى في أجندة ترمب هي إعادة تعريف هوية المؤسسة العسكرية. وبتعيينه بيت هيغسيث وزيراً للحرب، بدأت عملية «تطهير» آيديولوجي واسعة النطاق، حيث تم إلغاء جميع مكاتب «التنوع والإنصاف والشمول»، التي استُحدثت في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وعُدّت «سموماً أضعفت الروح القتالية».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

وأحيا ترمب «عقيدة المحارب»، وهي رؤية عسكرية تركز حصراً على «الفتك» والانتصار في الميدان، بعيداً عن القضايا الاجتماعية. أدّى ذلك إلى تقاعد قسري لعشرات الجنرالات الذين وُصفوا بـ«المُسيّسين»، واستبدال قادة شباب يتبنّون رؤية ترمب القومية بهم. هذا التحول لم يكن إدارياً فحسب، بل كان إعلاناً عن عودة «وزارة الحرب» - بدل وزارة الدفاع - بمفهومها الهجومي الصريح، حيث الغاية هي التفوق الساحق، وليست «إدارة النزاعات».

خصخصة «التفوق العسكري»

رغم توجّهه نحو خفض الإنفاق الحكومي، استثنى ترمب المؤسّسة العسكرية، دافعاً بميزانية دفاعية لعام 2026 حطّمت الأرقام القياسية باقترابها من حاجز تريليون دولار.

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

واقترح سيد البيت الأبيض ميزانية لعام 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار؛ بهدف تشكيل «جيش الأحلام» عبر موارد مالية ضخمة مستمَدة من إيرادات الرسوم الجمركية المتنامية. هذه الميزانية لا تموِّل فقط العمليات التشغيلية، بل تغطي توسّعاً كبيراً في الصناعات الدفاعية، وأنظمة الأسلحة المتقدمة، والقدرات النووية، إضافة إلى الضغط على مقاولي الدفاع للاستثمار في الإنتاج وليس توزيع الأرباح على المساهمين. كما انتقلت الميزانية من تمويل «الوجود الدائم» في الخارج إلى تعزيز «التفوق التكنولوجي».

وحظي مشروع «القبة الذهبية» لبناء درع صاروخية متطورة وشاملة لحماية المدن الأميركية بحصة الأسد من الميزانية، في محاكاة لبرنامج «حرب النجوم» في عهد الرئيس رونالد ريغان، ولكن بتقنيات الذكاء الاصطناعي المعاصر. كما تم الاستغناء عن «الخردة المُكلفة»، حيث ألغى البنتاغون مشروعات لبناء حاملات طائرات عملاقة وتطوير مقاتلات جيل سادس مأهولة، عادّاً إياها «أهدافاً سهلة» في حروب المستقبل، مقابل الاستثمار في «أسراب المُسيّرات الانتحارية» التي يمكن إنتاجها بكميات هائلة داخل المصانع الأميركية المؤتمتة. وهو ما يراه البيت الأبيض «ديمقراطية القوة» التي تمنح واشنطن تفوقاً كاسحاً بتكلفة أقل. وقام بتعزيز «قوة الفضاء» لتُصبح الفرع الأكثر نمواً، مع التركيز على حماية الأقمار الاصطناعية التجارية والعسكرية من الهجمات السيبرانية والصينية.

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

غير أن التطور الأبرز كان الاندماج غير المسبوق بين البنتاغون وعمالقة التكنولوجيا في «سيليكون فالي». فالعقود العسكرية الكبرى لم تعُد تذهب حصراً لشركات السلاح التقليدية مثل «بوينغ» أو «لوكهيد مارتن»، بل برزت شركات مثل «أندوريل» و«بالانتير» و«سبايس إكس» بوصفها أعمدة للأمن القومي. وتحت ما يُسمى برنامج «المنتقم الرقمي»، وقَّعت الإدارة عقوداً بمليارات الدولارات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات قتالية في أجزاء من الثانية. وهو ما يعكس رغبة ترمب في جيش «أصغر حجماً، وأكثر ذكاءً، وأقل تكلفة بشرية».

إحياء «عقيدة مونرو»

أحدث ترمب صدمةً جيوسياسيةً بإعلانه الرسمي إحياء «عقيدة مونرو» لعام 1823، ولكن بنسخة القرن الحادي والعشرين، أو ما أُطلق عليها «عقيدة دونرو» تيمّناً باسمه (دونالد).

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

تقوم هذه العقيدة على مبدأ «أميركا للأميركيين»؛ ما يعني عدّ أي تدخل أجنبي (صيني أو روسي) في نصف الكرة الغربي تهديداً مباشراً. وقد أدّى ذلك إلى إعادة توزيع القوات بشكل غير مسبوق؛ بهدف الانسحاب من «المستنقعات». وتمّ سحب آلاف الجنود من ألمانيا وأفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط، وإعادتهم إلى القواعد داخل الولايات المتحدة أو نشرهم في «المحيط الحيوي» القريب.

وعلى الجبهة الجنوبية، تحوَّلت الحدود مع المكسيك «منطقة عسكرية»، واستخدم ترمب القوات النظامية لمواجهة كارتلات المخدرات، عادّاً إياها «قوات معادية غير نظامية». وشنَّ ضربات مميتة على «قوارب المخدرات» في الكاريبي، وفرض حصاراً على فنزويلا ممهداً للعملية العسكرية الخاطفة التي أدت إلى اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة. هذا التغيير أعاد تعريف دور الجيش الأميركي ليكون «حارساً للحدود»، قبل أن يكون «ضامناً للأمن الإقليمي» في القارات البعيدة.

تكلفة الحماية

لم يعد الانتشار العسكري الأميركي يعتمد على المعاهدات القديمة بقدر ما يعتمد على «عقود الحماية». في العام الأول من ولايته الثانية، فرض ترمب على حلفاء «ناتو» واليابان وكوريا الجنوبية دفع كامل تكاليف الوجود العسكري الأميركي، مُهدّداً بالانسحاب التام.

جنديان أميركيان خارج قاعدة عسكرية في كركوك مارس 2020 (د.ب.أ)

وشهدت خريطة الانتشار العسكري الأميركي تحوّلاً نحو «نقاط الارتكاز الذكية» في آسيا والمحيط الهادئ، حيث ظلّ التركيز على تطويق الصين قائماً، لكن عبر تعزيز القواعد في غوام وأستراليا، مع تقليل الاعتماد على القواعد في الدول التي «تتردّد» في الانحياز الكامل لواشنطن. وفي الشرق الأوسط، تقلّص الوجود التقليدي لصالح «القوة عن بعد»، مع الاعتماد على التحالفات الإقليمية للقيام بمهام حفظ التوازن، بينما يكتفي الجيش الأميركي بحماية الممرات المائية الحيوية للتجارة.

تستند جميع هذه التغييرات إلى رؤية ترمب الفلسفية التي ترفض «العولمة العسكرية». إذ يعتقد ترمب أن قوة أميركا تكمن في «الغموض الاستراتيجي» و«الضربة القاضية»، وليس في الوجود الاستنزافي. وبدا أن إحياء «عقيدة المحارب» يهدف إلى فصل الجيش عن الجدل السياسي الداخلي، وتحويله قوة فاعلة تنفذ أوامر القائد الأعلى دون تردد.

في المقابل، فإن «عقيدة دونرو» تمنح واشنطن شرعيةً أخلاقيةً وقانونيةً - من وجهة نظر الإدارة - للتدخل في أميركا اللاتينية، ومنع الصين من بناء موانٍ أو قواعد عسكرية هناك؛ ما يغلق «الفناء الخلفي» لأميركا أمام المنافسين.

«ناتو»... الدفع أو الرحيل

عاش حلف شمال الأطلسي (ناتو) أصعب عام له منذ تأسيسه في عام 1949. فقد طبّق ترمب حرفياً مبدأ «الحماية مقابل الرسوم».

وبما يشبه نموذج «الاشتراك الأمني»، أبلغت واشنطن بروكسل رسمياً بأن القوات الأميركية لن تدافع عن أي دولة لا تخصِّص 3 في المائة على الأقل من ناتجها المحلي للدفاع. وهو ما أدّى إلى انقسام الحلف لطبقتين؛ دول «الدرجة الأولى» (مثل بولندا ودول البلطيق) التي سارعت لرفع ميزانياتها، ودول «الدرجة الثانية» التي بدأت تبحث عن بدائل دفاعية أوروبية مستقلة.

ترمب يتوسّط قادة أوروبيين وأمين عام «ناتو» في ختام مفاوضات لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية بالبيت الأبيض 18 أغسطس 2025 (رويترز)

كما بدأ تنفيذ خطة لسحب 30 ألف جندي أميركي من ألمانيا وإعادة نشرهم في بولندا (القريبة من الجبهة الروسية والمستعدة للدفع)، أو إعادتهم إلى الأراضي الأميركية. هذا التحول أدّى إلى تراجع دور ألمانيا بوصفها قاعدة انطلاق رئيسية للعمليات الأميركية في العالم.

ومن خلال التهديد بوقف المساعدات العسكرية، يدفع ترمب نحو «اتفاقية سلام» تؤدّي إلى تجميد الحرب الأوكرانية - الروسية وفق خطوط التماس الحالية. وهو ما عدّه الأوروبيون طعنةً لمفهوم «وحدة الأراضي»، بينما عدّه ترمب «توفيراً لمليارات الدولارات الأميركية في حرب لا نهاية لها».

نظام إقليمي جديد

أدى انسحاب «الشرطي الأميركي» من مناطق النزاع التقليدية إلى ولادة نظام عالمي جديد يقوم على «الأقطاب الإقليمية». فقد شجّع ترمب على تشكيل «ناتو إقليمي» في الشرق الأوسط، يضمّ حلفاء واشنطن، يتولى مسؤولية التصدي للنفوذ الإيراني، مع تقديم واشنطن الدعم الاستخباري والتقني فقط، مقابل عقود شراء سلاح ضخمة تضمن بقاء المصانع الأميركية تعمل بكامل طاقتها.

صورة للقادة العسكريين في اجتماع شارك فيه جميع الجنرالات الأميركيين بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)

وفي شرق آسيا، تحوَّل التحالف مع اليابان «شراكة مُسلّحة»، حيث سُمح لطوكيو بتطوير قدرات هجومية بعيدة المدى لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لتكون هي «خطّ الدفاع الأول» ضدّ الصين، بدلاً من الاعتماد الكلي على الأساطيل الأميركية.

بعد عام من ولاية ترمب الثانية، بدت الولايات المتحدة وكأنها دولة تتجه نحو الانعزالية وتعتمد على قوة عسكرية وتكنولوجية غير مسبوقة، تعيد تعريف مفهوم «السلام من خلال القوة». ومع ذلك، يبقى هذا السلام هشاً في عالم متغير، حيث تراجع دور التدخل الأميركي المباشر وأصبح أمن البلاد مرتبطاً فقط بمصالحها الأساسية.

علاوة على ذلك، فإن «عسكرة الداخل» واستخدام الجيش في مهام إنفاذ القانون والحدود أثار مخاوف حقوقية ودستورية لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود، حيث يخشى البعض من تحول الجيش أداةً سياسية في يد السلطة التنفيذية.