الجزائر تُسرّع وتيرة تقاربها مع إسبانيا مقابل «قطيعة» مع فرنسا

بعد تسوية الخلاف الذي أثاره تغيَر موقف مدريد من قضية الصحراء

الوزير الأول الجزائري السابق مع رئيس الحكومة الإسبانية الحالي بالجزائر في 8 أكتوبر 2020 (رئاسة الحكومة الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري السابق مع رئيس الحكومة الإسبانية الحالي بالجزائر في 8 أكتوبر 2020 (رئاسة الحكومة الجزائرية)
TT

الجزائر تُسرّع وتيرة تقاربها مع إسبانيا مقابل «قطيعة» مع فرنسا

الوزير الأول الجزائري السابق مع رئيس الحكومة الإسبانية الحالي بالجزائر في 8 أكتوبر 2020 (رئاسة الحكومة الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري السابق مع رئيس الحكومة الإسبانية الحالي بالجزائر في 8 أكتوبر 2020 (رئاسة الحكومة الجزائرية)

طوت الجزائر وإسبانيا خلافاتهما السياسية، نهائياً، مع عودة التبادل التجاري بينهما بشكل كامل، وباتت الأزمة التي نشبت بينهما سنة 2022، إثر انحياز مدريد إلى المغرب في نزاع الصحراء، جزءاً من الماضي. لكن في المقابل تشهد العلاقات الجزائرية - الفرنسية تدهوراً زائداً.

عودة النشاط التجاري بين البلدين

استعادت التجارة بين إسبانيا والجزائر نشاطها، بعد أكثر من عامين من الجمود الناجم عن الأزمة الدبلوماسية، حيث عادت الصادرات الإسبانية إلى مستويات ما قبل الحظر. فبين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) 2025 نمت صادرات المنتجات الإسبانية إلى الجزائر بنسبة 162 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لبيانات رسمية نشرتها صحيفة «إل إنديبندينتي» في آخر أعدادها. وبلغ حجم المبيعات 900 مليون يورو خلال هذه الفترة، وهو رقم يقترب من مستويات ما قبل أزمة 2022، بحسب البيانات ذاتها.

سفير الجزائر أثناء تسليم أوراق اعتماده لملك إسبانيا في نوفمبر 2024 (الحكومة الإسبانية)

وتُعد صناعة السيراميك من أبرز مؤشرات هذه الانتعاشة، وفي هذا السياق يؤكد مانويل بريفا، الأمين العام لـ«الجمعية الوطنية لمصنعي المواد الزجاجية والسيراميك»، لموقع «إل إنديبندينتي»، أن الجزائر «استأنفت نشاطها التجاري بقوة، مع أرقام مشابهة جداً لما قبل عام 2022». وقد أصبحت الجزائر، حسبه، الوجهة التصديرية الثانية لإسبانيا، بعد إيطاليا، «مما يعزز سوقاً كانت شبه مغلقة خلال فترة الحظر».

وفي الشهرين الأولين من العام الحالي وحدهما، صدّرت إسبانيا منتجات السيراميك إلى الجزائر بقيمة 17.8 مليون يورو، وهي قيمة مساوية تقريباً لتلك المصدّرة إلى إيطاليا (19 مليون يورو). وبلغت صادرات إسبانيا خلال شهرين ضعف إجمالي صادرات تركيا إلى الجزائر طوال عام 2024 (9.5 مليون يورو)، مما يُمثل دليلاً واضحاً على عودة النفوذ الإسباني، حسبما تظهره أرقام التجارة الخارجية الإسبانية.

خسائر كبيرة لحقت بالتجارة بين الجزائر ومدريد جراء وقف الصادرات (متداولة)

وتؤكد تصريحات جمال الدين بوعبد الله، رئيس «غرفة التجارة والصناعة الإسبانية ‑ الجزائرية»، أن المستويات الحالية «عادت إلى ما كانت عليه قبل الأزمة». ويقر بوجود توجه لحماية اقتصادية في بعض القطاعات الاستهلاكية بالجزائر، لكنه يشير إلى وجود «فرص كبيرة في مجالات مختلفة، مثل الصناعات الغذائية والمكونات الصناعية، وسلاسل القيمة المشتركة». مؤكداً أن «الحماية لا تزال موجودة، لكنها عامة ولا تستهدف إسبانيا فقط».

وتشمل مجالات التجارة المزدهرة السيارات، واللحوم، والمنتجات الزراعية الصناعية (مواد التنظيف والأسمدة ومستحضرات التجميل)، والآلات والأجهزة الكهربائية، وفق ما نقلته «إل إنديبندينتي» عن بوعبد الله، الذي يشرح نظرته للعلاقات التجارية بين البلدين بقوله: «نحن على بُعد ثماني ساعات فقط بالسفينة من إسبانيا. ويمكننا بناء تكامل صناعي، عبر إنتاج جزء في الجزائر وآخر في إسبانيا»، معرباً عن اعتقاده بأن التعاون التجاري «يمكن أن يتوسع حتى من دون انتظار دفعة سياسية جديدة»، خصوصاً وأن التقارب الجغرافي والتكاليف التنافسية تعد «عوامل داعمة لعلاقة اقتصادية أكثر استقراراً».

ويوضح بوعبد الله أن ميزان التجارة لا يزال سلبياً لإسبانيا بسبب واردات الغاز، لكن مع ذلك فإن فرص التحسن هائلة، حسبه.

الوزير الاول الجزائري السابق مع وزيرة التحول البيئي الإسبانية في الجزائر في 27 أكتوبر 2021 (الشرق الأوسط)

وتراجعت التجارة بين البلدين، في فترة الحظر شبه الكامل، التي بدأت في يونيو (حزيران) 2022، واستمرت حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، من 2.906 مليار يورو في 2019 إلى 332 مليون يورو في 2023، وفقاً لبيانات مؤسسة «إيساكس» الإسبانية، المختصة في دعم الصادرات. وقد هجرت نحو 9 آلاف شركة إسبانية السوق الجزائرية فقط في 2022، وتجاوزت الخسائر 630 مليون يورو حتى نهاية 2024. لكن في السادس من نوفمبر 2024، رفع البنك المركزي الجزائري القيود المصرفية تجاه إسبانيا، مما شكل انتصاراً فعلياً لشركات من البلدين، ناضلت في الميدان من أجل إنهاء الحظر التجاري. وكان هناك سابقاً تخفيف جزئي مرتبط بالحاجات الجزائرية في استيراد اللحوم أو الأسمنت.

وخلال الأزمة، ظل الغاز يتدفق دون انقطاع، احتراماً للالتزامات الموقّعة منذ عقود. وأكد عبد العزيز رحابي، سفير الجزائر في مدريد ووزير الإعلام سابقاً، أن «أحد دروس هذه الأزمة، هو أنه حتى في أشد اللحظات، وفّت الجزائر بتعهداتها تجاه إسبانيا في مجال الطاقة». وبدءاً من يونيو 2025، أصبحت الجزائر ثاني مورد للغاز لإسبانيا عبر خط أنابيب «ميدغاز»، بنسبة نحو 26 إلى 30 في المائة من الحجم الشهري، خلف الولايات المتحدة (30 في المائة)، وقبل روسيا (14 - 18 في المائة)، حسب أرقام التجارة الخارجية الإسبانية.

مزيد من التصعيد مع فرنسا

على عكس التطورات الإيجابية مع إسبانيا، تنزلق التوترات بين الجزائر وفرنسا نحو مزيد من التصعيد. فمنذ الانعطافة السياسية التي اتخذتها باريس في قضية الصحراء صيف عام 2024، بدأت الشركات الفرنسية تُقصَى تدريجياً من السوق الجزائرية.

وتم إلغاء أو تجميد صفقات في قطاعات حيوية، مثل الزراعة (القمح)، والأشغال العمومية، والنقل (خصوصاً مشاريع السكك الحديدية ومترو الجزائر)، إضافة إلى الاتصالات والخدمات. كما لم يتم تجديد التراخيص لعدد من الشركات الفرنسية العاملة في مجال الاستيراد والتوزيع.

الرئيس الجزائري مستقبلا وزير خارجية إسبانيا في 30 من سبتمبر 2021 (وكالة الانباء الجزائرية)

وفي الوقت الراهن، تكاد المبادلات الاقتصادية بين فرنسا ومستعمرتها السابقة تتوقف بالكامل، في ظل غياب أي أفق واضح لإنهاء الخلاف.


مقالات ذات صلة

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

رياضة عربية الجماهير الجزائرية احتفلت بفوز السنغال (رويترز)

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

احتفلت جماهير جزائرية بتتويج منتخب السنغال بلقب بطولة كأس أمم أفريقيا 2025، عقب تغلبه على نظيره منتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

عرضت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، سيغولين روايال، خطة من 3 نقاط لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

خضعت السلطات الجزائرية لضغط الشارع المهني، بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».