الجزائر تُسرّع وتيرة تقاربها مع إسبانيا مقابل «قطيعة» مع فرنسا

بعد تسوية الخلاف الذي أثاره تغيَر موقف مدريد من قضية الصحراء

الوزير الأول الجزائري السابق مع رئيس الحكومة الإسبانية الحالي بالجزائر في 8 أكتوبر 2020 (رئاسة الحكومة الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري السابق مع رئيس الحكومة الإسبانية الحالي بالجزائر في 8 أكتوبر 2020 (رئاسة الحكومة الجزائرية)
TT

الجزائر تُسرّع وتيرة تقاربها مع إسبانيا مقابل «قطيعة» مع فرنسا

الوزير الأول الجزائري السابق مع رئيس الحكومة الإسبانية الحالي بالجزائر في 8 أكتوبر 2020 (رئاسة الحكومة الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري السابق مع رئيس الحكومة الإسبانية الحالي بالجزائر في 8 أكتوبر 2020 (رئاسة الحكومة الجزائرية)

طوت الجزائر وإسبانيا خلافاتهما السياسية، نهائياً، مع عودة التبادل التجاري بينهما بشكل كامل، وباتت الأزمة التي نشبت بينهما سنة 2022، إثر انحياز مدريد إلى المغرب في نزاع الصحراء، جزءاً من الماضي. لكن في المقابل تشهد العلاقات الجزائرية - الفرنسية تدهوراً زائداً.

عودة النشاط التجاري بين البلدين

استعادت التجارة بين إسبانيا والجزائر نشاطها، بعد أكثر من عامين من الجمود الناجم عن الأزمة الدبلوماسية، حيث عادت الصادرات الإسبانية إلى مستويات ما قبل الحظر. فبين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) 2025 نمت صادرات المنتجات الإسبانية إلى الجزائر بنسبة 162 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لبيانات رسمية نشرتها صحيفة «إل إنديبندينتي» في آخر أعدادها. وبلغ حجم المبيعات 900 مليون يورو خلال هذه الفترة، وهو رقم يقترب من مستويات ما قبل أزمة 2022، بحسب البيانات ذاتها.

سفير الجزائر أثناء تسليم أوراق اعتماده لملك إسبانيا في نوفمبر 2024 (الحكومة الإسبانية)

وتُعد صناعة السيراميك من أبرز مؤشرات هذه الانتعاشة، وفي هذا السياق يؤكد مانويل بريفا، الأمين العام لـ«الجمعية الوطنية لمصنعي المواد الزجاجية والسيراميك»، لموقع «إل إنديبندينتي»، أن الجزائر «استأنفت نشاطها التجاري بقوة، مع أرقام مشابهة جداً لما قبل عام 2022». وقد أصبحت الجزائر، حسبه، الوجهة التصديرية الثانية لإسبانيا، بعد إيطاليا، «مما يعزز سوقاً كانت شبه مغلقة خلال فترة الحظر».

وفي الشهرين الأولين من العام الحالي وحدهما، صدّرت إسبانيا منتجات السيراميك إلى الجزائر بقيمة 17.8 مليون يورو، وهي قيمة مساوية تقريباً لتلك المصدّرة إلى إيطاليا (19 مليون يورو). وبلغت صادرات إسبانيا خلال شهرين ضعف إجمالي صادرات تركيا إلى الجزائر طوال عام 2024 (9.5 مليون يورو)، مما يُمثل دليلاً واضحاً على عودة النفوذ الإسباني، حسبما تظهره أرقام التجارة الخارجية الإسبانية.

خسائر كبيرة لحقت بالتجارة بين الجزائر ومدريد جراء وقف الصادرات (متداولة)

وتؤكد تصريحات جمال الدين بوعبد الله، رئيس «غرفة التجارة والصناعة الإسبانية ‑ الجزائرية»، أن المستويات الحالية «عادت إلى ما كانت عليه قبل الأزمة». ويقر بوجود توجه لحماية اقتصادية في بعض القطاعات الاستهلاكية بالجزائر، لكنه يشير إلى وجود «فرص كبيرة في مجالات مختلفة، مثل الصناعات الغذائية والمكونات الصناعية، وسلاسل القيمة المشتركة». مؤكداً أن «الحماية لا تزال موجودة، لكنها عامة ولا تستهدف إسبانيا فقط».

وتشمل مجالات التجارة المزدهرة السيارات، واللحوم، والمنتجات الزراعية الصناعية (مواد التنظيف والأسمدة ومستحضرات التجميل)، والآلات والأجهزة الكهربائية، وفق ما نقلته «إل إنديبندينتي» عن بوعبد الله، الذي يشرح نظرته للعلاقات التجارية بين البلدين بقوله: «نحن على بُعد ثماني ساعات فقط بالسفينة من إسبانيا. ويمكننا بناء تكامل صناعي، عبر إنتاج جزء في الجزائر وآخر في إسبانيا»، معرباً عن اعتقاده بأن التعاون التجاري «يمكن أن يتوسع حتى من دون انتظار دفعة سياسية جديدة»، خصوصاً وأن التقارب الجغرافي والتكاليف التنافسية تعد «عوامل داعمة لعلاقة اقتصادية أكثر استقراراً».

ويوضح بوعبد الله أن ميزان التجارة لا يزال سلبياً لإسبانيا بسبب واردات الغاز، لكن مع ذلك فإن فرص التحسن هائلة، حسبه.

الوزير الاول الجزائري السابق مع وزيرة التحول البيئي الإسبانية في الجزائر في 27 أكتوبر 2021 (الشرق الأوسط)

وتراجعت التجارة بين البلدين، في فترة الحظر شبه الكامل، التي بدأت في يونيو (حزيران) 2022، واستمرت حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، من 2.906 مليار يورو في 2019 إلى 332 مليون يورو في 2023، وفقاً لبيانات مؤسسة «إيساكس» الإسبانية، المختصة في دعم الصادرات. وقد هجرت نحو 9 آلاف شركة إسبانية السوق الجزائرية فقط في 2022، وتجاوزت الخسائر 630 مليون يورو حتى نهاية 2024. لكن في السادس من نوفمبر 2024، رفع البنك المركزي الجزائري القيود المصرفية تجاه إسبانيا، مما شكل انتصاراً فعلياً لشركات من البلدين، ناضلت في الميدان من أجل إنهاء الحظر التجاري. وكان هناك سابقاً تخفيف جزئي مرتبط بالحاجات الجزائرية في استيراد اللحوم أو الأسمنت.

وخلال الأزمة، ظل الغاز يتدفق دون انقطاع، احتراماً للالتزامات الموقّعة منذ عقود. وأكد عبد العزيز رحابي، سفير الجزائر في مدريد ووزير الإعلام سابقاً، أن «أحد دروس هذه الأزمة، هو أنه حتى في أشد اللحظات، وفّت الجزائر بتعهداتها تجاه إسبانيا في مجال الطاقة». وبدءاً من يونيو 2025، أصبحت الجزائر ثاني مورد للغاز لإسبانيا عبر خط أنابيب «ميدغاز»، بنسبة نحو 26 إلى 30 في المائة من الحجم الشهري، خلف الولايات المتحدة (30 في المائة)، وقبل روسيا (14 - 18 في المائة)، حسب أرقام التجارة الخارجية الإسبانية.

مزيد من التصعيد مع فرنسا

على عكس التطورات الإيجابية مع إسبانيا، تنزلق التوترات بين الجزائر وفرنسا نحو مزيد من التصعيد. فمنذ الانعطافة السياسية التي اتخذتها باريس في قضية الصحراء صيف عام 2024، بدأت الشركات الفرنسية تُقصَى تدريجياً من السوق الجزائرية.

وتم إلغاء أو تجميد صفقات في قطاعات حيوية، مثل الزراعة (القمح)، والأشغال العمومية، والنقل (خصوصاً مشاريع السكك الحديدية ومترو الجزائر)، إضافة إلى الاتصالات والخدمات. كما لم يتم تجديد التراخيص لعدد من الشركات الفرنسية العاملة في مجال الاستيراد والتوزيع.

الرئيس الجزائري مستقبلا وزير خارجية إسبانيا في 30 من سبتمبر 2021 (وكالة الانباء الجزائرية)

وفي الوقت الراهن، تكاد المبادلات الاقتصادية بين فرنسا ومستعمرتها السابقة تتوقف بالكامل، في ظل غياب أي أفق واضح لإنهاء الخلاف.


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

استيقظت ليبيا، الاثنين، على مأساة جديدة قبالة سواحلها في البحر المتوسط؛ إذ غرق قارب انطلق من مدينة الزاوية بغرب البلاد وعلى متنه 55 مهاجراً غير نظامي، في حادثة تُضاف إلى سجل طويل من حوادث غرق قوارب تُقل مهاجرين أفارقة طامحين لمستقبل أفضل بالقارة الأوروبية.

ولم ينجُ من الحادث سوى امرأتين نيجيريتين، أمكن إنقاذهما خلال عملية البحث والإنقاذ التي نفذتها السلطات الليبية. وأفادت إحداهما بفقدان زوجها، فيما قالت الأخرى إنها فقدت رضيعَيها، وفق ما ذكرته «المنظمة الدولية للهجرة».

وقال متحدث باسم «منظمة الهجرة» إن الحادث أفضى إلى وفاة أو فقد 53 مهاجراً، بينهم رضيعان، إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية. وأشار إلى أن القارب انقلب شمال مدينة زوارة بغرب ليبيا في السادس من الشهر الحالي.

ضبط قوارب مخصصة لتهريب المهاجرين عبر المتوسط لدى عصابات بغرب ليبيا (وزارة الداخلية)

وعبَّرت المنظمة عن «حزنها العميق» لفقدان الأرواح في حادث مميت جديد على طريق وسط البحر المتوسط، مشيرة إلى أن فِرقها قدمت للناجيتين رعاية طبية طارئة فور إنزالهما بالتنسيق مع السلطات المعنية.

وبحسب إفادات الناجيتين للمنظمة الدولية، غادر القارب مدينة الزاوية نحو الساعة الحادية عشرة من مساء الخامس من فبراير (شباط)، وبعد نحو ست ساعات انقلب نتيجة تسرب المياه إليه.

وكان القارب يقل مهاجرين ولاجئين من جنسيات أفريقية مختلفة. ويرفع الحادث عدد المهاجرين الذين أُبلِغ عن وفاتهم أو فقدانهم، في محاولة اجتياز البحر المتوسط إلى أوروبا، إلى ما لا يقل عن 484 شخصاً في عام 2026.

رحلات الموت

ومثل هذه الحوادث متكررة؛ ففي 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، أمرت النيابة العامة الليبية بحبس اثنين من تشكيل عصابي، لاتهامهما بتهريب مهاجرين غير نظاميين من شرق ليبيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما تسبب في غرق 59 شخصاً من مصر وبنغلاديش.

وكان الضحايا من بين 79 شخصاً من البلدين انطلق قاربهم من طبرق، بأقصى الشرق الليبي، وأُعلن عن غرق 59 منهم في 30 يوليو (تموز)، فيما تم إنقاذ الباقين.

وعادة ما تنتشل عناصر «الهلال الأحمر» الليبي الجثث التي تقذفها الأمواج إلى الشاطئ.

متطوعو جمعية الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة قذفتها أمواج المتوسط يناير الماضي (المكتب الإعلامي للجمعية)

وتكثف السلطات المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في شرق ليبيا وغربها، من عمليات «الترحيل الطوعي» براً وجواً، وسهّلت إعادة دفعات جديدة من الموقوفين إلى دولهم. كما تعمل السلطات على تعقّبهم، وذلك ضمن خطة تهدف إلى «فرض السيطرة ومنع أي محاولات للتسلل».

وسبق وأعلنت «المنظمة الدولية للهجرة» عن اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا خلال الفترة من الثاني إلى الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة و851 طفلاً.

وتلجأ عصابات الهجرة غير المشروعة إلى تهريب المهاجرين في قوارب متهالكة، أو غير معدة للإبحار في عرض البحر المتوسط، ما تسبب في وقوع كوارث عديدة.

وفكّكت النيابة العامة الليبية في سبتمبر (أيلول) الماضي، شبكة كانت تعمل على تصنيع «قوارب الموت» التي تُستخدم في الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وأوقفت 10 أشخاص كانوا يعملون في ورشة بمدينة مصراتة.

وتشير بيانات «المنظمة الدولية للهجرة» إلى أنه خلال شهر يناير فقط، أُبلِغ عن وفاة أو فقدان ما لا يقل عن 375 مهاجراً نتيجة عدة حوادث غرق «غير مرئية» بوسط البحر المتوسط، في ظل ظروف جوية قاسية، مع ترجيح حدوث مئات الوفيات الأخرى التي لم يتم رصدها.

عصابات وشبكات تهريب

تسلّط هذه الحوادث المتكررة الضوء على المخاطر المستمرة والقاتلة، التي يواجهها المهاجرون واللاجئون في أثناء محاولات العبور المحفوفة بالمخاطر.

ووفقاً لمشروع «المهاجرين المفقودين» التابع لـ«المنظمة الدولية للهجرة»، فُقد أكثر من 1300 مهاجر في وسط البحر المتوسط خلال عام 2025.

وتحذّر المنظمة من أن شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين «تواصل استغلال المهاجرين على طريق وسط البحر المتوسط، محققة أرباحاً من رحلات عبور خطيرة على متن قوارب غير صالحة للإبحار، ومعرّضة الأشخاص لانتهاكات جسيمة ومخاطر متعلقة بالحماية».

وتؤكد المنظمة الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي والاستجابات التي تضع الحماية في صميمها، لمواجهة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب إتاحة مسارات آمنة ونظامية للهجرة للحد من المخاطر وإنقاذ الأرواح.

مهاجرون من النيجر خلال ترحيلهم من طرابلس ديسمبر 2025 (الداخلية الليبية)

وتسعى دول عديدة إلى إعادة رعاياها من ليبيا.

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية الشهر الماضي، أن جهودها أسفرت عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن من ليبيا خلال عام 2025، ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1200 مواطن من السجون الليبية، إضافة إلى نقل 300 جثمان على نفقة الدولة، إثر غرق مراكب للهجرة قبالة السواحل الليبية.


الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة» كان من الممكن تجنبها، معرباً عن مخاوفه من تكرار أحداث مماثلة في كردفان.

وقال فولكر تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «كثيراً ما حذر مكتبي من خطر وقوع فظائع جماعية في مدينة الفاشر التي ظلت محاصرة أكثر من عام، وقد وثَّقنا سابقاً أنماطاً من هذه الفظائع في مناسبات كثيرة، بما في ذلك خلال هجوم (قوات الدعم السريع) للاستيلاء على مخيم زمزم... كان التهديد واضحاً، لكن تم تجاهل تحذيراتنا».


بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

ولكن منذ اندلاع الحرب في 2023، تقطعت السبل به وبغيره من البدو العرب في الصحراء خارج مدينة الأبيّض وسط السودان، حيث باتوا فريسة لقطاع الطرق والتوتر العرقي.

تسببت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في نزوح نحو 14 مليون شخص، وأدت إلى اندلاع موجات من إراقة الدماء على أساس عرقي، فضلاً عن انتشار المجاعة والأمراض.

«الدعم السريع» تحاصر الجيش بغرب كردفان في أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وقال الباحث المحلي إبراهيم جمعة إن الحرب أدت كذلك إلى اختلال التوازن الدقيق في ملكية الأراضي ومسارات الماشية التي حفظت للبدو سبل عيشهم وعلاقاتهم الأوسع في المنطقة.

والأبيّض هي واحدة من كبرى مدن السودان وعاصمة ولاية شمال كردفان، التي شهدت أعنف المعارك في الحرب خلال الأشهر القليلة الماضية.

وقال من تحدثوا إلى «رويترز» من شمال كردفان إنهم وجدوا أنفسهم محاصرين مع انتشار الكراهية العرقية المرتبطة بالحرب والتي تغذيها إلى حد بعيد شبكات التواصل الاجتماعي.

وقال البشير: «سابقاً لا يوجد شخص يعترض شخصاً أو قافلة قبيلة رحل، ولا هذا من الجهة الفلانية أو الجهة الكذا... القافلة قافلة والسوق تعني سوق... شارع يعني شارع... تتحرك وفق اختيارك... الآن لا يوجد اختيار ولا توجد جهه تتقبلك».

وأضاف: «سابقاً الأسواق كثيرة تستطيع أن تبيع وتشتري... لا يوجد شخص يكره شخصاً ولا شخص يرفض شخصاً... الآن الوضع أصبح كله محاذير».

بالإضافة إلى الحرب المتصاعدة، يواجه البدو الرحل - الذين قال جمعة إن عددهم يصل إلى الملايين في جميع أنحاء السودان - تهديداً من قطاع الطرق الذين يسرقون الماشية.

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

وقال حامد محمد، وهو راعٍ آخر محاصر في ضواحي الأبيض: «في السابق كانت السوق سمحة والوضع ليس كهذا الزمان... الزمن الآن زمن مشاكل... لا نستطيع الذهاب إلى أي مكان وإذا ذهبنا العدو يأخذ البهائم... الآن حدنا الأبيّض هنا فقط».

نشأت «قوات الدعم السريع» من الميليشيات العربية المعروفة باسم الجنجويد، التي تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في دارفور في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

واتهمت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية «قوات الدعم السريع» بارتكاب إبادة جماعية ضد السكان غير العرب في ولاية غرب دارفور خلال الصراع الحالي، في امتداد للعنف المستمر منذ فترة طويلة الناجم عن النزاع على الأراضي.

ونفت «قوات الدعم السريع» مسؤوليتها عن عمليات القتل ذات الطابع العرقي، وقالت إن المسؤولين عن الانتهاكات سيحاسبون.

وشكلت تلك القوة طوال الحرب روابط مع قبائل عربية أخرى، وأطلقت في بعض الأحيان يدها لتقوم بعمليات نهب وخطف.

لكن بعض القبائل العربية والكثير من أفرادها لم ينضموا إلى القتال.

ونادى جمعة بضرورة «تصميم برامج اجتماعية تتعلق بنبذ خطاب الكراهية... تتعلق بسيادة حكم القانون... تتعلق بإجراء المصالحات الاجتماعية باعتبار أن الحرب أثرت في أنسجة المجتمعات».