البلاستيك: «المستعمر الجديد... والأخير»

يخنق الأنهار والشعاب المرجانية ويُلوث النظم الغذائية ويقطع العلاقات الروحية للشعوب الأصلية مع بيئاتها

البلاستيك: «المستعمر الجديد... والأخير»
TT

البلاستيك: «المستعمر الجديد... والأخير»

البلاستيك: «المستعمر الجديد... والأخير»

بينما أسير على طول الشاطئ القريب مني، يقطع نظري جسم أصفر فاقع يتسلل من خلال السطح. ألتقطه؛ قطعة بلاستيكية متبقية من دلو؟ لعبة؟ زجاجة؟ مَن يعلم تاريخ هذه القطعة تحديداً؟ أنظر إلى الخارج، فأرى شظايا وردية وزرقاء وخضراء وبرتقالية متناثرة على طول الشاطئ. وأتساءل: كيف، ولماذا، وماذا يُمكننا أن نفعل حيال كل هذا البلاستيك؟ كما يكتب هيني أونوين(*).

تاريخ البلاستيك

لقد غيّر البلاستيك، في فترة وجيزة، مجتمعاتنا، وأعاد تشكيل أسلوب حياتنا. والمفارقة أن أصوله تعود إلى محاولات إنقاذ الأفيال والسلاحف من خطر الانقراض. ففي عام 1862، حصل ألكسندر باركس على براءة اختراع لأول بلاستيك من صنع الإنسان، مشتق من السليلوز، مصمم ليحل محل العاج وصدفة السلحفاة، ثم في عام 1907، ابتكر ليو بايكلاند الباكليت، أول بلاستيك صناعي بالكامل، وهي مادة لم يسبق لها مثيل في الطبيعة، ما بشّر بعصر جديد من الابتكار الصناعي.

البلاستيك الاصطناعي يتحوّل إلى سلعة سهلة الرمي

وأشعلت هذه الاكتشافات ثورة صناعية في المواد. وقد شكّلت شركات البتروكيماويات العملاقة مثل «داو» و«إكسون موبيل» و«باسف» تحالفات قوية لتطوير منتجات ثانوية بلاستيكية من نفايات الوقود الأحفوري. وأدّت هذه الشراكة إلى توسيع نطاق الإنتاج بسرعة، محولةً البلاستيك من اختراع جديد إلى سلعة تُنتج بكميات كبيرة ومدمجة في الصناعات العالمية.

بعد الحرب العالمية الثانية، غيَّرت صناعة البلاستيك، إلى جانب المعلنين والشركات، تركيزها. لم يعد البلاستيك متيناً فحسب؛ بل صُمم ليكون سهل الاستخدام. ووضع قادة الصناعة استراتيجيات واضحة لترسيخ سهولة الاستخدام هذه في عادات المستهلكين اليومية.

احتفت مقالة شهيرة نُشرت في مجلة «لايف» عام 1956 بعنوان «حياة الرمي» بأسلوب الحياة الجديد القائم على الراحة، مشيدةً بالبلاستيك بوصفه أداة للحرية العصرية ووسيلة للتخلص من الأعمال المنزلية. وصُممت المنتجات للاستخدام القصير والتخلّص السريع، ما أدَّى إلى استبدالها باستمرار والانفجار في مراكمة النفايات.

استعمار الأرض والبشرية

اليوم، استعمر البلاستيك كل جزء من حياتنا؛ طعامنا، تربتنا، محيطاتنا، هواءنا، الأوعية الدموية لنا، وطقوسنا. وأينما نظرنا، نجد البلاستيك، مستمرّاً في الاستعمار لفترة طويلة بعد انتهاء دورة حياته المقصودة، ودائماً دون علمنا أو مشاركتنا أو موافقتنا.

دورة حياة البلاستيك تعكس دور الاستعمار

أزمة البلاستيك العالمية ليست مجرد قضية بيئية؛ إنها قضية استعمارية. من أصوله إلى آثاره اليومية، تعكس دورة حياة البلاستيك منطق الاستعمار وقيمه، ويكمن جوهرها في أولوية الربح، فقد ظهر البلاستيك وسيلة لتحويل نفايات الوقود الأحفوري إلى سلع استهلاكية لا حصر لها، وهو مشروع لا تحركه الضرورة بل يحركه جشع الصناعة.

وقد بررت هذه العقلية التي تُعلي من شأن الربح، استخراج النفط والغاز بكميات كبيرة من أراضي السكان الأصليين دون موافقتهم، مُكررةً بذلك الحق الاستعماري في الاستخراج؛ أي فكرة أن المستعمرين، آنذاك والآن، يتمتعون بالسلطة الأخلاقية والقانونية للاستيلاء على الأرض، بغض النظر عمّن يسكنها.

اقتصاد البلاستيك يتجاهل مصالح السكان الأصليين

وتُظهر كل مرحلة من مراحل اقتصاد البلاستيك تجاهلاً لحياة السكان الأصليين؛ من مجتمعات السكان الأصليين الماليزيين الذين يعيشون بجوار مصانع البتروكيماويات السامة، إلى دول جزر المحيط الهادئ التي تغرق في نفايات بلاستيكية لم تنتجها، تدفع مجتمعات الخطوط الأمامية للإنتاج، الثمن الباهظ، وتُضحي هذه المنشآت بصحتهم ومياههم وسبل عيشهم من أجل راحة العالم.

خنق الطبيعة ومحو الثقافات التقليدية

ويدعم هذا الاعتقاد بالتفوق الأوروبي؛ الاعتقاد بأن المواد والاقتصادات وأنماط الحياة الغربية متفوقة. وكما قلل المستعمرون من قيمة المعرفة والثقافة الأصلية، محت الصناعات البلاستيكية أنماط الحياة التقليدية الخالية من النفايات، ودفعت «ثقافة الإلقاء والرمي» إلى أن تكون حديثة وطموحة.

وتُمثل صناعة البلاستيك أيضاً إزالة «التابو» (أي محظورات)، أي تدنيساً لقدسية السكان الأصليين. فالأراضي والمياه والأنواع ذات الأهمية الثقافية والروحية العميقة ملوثة أو تصبح محلاً للاتجار. ويخنق البلاستيك الأنهار، ويخنق الشعاب المرجانية، ويلوث النظم الغذائية، ما يقطع العلاقات الروحية التي تحافظ عليها الشعوب الأصلية مع بيئاتها.

ويحدث كل هذا تحت ستار التنمية، بدعم من الحكومات وقوانين التجارة التي تحمي الامتيازات الاستعمارية. حتى المعاهدات العالمية وعمليات سياسات المناخ غالباً ما تستبعد القيادة الأصلية أو ترفض حلولها، ما يُعزز هياكل السلطة القديمة نفسها.

وأخيراً، فإن الرواية القائلة بأن مجتمعات السكان الأصليين بحاجة إلى «تثقيف» حول الإدارة السليمة للنفايات أو «مساعدتهم» من خلال الحلول التكنولوجية، تعكس «الأبوية المتعالية»، فهي تُصور الشعوب الأصلية على أنها غير قادرة على إدارة بيئاتها، متجاهلة حقيقة أن الكثيرين من أفرادها عاشوا في توازن مستدام مع أنظمتهم البيئية لآلاف السنين؛ قبل زمن طويل من وجود البلاستيك.

مفاوضات معاهدة البلاستيك العالمية

في الوقت الذي يستعد فيه قادة العالم للاجتماع في جنيف في أغسطس (آب) لاستئناف دورة مفاوضات معاهدة الأمم المتحدة العالمية للبلاستيك (INC5.2)، تستعد الشعوب الأصلية للنضال من أجل معاهدة قوية وملزمة قانوناً تشمل أصواتنا.

في المفاوضات السابقة في بوسان (INC 5.1)، استُبعد ممثلو السكان الأصليون من المفاوضات غير الرسمية، وحُذفت من مسودة المعاهدة عباراتٌ تُشير إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية (UNDRIP). في غضون ذلك، ازدحمت القاعات بمصالح شركات البتروكيماويات وجماعات الضغط التابعة للشركات، وكُممت أصوات الشعوب الأصلية مرةً أخرى.

هذا ليس مجرد إهمال إجرائي، بل هو عنصرية بيئية. لقد حافظت الشعوب الأصلية، على مدى آلاف السنين، على أساليب حياة مستدامة. إنها تحمل معرفة عريقة تُدرك أن النفايات التي لا يُمكن تحليلها إلى أجزائها الأصلية لا يُمكن أن تكون جزءاً من دورة مستدامة.

يجب أن تتجاوز معاهدة البلاستيك العالمية العادلة بحق الاعترافات الرمزية، وأن تُقدّم التزامات قابلة للتنفيذ تُعلي من شأن حقوق الشعوب الأصلية، وتُؤكد حق تقرير المصير، والمشاركة الكاملة، والسيادة على أراضيها ومياهها ومستقبلها. ويشمل ذلك تضمين إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية في النص القانوني للمعاهدة، والاعتراف بالشعوب الأصلية بصفتهم أصحاب حقوق، لا مجرد أصحاب مصلحة.

كما يجب أن تضع المعاهدة أيضاً حدّاً أقصى قانونياً لإنتاج البلاستيك الخام، وتحظر المواد الكيميائية المضافة الأكثر خطورة، وترفض الحلول الزائفة، مثل إعادة التدوير الكيميائي والحرق، التي لا تؤدي إلا إلى نقل الضرر، وتوفر تمويلاً عادلاً للحلول التي يقودها السكان الأصليون في جميع المناطق الاجتماعية والثقافية.

يجب أن تكون جنيف نقطة تحول

لم ينشأ تلوث البلاستيك مصادفةً، بل نشأ من نظام مصمم لخدمة قلة متميزة على حساب مجتمعات. ما لم تواجه المعاهدة هذا الإرث بشكل مباشر، بما في ذلك دورة حياة البلاستيك الكاملة من الاستخراج إلى التخلص من النفايات وما بعدها، فإنها تُخاطر بترسيخ فصل جديد من العنف الاستعماري تحت ستار العمل المناخي.

ما نحتاج إليه حقاً ليس مزيداً من الرقابة الاستعمارية، بل تحولٌ ديمقراطيٌّ يُعيد السلطة والاحترام والموارد إلى مجتمعات السكان الأصليين، ويُدرك أن مشكلة البلاستيك ليست مشكلة سلوك، بل هي نظام استعماري يُعامل الأرض والبشر، حتى المقدسات، على أنها قابلة للتصرف.

يجب على جنيف كسر هذه الحلقة المفرغة... لأن هناك أمراً واحداً مؤكداً: إذا لم يتغير شيء، فسيكون البلاستيك هو المستعمر الأخير لنا.

* «ذا ديبلومات»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

يوميات الشرق النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

الرماد حين لا يُحتَوى، لا يبرد... هو فقط يُنتج ناراً جديدة يستحيل من بعدها التعامل مع العنف على أنه حدث استثنائي.

فاطمة عبد الله (بيروت)
علوم في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

موقع تجريبي على عمق 524 متراً في النرويج.

أوروبا سيارات متضررة جراء الأمطار الغزيرة التي تسببت في حدوث فيضانات على مشارف فالنسيا (أرشيفية - رويترز)

ارتفاع حصيلة فيضانات إسبانيا إلى ثلاثة قتلى

عثرت فرق البحث، الاثنين، على جثتي رجلين فُقد أثرهما بعد أمطار غزيرة تسببت بفيضانات في جنوب إسبانيا، حسب ما أفاد مسؤولون.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق الإطلاقات تمثل خطوة إضافية نحو تحقيق رؤية المركز في تنمية الحياة الفطرية بالمملكة (واس)

إطلاق 61 كائناً فطرياً في محمية الملك خالد الملكية بالسعودية

أطلقت هيئة تطوير محمية الإمام عبد العزيز بن محمد الملكية، بالتعاون مع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، 61 كائناً فطرياً في محمية الملك خالد الملكية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».