في جسمِنا بلاستيك... جزيئاتٌ غير مرئية تغزو الطعام والشراب والهواء

اختصاصية تشرح لـ«الشرق الأوسط» المصادر والمخاطر وكيفية الوقاية

TT

في جسمِنا بلاستيك... جزيئاتٌ غير مرئية تغزو الطعام والشراب والهواء

كميات هائلة من جزيئات البلاستيك تغزو الطعام والمياه والهواء وتدخل عبرها إلى الجسم البشري (رويترز)
كميات هائلة من جزيئات البلاستيك تغزو الطعام والمياه والهواء وتدخل عبرها إلى الجسم البشري (رويترز)

هل خطرَ لك وأنت تتناول فنجان الشاي أنك تبتلع آلاف جزيئات البلاستيك مع شرابك المفضّل؟ وهلّا توقفت عن أكل الأرزّ إذا عرفت أنّ 100 غرام منه تحتوي على ما يعادل 4 ملِّيغرامات من مادة البلاستيك؟

هذه ليست خرافة؛ بل معلومات أكيدة أثبتتها دراسات أجرتها جامعتا كوينزلاند الأسترالية وماك غيل الكنديّة. ولا تقتصر لائحة الأطعمة المكتنزة بالجزيئات البلاستيكية على الأرزّ والشاي؛ بل تنسحب على مأكولاتٍ ومواد غذائية أخرى.

أظهرت دراسات جامعية أن الأرزّ يحتوي على كميات كبيرة من جزيئات البلاستيك (رويترز)

 

بلاستيك في المياه الملح والسمك

 

لعلّ أخطر ما في الأمر أنّ اللائحة تشمل مواد أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، بدءاً بالمياه، وتحديداً تلك المعبّأة في عبوات بلاستيكية. فكلما تعرضت تلك العبوات للحرارة أو لأشعة الشمس أو لكثرة اللمس، أطلقت مزيداً من الجزيئات البلاستيكية التي تختلط بالمياه ليشربها المرء في نهاية المطاف.

في هذا الإطار، تنصح الدكتورة فدى مراد، المتخصصة في علم الأحياء الجزيئي والخلوي والعلاج الطبيعي، باستبدال العبوات الزجاجية بتلك البلاستيكية. إلا أن اللائحة تطول، وتطول معها النصائح التي توجّهها الاختصاصية عبر «الشرق الأوسط»؛ كأن لا يجري تغليف الأطعمة، ولا سيما منها الحامضة والدسمة، بمواد بلاستيكية أو بالنايلون، إضافة إلى تجنّب تسخين الطعام في حاويات بلاستيكية، والتخلّي قدر المستطاع عن الأواني البلاستيكية في المطبخ عموماً.

ينضمّ الملح إلى المياه والشاي والأرزّ، ولا سيما الزهري منه، وهو يحتوي على الكمّ الأكبر من الجزيئات البلاستيكية. وليس السكّر الأبيض أفضل حالاً. كذلك تشمل اللائحة العسل، والأسماك، والدجاج على طريقة «الناغتس»، إضافة إلى الفاكهة والخضراوات، أبرزها الجزر، والبطاطا، والشمندر.

 

بعض المواد الغذائية التي تحتوي على كميات كبيرة من جزيئات البلاستيك

 

ابتلاع 5 غرامات بلاستيك أسبوعياً

 

تؤكد دراسة أجرتها «World Wildlife Fund» أن كل شخص يبتلع 5 غرامات من البلاستيك أسبوعياً، ما يوازي وزن بطاقة ائتمان. ولكن من أين تأتي هذه الجزيئات وكيف تنتقل إلى الجسم؟

يتراوح حجم الجزيئة الواحدة ما بين نانومتر مكعب واحد، و5 ملِّيمترات مكعبة، فهي بمعظمها ناتجة عن تفكّك قطع أكبر من البلاستيك بفعل مرور الزمن أو الحرارة أو الرطوبة وغيرها من العوامل الطبيعية، وفق ما تشرح فدى مراد. ينتشر القسم الأكبر منها في أعماق البحار والمحيطات الممتلئة بالنفايات، ومن هناك تنتقل إلى الأنهار والبحيرات، ومن ثم إلى مياه الشرب، من دون أن ننسى ما تبتلعه الأسماك منها. كما يتسرّب القسم الآخر إلى التربة من المكبّات ومن مياه الريّ، فتتلوّث به الأراضي الزراعية، ويبلغ الخضراوات والفاكهة التي يستهلكها الإنسان.

 

يتمركز قسم كبير من جزيئات البلاستيك في البحار وفي التربة (أ.ف.ب)

 

هواءٌ بلاستيكي

 

لا تدخل الجزيئات البلاستيكية إلى الجسم عن طريق الأكل والشرب فحسب؛ بل كذلك وبشكلٍ أساسي من خلال الهواء وعبر الجهاز التنفسي. وتحذّر فدى مراد في هذا الإطار من أن نسبة تلك الجزيئات ترتفع في الأماكن المغلقة أكثر من الهواء الطلق، لذلك تجب التهوية والتنظيف بالمكنسة الكهربائية بشكلٍ منتظم. تنصح الاختصاصية كذلك بتجنّب الملابس والأغطية والمناشف المصنوعة من مادة البوليستر.

وفي وقتٍ يقوم الأنف فيه بتنقية الجزيئات الأكبر حجماً ويلفظها خارج الجسد، تجد تلك الفائقة الصِّغَر طريقها إلى الرئتَين. وما يثير قلق العلماء أن الجزيئات البلاستيكية باتت منتشرة في كل مكانٍ تقريباً، وذلك بفعل تحلّلها عبر السنوات وانتقالها إلى الهواء والمياه والتربة.

واستنتجوا أن البلاستيك الذي استقر في جسد الإنسان جاء أساساً من نفايات أُنتجت منذ سنوات عدة. على سبيل المثال، وجد الباحثون كمية كبيرة من البولي إيثيلين، وهو النوع السائد من البلاستيك المُنتج في ستينات القرن الماضي، ولكن كمية أقل من البلاستيك المُستخدم في عبوات المياه، والتي انتشرت في التسعينات.

 

الكمّ الأكبر من البلاستيك في جسد الإنسان ناتج عن نفايات قديمة وليست حديثة العهد (رويترز)

 

بلاستيك في الدم والقلب

 

عام 2022، عثر باحثون من هولندا للمرة الأولى على آثار بلاستيك في الدم البشري. تلا ذلك اكتشاف علماء صينيين، العام الماضي، جزيئات بلاستيكية مستقرة في قلوب أشخاصٍ كانوا يخضعون لجراحات قلبيّة.

البحوث المتعلقة بوجود البلاستيك في جسم الإنسان حديثة العهد، إلا أن السنوات الثلاث الأخيرة كانت كافية لدقّ ناقوس الخطر؛ إذ يبدو أن تلك الجزيئات الصغيرة منتشرة في أعضاء عدة من الجسد، بدءاً بالكبد ومروراً بالكلى وليس انتهاءً بالقلب والدماغ.

يشكّل الكبد جبهة دفاع، فيقوم بما في وسعه لمنع جزيئات البلاستيك من التغلغل في الجسد. ولكن كلما صغر حجمها صارت المهمة أصعب. ما إن تدخل مجرى الدم حتى تتغلّف جزيئات البلاستيك بالبروتينات والدهون، فتتّخذ شكلاً تاجياً وتبدأ رحلتها عبر الأعضاء.

 

كلما كانت الجزيئات أصغر صعُبَ على جسد الإنسان التخلّص منها (رويترز)

 

الدماغ وسائر ضحايا البلاستيك

 

الدراسة الأحدث التي نُشرت حول الموضوع العام الماضي في مجلة «Nature Medicine»، أشارت إلى أن كمية البلاستيك في الدماغ البشري تضاعفت بنسبة 50 في المائة ما بين 2016 و2024. وأخطر ما تبيّن، أن الأشخاص المصابين بالخرف تحتوي أدمغتهم على كميات أكبر من الجزيئات البلاستيكية.

 

ارتفاع نسبة جزيئات البلاستيك في الدماغ ما بين 2016 و2024 (أرقام Nature Medicine)

لا دلائل علمية حتى الآن على رابط بين الجزيئات البلاستيكية ومرضٍ محدد. وفق فدى مراد، كل الاستنتاجات هي فعلياً ترجيحات أن تكون «الجزيئات مسؤولة إلى حدٍّ ما عن التهابات معينة قد تتحول على المدى الطويل إلى سرطان، كما أنها قد تتسبب في تشويه الخلايا والحمض النووي، إضافة إلى تقلّبات في جهاز المناعة وفي الهرمونات».

إحدى الدراسات التي حظيت باهتمام مؤخراً جاءت من إيطاليا؛ حيث وجد باحثون أن الأشخاص الذين لديهم جسيمات بلاستيكية دقيقة في لويحات شرايينهم، كانوا أكثر عرضة للإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية. كما وجدت بعض التحاليل مستويات أعلى من البلاستيك لدى الأشخاص المصابين بالتهاب الأمعاء وأمراض الكبد. أما الباحثون في جامعة كاليفورنيا، فوجدوا رابطاً بين الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والصحة الإنجابية والتهاب الجيوب الأنفية المزمن.

نفايات وبقايا بلاستيكية في أعماق البحر (أ.ف.ب)

 

الحدّ من أخطار البلاستيك

 

الجميع معرّض لجرعات من البلاستيك الدقيق على مدار الساعة، ولا يمكن بالتالي تحديد كمية المواد الداخلة والخارجة عبر الأنف والفم. وحتى إن كان الجسم يقوم بجهدٍ خارق للتخلص من هذه المخلفات، فإن التعرض المستمر لها يحوّل الأمر إلى معركة خاسرة.

لكن ثمة خطوات اتُّخذت على مستوى عالمي، مثل اقتراح «الوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية» عام 2023، وضع قيود صارمة على الجزيئات البلاستيكية التي تُضاف عمداً إلى مساحيق التجميل أو مواد التلوين. كذلك هناك فِرق علمية، ولا سيما في فرنسا، تعمل على تطوير موادّ قابلة للتحلل بشكلٍ صحي، ويمكنها أن تشكّل بديلاً عن البلاستيك.

وتلفت الاختصاصية فدى مراد إلى أن «لا طريقة طبية أو علمية للتخلص من الجزيئات البلاستيكية المكدسة في الجسم، ولكن يمكن -إضافة إلى تجنب التعرض لها- تسهيل خروجها من خلال الحفاظ على نشاط معوي منتظم، وتناول الطعام الغني بالألياف، إضافة إلى الإكثار من شرب المياه. كما يجب الانتباه إلى صحة الكبد بما أنه المسؤول عن تنقية الدم، والاعتناء بالأمعاء من خلال تناول البروبيوتيك».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا تونسي من منطقة أريانة ينظف آثار السيول (أ.ف.ب)

تونس: حملات بيئية لتنظيف المناطق المتضررة من الفيضانات

بدأت وكالة تونسية متخصصة، اليوم السبت، حملة بيئية واسعة لتنظيف سواحل وشواطئ الولايات المتضررة من الفيضانات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
يوميات الشرق نموذج صيني جديد يراقب تلوث الهواء والجسيمات الدقيقة (غيتي)

باحثون صينيون يبتكرون نموذجاً ثورياً لمحاكاة تلوث الهواء

نموذج «EPICC» يحسِّن محاكاة الجسيمات الدقيقة والأوزون لدعم إدارة تحديات التلوث في الصين والدول النامية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شمال افريقيا أهالي قابس ناشدوا الرئيس قيس سعيد تفكيك مجمع للصناعات الكيميائية بسبب التلوث (أ.ف.ب)

آلاف التونسيين يتظاهرون ضد التلوث البيئي في قابس

خرج الآلاف من أهالي مدينة قابس، جنوبي تونس، الأربعاء، في مسيرة جديدة تطالب بتفكيك مجمع للصناعات الكيميائية، بسبب التلوث البيئي.

«الشرق الأوسط» (تونس)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.