«مقهى الروضة» يختصر روح بيروت و100 سنة من عمرها

ملجأ للمثقفين وطالبي الأجواء الريفية وسط الزحام

مقهى الروضة في بيروت
مقهى الروضة في بيروت
TT

«مقهى الروضة» يختصر روح بيروت و100 سنة من عمرها

مقهى الروضة في بيروت
مقهى الروضة في بيروت

هي قصة حب من نوع آخر، تلك التي كتبها زياد كاج في مؤلفه الجديد «مقهى الروضة». ببراعة الروائي ومن خلال نص مفتوح، يمزج بين التوثيق والعاطفة الشخصية، بين التحقيق الصحافي والحبكة الروائية، بين التأريخ والخيال الأدبي... يؤنسن المؤلف حياة واحد من أشهر وأقدم مقاهي بيروت، الذي لا يزال يتجدد ويستقبل زواره، عابراً السنين والأحداث الجسام، وعلى لسان أصحابه عبارة: «نعيش كأن لا شيء يحدث في الخارج». اقتفاء مسار المقهى يجعلنا نرى فيه مرآة لبيروت، بشغبها، واضطراباتها، وأنسها، وقلقها، ورومانسيتها، ومحطاتها السياسية الهائجة.

الكتاب الصادر عن «دار نلسن في بيروت، يقدم «مقهى الروضة» كأنه قرية بيروتية داخل المدينة: ماسح أحذية مسنّ، و«بصّارة» نورية، ونُدُل من جنسيات مختلفة، وأطفال، ومثقفون، وعاشقون، وشيوعيون، وشعراء، وممثلون، وسياسيون... مكان مفتوح لكل الطبقات، على اختلاف الأمزجة والانتماءات، مكان عابر للأزمنة والأحداث.

عايش المقهى انسحاب الفرنسيين سنة 1943 بعد أن كان يستقبل جنود الانتداب، واحتُفل فيه بالاستقلال. استضاف اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة 1948، وتفاعل مع مظاهرات 1958، وفيه تابع الرواد صوت الرئيس المصري جمال عبد الناصر وهو يتلو استقالته بعد نكسة 1967، ثم واكب عودة السلم الأهلي، بعد حرب دامية، قبل أن يواكب مرارات ما تبعها.

من مقهى بسيط مكوَّن من طاولات خشبية على شاطئ البحر، بنرجيلاته وأحاديث البسطاء، في عشرينات القرن الماضي، مروراً بتحوله إلى ملتقى للمثقفين والكتّاب، ومكان لاجتماعاتهم، والبعض استعاض به عن المكتب، وهناك من اتخذ زاوية يومية ليكتب نصوصه، وهو أيضاً معبر للسياسيين والفنانين. من هنا مرّ الرئيس رفيق الحريري وزوجته نازك، ورئيس الوزراء الأسبق تمام سلام، والنائب إبراهيم منيمنة، والفنانات نانسي عجرم، وفلة، كما أصالة ووردة الجزائرية، وكثر لا يتسع المكان لذكرهم جميعهم.

يبدأ الكتاب بقصة حب وألفة بين الراوي وامرأة ترتاد المقهى. تنشأ بين الاثنين عاطفة تنمو بروية، وهما يتشاركان هذا النبض البيروتي الحي في المقهى. «يضحكان معاً كطفلين. يعيدهما المقهى إلى أيام البراءة واحتمال الأحلام. يتبخّر الوقت بينهما كالبخار الصاعد من فنجان الشاي».

لكن الحبيبة ذات الملامح الضبابية التي تشبه بيروت بتناقضاتها، وخياراتها، سرعان ما تضطر إلى الرحيل، تاركةً كاتبنا يبحث عن مزيد من المعاني في مكان تختلط فيه المشاعر كما تمتزج ضحكات الأطفال، بقرقعة النرجيلات، وصوت النرد بحفيف ورق الشجر، أمام مشهد البحر الممتد.

حين تخبره الحبيبة بنيّتها السفر، لا تطلب منه البقاء ولا الرحيل، لكنها تضع حبّهما في اختبار. «الحبّ والوقت لا يتّفقان»، يقول الكاتب. وإذا كان الحبّ قد انتصر على الزمن لوهلة، فالفراق سيفرض منطقه في النهاية. فإما زواجاً وسفراً، وإما بقاءً وانفصالاً. لذا، ينسحب بصمت، ويتركها تذهب، مخلّفة وراءها «لوعة الفقدان»، وظلّ عطر لا يزول من على الطاولة التي كانت لهما.

حكايته مع الحبيبة انتهت لكنها بقيت قابعة في الروح، فهو يستمر في ارتياد المقهى، متأملاً الوجوه، وأحوال العابرين، يراقب كل حركة وصوت، كأنما لم تعد المرأة هي صورة الوطن، وإنما هذه البقعة الصغيرة التي تختصر ببلاغة، كل ما يدور خارجها.

فالمقهى في موقع زحفت إليه الأبنية الشاهقة والمطاعم الفخمة والفنادق الفاخرة، وبقي صامداً بروائحه، وبساطته وأناسه العاديين، وكتابه الريفيين، ومثقفيه الباحثين عن واحة وسط الكتل الإسمنتية. «أوليس المقهى هو (العروس) الناجية من الاجتياح العُمراني والباطوني المتوحِّش، عروس صُمِّمت بقوَّة لتبقى متمسِّكة بطرحتها البيضاء وبفستانها الأخضر الذي لطالما زيَّن (رأس بيروت)؟».

ولإعطاء نكهة واقعية يترك المؤلف الكلام، لمثقفين أدمنوا المكان، ولا يزالون يرتادونه يومياً. المخرج رفيق علي أحمد، يعدّ المقهى، صباحاً، مكتباً، ومكاناً لإنهاء أشغاله أو لقاء صحافيين، وبعد الظهر للاستمتاع والجُلوس مع النَّاس وسماع أخبارهم ولعب طاولة الزَّهر. «دوامه ثابت لا يتغيَّر، وحالُه كحال المنارة البحريَّة، ودولاب مدينة الملاهي القريبة».

لقاءان يوميان لا يفوِّتهما هذا الفنان الذي استوحي غالبية مسرحياته من أجواء المقهى، وكتبها على طاولاته، بين الأشجار، وأمام البحر؛ يجلس أمام «أفُقٌ حُرّ مفتوح، حيث تتحرر مخيِّلتُه الريفيَّة من كلّ قيود. يكتُب ويمزِّقُ ويحفظُ ويُردِّدُ».

رفيق علي أحمد لا ينظر إليه على أنه مقهى، بل حديقةٌ، بستانٌ، والمكانُ الوحيد في بيروت «يلّي بتحطّ أجريك ع الأرض، بتحسّ بالتراب. بعد فيه أشجار، بتطلع بتشوف السَّماء والبحر». لا بل المقهى «حديقتَه السريَّة»، وليس كما يمكن أن نتخيله مكاناً للهروب من النَّاس.

كثيرون مروا من هنا، بينهم الشاعر عصام العبد الله، الذي يستذكره في الكتاب الصحافيُّ والمَسرحيُّ والمُخرجُ، عبيدو باشا، ويقول عنه إنه في خضمِّ الحوارات الحادة التي كانت تدور، حول مواضيع سياسية خلافية «كان يُديرُ النِّقاشات بحرفيِّة واقتدار، ولا يسمحُ بالصُّراخ أو تبادُل الشَّتائم. حافظ على قواعِد اللُّعبة».

عبيدو باشا هو الآخر ركن من أركان المقهى. مداوم مخلص، يعدّ الروضة «صومعته المفضلة». هنا يشعر بالألفة، والبساطة، وببيروت أيام زمان، ويتمتع بعلاقات إنسانية «غير رأسمالية». احتفظ لنفسه بزاوية خاصة ومكان يجلس فيه كل صباح. «يأتي للكِتابةِ والقِراءةِ والتأمُّلِ ولِقاء الأصدِقاء والأحبَّة. تقع زاويتُه الثقافيَّةُ إلى يمين المدخَل، قرب حافَّة تُطلّ على بحر (المسبحِ العسكري) والأُفق البعيد حيث يسرح نظره. يختار تلك الزاوية، التي لا يجلس عليها أحد غيره قبل الظُّهر». يشعر هنا بنبض حي، بينما «المطارح الثانية جُثث».

ولا ينقضي السرد دون أن تعرف القصة المفصلة لعائلة شاتيلا التي أسست المقهى، وتناوبت أجيالها المتعاقبة على إدارته. البداية كانت مع عبد الرحمن زكريا شاتيلا، رجل بسيط من رأس بيروت، ورث عن والده الفلّاح، الأرض وحب العائلة. مطلع عشرينات القرن الماضي افتتح مقهى متواضعاً قرب البحر. بالنسبة إليه، كان مساحة فرج توفّر له قوت يومه مع عائلته.

عندما سقط الحكم العثماني وجاء الفرنسيون، تبدّلت ملامح المدينة: لبس الناس غير ما كانوا يلبسون، وجاءت النساء إلى الشاطئ بلباس السباحة، وصار الزبائن يتحدثون لغات مختلفة. أمام هذه التحولات، لم يتردّد عبد الرحمن في تطوير المقهى. ابنه البكر بدأ التوسعة بهدوء، وأضاف طاولات جديدة، وطوّر قائمة المأكولات، وخفّض الأسعار ليستقبل العائلات والطلاب والفقراء تماماً كما الأغنياء.

في أحد الأيام، دخل المقهى رجل أنيق آتٍ من مدينة حمص، وأُعجب بجمال المكان، واقترح عليه: «سمّوه الروضة، تيمّناً بالروضة التي في بلدي». لم يتردّد عبد الرحمن. ومنذ ذلك الحين، صار الاسم جزءاً من الذاكرة.

على مدى عقود، تناوب أبناء العائلة على تسلم مفاتيح المقهى وأداروه بحب؛ حافظوا على الأشجار، وزيّنوا الزوايا بالأصداف، واعتنوا بالنُدُل، وحفظوا أسماء الزبائن، واستفسروا واطمأنوا على مَن يتغيب منهم عن الحضور. وعُرف محمد شاتيلا ومعه الحاجة «أم عبد»، بحكمتهما وبساطة الروح وحسن الضيافة.

صمد المقهى في وجه كل الأعاصير: من أحداث 1958، إلى الحرب الأهلية، إلى اجتياح المقاهي الحديثة والمولات. وفي كل مرحلة، ظلّ مقهى الروضة فسحةَ تنفُّس لأبناء المدينة.

يرسم الكاتب بالكلمات ملامح المقهى الاستثنائي بصموده، بناسه، بتفاصيله، بتاريخه، ويبدع في بث الروح في نصّه، وهو يجعلك تشعر بأنك تعيش اللحظة التي يتحدث عنها، فتتابع ما يدور في المقهى من تجديدات وتحولات؛ تتذوق أطباقه، وتشرب الشاي على طاولاته. وفي حرص على الاحتفاظ بروح التشويق يترك لك مفاجأة في نهاية الكتاب حول قصة ماسح الأحذية الذي يبدو غامضاً ويثير التساؤلات خلال السرد، لنكتشف خفاياه، ونعرف قصته المثيرة وأسراره المؤثرة.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.