الرئيس اللبناني: ملتزمون بالكشف عن حقيقة انفجار المرفأ مهما علت المناصب

أكد أن القانون سيطول الجميع دون تمييز

مشاركون في مسيرة الذكرة الخامسة لانفجار مرفأ بيروت يرفعون العلم اللبناني ويطالبون بتحقيق العدالة والوصول إلى الحقيقة (رويترز)
مشاركون في مسيرة الذكرة الخامسة لانفجار مرفأ بيروت يرفعون العلم اللبناني ويطالبون بتحقيق العدالة والوصول إلى الحقيقة (رويترز)
TT

الرئيس اللبناني: ملتزمون بالكشف عن حقيقة انفجار المرفأ مهما علت المناصب

مشاركون في مسيرة الذكرة الخامسة لانفجار مرفأ بيروت يرفعون العلم اللبناني ويطالبون بتحقيق العدالة والوصول إلى الحقيقة (رويترز)
مشاركون في مسيرة الذكرة الخامسة لانفجار مرفأ بيروت يرفعون العلم اللبناني ويطالبون بتحقيق العدالة والوصول إلى الحقيقة (رويترز)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن «الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، ملتزمة بالكشف عن الحقيقة كاملةً لانفجار المرفأ، مهما كانت المعوقات ومهما عَلَت المناصب. فالعدالة لا تعرف الاستثناءات، والقانون يطول الجميع من دون تمييز».

الرئيس جوزف عون (الرئاسة اللبنانية)

وقال عون في الذكرى الخامسة للانفجار: «في هذا اليوم الأليم، الرابع من أغسطس (آب)، نستذكر معاً الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت، تلك الجريمة الكبرى التي هزت ضمير الأمة والعالم وأودت بحياة أكثر من مئتي شهيد، وجرحت آلاف الأبرياء، ودمرت أحياءً كاملة من عاصمتنا الحبيبة».

وأكد عون أن «العدالة لن تموت، وأن الحساب آتٍ لا محالة»، قائلاً: «لقد عاهدت الشعب اللبناني منذ توليت مسؤولياتي الدستورية على أن تكون محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة الكبرى أولوية قصوى، وألا يفلت من العقاب كل من تسبب بإهماله أو تقصيره أو فساده في هذه الكارثة الإنسانية».

وأضاف: «إن الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، ملتزمة بالكشف عن الحقيقة كاملة، مهما كانت المعوقات ومهما عَلَت المناصب. فالعدالة لا تعرف الاستثناءات، والقانون يطول الجميع دون تمييز»، مؤكداً: «إننا نعمل بكل الوسائل المتاحة لضمان استكمال التحقيقات بشفافية ونزاهة، وسنواصل الضغط على كل الجهات المختصة لتقديم كل المسؤولين إلى العدالة، أياً كانت مراكزهم أو انتماءاتهم».

مشاركون في مسيرة الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت يطالبون بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين (أ ف ب)

وتوجه عون إلى عائلات الشهداء والجرحى بالقول: «إن دماء أحبائكم لن تذهب سدى، وآلامكم لن تبقى بلا جواب. العدالة قادمة، والحساب آتٍ، وهذا وعد قطعته على نفسي أمام الله والوطن».

مطالبات شعبية وسياسية بالعدالة: لا ننسى ولا نسامح

وفي هذه المناسبة، أجمعت مواقف المسؤولين والسياسيين في لبنان على أن العدالة لا بدّ أن تتحقّق، فيما نُظمت مسيرتان؛ إحياءً للذكرى في ساحة الشهداء وأمام فوج إطفاء بيروت لتلتقيا عند مدخل مرفأ بيروت عند الساعة السادسة مساءً، في وقفة رمزية للمطالبة برفع الصوت مجدداً من أجل الحقيقة، والمحاسبة، والعدالة، رافعين شعارات «لا ننسى... لا نسامح... صمتنا بيقتل مرتين».

وزير الداخلية أحمد الحجار ملتقياً أهالي شهداء فوج إطفاء بيروت في ذكرى انفجار المرفأ (وزارة الداخلية)

وفي هذا الإطار، قال وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار بعد وضعه إكليلاً من الزهر على نصب شهداء فوج إطفاء بيروت في هذه الذكرى إن «العدالة مسؤولية كل الدولة، والمسار واضح، والتعاون سيكون كاملاً مع القضاء إحقاقاً للحق. لا دولة من دون عدالة، ولا تُبنى الدولة إن لم يكن سيف العدل فوق الجميع».

بدوره كتب رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب تيمور جنبلاط على منصة «إكس»، أن «(4 آب) ليس ذكرى بل عبرة لكي ندرك قيمة وضرورة أن تكون الدولة قادرة وسيدة قرارها بمؤسسات فاعلة تولي حياة اللبنانيين المسؤولية الكاملة»، وأضاف: «المطلوب المضيّ في التحقيق حتى خواتيمه ومنح العدالة مسارها الطبيعي إكراماً للحقيقة ولأرواح الشهداء وآلام الجرحى والعائلات والمتضررين».

من جهته، أمل رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميل أن «يصدر قريباً القرار الاتهامي في قضية انفجار المرفأ الذي لا يمكن أن يحصل في دولة القانون وفي دولة مكتملة الأوصاف تسيطر على كل أراضيها ومتحرّرة من الميليشيات والسلاح».

أحد المشاركين في مسيرة الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت يرفع شعار "حقيقة، عدالة، محاسبة" (أ ف ب)

وقال الجميل خلال وقفة نظَّمها «الكتائب» إحياء لذكرى الانفجار: «هدفنا أن يكون انفجار 4 أغسطس (آب) والحرب الأخيرة خاتمة أحزان اللبنانيّين وأن يتمكنوا من فتح صفحة جديدة في حياتهم».

وأضاف: «نؤكد أننا ككتائب مؤتمنون على مسار العدالة لتحقيقها، ووزير العدل يؤمِّن كل الظروف ليقوم القضاء بعمله، وحرر كل القيود التي كانت تعرقل التحقيق»، وذلك انطلاقاً من أن وزير العدل عادل نصار، محسوب عليه.

السفارات الأجنبية: لتحقيق شفاف

أكدت السفارة الأميركية في بيروت عبر حسابها على منصة «إكس» وقوفها إلى جانب الشعب اللبناني في مطالبته بالمساءلة في ذكرى انفجار المرفأ، وأضافت: «نقف إلى جانب الشعب اللبناني في مطالبته بالمساءلة. يستحق لبنان نظاماً قضائياً مستقلاً ونزيهاً يُنصف الضحايا، لا أن يحمي النخب. تظل الولايات المتحدة ملتزمة بدعم لبنان يتمتع بالسيادة والاستقرار والازدهار، يشكّله شعبه وحده وليس القوى الخارجية».

كذلك أعلنت السفارة البريطانية في لبنان، عبر منصة «إكس»، تنكيس العلم البريطاني إحياءً للذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت، وذلك عند الساعة السادسة و7 دقائق، توقيت وقوع الانفجار في 4 أغسطس 2020.

وجاء في بيان لها: «عائلات الضحايا تستحق العدالة والمساءلة والحقيقة. تواصل المملكة المتحدة دعوتها إلى تحقيق شفاف وسريع يُفضي إلى محاسبة المسؤولين».

من جانبها، أعلنت السفارة الفرنسية في لبنان عبر منصة «إكس»: «بعد مرور خمس سنوات على انفجار 4 أغسطس، تشيد فرنسا بالجهود المبذولة للكشف عن الحقيقة كاملة وتحقيق العدالة للضحايا وكل من أصابته هذه الفاجعة. وكما أكّدت السلطات اللبنانية، فإن وضع حدّ للإفلات من العقاب يُعدّ أمراً أساسياً من أجل نهوض لبنان. فمن دون عدالة، لا قيام لدولة القانون».

الأمم المتحدة

كذلك، عبّرت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان، جينين هينيس بلاسخارت، في بيان، عن تضامنها مع جميع المتضرّرين من انفجار مرفأ بيروت، «الذين لا يزال عدد كبير منهم يسعى بشجاعة لتحقيق العدالة».

وشددت على أن التقدم في المسار القضائي بات ضرورة لا تحتمل مزيداً من التأجيل. وقالت: «بعد مرور خمس سنوات، لا تزال المأساة تتفاقم مع الغياب الفادح للعدالة. فالضحايا، والناجون، وعائلاتهم، يستحقون المحاسبة الكاملة. ويستحقونها الآن». وبينما رحّبت بالزخم الأخير في مسار التحقيق، وبالخطوات الإيجابية نحو تعزيز مؤسسات الدولة، أكدت هينيس بلاسخارت ضرورة أن تفعل الحكومة كل ما يلزم لتسريع الإجراءات القضائية المرتبطة بالانفجار.

«الحقيقة» بعد سنوات من العرقلة

ويتزامن إحياء الذكرى الخامسة مع إنهاء المحقق العدلي طارق البيطار استجواب جميع المدعى عليهم في القضية.

كان التحقيق بشأن الانفجار الذي أسفر عن مقتل أكثر من 220 شخصاً وإصابة أكثر من 6500 بجروح، قد غرق خلال السنوات الماضية في متاهات السياسة، إذ قاد «حزب الله» حينها حملة للمطالبة بتنحّي البيطار، ثم في فوضى قضائية بعدما حاصرت المحقق العدلي عشرات الدعاوى لكفّ يده. لكنه تمكن منذ مطلع العام من استئناف عمله على ضوء تغير موازين القوى في الداخل وانتخاب عون رئيساً وتشكيل نواف سلام حكومته.

ويقترب البيطار من إعلان ختم التحقيق بالملفّ، بعدما عقد عشرات الجلسات في الأشهر الأربعة الماضية، استجوب فيها سياسيين وقادة أمنيين وعسكريين وقضاة وموظفين كباراً في مرفأ بيروت. وكشف مصدر قضائي مواكب لإجراءات المحقق العدلي لـ«الشرق الأوسط» أن الأخير «بات قاب قوسين أو أدنى من ختم التحقيق وإحالة الملفّ إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها بالأساس قبل إصدار القرار الاتهامي».

قاضي التحقيق اللبناني في ملف انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار (الوكالة الوطنية للإعلام)

وقال المصدر: «القاضي البيطار سيكون أمام احتمالين: الأول ختم التحقيق بالوضع الحالي وإصدار القرار الاتهامي في مهلة أقصاها نهاية العام الحالي، والآخر أن يتريّث إلى أن تبتّ محاكم التمييز والهيئة العامة لمحكمة التمييز بدعاوى الردّ والنقل والمخاصمة المقامة ضدّه من سياسيين وأمنيين ملاحَقين في القضية».


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

عباس يطالب واشنطن بموقف «حازم» من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

عباس يطالب واشنطن بموقف «حازم» من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الأربعاء، الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى «موقف حازم» بعد أن وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على إجراءات تهدف إلى تعزيز سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية المحتلة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في قمة شرم الشيخ لإنهاء حرب غزة بمصر 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

وقال عباس خلال زيارة لأوسلو إنه بحث مع رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور في هذا القرار، وفي عنف المستوطنين الإسرائيليين وحجب إسرائيل أربعة مليارات دولار من المساعدات المخصصة للشعب الفلسطيني.

وقال في مؤتمر صحافي إن «هذه الانتهاكات الجسيمة تستدعي رداً حازماً من الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي؛ لأنها تعرقل جهود الرئيس ترمب وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي».


تداخل عسكري وتوازن هش يحكمان سنجار شمال العراق

دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
TT

تداخل عسكري وتوازن هش يحكمان سنجار شمال العراق

دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عراقية لـ«الشرق الأوسط» خريطة القوى العسكرية والأمنية التي تمسك فعلياً الأرض في قضاء سنجار شمال العراق، في وقت تصاعدت فيه التهديدات التركية بتنفيذ عملية عسكرية محدودة تستهدف ما تبقى من وجود لحزب «العمال الكردستاني» في المنطقة.

ووفقاً للمصادر، تتوزع السيطرة داخل مركز القضاء بين الشرطة المحلية التي تتولى إدارة الملف الأمني اليومي، مدعومة بانتشار للجيش الاتحادي في محيط المدينة، وعلى الطرق الرابطة مع باقي مناطق محافظة نينوى.

كما توجد تشكيلات من «الحشد الشعبي» في بعض النقاط، إلى جانب قوات تابعة لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني» في أطراف القضاء.

وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أشار إلى احتمال تنفيذ عملية وصفها بـ«البسيطة» تتضمن تقدماً برياً لقوات «الحشد الشعبي»، وإسناداً جوياً تركياً خلال يومين، أو ثلاثة.

حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار شمال البلاد (أ.ب)

بقايا «العمال»

وتتحدث المصادر العراقية عن وجود لـ«وحدات مقاومة سنجار» المعروفة اختصاراً بـ(اليبشه)، التي تضم نحو 2600 مقاتل من أبناء المكون الإيزيدي، وتتمركز في جبال وكهوف سنجار، وتحظى بنفوذ ملحوظ لارتباطها بحزب «العمال الكردستاني»، رغم إعلان الأخير حل نفسه في مايو (أيار) 2025.

وبشأن ما يتردد عن إمكانية وصول بعض عناصر قوات «قسد» بعد خسارتهم لمناطق نفوذهم في سوريا، تشير المصادر إلى «عدم إمكانية عبور تلك العناصر إلى قضاء سنجار، بالنظر للوجود الأمني، والعسكري العراقي المكثف على الحدود، والسياج المحكم، والعازل بين العراق وسوريا في تلك المناطق».

لكن المصادر أوضحت أن «التداخل بين القوى المختلفة يخلق حالة توازن هش، وصراع نفوذ غير معلن، ينعكس شعوراً بعدم الاستقرار لدى السكان».

وبحسب المصادر، فإن اتفاق سنجار الموقع بين بغداد وأربيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، برعاية الأمم المتحدة، والهادف إلى تطبيع الأوضاع الإدارية، والعسكرية، وإخراج الجماعات المسلحة، لم يُنفذ بالكامل.

ورغم تخصيص 50 مليار دينار لإعادة الإعمار في 2024، ما زال نحو نصف السكان في مخيمات النزوح بإقليم كردستان، فيما تبقى الخدمات دون المستوى المطلوب.

وكيل الخارجية العراقية محمد بحر العلوم مستقبلاً السفير التركي في بغداد (إعلام الخارجية)

«شأن عراقي»

وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لوح بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية محدودة في سنجار. وردت بغداد برفض التصريحات، واستدعت السفير التركي، مؤكدة أن ملف سنجار شأن وطني خالص يُدار وفق الآليات العراقية.

وأعرب وكيل وزارة الخارجية العراقية، محمد حسين بحر العلوم، عن «استياء العراق من التصريحات المتداولة في وسائل الإعلام، وأنها تمثل إساءة إلى العلاقات الودية بين العراق وتركيا، وتُعد تدخلاً في الشأن الداخلي العراقي، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وأكد أن «العراق دولة مؤسسات ذات نظام سياسي ديمقراطي دستوري، ولا يمكن مقارنته بدول أخرى لها أنظمة سياسية مختلفة».

وشدد بحر العلوم على أن «ملف سنجار وسائر المناطق العراقية هو شأن وطني خالص، ويجري التعامل معه وفق الأولويات، والآليات الوطنية، ونرفض أي تدخل خارجي لفرض حلول، أو لاستخدام هذا الملف للتأثير سياسياً، أو عسكرياً».

ونقل بيان الخارجية العراقية عن السفير التركي أنيل بورا إينان قوله إن «تصريحات وزير الخارجية فُهمت على نحو غير دقيق نتيجة ترجمة غير صحيحة».

وأشار إلى أن «حديث الوزير كان يتعلق بعناصر حزب (العمال الكردستاني) الموجودين في العراق، ولا علاقة له بالشأن العراقي الداخلي، أو بالمواطنين العراقيين».


أب في غزة يبحث عن رفات عائلته بين أنقاض منزلهم

تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
TT

أب في غزة يبحث عن رفات عائلته بين أنقاض منزلهم

تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)

يجلس محمود حماد وسط كومة الأنقاض التي كانت يوماً منزله في غزة، يغرف التراب بمنخل كبير ويهزّه قبل أن يفحص ما تبقّى فيه بعناية ثم يفرغه. في الأيام الأخيرة، ابتسم له الحظ قليلاً، إذ ظهرت عظام صغيرة يعتقد أنها تعود لأفراد من أسرته التي لا يزال يبحث عنها.

ويعتقد حماد أن هذه العظام تعود للجنين الذي كانت زوجته الحامل تحمله عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مبنى العائلة قبل أكثر من عامين، ما أسفر عن مقتل زوجته وأطفاله الخمسة. وأضاف حماد الشظايا إلى صندوق العظام الذي جمع محتوياته على مدار أشهر من الحفر المتواصل في الأنقاض بمفرده، مستخدماً المعاول والمجارف ويديه. وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «لن أجدها كلها».

ولا يزال نحو 8 آلاف شخص مدفونين تحت أنقاض منازلهم التي دمرها القصف الإسرائيلي على غزة، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وفي ظل استمرار الغارات الجوية والاعتداءات البرية، كان انتشال معظمهم أمراً مستحيلاً. لكن منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، تزايدت الجهود المبذولة لانتشالهم، رغم ما يعوقها من نقص في المعدات الثقيلة.

«لقد استشهدوا، ونجوت أنا»

نحو الساعة 11:30 صباحاً من يوم 6 ديسمبر (كانون الأول) 2023، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى مكوناً من 6 طوابق؛ حيث كانت تعيش عائلات حماد وشقيقه في حي صبرا بمدينة غزة.

محمود حماد يبحث عن رفات أقاربه الذين ما زالوا مدفونين تحت أنقاض منزلهم الذي دمره قصف جوي إسرائيلي في ديسمبر 2023 بمدينة غزة (أ.ب)

وخرج حماد (39 عاماً) من شقته ليصعد إلى الطابق العلوي، فيما كانت زوجته نعمة حماد، الحامل في شهرها التاسع، وأطفالهما الخمسة الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و16 عاماً، ينهون تناول طعام إفطارهم.

وفي الأيام التي سبقت الغارة، أسقط الجيش الإسرائيلي منشورات فوق المنطقة تطالب السكان بالمغادرة والتوجه إلى النصف الجنوبي من القطاع، لكن محمود حماد رفض الرحيل.

ولفترة من الوقت، ذهبت نعمة حماد والأطفال إلى منزل والديها في حي جباليا المجاور، في حين بقي زوجها في المنطقة، لكن نعمة أرادت العودة، فحاول زوجها ثنيها عن ذلك، وسط القصف الإسرائيلي المستمر. لكن في 5 ديسمبر، وجد زوجته وأطفاله على بابه، وقال إن زوجته قالت له: «إما أن نعيش معاً وإما نستشهد معاً»، وتابع: «لقد استشهدوا، ونجوت». كما قُتل شقيقه وزوجة شقيقه وأبناؤهما الأربعة.

نُقل محمود حماد إلى عيادة قريبة مصاباً بجروح متعددة، بما في ذلك كسور في الصدر والحوض والركبة ونزيف داخلي في الصدر. وبعد الغارة، تمكَّن الجيران من انتشال جثة ابنه الأكبر إسماعيل، وجثة اثنين من أبناء أخيه، وظل الباقون تحت الأنقاض.

وبعد تعافيه من جراحه، عاد حماد إلى أنقاض منزله وأقام مأوى مؤقتاً بالقرب منها. وقال: «بقيت معهم، زوجتي وأولادي، بين الأنقاض. كنت أتحدث إليهم كل يوم، وكانت رائحتهم عالقة، وشعرت برابطة عميقة معهم».

بحث مضنٍ عن الجثامين

وبدأ البحث عن جثثهم. طلب ​​في البداية المساعدة من الدفاع المدني في غزة، لكن فرق الإنقاذ لم تصل، إما بسبب خطورة الوضع وسط القصف الإسرائيلي المكثف، وإما لعدم امتلاكهم المعدات والآليات اللازمة لإزالة الأنقاض. لذا بدأ الحفر بنفسه. بدأ بالأسقف والجدران المنهارة، يكسرها إلى حجارة صغيرة ويضعها في أكياس. أكوام من عشرات الأكياس تُحيط بالموقع الآن كالجدار.

يساعد أحد أقارب محمود حماد في البحث عن رفات زوجته نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلهما الذي دمره قصف جوي إسرائيلي في ديسمبر 2023 بمدينة غزة (أ.ب)

وفي مارس (آذار) 2024، عثر على رفات اعتقد أنها تعود لأفراد عائلته. وقال: «كانت هناك عظام بسيطة مغطاة باللحم... بعضها أكلته الحيوانات».

في أواخر عام 2024، حفر حتى وصل إلى شقة أخيه، التي كانت في الطابق الثالث؛ حيث عثر على جثتي أخيه وزوجة أخيه. دفنهما في مقبرة مؤقتة أنشأها سكان المنطقة خلال الحرب لحفظ موتاهم ريثما يتم نقلهم إلى مقبرة لائقة.

«الوجبة الأخيرة»

ومنذ أكتوبر، استأنف حماد الحفر إلى عمق 9 أمتار (30 قدماً). وأخيراً، وصل إلى شقته التي كانت في الطابق الأرضي. يركز الآن على إزالة الأنقاض من الجهة الشرقية، لأنه يعلم أن زوجته كانت هناك في لحظاتها الأخيرة. وقال: «كانا يتناولان مهلبية الأرز في غرفة المعيشة».

وبينما كان ينخل التراب بمنخله، عثر على شظايا عظام صغيرة. وشارك صور العظام عبر تطبيق «واتساب» مع طبيب قال إن الشظايا، التي تضمنت عظم فك، تبدو أنها لطفلة رضيعة. ويعتقد حماد أنها رفات الطفلة التي كانوا ينتظرونها. كانوا يخططون لتسميتها حيفا، تيمناً بإحدى شقيقات زوجته التي قُتلت في غارة إسرائيلية قبل أسابيع قليلة من قصف منزلهم. وقال: «كانت جميع ملابس الطفلة وسريرها وغرفتها جاهزة، وكان الجميع في المنزل ينتظرون قدومها». وأعاد اكتشاف شظايا العظام إلى حماد الأمل. وقال إنه بمجرد جمع ما يكفي من الرفات، سيدفنها دفناً لائقاً.

700 جثة منذ وقف إطلاق النار

وصرح زاهر الوحيدي، رئيس قسم السجلات بوزارة الصحة، لوكالة «أسوشييتد برس»، بأنه تم انتشال أكثر من 700 جثة من تحت المباني منذ بدء وقف إطلاق النار، وذلك بعد انتشال 61 مليون طن من الأنقاض.

وتجاوز ضحايا الحرب حتى الآن 72 ألف قتيل، وفقاً لمصادر رسمية في غزة. وأدّى القصف الإسرائيلي إلى تدمير أو إلحاق أضرار بـ81 في المائة من مباني القطاع البالغ عددها 250 ألف مبنى، بما في ذلك مدارس ومستشفيات ومنازل خاصة، وفقاً لوحدة تحليل صور الأقمار الاصطناعية التابعة للأمم المتحدة.

أنقاض مهولة

وخلّفت هذه الكارثة غزة واحدة من أكثر المناطق تضرراً على وجه الأرض؛ حيث بلغ حجم الأنقاض 61 مليون طن، أي ما يعادل حجم 15 هرماً من أهرامات الجيزة، أو 25 برجاً من أبراج إيفل، وفقاً للأمم المتحدة. وقد زاد من صعوبة عمليات إزالة الأنقاض نقص الجرافات والمعدات الثقيلة التي غالباً ما تمنعها إسرائيل من دخول غزة.

ولا تزال عمليات الإنقاذ مستحيلة في أكثر من 50 في المائة من قطاع غزة الخاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية؛ حيث يواصل الجيش الإسرائيلي تفجير المباني وهدمها بشكل ممنهج، ما يقلل من فرص العثور على جثث مفقودة داخلها.