«سلام» الكونغو ورواندا... رهانات دولية على الاتفاق وسط مخاوف من عراقيل

واشنطن استضافت أول اجتماع تنفيذي بحضور قطري - أفريقي

أحد عناصر حركة «23 مارس» مع عدد من المحتجزين في ملعب الوحدة بغوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)
أحد عناصر حركة «23 مارس» مع عدد من المحتجزين في ملعب الوحدة بغوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)
TT

«سلام» الكونغو ورواندا... رهانات دولية على الاتفاق وسط مخاوف من عراقيل

أحد عناصر حركة «23 مارس» مع عدد من المحتجزين في ملعب الوحدة بغوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)
أحد عناصر حركة «23 مارس» مع عدد من المحتجزين في ملعب الوحدة بغوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

عادت الكونغو الديمقراطية ورواندا لطاولة المحادثات مجدداً لتعزيز اتفاق سلام توصل إليه البلدان الأفريقيان قبل نحو شهر برعاية أميركية، وسط مخاوف من تعثر يعيد الصراع الممتد منذ عقود إلى الواجهة مرة أخرى.

واحتضنت واشنطن أول اجتماع بحضور قطري - أفريقي لبحث تنفيذ اتفاق السلام الذي وقع في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما يراه خبير في الشؤون الأفريقية ضمن الجهود الدولية، لا سيما من الولايات المتحدة، لطي صفحة النزاع المعقد رغم المخاوف التي لا تزال قائمة لأسباب منها «تشابك المصالح الإقليمية والدولية، ووجود جماعات مسلحة مدعومة من أطراف خارجية لم تدخل ضمن الحوار».

وأفادت قطر التي تلعب دور وساطة في تلك المحادثات بأن ممثلين عن الكونغو الديمقراطية ورواندا بمشاركة مراقبين من الولايات المتحدة وقطر وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي، عقدوا الخميس «الاجتماع الأول للجنة الإشراف المشتركة لاتفاق السلام بين البلدين، الذي تم توقيعه في العاصمة واشنطن في 27 يونيو الماضي، وبحث التقدم المحرز في تنفيذ الاتفاق»، حسب بيان لـ«الخارجية القطرية»، الجمعة.

ووفقاً للاتفاق، تعهد البلدان الأفريقيان بتنفيذ اتفاق عام 2024 الذي ينص على انسحاب القوات الرواندية من شرق الكونغو في غضون 90 يوماً، وأن يشكل البلدان آليةً مشتركةً للتنسيق الأمني في غضون 30 يوماً، بجانب تنفيذ خطة اتُفق عليها العام الماضي لمراقبة انسحاب الجنود الروانديين، والتحقق من الأمر في غضون ثلاثة أشهر، وفق ما نقلته «رويترز»، الجمعة.

المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، يرى أن هناك رهانات دولية، خصوصاً من الولايات المتحدة، على تنفيذ اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا، وهذا يعكس إدراكاً متزايداً لحجم التهديد الذي يمثله استمرار النزاع في منطقة البحيرات الكبرى على الأمن الإقليمي والدولي. وأضاف: «لكن نجاح هذا الاتفاق ليس مضموناً، رغم الزخم السياسي والدبلوماسي المحيط به، فتاريخ المنطقة حافل بمحاولات سابقة للسلام لم تُفضِ إلى نتائج دائمة، بسبب تعقّد المشهد الميداني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، والاتهامات المتبادلة، ووجود جماعات مسلحة مدعومة من أطراف خارجية، وضعف الثقة بين الحكومات».

وأكد عيسى لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك العراقيل «تجعل أي اتفاق هشّاً ما لم يُدعّم بخطوات تنفيذية حقيقية وآليات رقابة صارمة»، لافتاً إلى أن «الولايات المتحدة، ومعها شركاء دوليون وإقليميون مثل قطر والاتحاد الأفريقي، قد تملك أدوات الضغط والتأثير، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على الواقع على الأرض، خصوصاً في ظل غياب سلطة مركزية قوية في المناطق المتنازع عليها في الكونغو، واستمرار الدعم الخفي لبعض الجماعات المسلحة».

وشدد المحلل السياسي التشادي على أن «النجاح يظل ممكناً، لكنه مرهون بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات حقيقية، وبتوافر بيئة إقليمية مساندة، وبوجود التزام طويل الأمد من المجتمع الدولي يتجاوز البيانات الدبلوماسية، إلى خطوات عملية تشمل الدعم الاقتصادي، وتعزيز قدرات الدولة، ومحاسبة من يعطلون عملية السلام»، مستدركاً: «من دون ذلك، قد يصبح الاتفاق مجرد محطة أخرى في سلسلة مبادرات لا تكتمل».

عنصر من حركة «23 مارس» المسلحة يسير إلى جانب السكان في أحد شوارع غوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

وأواخر يونيو (حزيران) الماضي، وقعت كيغالي وكينشاسا، اتفاق سلام، في واشنطن، ينص على إنشاء هيئة تنسيق أمني مشتركة لرصد التقدم، وتعهدتا فيه بوقف الدعم للمتمردين بالبلدين، لا سيما «القوات الديمقراطية لتحرير رواندا»، وحركة «23 مارس» التي حققت تقدماً سريعاً في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، واستولت على بلدات رئيسية وأراضٍ شاسعة في اشتباكات أسفرت عن مقتل الآلاف.

واستكمالاً لهذا الاتفاق، رعت الخارجية القطرية في 19 يوليو (تموز) الماضي، إعلان مبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«تحالف نهر الكونغو - حركة 23 مارس» بعد جهود امتدت لأشهر قليلة، حسب بيان قطري.

كما سيتم توقيع اتفاق سلام نهائي بين الجانبين في موعد أقصاه 18 أغسطس (آب) الحالي، مع شرط أن يتوافق مع اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا، الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية في يونيو الماضي، وفقاً لنسخة من الإعلان أوردتها وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

ويستشري العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بالموارد والواقعة على الحدود مع رواندا، منذ ثلاثة عقود، وقد تجدد منذ شن متمرّدي الحركة هجوماً نهاية 2021، وتلاه طرح أكثر من 10 اتفاقات هدنة في منطقة شرق الكونغو الديمقراطية، لكن كلّ المحاولات الدبلوماسية لإنهاء النزاع باءت بالفشل.

وفي ضوء ذلك، يرى عيسى أنه «رغم الإصرار الدولي الواضح على تأمين تنفيذ الاتفاق بين الكونغو ورواندا، فإن المخاوف من عراقيل جدية تظل قائمة بقوة، فالتجربة التاريخية في المنطقة أظهرت أن التعهدات السياسية غالباً ما تصطدم بواقع ميداني معقّد تتحكم فيه قوى محلية ومصالح متشابكة، تتجاوز أحياناً قدرة الحكومات المركزية على ضبطها».

ويعتقد أنه «من أبرز العراقيل المحتملة استمرار وجود الجماعات المسلحة، وعلى رأسها (23 مارس) التي تُتهم رواندا بدعمها، مقابل اتهامات متبادلة من كيغالي بوجود تحركات عدائية من أراضٍ كونغولية»، مؤكداً أن «هذا التوتر الأمني المزمن يجعل من الصعب بناء بيئة ثقة، حتى مع وجود مراقبة دولية أو دعم من وسطاء خارجيين».

ولفت إلى أن «انعقاد هذا الاجتماع بعد التوصّل إلى اتفاق بين الكونغو وحركة (23 مارس) المدعومة من رواندا يُعدّ خطوة لافتة في سياق النزاع، لكنه لا يعني بالضرورة أننا أمام مسار سلام شامل بالمعنى الكامل للكلمة، فالاتفاق مع الحركة يشير إلى تقدم جزئي ومحدود في معالجة أحد أوجه الصراع، لكن لا يغلق كل ملفات النزاع المفتوحة والمعقدة في شرق الكونغو».

ونبه إلى أن «حركة 23 مارس ليست الفاعل الوحيد في المشهد، بل هي واحدة من عشرات الجماعات المسلحة التي تنشط في المنطقة، بعضها يتلقى دعماً من أطراف خارجية، وبعضها ينخرط في صراعات محلية تغذيها الانقسامات الإثنية والتنافس على الموارد»، مؤكداً أن «التفاهم مع هذه الحركة يُعدّ اختراقاً مرحليّاً لا أكثر، ما لم يتبعه مسار شامل يشمل بقية الجماعات والجهات المتورطة».


مقالات ذات صلة

إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

أفريقيا عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)

إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

تبادل البلدان الاتهامات بعدما أثارت تقارير عن توغل قوات إريترية - نفتها إريتريا ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق منها بشكل مستقل.

«الشرق الأوسط» (أسمرة - أديس أبابا)
أفريقيا عناصر من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

ما التحركات الإثيوبية المحتملة إثر تزايد التوتر مع إريتريا؟

تبادلت إثيوبيا وإريتريا، الجمعة، الاتهامات بشنّ «حرب عدوانية»، في وقت يهدّد النزاع المتصاعد بين الجيش الإثيوبي ومتمرّدي تيغراي بالتحوّل إلى حرب إقليمية.

محمد محمود (القاهرة) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف «إنشاء ترتيبات جديدة» للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي: حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به

جددت مصر تمسكها بحقها في نهر النيل، وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن «حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به»، في وقت صعَّدت فيه إثيوبيا لهجتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا عناصر من «قوة السلام» التابعة للحكومة الفيدرالية خلال دورية في الشارع بعاصمة تيغراي ميكيلي (أ.ف.ب)

تجهيز إثيوبي لإدارة جديدة في تيغراي

تتجه الحكومة الفيدرالية الإثيوبية لتأسيس إدارة جديدة في إقليم تيغراي ضمن تحركاتها لمواجهة الجبهة المعارضة لحكومة آبي أحمد بالإقليم الذي يشهد نزاعاً جديداً

محمد محمود (القاهرة )

حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

حذّر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، من أن انتشار الميليشيات والقوات الموازية خارج مؤسسات الدولة يهدد وحدة السودان ويحوّله إلى مناطق نفوذ متنازعة، مؤكداً ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون وبناء جيش وطني موحد.

وقال مناوي، الذي يتزعم «حركة تحرير السودان»، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الجيش يمتلك اليد العليا في الميدان، وإن ميزان القوى يميل لمصلحته، رغم استمرار الكرّ والفرّ، وأوضح أن «القوة المشتركة» التي ينتسب إليها، تقاتل بالتنسيق مع القوات المسلحة، بينما يتطلب استكمال الترتيبات الأمنية إصلاح المؤسسات ودمج القوات وإعادة هيكلتها.

وربط مناوي أي هدنة مقبلة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تكريس الانقسام، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي حتى تتوافر ظروف تضمن مشاركة السودانيين بحرية وتكافؤ. كما حذّر من قيام سلطات موازية، وشدّد على صون سيادة البلاد ووحدتها في مواجهة التدخلات الخارجية والمصالح الإقليمية.

ودعا مناوي إلى معالجات تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته، مؤكداً أن الحرب اتسعت وتداخلت أطرافها، ولم تعد مجرد مواجهة بين قيادتين عسكريتين. واستشهد بتجارب النزاعات في الصحراء وليبيا واليمن والصومال، محذراً من هدنة تثبّت نتائج الحرب وتكرّس الانقسام، بدلاً من حماية المدنيين واستعادة الأمن والاستقرار للبلاد.


حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

رفض حاكم إقليم دارفور، مَنِّي أركو مناوي، إنشاء ميليشيات أو قوات «دروع» خارج مؤسسات الدولة، محذراً من أن تعدد التشكيلات العسكرية وتحول القبائل إلى قوى مسلحة مستقلة يهددان وحدة السودان ويكرّسان تنازع مناطق النفوذ. وربط، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أي هدنة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تثبيت الانقسام الذي فرضته الحرب، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي الجاري حالياً، حتى تتوافر ظروف تتيح للسودانيين المشاركة بحرية وتكافؤ.

وقال مناوي إن بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة يمثل أساساً لاستقرار البلاد، وإن الترتيبات الأمنية لا تقتصر على دمج القوات وتسريحها، بل تشمل إصلاح المؤسسات العسكرية والشرطية وإعادة هيكلتها. وفيما رأى أن ميزان القوى الميداني يميل لمصلحة الجيش، حذّر من اختزال الحرب في صراع بين قيادتين عسكريتين، مؤكداً أن اتساعها وتداخل أطرافها وأبعادها الإقليمية يفرضان معالجة تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته.

السلاح ومؤسسات الدولة

وشدد مناوي على ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون والمؤسسات الوطنية المختصة، قائلاً: «لا نؤيد إنشاء ميليشيات أو قوات دروع تحت أي مسمى خارج المنظومة الرسمية. فالدولة التي لا يحتكر فيها الجيش الوطني السلاح المنظم، وتتحول فيها القبائل إلى تشكيلات عسكرية مستقلة، لا يمكن أن تكون دولة مستقرة، بل تصبح أقرب إلى مناطق نفوذ وحواكير متنازعة».

أنصار حاكم دارفور يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك 3 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويرأس مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، (منشقة عن حركة عبد الواحد نور) وهي إحدى أبرز الحركات المكونة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، وتضم أيضاً حركة «العدل والمساواة»، بزعامة وزير المالية جبريل إبراهيم.

وأوضح أن «القوة المشتركة» تعمل بتنسيق وانسجام مع القوات المسلحة في ميادين القتال، رغم عدم اكتمال الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام. وقال إنها رفضت، منذ اندلاع الحرب، ما وصفه بإغراءات قدمتها إليها «قوات الدعم السريع» للانضمام إلى صفوفها، واختارت الوقوف إلى جانب الجيش ضمن المنظومة الوطنية.

وأضاف أن الحرب غيّرت الأوضاع وأخلّت بالترتيبات السابقة، ما يستدعي معالجة الفجوات التي تعترض استكمال المسار الأمني. وشدد على أن هذا المسار يشمل إصلاح المؤسسات الأمنية، ومراجعة منظومتي الكلية الحربية وكلية الشرطة، ووضع أسس واضحة للاستيعاب والتسريح وإعادة الهيكلة، إلى جانب دمج القوات.

وفي تقييمه للوضع الميداني، رأى مناوي أن القوات المسلحة تمتلك اليد العليا عند النظر إلى مجمل التطورات منذ بداية الحرب، رغم ما تشهده المعارك من كرّ وفرّ. وقال إنه سمع، قبل اندلاع القتال بأيام، أن قائد «الدعم السريع» قدّر عدد مقاتليه بنحو 120 ألفاً، معتبراً أن هذه القوات تراجعت منذ ذلك الحين، وفقدت عدداً من القيادات التي كانت تدير عملياتها.

وأضاف: «طبيعة العمليات العسكرية الآن تختلف تماماً عما كانت عليه في بداية الحرب»، معرباً عن اعتقاده بأن ميزان القوى يرجّح كفة الجيش، وأن الحرب ستصل، مهما طال أمدها، إلى نهايتها.

حوار لا يكرّس الأمر الواقع

وفي الملف السياسي، دعا مناوي إلى إرجاء الحوار السوداني حتى تتوافر الظروف التي تضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع، محذراً من أن تتحول تهيئته إلى وسيلة لتكريس الأمر الواقع الذي فرضته الحرب.

وأوضح أن لقاءه لجنة تهيئة الحوار السوداني، الذي عُقد بدعوة منها، تناول طبيعة مهمتها والوجهة التي تسعى إليها، وأن النقاش مع أعضائها لا يزال مستمراً. وقال إنه أبلغ اللجنة بضرورة مراعاة الأوضاع الميدانية والإنسانية، في ظل استمرار سيطرة «قوات الدعم السريع» على مناطق واسعة، وما يواجهه السكان من نزوح ومعاناة تحدّ من قدرتهم على المشاركة السياسية.

وقدّر مناوي عدد سكان دارفور بنحو 12 مليون نسمة، قائلاً إن من تبقوا في مناطقها المختلفة، وفق تقديراته، أقل من مليوني شخص. وأشار إلى نزوح أعداد كبيرة إلى مناطق أخرى، بينها تخوم الخرطوم وأم درمان، بينما يعيش آخرون أوضاعاً تحول دون مشاركتهم الفعلية في النقاشات والتعبير عن آرائهم بحرية.

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

وشدد على الربط بين مساري الحوار الداخلي والخارجي، بما يتيح الاستماع إلى مختلف الآراء والمواقف، مع تفضيله عقد الحوار داخل السودان متى تهيأت الظروف. ورأى أن نجاحه يتطلب بيئة تتوافر فيها مساحة معقولة من الحرية والتكافؤ، بعيداً عن تأثير تفاوت مناطق السيطرة العسكرية.

ضمانات للهدنة ووحدة السودان

وأكد مناوي أنه لا يرفض الهدنة من حيث المبدأ، لكنه يحذّر من تحولها إلى أداة لتثبيت نتائج الحرب وإدامة الانقسام. وقال إن الصراع تجاوز المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي طبعت ساعاته الأولى، بعدما اتسعت المعارك وتداخلت فيها أطراف وقوى متعددة.

وبحسب مناوي، فإن جهود وقف القتال ينبغي أن تتجاوز مصالح القيادات العسكرية إلى حماية المدنيين ومعالجة القضايا التي تهم السودانيين، مستشهداً بتجارب النزاعات في الصحراء الغربية وليبيا واليمن والصومال.

وتوقف عند أوضاع الفاشر، قائلاً إن أعداداً كبيرة من سكانها غادرت المدينة، وإن المدنيين تعرضوا لانتهاكات خطيرة. وطالب بضمانات حقيقية تتيح عودة المواطنين إلى ولايات شمال دارفور وغرب دارفور وجنوب دارفور، وتكفل أمنهم وحمايتهم.

كما أثار مسألة وجود مقاتلين أجانب في صفوف «قوات الدعم السريع»، زاعماً أن نسبتهم تبلغ، وفق تقديراتهم، نحو 60 في المائة، ومطالباً بمعالجة هذه القضية ضمن أي ترتيبات للهدنة.

مستشفى الفاشر إثر إصابته بالمعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (صفحة حاكم دارفور- فيسبوك)

وحذّر من مشروع «تأسيس» وإعلان مؤسسات موازية، معتبراً أن قيام سلطة موازية يهدد بتكريس الانقسام السياسي والمؤسسي ووجود حكومتين في بلد واحد. وشدد على ضرورة توفير ضمانات تحول دون تقسيم السودان بالقوة العسكرية أو بفعل طموحات خارجية.

وقال إن أي تغيير في شكل الدولة أو نظام الحكم يجب أن يستند إلى إرادة شعبية حرة، عبر برلمان منتخب، وإن الهدنة ينبغي أن تكون مدخلاً لحماية المدنيين واستعادة الاستقرار ووحدة البلاد، وألا تصبح غطاءً لإدامة الانقسام.

أبعاد إقليمية وتدخلات خارجية

ورأى مناوي أن الحرب تجاوزت إطارها الداخلي وأصبحت ذات أبعاد إقليمية، بفعل تداخل المصالح والتدخلات الخارجية وحركة المقاتلين والسلاح بين دول المنطقة.

وفي حديثه عن العلاقة مع تشاد، قال إنه يتواصل شخصياً مع عدد من مسؤولي حكومتها، لكن بصورة غير رسمية. واعتبر أن موقف النظام التشادي ربما تأثر بمواقف الدول الراعية أو الداعمة لأطراف الحرب، مع تشديده على التمييز بين الموقف السياسي للحكومة والدور الإنساني الذي أدته تشاد في استقبال اللاجئين السودانيين.

وأضاف أن عجز الدولة السودانية عن بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها وحدودها أتاح مجالاً للتدخلات الخارجية. وقال إن البلاد لا تعيش وضعاً طبيعياً يمكّن حكومة مستقرة من ضبط الحدود والموارد وحماية السيادة، مشيراً إلى ما وصفه بانكشاف المجال الجوي وتحركات الميليشيات عبر الحدود، وارتباط بعضها بدول تدعم أطراف الحرب.

مناوي خلال لقائه أعضاء من الجالية السودانية في موسكو ديسمبر 2024 (صفحته على فيسبوك)

وأكد أن الجهود تتركز على تقليل آثار هذه التدخلات وتجنب تداعياتها، مشدداً على أن مصلحة السودان ووحدته وسيادته يجب أن تشكل أساس التعامل مع المبادرات والضغوط الخارجية.

اتفاق جوبا قابل للمراجعة

وفي شأن اتفاق جوبا للسلام (وقعته الحركات المسلحة عام 2020)، قال مناوي إنه ليس نصاً مقدساً، وإن تعديله أو إلغاءه يظل ممكناً إذا اتفقت الأطراف الموقعة عليه، وفق مقتضيات المصلحة الوطنية.

وأوضح أن تلك الأطراف أصبحت جزءاً من الواقع السياسي والحكومي، وتتحمل مسؤولياتها تجاه البلاد شأنها شأن بقية المكونات. ورفض تصويرها بوصفها مجموعات حصلت على امتيازات خاصة، أو التعامل معها باعتبارها أقل مكانة من غيرها.

وشدد على أن المشاركين في الاتفاق سودانيون يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، وتترتب عليهم واجبات تجاه الدولة، وأنهم جزء من حكومة واحدة ودولة واحدة، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية أو أصحاب حقوق منقوصة.

الإسلاميون وحدود الإقصاء

وعن خلافه السابق مع تحالف «قوى الحرية والتغيير»، قال مناوي إن من أسبابه طريقة التعامل مع حزب «المؤتمر الوطني» (الحكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير) والإسلاميين، موضحاً أنه اعترض على ما وصفه بالاندفاع نحو مهاجمتهم، رغم أنه من أكثر المتضررين منهم.

وأضاف أنه دعا إلى الفصل بين الخلاف السياسي وحقوق المواطنة، معتبراً أن معارضة الإسلاميين لا تبرر تجريد أي سوداني من جنسيته أو مصادرة جواز سفره. وقال إنه فضّل معالجة القضية تدريجياً، والعمل على إنهاء نفوذ التنظيمات التي تهدد التحول الديمقراطي، بدلاً من تبني إقصاء شامل.

وأوضح أن موقفه عرّضه لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، ووصفه بأنه من «الفلول»، لكنه تمسك برأيه. وشدد على أن المرحلة الانتقالية ينبغي ألا تبقى مفتوحة بلا نهاية، بل تفضي إلى انتخابات وحكومة منتخبة ودستور ينظم الحياة السياسية.

وأشار إلى استمرار وجود عناصر «المؤتمر الوطني» داخل الجيش والشرطة والخدمة المدنية، معتبراً أن إنهاء نفوذ الحزب لا يتحقق بمجرد معاداة جميع المنتمين إليه. ودعا إلى إتاحة المشاركة في العملية الانتقالية لكل من لم تصدر بحقه أحكام قضائية، مع إخضاع الجميع للقانون والمساءلة، والاحتكام إلى الدستور والانتخابات لتحديد من يحكم السودان.

المساءلة والحق في العلاج

وفي شأن الرئيس المعزول عمر البشير، فصل مناوي بين المساءلة القضائية والحق في العلاج، مؤكداً أن الوضع القانوني لأي شخص لا يبرر حرمانه من الرعاية الصحية، حتى إذا كان محكوماً عليه ويقضي عقوبة بالسجن.

الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير خلال محاكمته بتهم فساد 31 أغسطس 2019 (رويترز)

وقال إنه سبق أن ناقش مع وزير العدل السابق نصر الدين عبد الباري العقبات التي تحول دون تسليم أشخاص صدرت بحقهم مذكرات توقيف إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأضاف أن الوزير شرح له خمسة عوائق قانونية وإجرائية، إلى جانب مسارات بديلة في حال تعذر التسليم، بينها إنشاء محكمة خاصة وفق القانون.

ورأى مناوي أن المحكمة تواجه تحديات سياسية دولية، في ظل المواقف الأميركية والتحركات المعارضة لها في بعض الدول الأفريقية. لكنه شدد على أن تنفيذ الأحكام القضائية لا يتعارض مع ضمان الحقوق الصحية، وأن البشير، إذا كان يعاني مرضاً يستدعي العلاج، ينبغي أن يتلقى الرعاية اللازمة.


جدل مصري بشأن مسؤولية عبد الناصر عن «نكسة 67»

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

جدل مصري بشأن مسؤولية عبد الناصر عن «نكسة 67»

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - أ.ف.ب)

تجدد الجدل في مصر خلال الساعات الماضية، بشأن مسؤولية الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر عن «نكسة يونيو (حزيران) 1967» بعد تصريحات للإعلامي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري حمّل فيها «القيادة العسكرية» مسؤولية الهزيمة، الأمر الذي فجّر «جدلاً سوشيالياً».

وخلال ظهوره في برنامجه التلفزيوني، مساء الخميس، تحدث بكري عن شهادة نسبها إلى الرئيس الأسبق أنور السادات بعد انتصار أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بشأن تحمّل «القيادة العسكرية» مسؤولية «النكسة» وليس الرئيس عبد الناصر، باعتبار أن السادات كان شاهداً على الوقائع خلال تلك الفترة.

وتفاعل متابعون على مواقع التواصل مع كلام بكري، ورأى رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، أن عبد الناصر مسؤول بصفته «القائد الأعلى للقوات المسلحة» حينها، مؤكداً في تدوينة عبر «إكس»، مساء الجمعة، أن هذا الكلام لن يفيد الرئيس الراحل.

وحسب مراقبين، «شكّلت هزيمة يونيو 1967 جرحاً عميقاً في الذاكرة المصرية والعربية، بعدما احتلت إسرائيل سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والجولان السوري». وقالوا إن «أسئلة قرار الحرب والاستعداد والمحاسبة دائماً حاضرة في النقاش العام، ويصبح تحديد المسؤولية عنها مدخلاً متكرراً للخلاف حول تقييم تجربة عبد الناصر وإرثه السياسي».

ويؤكد المدير الأسبق للشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، الخبير العسكري اللواء سمير فرج، لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن «استحضار دروس الماضي والرغبة في فهم وقراءة التفاصيل كافة بشأن (حرب 67) جعلت هناك اهتماماً لافتاً ليس فقط على مواقع التواصل؛ لكن أيضاً بأرض الواقع».

ويوضح أن الأهم من الاهتمام بالترند على مواقع التواصل الاجتماعي، هو التركيز على الدروس التاريخية المستفادة من كل حدث، وهو ما يعده الأهم عند مناقشة أي حدث تاريخي. ويشير إلى أن «الجيش المصري استطاع تجاوز النكسة وتحقيق انتصار كبير في حرب أكتوبر سُجل ضمن أعظم الانتصارات العسكرية في التاريخ الحديث».

جنود إسرائيليون يحتفلون بعد حرب الأيام الستة 1967 (رويترز)

ويقول أستاذ الإعلام بجامعة العاصمة، محمد فتحي، لـ«الشرق الأوسط» إن «النكسة من القضايا التي لم تُقدَّم إجابات كافية عن أسئلتها في وقتها، مما ترك المجال مفتوحاً أمام صراع السرديات، الذي يدافع فيه كل طرف عن روايته».

ويوضح أن «مواقع التواصل الاجتماعي لا تناقش التاريخ بقدر ما تُذكي الصراعات حوله، لأن مناقشة التاريخ لا تتم بمجرد طرح وجهات النظر عبر المنصات». ويلفت إلى أن اهتمام الجمهور بهذا السجال يرتبط بكونه «معركة استقطابية، يدافع فيها كل طرف عن موقفه، وهو ما يجعل الخلاف حول تقييم الماضي سبباً لاستمرار التفاعل وتبادل الردود».

وحسب فتحي، فإن «المشكلة لا تكمن في كثرة استدعاء التاريخ، وإنما في تحويله إلى معركة لإثبات المواقف، بدلاً من أن يكون فرصة لمراجعتها».

كما يلفت إلى أن «استحضار الوقائع التاريخية يفترض أن يفتح المجال لإعادة النظر في التصورات القائمة، بينما يتحول في مثل هذه السجالات إلى وسيلة لتأكيد المواقف التي يتبناها كل طرف مسبقاً».