هل تحيي زيارة ويتكوف المرتقبة للمنطقة فرص «هدنة غزة»؟

مصر تؤكد أهمية التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار بالقطاع

نازحون فلسطينيون يترقبون طعاماً يوزعه مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يترقبون طعاماً يوزعه مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

هل تحيي زيارة ويتكوف المرتقبة للمنطقة فرص «هدنة غزة»؟

نازحون فلسطينيون يترقبون طعاماً يوزعه مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يترقبون طعاماً يوزعه مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بنهاية أسبوع من تعليق مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، عقب انسحاب أميركي إسرائيلي للتشاور، يعود المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، للمنطقة، في وقتٍ تتعالى فيه الأصوات الدولية بإنهاء الحرب بالقطاع مع اقترابها من عامين.

زيارة ويتكوف، التي بدأت الخميس، بلقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب، سبقتها محادثات مصرية مع واشنطن تحض على أهمية التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار بقطاع غزة.

في حين تتباين تقديرات خبراء، تحدّثوا لـ«الشرق الأوسط» بشأن تلك الزيارة بين احتمال أن تكون بداية لإحياء فرص الهدنة، أو محاولة لتنسيق أميركي إسرائيلي لتصعيد جديد بعيداً عن المفاوضات، وسط غموض موقف «حماس» إزاء الاتفاق.

والتقى ويتكوف، الخميس، نتنياهو؛ في «محاولة لإنقاذ محادثات وقف إطلاق النار في غزة»، غداةَ إرسال إسرائيل رداً على أحدث التعديلات التي أدخلتها «حماس» على مقترحٍ ينصّ على تطبيق هدنة 60 يوماً وإطلاق سراح رهائن مقابل سُجناء فلسطينيين، وفق ما نقلته «رويترز»، دون أن تكشف فحوى الرد.

وذكر موقع «أكسيوس» الأميركي، الأربعاء، أن ويتكوف سوف يسافر إلى إسرائيل؛ لبحث الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، تزامناً مع حديث صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، نقلاً عن مصادر، بأن «حماس» أبلغت الوسطاء بأنها «لن تدخل في مفاوضات حتى يتحسن الوضع الإنساني في غزة».

غير أن القناة الإسرائيلية 12، نقلت، الأربعاء، عن مسؤول إسرائيلي كبير أن السبب الحقيقي وراء زيارة ويتكوف إلى إسرائيل هو «ممارسة الضغط لإبرام صفقة».

بينما لم تُعلّق «حماس» على رد إسرائيل الذي وصل، الأربعاء، غداة مغادرة الوفد المفاوض للحركة الفلسطينية، العاصمة القطرية الدوحة، متوجهاً إلى تركيا بهدف بحث «آخِر التطورات»، بعد تعثر المفاوضات مع إسرائيل حول وقف إطلاق النار في غزة، وفق ما أفاد مسؤول في الحركة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» آنذاك.

تصاعد الدخان في أعقاب غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ومنذ إعلان واشنطن ومكتب نتنياهو الانسحاب من مفاوضات الدوحة بهدف «التشاور»، في 24 يوليو (تموز) الحالي، توالت الأحاديث الأميركية والإسرائيلية، على مدار 6 أيام، عن خطط «بديلة» يتعلق أحدثها باحتلال أراضٍ جديدة في غزة حالَ فشلت المفاوضات، بخلاف التلويح باغتيالات لقادة «حماس» أو مُلاحقاتهم بالعقوبات المالية.

أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أكد أن ويتكوف ذهب إلى إسرائيل لأمرين؛ الأول في إطار مهمة لكشف الوضع الإنساني، خاصة أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيقر مساعدات للقطاع، والثاني مناقشة إسرائيل في خططها الأمنية بشأن القطاع، والتي يطرحها وفد أمني إسرائيلي يوجد حالياً في واشنطن، بينما تثار أحاديث عن احتمال استئناف المفاوضات بالدوحة أو القاهرة، داعياً إلى «عدم المبالغة في مُخرجات زيارة ويتكوف الاستكشافية».

ولا يعتقد فهمي أن «حماس»، التي تزور تركيا وقد تذهب لإيران، جادة في استئناف المفاوضات حالياً أو تضعها في أولوياتها، تزامناً مع أجواء مفاوضات يبدو أن ترمب رفع يده عنها متحركاً نحو خيارات أخرى، مضيفاً: «هناك شواهد تقول إن شيئاً ما سيحدث أمنياً وعسكرياً بتنسيق أميركي إسرائيلي في غزة، وأن زيارة ويتكوف ستار لذلك، ومن ثم سيكون ذلك الحدث المفصلي وليس رد (حماس) أو إسرائيل».

قتلى فلسطينيون جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب قطاع غزة في وقت سابق (أ.ف.ب)

وبعد وصول ويتكوف إلى إسرائيل بقليل، قال الرئيس الأميركي، على منصته «تروث سوشيال»: «أسرع سبيل لإنهاء الأزمة الإنسانية في غزة هو استسلام (حماس) وإطلاق سراح الرهائن»، في ظل تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل لإدخال المساعدات.

السفير الفلسطيني السابق لدى القاهرة، بركات الفرا، أكد أن زيارة ويتكوف قد تكون مرتبطة أكثر بالتوصل لاتفاق هدنة، بجانب تعزيز الشق الإنساني أيضاً، لافتاً إلى أنه على «حماس» تفويت فرصة أي تصعيد إسرائيلي في غزة، وقبول المقترح الذي على الطاولة دون شروطٍ تثير أزمات جديدة.

وقبل وصول ويتكوف إلى إسرائيل، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الموجود في واشنطن، مع المبعوث الأميركي «الجهود الرامية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، ونفاذ المساعدات الإنسانية إلى القطاع دون شروط، وإطلاق سراح عدد من الرهائن والأسرى»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، مساء الأربعاء.

وتبادل الجانبان «الرؤى بالنسبة للجهود المشتركة من الأطراف الضامنة الثلاثة؛ مصر والولايات المتحدة وقطر، في تأمين وقف إطلاق النار من خلال تكثيف الضغوط، بما يسمح بالتوصل إلى الاتفاق في أقرب وقت».

كما أكد عبد العاطي، خلال لقاء، الأربعاء، مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، «ضرورة التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار في غزة، وحقن دماء الشعب الفلسطيني، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع، في ظل ما يعانيه من أوضاع كارثية نتيجة سياسة إسرائيلية ممنهجة للتجويع وأهمية سرعة التعامل مع هذه الأزمة الإنسانية المُلحة»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، الخميس.

فلسطيني يبكي قرب جثث الأطفال المغطاة الذين قُتلوا في غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

ووصل ويتكوف في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية على إسرائيل بشأن غزة، وأعلن مكتب رئيس الوزراء البرتغالي، لويس مونتينيغرو، في بيان، الخميس، أن حكومته ستتشاور مع الرئيس والبرلمان بهدف الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة، في سبتمبر (أيلول) المقبل، وذلك غداة مواقف مماثل أعلنه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في مؤتمر صحافي في أوتاوا، الأربعاء.

ولحقت البرتغال وكندا بموقف مماثل أعلنه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الثلاثاء، بشأن اعتراف بلاده بدولة فلسطين، في تلك الاجتماعات الأممية، سبتمبر المقبل أيضاً، ما لم تقدّم إسرائيل سلسلة التزامات، بما في ذلك وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

وشدّد فهمي على أن الجهود المصرية تتمتع بأكبر قدر من المصداقية، وتتعامل مع كل الأطراف لإنجاح المفاوضات، وسط تلك الضغوط الدولية، لكن المشكلة قد تكون حالياً في «حماس»، «التي تبدو تتلاعب بالمفاوضات»، مضيفاً: «في ظل عدم خروج مقترحات جديدة تُقرب طرفَي الحرب نحو اتفاق قريب بضغوط أميركية، فإن الخيار العسكري في غزة سيكون فرص عودته بشكل أوسع أكبر من الخيار السياسي ونجاح المفاوضات».

وأكد الفرا أن الجهود المصرية والضغوط الدولية قد يكونان سبباً لإحياء المفاوضات، مشدداً على أن المفاوضات لن تصل إلى نتيجة دون ضغط أميركي على إسرائيل لعدم وضع عراقيل جديدة والتوصل لاتفاق قريب.


مقالات ذات صلة

مقتل 10 في غارة إسرائيلية على غزة بينهم قياديون من «حماس» و«الجهاد»

المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

مقتل 10 في غارة إسرائيلية على غزة بينهم قياديون من «حماس» و«الجهاد»

قالت مصادر محلية في غزة اليوم الخميس إن 10 أشخاص على الأقل قتلوا جراء سلسلة غارات إسرائيلية على القطاع، من ​بينهم قيادي بارز في كتائب القسام.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

أظهر رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات، بينما سعت إسرائيل إلى التقليل من خطوة بدء المرحلة الثانية.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ الناشط محمود خليل خريج جامعة كولومبيا (أ.ب)

محكمة استئناف أميركية ترفض قرار الإفراج عن الناشط المؤيد للفلسطينيين محمود خليل

قضت ​محكمة استئناف اتحادية، اليوم (الخميس)، بأن قاضياً لم يكن مختصاً أمر بالإفراج عن ‌خريج ‌جامعة ⁠كولومبيا ​محمود ‌خليل من مركز احتجاز المهاجرين

«الشرق الأوسط» ( فيلادلفيا)
خاص اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس) play-circle

خاص سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

لم يكن أشد المتفائلين بتغيير واقع الحكم في غزة، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس»، ومنها اللواء سامي نسمان.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة ملتقطة في 13 يناير 2026 في مدينة غزة (د.ب.أ)

مقتل فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي في رفح

لقي فلسطينيان حتفهما، ظهر الخميس، برصاص القوات الإسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.


«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
TT

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

قال الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، الدكتور جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات، مشيراً إلى تضرر عدد كبير من المستشفيات، أو خروجها عن الخدمة بالكامل، في ظل تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا، والحصبة، وهو ما يفرض ضغطاً هائلاً على منظومة صحية هشة أصلاً.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في وقت سابق إلى أن ما بين 70 و80 في المائة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة جراء الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

مرضى يتلقون العلاج في مستشفى بمدينة القضارف بشرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح عبد المنعم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المدنيين يواجهون احتياجات ملحّة في مجالات رعاية الأمومة، والطفولة، وعلاج الإصابات، والرضوض، والأمراض المعدية، وسوء التغذية، إضافة إلى الحاجة إلى مياه شرب آمنة، وخدمات الصرف الصحي، والدعم النفسي، ومساعدة الناجين من العنف الجنسي. وأفاد بأن الوصول إلى تقديم الخدمات الصحية لا يزال مقيّداً بشدة بسبب انعدام الأمن، والعقبات البيروقراطية.

وأضاف أنه رغم أن «أطباء بلا حدود» لا تتأثر مباشرة بهذه القيود، فإن منظمات إنسانية أخرى تواجه عائقاً إضافياً يتمثل في محدودية التمويل، وتقليص المساعدات.

كردفان والفاشر

وأشار إلى أن الاستجابة الدولية للنزاع في السودان تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وتراجعاً في الأولويات، وجموداً ناتجاً عن غياب الإرادة السياسية، مؤكداً الحاجة الماسة إلى تمويل عاجل، وضمان وصول آمن إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما في ذلك السكان في بؤر النزاع الحالية بولايات كردفان. ونوّه إلى أن العمل الإنساني مقيّد بإجراءات إدارية معقدة، وغير شفافة من أطراف النزاع، ما يبطئ إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، ويترك المجتمعات من دون الرعاية العاجلة التي تحتاجها.

مستشفى بشائر بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمَّة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وحول الأوضاع في مدينة الفاشر، أفاد المسؤول الدولي بأن بعض الأشخاص الذين نجوا من حصار «قوات الدعم السريع» للمدينة لمدة 500 يوم، ثم سيطرتها عليها لاحقاً، ووصلوا إلى منطقة طويلة على بُعد نحو 60 كيلومتراً، تلقوا الرعاية من فرق «أطباء بلا حدود»، وكانوا في حالة إنهاك شديد، ويعانون من سوء التغذية، والجفاف، فيما أصيب كثيرون بجروح خطيرة، من بينها طلقات نارية متقيّحة. وأضاف أن الناجين أفادوا بأنه خلال رحلات فرارهم شاهدوا جثثاً، وتعرضوا للتعذيب، وعمليات خطف مقابل فدية، والعنف الجنسي، والإهانات، وسُرقت جميع ممتلكاتهم. أما الذين بقوا داخل الفاشر حتى ما قبل 26 أكتوبر (تشرين الأول)، ولم يتمكنوا من الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً، فقد واجهوا عنفاً مفرطاً شمل مجازر، وعمليات تطهير عرقي داخل المدينة، وعلى طرق الفرار منها.

100 حادثة عنف

وأشار عبد المنعم إلى القصف الذي تعرضت له المرافق الصحية، ومقتل مدنيين داخلها، مؤكداً أن أي هجوم، أو عرقلة تستهدف العاملين الصحيين، أو المنشآت الطبية، أو المساعدات الإنسانية تعرّض الأرواح للخطر، وتحرم المجتمعات من الرعاية التي تعتمد عليها. وأوضح أنه منذ أبريل 2023 وثّقت «أطباء بلا حدود» 100 حادثة عنف استهدفت كوادرها ومنشآتها ومركباتها وإمداداتها، شملت نهب وتدمير عيادات، وسرقة أدوية، واعتداءات، وتهديدات للعاملين الصحيين. كما أن تأخير منح التأشيرات، وطول إجراءات التصاريح أو منعها، والتغيّر المستمر في المتطلبات، كلها عوامل تعرقل إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، وتقوّض الاستجابة الطبية في الوقت المناسب. وقال: «نحن لا نرصد خسائر المقاتلين، لكن منذ اندلاع النزاع وثّقت منظمة الصحة العالمية 198 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل أكثر من 170 من العاملين الصحيين، والمرضى، وإصابة أكثر من 400 آخرين». وكان وزير الصحة السوداني، هيثم محمد، قد أشار إلى أن خسائر القطاع الصحي بلغت نحو 11 مليار دولار، مؤكداً أنه مع عودة المواطنين إلى الخرطوم بعد النزوح بسبب الاشتباكات العنيفة، بدأ القطاع الصحي يتعافى تدريجياً من آثار الحرب.


«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
TT

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

أعادت جريمة العثور على «مقبرة جماعية» تضم جثامين 21 مهاجراً من جنسيات أفريقية، إلى أذهان الليبيين ملف الانتهاكات الجسيمة التي طالت «مهاجرين غير نظاميين»، خلال السنوات الماضية.

وتمكّن جهاز الأمن الداخلي، بالتعاون مع أجهزة أمنية أخرى في بنغازي بشرق ليبيا، من اكتشاف «مقبرة جماعية»، الثلاثاء الماضي، والعمل على انتشال الجثث التي تبيَّن أنها «قُتلت بعد تعرضها للاحتجاز والتعذيب داخل مزرعة يستخدمها مهرِّبو البشر سجناً غير شرعي».

ليبيتان تنتحبان بجوار حفرة يقول «اللواء 444 قتال» إنها تضم «مقبرة جماعية» في مقر مملوك للككلي مايو 2025 (من مقطع فيديو بثّه «اللواء»)

وعرفت ليبيا ظاهرة «المقابر الجماعية» على مستويات مختلفة تتعلق أحياناً بالمعارضين على خلفيات سياسية، أو المهاجرين غير النظاميين.

وحفل العام الماضي بالكشف عن عدد من «المقابر الجماعية» التي كانت تضم رفات مهاجرين غير نظاميين. فقد صُدم الليبيون بإعلان العثور على 19 جثة في فبراير (شباط) 2025، كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر.

وكشفت مديرية أمن الواحات بجنوب شرقي ليبيا، حينها، عن العملية التي وصفتها بأنها «شديدة القسوة وتخلو من الإنسانية»، بحضور عناصر من النيابة العامة.

وعقب مقتل عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، داخل معسكر التكبالي في مايو (أيار) 2025، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» المؤقتة بـ«الأمنية المعقدة»، أعلنت الحكومة العثور على «مقبرة جماعية» داخل مقر تابع لنجل الككلي في منطقة أبو سليم بطرابلس، استخرجت منها 10 جثث لرجال ونساء.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن «هذه الجريمة الخطيرة التي ارتُكبت في أجدابيا شرق ليبيا ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية، وتندرج ضمن القضايا ذات الاهتمام لدى المحكمة الجنائية الدولية»، مستغرباً «عدم صدور أي بيان رسمي أو تعليق من حكومة شرق ليبيا أو وزارة داخليتها».

كان جهاز الأمن الداخلي في بنغازي قد قال إنه بعد جمع المعلومات والتأكد من تورط أحد الأشخاص من ذوي السوابق الجنائية، والذي يأوي مهاجرين غير قانونيين، داهمت قوات الأمن المزرعة الخاصة به وقبضت عليه.

وأشار إلى أنه جرى «العثور على عدد من المحتجَزين لديه، وقد تعرضوا لإطلاق نار وهم في حالة صحية سيئة، وجرى نقلهم إلى مستشفى الشهيد أمحمد المقريف المركزي التعليمي في أجدابيا».

وكانت سلطات شرق ليبيا قد تمكنت من القبض على تشكيل عصابي بتهمة «الاتجار بالبشر»، وقالت إنها نجحت في إنقاذ 47 مهاجراً مصرياً كانوا مخطوفين ويتعرضون للتعذيب والابتزاز المادي؛ في حين كشفت تقارير محلية ودولية عن «تدفق واسع» لأعداد المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر ليبيا.

وعمليات خطف المهاجرين غير النظاميين والاتجار بهم متكررة في ليبيا؛ ومن وقت إلى آخر تعلن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها ضبط تشكيلات عصابية و«تحرير» عشرات الضحايا من براثنها.

سوريون عائدون من طرابلس إلى بلادهم (وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» المؤقتة)

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس، مساء الأربعاء، ترحيل مجموعة من اللاجئين السوريين إلى بلادهم من خلال رحلة عبر مطار معيتيقة الدولي، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المعمول بها.

غير أن الحقوقي الليبي لملوم قال إن «رحلة السوريين الذين عادوا طوعاً إلى ديارهم شملت أكثر من 100 شخص، جُلّهم كانوا مقيمين في ليبيا منذ سنوات ومسجّلين لدى مفوضية اللاجئين، التي تكفلت بنفقات وتنظيم الرحلة».

وأشارت الوزارة إلى أنها تُواصل تنفيذ برنامجها الوطني بوتيرة منتظمة، كما ستستمر في هذه الرحلات الطوعية للسوريين خلال هذه السنة، بما يضمن معالجة هذا الملف بصورة منهجية وفعّالة، ووفقاً للإطار القانوني والإنساني المعتمد.