ليبيا تدعو لتفادي «أخطاء الماضي» عند طرح «خريطة طريق» أممية

مندوبها الدائم بحث مع غوتيريش ضرورة منع أي «تدخلات خارجية»

تيتيه خلال اجتماع رؤساء مجموعات العمل التابعة لـ«عملية برلين» بشأن ليبيا (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع رؤساء مجموعات العمل التابعة لـ«عملية برلين» بشأن ليبيا (البعثة الأممية)
TT

ليبيا تدعو لتفادي «أخطاء الماضي» عند طرح «خريطة طريق» أممية

تيتيه خلال اجتماع رؤساء مجموعات العمل التابعة لـ«عملية برلين» بشأن ليبيا (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع رؤساء مجموعات العمل التابعة لـ«عملية برلين» بشأن ليبيا (البعثة الأممية)

استبَقَت ليبيا طرح الأمم المتحدة «خريطة طريق» أمام مجلس الأمن الدولي، لتدعو، على لسان مندوبها الدائم، إلى ضرورة تفادي «الأخطاء، التي ارتُكبت في الماضي»، وعطّلت المسار الديمقراطي.

غويتريش ملتقياً مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة طاهر السني (صفحة السني على «إكس»)

وقال طاهر السني، مندوب ليبيا الدائم لدى «الأمم المتحدة»، الخميس، إنه التقى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لبحث آخِر التطورات في ليبيا، وكذلك التحديات التي تُواجه المسار السياسي، والأوضاع الأمنية والاقتصادية الراهنة.

وأوضح السني، عبر حسابه على منصة «إكس»، أن اجتماعه مع غوتيريش «جاء قبيل إطلاق الخطة، التي يتوقع أن تعلنها (الأمم المتحدة)، منتصف أغسطس (آب)، عبر الممثلة الخاصة للأمين العام». وقال إنه أطلع غويتريش على «رؤيتنا لتفادي الأخطاء التي ارتُكبت في الماضي، وأدت إلى حلول هشة أطالت أمد الأزمة الليبية»، مؤكداً أهمية «إنهاء جميع المراحل الانتقالية، ودعم تطلعات الشعب الليبي في إجراء انتخابات وطنية، في أقرب وقت ممكن».

كما شدد السني على أن الانتخابات «يجب أن تكون وسيلة لا غاية في حد ذاتها؛ لوضع أسس دولة مستقرة وذات سيادة»، مشيراً إلى أنه جدد تأكيد ضرورة أن يكون «المسار ليبياً خالصاً، مملوكاً لإرادة الليبيين أنفسهم؛ مع تأكيد أهمية إيجاد آلية حوار شاملة تجمع الأطراف السياسية الرئيسية... ويجب أن يجري هذا المسار دون أي تدخلات خارجية، وأن يستند إلى جدول زمني واضح، ونتائج محددة بدقة».

ونقل مندوب ليبيا عن غويتريش أنه «جدّد التزامه الشخصي بمتابعة الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا من كثب، والحفاظ على التواصل المباشر والدائم مع الممثلة الخاصة». كما أعرب غوتيريش عن عزمه «دعم إرادة الشعب الليبي لتجاوز حالة الجمود الراهنة»، مؤكداً أنه سيكثّف تواصله مع الدول المعنية «لوضع حد لتدخلاتها السلبية، وحثّها على دعم المسار السياسي المرتقب، وتحقيق الاستقرار الدائم في ليبيا».

يشار إلى أن ليبيا فشلت في عقد انتخابات عامة، بنهاية عام 2021.

تيتيه خلال اجتماع رؤساء مجموعات العمل التابعة لـ«عملية برلين» بشأن ليبيا (البعثة الأممية)

يأتي ذلك بينما ترأست المبعوثة الأممية هانه تيتيه مع السفير الألماني رالف طراف، اجتماعاً لرؤساء مجموعات العمل التابعة لـ(عملية برلين)، بهدف مواصلة الجهود الرامية إلى إعادة تنشيط العملية السياسية، مع التركيز على مجموعات العمل الأربع (الاقتصادية والأمنية والسياسية، والقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان).

وقالت البعثة، الخميس، إن اجتماع رؤساء (مجموعة العمل) جاء استناداً إلى الاجتماع الأخير لكبار المسؤولين للجنةِ المتابعة الدولية بشأن ليبيا، المنعقد في 20 يونيو (حزيران) الماضي. وأوضحت أن المشاركين أجروا «مناقشات صريحة، واستعرضوا الإنجازات والدروس المستفادة، منذ إنشاء مجموعات العمل عقب (مؤتمريْ برلين) بشأن ليبيا عاميْ 2020 و2021»، مُبرزة أن المناقشات ركزت على سُبل «إبقاء مجموعات العمل أكثر مرونة وفعالية في التكيف مع الظروف المتغيرة على الأرض في ليبيا، وكيفية تحسين تنسيق جهودها؛ دعماً للمسار السياسي، الذي تُيسّره بعثة الأمم المتحدة».

جانب من اجتماع رؤساء مجموعات العمل التابعة لـ«عملية برلين» بشأن ليبيا (البعثة الأممية)

ورأت تيتيه، وفقاً للبعثة، أنه «بالنظر إلى التحديات المتعددة، التي نواجهها جميعاً نتيجة التداخل القائم بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية وحقوق الإنسان في ليبيا، فإن الأمر يتطلب التزاماً جماعياً من المجتمع الدولي دعماً للجهود الليبية».

وقبيل توجه تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي، ذكّرت البعثة الأممية بالخيارات التي سبق أن طرحتها اللجنة الاستشارية لإجراء انتخابات في ليبيا.

كانت اللجنة الاستشارية قد أوصت بتفاوض البعثة على اتفاق سياسي مع الأطراف القائمة لتشكيل «حكومة جديدة موحدة»، للإشراف على الانتخابات، على أن يجري انتخاب مجلسيْ نواب وشيوخ جديدين.

وأوضحت اللجنة أن مجلس الشيوخ المنتخب سيعتمد دستوراً دائماً، خلال فترة ولايته الممتدة لأربع سنوات. ويجب أن يُقرّ هذا الدستور بأغلبية الثلثين، على أن تُجرى بعد ذلك انتخابات رئاسية، وفقاً للدستور الجديد الدائم.

كما أوضحت اللجنة أنه لتجنب تمديد الفترة الانتقالية، تُحدد مدة ولاية البرلمان بأربع سنوات، مشددة على أنه «لا يمكن للبرلمان تغيير مدة هذه الفترة، أو إجراء أي تغييرات أخرى على الترتيبات الانتقالية المنصوص عليها في الدستور المؤقت».

اجتماع مجموعة دعم مكافحة الألغام في ليبيا بمدينة طرابلس (البعثة الأممية)

وفي شأنٍ يتعلق بجهود البعثة بشأن التخلص من المتفجرات في ليبيا، قالت البعثة إنها اجتمعت مع الحكومة الإيطالية والشركاء الدوليين، في أول اجتماع لمجموعة دعم مكافحة الألغام في ليبيا بطرابلس، مشيرة إلى أنه «ركز على تعزيز حماية الشعب الليبي من مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة».

ويهدف الاجتماع، وفق البعثة، إلى «تعزيز التنسيق بين الدول المانحة، وتسهيل النقاش حول أنشطة مكافحة الألغام، وتسليط الضوء على فجوات التمويل الحرجة، والاحتياجات ذات الأولوية لتنسيق الدعم المقدّم في هذا المجال بشكل أفضل».

وقالت تيتيه: إن دعم مكافحة الألغام في ليبيا «لا يقتصر على الإزالة، بل يشمل الحماية والكرامة والأمل»، مضيفة: «ما لا يستطيع الليبيون تحمُّله هو المزيد من التلوث، والمزيد من الخسائر، والمزيد من الخوف... ليبيا بحاجة إلى الاستقرار، وليس إلى المزيد من المخاطر المتفجرة».


مقالات ذات صلة

تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

شمال افريقيا حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)

تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

من دون توضيح أي تفاصيل بشأنها، قال المشير خليفة حفتر إن «رؤية 2030» لتطوير القوات المسلحة «ليست محطة نهائية، بل بداية مرحلة أكثر طموحاً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حماد رئيس حكومة شرق ليبيا خلال كلمة متلفزة الأربعاء (الحكومة المكلفة من مجلس النواب)

دعوة حماد للدبيبة إلى «الحوار أو المغادرة معاً» تُبقي الأزمة الليبية معلّقة

قال أسامة حماد، رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان الليبي: «أوجه دعوة صادقة وأخوية لنفسي وللدبيبة بتغليب المصلحة العامة ومغادرة المشهد، بدلاً من تبادل الاتهامات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال افتتاح مجمع «عيادات اقزير» بمصراتة 18 فبراير (مكتب الدبيبة)

تباينات ليبية بشأن «خطة» الدبيبة لإصلاح القطاع الصحي

تباينت ردود الفعل في ليبيا حيال إطلاق رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، استراتيجية «100 يوم» لأولويات إصلاح قطاع الصحة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

البعثة الأممية تقربفشل وساطتها في ليبيا

أقرت هانا تيتيه، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أنسميل» الممثلة الخاصة للأمين العام أنطونيو غوتيريش، بفشل الوساطة التي تقودها بين مجلس النواب والمجلس.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

مجلس الأمن يبحث «خريطة ليبيا»... نقطة تحول أم فرصة أخرى للأفرقاء؟

استعرضت مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن، الأربعاء، مسارات ومآلات «خريطة الطريق» التي أقرها المجلس في أغسطس الماضي لحل الأزمة.

علاء حموده (القاهرة )

اتهام أممي لـ«الدعم السريع» بالإبادة الجماعية في الفاشر

النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اتهام أممي لـ«الدعم السريع» بالإبادة الجماعية في الفاشر

النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور نتيجة معارك سابقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

نددت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، أمس، بوقوع «أعمال إبادة جماعية» في مدينة الفاشر السودانية التي شهدت فظائع كثيرة منذ سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وخلصت البعثة التابعة للأمم المتحدة في تقرير، إلى أن «نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من النمط المنهجي الذي تتبعه (قوات الدعم السريع)» في هذه المدينة الواقعة في إقليم دارفور غرب السودان.

وتزامناً مع ذلك، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على ثلاثة من قادة «الدعم السريع» بسبب انتهاكاتهم في الفاشر. وقالت الوزارة إن هؤلاء الأفراد متورطون في حصار الفاشر الذي استمر 18 شهراً قبل سيطرتهم على المدينة.


الحكم على نائب تونسي بالسجن ثمانية أشهر لانتقاده الرئيس قيس سعيّد

الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
TT

الحكم على نائب تونسي بالسجن ثمانية أشهر لانتقاده الرئيس قيس سعيّد

الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)
الرئيس التونسي قيس سعيّد (رويترز)

أصدرت محكمة تونسية الخميس حكما بالسجن ثمانية أشهر على النائب في البرلمان أحمد سعيداني لانتقاده الرئيس قيس سعيّد على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الفيضانات الأخيرة في البلاد، وفق ما أفادت وسائل إعلام محلية.

وأوقف سعيداني في وقت سابق من هذا الشهر بعد نشره على «فيسبوك» منشورا علّق فيه على اجتماع سعيّد بوزيرين إثر هطول أمطار استثنائية نجمت عنها سيول ألحقت أضرارا في البنى التحتية في أنحاء مختلفة من تونس «الرئيس قرر توسيع اختصاصه رسميا إلى الطرقات والمواسير على ما يبدو اللقب الجديد سيكون القائد الاعلى للصرف الصحي وتصريف مياه الامطار».

وقال محامي سعيداني، حسام الدين بن عطية، لوكالة الصحافة الفرنسية إن موكله يُحاكم بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات الذي يعاقب بالسجن مدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين وبغرامة بمئة إلى ألف دينار (نحو 300 يورو) «كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات».

وقُتل خمسة أشخاص على الأقل ولا يزال آخرون مفقودين بعدما شهدت تونس الشهر الماضي أمطارا قياسية منذ أكثر من 70 عاما.


إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)

في حي الحتانة داخل أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، افترش حسن بشير وجيرانه بساطاً وضعوا عليه أطباقاً من الطعام عند غروب الشمس، ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك منذ بدء الحرب قبل نحو 3 سنوات.

عاد بشير (53 عاماً) إلى السودان قبل بضعة أشهر بعد أن هُجّر منه بسبب الحرب. ويعبّر عن فرحته باستعادة تقليد توقّف جراء الحرب المشتعلة في البلاد بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

يقول بشير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم أكن هنا في رمضان الماضي، ولكنني كنت موجوداً خلال رمضان الذي سبقه حين كانت الحرب مشتعلة».

ويضيف: «اليوم ذهبت إلى سوق أم درمان لشراء الحاجيات (لإعداد الطعام)... بعد ما شاهدته خلال الحرب، لم أكن أتوقع أن تعود الأمور إلى طبيعتها بهذه الصورة».

في اليوم الأول من شهر الصوم المبارك، يتشارك بشير إفطاره مع رجال من أكثر من 10 أسر يرتدون «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة، وتتوزّع بينهم أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ»، وهو مشروب يصنعه السودانيون في رمضان المبارك من دقيق الذرة.

وتمزّق المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، وانتشار المجاعة في بعض المناطق، وتدمير المدن والبنية التحتية.

توزعت أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ» بالإفطار الجماعي في أم درمان (أ.ف.ب)

وكانت الخرطوم، التي تشمل مناطق أم درمان وبحري، مركزاً للحرب طيلة عامين، وعاد إليها الهدوء منذ سيطر عليها الجيش في مارس (آذار) الماضي؛ مما فتح الباب أمام عودة بطيئة للحياة وسط المباني المهدمة وأطلال الحرب.

ويقول عبد القادر عمر، الذي كان يعمل في التجارة، إنه عاد إلى منزله في أم درمان بعدما نزح 3 مرات إلى ولايات سنار والنيل الأبيض والجزيرة وفقد عمله في سوق أم درمان.

ويضيف: «لم يكن هنا أكثر من أسرتين خلال رمضان الماضي. اليوم؛ نحن 13 أسرة تتناول طعام الإفطار معاً، وهذا في شارع واحد فقط داخل الحي».

وينتشر الخروج إلى الشارع للإفطار الجماعي أمام المنازل في جميع مناطق السودان، إذ تأتي كل أسرة بطعامها ويجلس الجيران معاً على بساط يتشاركونه كما يتشاركون الطعام والشراب.

غير أن عمر يُذكّر بأنه «صحيح السلع متوافرة، لكن الأسعار مقابل الدخل تجعل الوضع صعباً». ويؤكد بشير كذلك ارتفاع الأسعار، إلا إن «السودانيين يساعد بعضهم بعضاً عن طريق التكايا (المطابخ العامة) وغيرها».

وأدت الحرب إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي كان هشّا بالفعل، مع معدّلات تضخّم تجاوزت نسبة مائة في المائة.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً؛ إذ انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب، إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

الوضع اختلف

في السوق المركزية بالخرطوم، يعرض الباعة الخضراوات والفواكه في أكياس صغيرة؛ إذ لا تستطيع الأسر تحمّل تكلفة الكميات الكبيرة.

ويقول محمد، أحد الباعة في سوق الخرطوم المركزية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر؛ المؤن والعمالة والنقل».

رغم ذلك، فإن عمر لا يخفي سعادته بالعودة إلى منزله بعد أن «هجرناه مدة طويلة. ولكن حين عدنا وجدنا المكان آمناً والناس عادوا إلى بيوتهم».

أما عثمان الجندي، وهو صحافي، فلم يغادر أم درمان طيلة فترة الحرب. ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوضع اختلف تماماً مقارنة برمضان عام 2025». ويضيف: «شارعنا هذا كانت فيه أسرتان فقط، والآن هنا 16 عائلة».

ارتدى السودانيون المشاركون بالإفطار الجماعي في أم درمان «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة (أ.ف.ب)

ويتذكر نميري الشيخ طه أنه في الأعوام السابقة في أم درمان «كنا نجلس متوجسين؛ قد يأتينا رصاص طائش أو تقع دانة (طلقة مدفع) حتى داخل المنازل. لقد أصابت المدفعية منزل جيراننا».

على مسافة نحو 400 كيلومتر جنوب غربي الخرطوم، لا تزال مدن كردفان تشهد معارك دامية، ويكثَّف القصف بالطائرات المسيّرة التي يقتل بعضها العشرات في هجوم واحد. ومع ذلك، فإن السودانيين افترشوا الأرض أمام منازلهم لتناول الإفطار معاً.

ويقول أحمد بلة، الذي يسكن حي البترول في الأبيّض؛ عاصمة شمال كردفان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف: «نحن 17 أسرة اعتدنا تناول الإفطار معاً في رمضان الكريم، واليوم لم يتخلّف أحد منّا رغم الأوضاع الأمنية وهجمات المسيّرات من وقت لآخر».

وتحاول «قوات الدعم السريع» إعادة تطويق الأبيض منذ كسر الجيش حصاراً طويلاً عليها في فبراير (شباط) 2025.

ويتنازع الطرفان، في معارك ضارية بشمال كردفان، السيطرةَ على محور رئيسي لطرق الإمداد الحيوية بين شرق البلاد وغربها يمرّ بالأُبيّض.

في جنوب كردفان، حيث يستمر القصف العنيف، أعلنت أداة «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، التي تضم حكومات ووكالات دولية، المجاعة في العاصمة كادوقلي التي كانت تحاصرها «قوات الدعم السريع» حتى بداية الشهر الحالي، وحذّرت من ظروف مشابهة في الدلنج بالولاية ذاتها.

ويواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي نحو نصف عدد سكان السودان، مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق الأمم المتحدة.