الاتحاد الأوروبي يواجه ردود فعل حادّة بشأن اتفاق التجارة مع الولايات المتحدة

فرنسا عدته «يوماً أسود»... وألمانيا رأت أنه يجنّب تصعيداً

 ترمب يصافح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال لقائهما (رويترز)
ترمب يصافح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال لقائهما (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه ردود فعل حادّة بشأن اتفاق التجارة مع الولايات المتحدة

 ترمب يصافح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال لقائهما (رويترز)
ترمب يصافح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال لقائهما (رويترز)

واجه الاتحاد الأوروبي ردود فعل عنيفة بسبب اتفاق التجارة الذي توصل إليه مع الولايات المتحدة، والذي ينص على زيادة بنسبة 15 في المائة في الرسوم الجمركية على الكثير من صادرات الاتحاد -بما في ذلك السيارات والأدوية وأشباه الموصلات- و50 في المائة على الصلب والألمنيوم.

وكتب رئيس الوزراء الفرنسي، فرنسوا بايرو، على مواقع التواصل الاجتماعي: «إنه يوم أسود عندما يقرر تحالف من الشعوب الحرة، مجتمعاً لتأكيد قيمه والدفاع عن مصالحه، الخضوع».

جاءت انتقادات بايرو بعد أشهر من الدعوات الفرنسية لمفاوضي الاتحاد الأوروبي لاتخاذ موقف أكثر صرامة ضد الرئيس دونالد ترمب من خلال التهديد باتخاذ تدابير متبادلة -وهو موقف يتناقض مع النهج الأكثر تصالحية الذي اتبعته ألمانيا وإيطاليا.

وبموجب الاتفاق الذي أُبرم يوم الأحد، ستُفرض رسوم جمركية بنسبة 15 في المائة على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك السيارات والأدوية. كما وافق الاتحاد الأوروبي على إنفاق مئات المليارات من الدولارات على منتجات الطاقة والأسلحة الأميركية. ورغم أن الاتفاق يرفع التعريفات الجمركية، قال المستثمرون إنه ساعد أيضاً على تقليل حالة عدم اليقين بشأن التجارة التي طاردت الأسواق منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «يوم التحرير» في أوائل أبريل (نيسان).

وقال الوزير الفرنسي المنتدب للشؤون الأوروبية بنجامان حداد، الاثنين، إن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول الرسوم الجمركية على المنتجات الأوروبية، يوفر «استقراراً مؤقتاً» لكنه «غير متوازن».

وتناقضت الانتقادات الفرنسية رفيعة المستوى، وصمت الرئيس إيمانويل ماكرون منذ توقيع الاتفاقية بين ترمب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، مع رد الفعل الأكثر اعتدالاً من برلين وروما. وأقرّ وزراء الحكومة الفرنسية بأن الاتفاقية تحمل بعض المزايا -بما في ذلك إعفاءات لقطاعات مثل المشروبات الروحية والفضاء- لكنهم قالوا إنها لا تزال غير متوازنة بشكلٍ أساسي.

وقال وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي، بنيامين حداد، على منصة «إكس»: «هذا الوضع غير مُرضٍ ولا يمكن أن يستمر»، وحثّ الاتحاد الأوروبي على تفعيل ما تُسمى بآليته لمكافحة الإكراه، التي من شأنها أن تسمح باتخاذ إجراءات انتقامية غير جمركية.

وانتقد وزير التجارة لوران سان مارتن تعامل الاتحاد الأوروبي مع المفاوضات، قائلاً إنه ما كان ينبغي على الاتحاد الامتناع عن الرد، فيما وصفه بصراع على السلطة بدأه ترمب. وقال لإذاعة «فرنس إنتر»: «لا يفهم دونالد ترمب إلا القوة». وأضاف: «كان من الأفضل الرد بإظهار قدرتنا على الرد مبكراً. وكان من الممكن أن تبدو الصفقة مختلفة على الأرجح».

كان ماكرون قد صرّح بأنه ينبغي على الاتحاد الأوروبي الرد بالمثل إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على سلع الاتحاد الأوروبي، وتطبيق إجراءات مماثلة على واردات الولايات المتحدة إلى الاتحاد، خصوصاً على الخدمات، التي تتمتع فيها الولايات المتحدة بفائض مع الاتحاد الأوروبي.

موقف ألماني - إيطالي ليّن

لكن الموقف الأكثر ليونة الذي دعا إليه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، اللذان تعتمد دولتاهما أكثر من فرنسا على الصادرات إلى الولايات المتحدة، ساد. فقد اعتبر المستشار الألماني الاتفاق أنه «يجنب تصعيداً غير ضروري في العلاقات التجارية عبر الأطلسي». وقال في بيان: «لقد تمكنّا بذلك من الحفاظ على مصالحنا الأساسية، رغم أنني كنت آمل أن أرى المزيد من التسهيلات في التجارة عبر الأطلسي. والولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري لألمانيا».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز)

وأضاف ميرتس: «يساعد هذا الاتفاق على تجنب نزاع تجاري كان من شأنه أن يؤثر بشدة على الاقتصاد الألماني»، معرباً عن ارتياحه، خصوصاً بشأن قطاع صناعة السيارات «حيث سيتم خفض الرسوم الجمركية الحالية البالغة 27.5 في المائة إلى النصف تقريباً، لتغدو 15 في المائة».

وتابع زعيم أكبر اقتصاد في أوروبا: «في هذا المجال على وجه التحديد يكتسب الخفض السريع للرسوم الجمركية أهمية قصوى».

أما وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل، فرأى أن التوصل إلى حل تفاوضي مع واشنطن «أمر جيد بوصفه خطوة أولى». وأضاف: «سنقوم الآن بتقييم نتائج المفاوضات وأثرها على الاقتصاد والتوظيف في ألمانيا».

في المقابل، حذر اتحاد الصناعات الألمانية، أكبر هيئة صناعية في ألمانيا، من أن الاتفاقية «تسوية غير كافية» تُرسل «إشارة قاتلة» إلى اقتصاد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

من جهتها، رحّبت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، بالتوصل إلى اتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لكنها قالت إنها ستسعى للحصول على مزيد من التفاصيل.

رئيسة وزراء إيطاليا تتحدث خلال افتتاح قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية بمقر اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة في أديس أبابا (رويترز)

تُعدّ إيطاليا من كبرى الدول الأوروبية المُصدّرة إلى الولايات المتحدة، بفائض تجاري يزيد على 40 مليار يورو (46.70 مليار دولار).

وحثّت الحكومة الإيطالية، بقيادة ائتلاف وطني، شركاءها الأوروبيين على تجنب أي صدام مباشر بين ضفتي الأطلسي.

وفي بيان لها، قالت ميلوني إن الاتفاق «يضمن الاستقرار»، مضيفةً أن نسبة الـ15 في المائة «قابلة للاستدامة، خصوصاً إذا لم تُضف هذه النسبة إلى الرسوم الجمركية السابقة، كما كان مُخططاً لها في الأصل». وأضافت أن «عدداً من العناصر مفقودة»، في إشارةٍ إلى تفاصيل رئيسية حول «قطاعات حساسة بشكل خاص»، مثل صناعة الأدوية وصناعة السيارات.

أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، فقال: «أُقدّر الجهود التي تبذلها المفوضية الأوروبية، وأُقدّر الموقف البنّاء والتفاوضي لرئيس المفوضية الأوروبية. على أي حال، أدعم هذه الاتفاقية التجارية، لكنني أفعل ذلك دون حماس».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، قال من جهته: «هذه ليس اتفاقاً... تناول دونالد ترمب وجبة الإفطار مع فون دير لاين، وهذا ما حدث، وكنا نتوقع حدوث ذلك، فالرئيس الأميركي يتمتع بثقل كبير في المفاوضات، بينما السيدة الرئيسة ضعيفة».

وأصدر المكتب الصحافي لرئيس الوزراء الروماني إيلي بولوجان، بياناً جاء فيه: «يُشيد رئيس الوزراء إيلي بولوجان بالتوصل إلى اتفاق تجاري، ويرى أنه فأل خير... إنه يُزيل حالة عدم الوضوح الحالية التي تسببت في اضطرابات وعدم يقين في العلاقات التجارية عبر الأطلسي».

ورأى رئيس الوزراء الفنلندي، بيتري أوربو :«يوفر الاتفاق قدرةً على التنبؤ، وهي في أمسّ الحاجة إليها، للاقتصاد العالمي والشركات الفنلندية. يجب مواصلة العمل على إزالة الحواجز التجارية. فالتجارة الحرة عبر الأطلسي وحدها هي التي تعود بالنفع الأكبر على كلا الجانبين».

فيما قال وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكي راسموسن: «لن تكون ظروف التجارة جيدة كما كانت من قبل، وهذا ليس خيارنا، ولكن يجب إيجاد توازن يُسهم في استقرار الوضع ويُرضي الطرفين».

ورأى وزير التجارة السويدي، بنيامين دوسا، أن «هذا الاتفاق لا يُغني أحداً، ولكنه قد يكون البديل الأقل سوءاً. ما يبدو إيجابياً بالنسبة إلى السويد، بناءً على تقييم أوَّلي، هو أن الاتفاق يُتيح قدراً من القدرة على التنبؤ». فيما أشار وزير التجارة الآيرلندي، سيمون هاريس، إلى أن الاتفاق «يوفر قدراً من اليقين الذي تشتد الحاجة إليه للشركات الآيرلندية والأوروبية والأميركية، التي تمثل معاً أكثر العلاقات التجارية تكاملاً في العالم. في حين تأسف آيرلندا لإدراج التعريفة الجمركية الأساسية البالغة 15 في المائة في الاتفاق، من المهم أن يكون لدينا الآن يقين أكبر بشأن أسس العلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو أمر أساسي للوظائف والنمو والاستثمار».

في المقابل، قال المفوض التجاري الأوروبي إن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يُعيد الاستقرار ويفتح الباب أمام التعاون.

ظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيون في بورصة فرنكفورت بألمانيا (إ.ب.أ)

الأسواق

وعقب الاتفاق، ارتفعت الأسهم الأوروبية يوم الاثنين، إلى أعلى مستوى لها في أربعة أشهر. وارتفع مؤشر «ستوكس أوروبا 600» بنسبة 1 في المائة في التعاملات المبكرة، بينما ارتفع مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.9 في المائة، ومؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 1.2 في المائة.

مع ذلك، تراجع اليورو مع استيعاب المستثمرين للتفاصيل المبكرة لاتفاق تجاري يُبقي على رسوم جمركية مرتفعة على معظم سلع الاتحاد الأوروبي.


مقالات ذات صلة

الذهب عند ذروته التاريخية... كيف يقتنص المستثمرون الفرص وما يحرك الأسعار؟

الاقتصاد سبائك ذهبية جاهزة للختم في مصفاة «إيه بي سي» بأستراليا (رويترز)

الذهب عند ذروته التاريخية... كيف يقتنص المستثمرون الفرص وما يحرك الأسعار؟

قفزت أسعار الذهب متجاوزة حاجز 4600 دولار للأونصة التاريخي يوم الاثنين، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتوقعات بتبني الولايات المتحدة سياسة نقدية تيسيرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد علما الهند والولايات المتحدة في خلفية مجسمين لشخصين يحملان حاسبين محمولين (رويترز)

الهند والولايات المتحدة تتفقان على مكالمة تجارية في 13 يناير

قال سيرجيو غور، السفير الأميركي المُعيَّن حديثاً في نيودلهي، يوم الاثنين، إن الهند والولايات المتحدة ستناقشان قضايا التجارة في مكالمتهما القادمة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك يلوح بيده لدى وصوله إلى البيت الأبيض، 4 يناير 2026 (إ ب أ)

بسبب «مكالمة لم تتم مع»... لوتنيك يكشف سر تعثر اتفاق التجارة مع الهند

قال وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك إن اتفاقية التجارة بين الهند والولايات المتحدة تأخَّرت بسبب عدم إجراء رئيس الوزراء ناريندرا مودي مكالمة هاتفية مع ترمب.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

ارتفاع الدولار بانتظار «تقرير الوظائف» وقرار «المحكمة العليا الأميركية»

واصل الدولار الأميركي ارتفاعه، يوم الجمعة، في تعاملات آسيوية هادئة، مع ترقُّب المستثمرين صدور تقرير الوظائف الأميركية واستعدادهم لقرار مرتقب من المحكمة العليا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد العَلم الأميركي يرفرف فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

انخفاض العجز التجاري الأميركي في أكتوبر لأدنى مستوى منذ 2009

سجَّل العجز التجاري الأميركي انخفاضاً حاداً في أكتوبر (تشرين الأول)، مُسجِّلاً أدنى مستوى له منذ منتصف عام 2009، في ظل تراجع واردات السلع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
TT

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)

كشفت مصادر مطلعة لـ«أكسيوس» أن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أعرب للرئيس دونالد ترمب، في اتصال هاتفي متأخر يوم الأحد، عن امتعاضه الشديد من التحقيق الفيدرالي الذي يستهدف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، محذراً من أن هذه الخطوة «تسببت في فوضى» قد تعصف بالاستقرار المالي.

اضطراب الأسواق وردود الفعل

ولم تتأخر تداعيات هذه المخاوف؛ إذ شهدت الأسواق، يوم الاثنين، تراجعاً في قيمة الدولار، بينما ارتفعت عوائد السندات وأسعار الذهب، وسط قلق المستثمرين من التدخل السياسي في استقلالية البنك المركزي.

وفي تصعيد غير مسبوق، خرج باول في بيان فيديو نادر ليلة الأحد، نافياً ارتكاب أي مخالفات فيما يتعلق بتكاليف ترميم مقر البنك في واشنطن. واتهم باول إدارة ترمب بـ«تسييس وزارة العدل» انتقاماً منه لعدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة التي طلبها الرئيس، قائلاً: «التهديد بالملاحقة الجنائية هو نتيجة لعملنا بناءً على مصلحة الجمهور لا تفضيلات الرئيس».

«تحرك منفرد» وصدع في الإدارة

وتشير التقارير إلى أن مكتب المدعية العامة في واشنطن، جانين بيرو، أطلق التحقيق دون إخطار مسبق لوزارة الخزانة أو كبار المسؤولين في البيت الأبيض أو حتى القيادة المركزية لوزارة العدل. ووصف مصدر بالإدارة تحرك بيرو بأنه «خروج عن النص».

من جانبه، حاول ترمب النأي بنفسه عن تفاصيل التحقيق، مصرحاً لشبكة «إن بي سي»: «لا أعرف شيئاً عن مذكرات الاستدعاء»، لكنه لم يترك الفرصة دون مهاجمة باول، قائلاً: «إنه ليس جيداً في إدارة الفيدرالي، وليس جيداً في تشييد المباني».

كواليس «مارالاغو» وأصابع الاتهام

وتتجه الأنظار داخل الإدارة إلى بيل بولت، مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان؛ حيث يعتقد مسؤولون أنه كان المحرك وراء دفع وزارة العدل لفتح هذا التحقيق. ورغم نفي بولت هذه المزاعم، تشير المصادر إلى أن «الضوء الأخضر» لبيرو قد يكون جاء نتيجة اجتماع عُقد الأسبوع الماضي بين ترمب وبولت في نادي «مارالاغو».

العواقب السياسية

لقد أدى هذا التحقيق إلى نتائج عكسية لما كانت تخطط له الإدارة؛ فبينما كان بيسنت يأمل في استقالة باول مبكراً لإفساح المجال لمرشح جديد، يرى مراقبون أن باول بات الآن «أكثر تمسكاً بمنصبه» للدفاع عن نفسه.

وعلى الصعيد البرلماني، أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس، العضو البارز في لجنة الخدمات المصرفية، اعتزامه عرقلة أي إجراء لتعيين بديل لباول طالما استمر هذا التحقيق، مشككاً في مصداقية وزارة العدل.


رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
TT

رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)

أصدر جميع رؤساء البنوك المركزية الأميركية السابقين الأحياء بياناً مشتركاً ينتقدون فيه التحقيق الجنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، قائلين يوم الاثنين، إن خطوة وزارة العدل «لا مكان لها» في البلاد.

وجاء في البيان، الذي وقّعه أيضاً قادة اقتصاديون أميركيون سابقون آخرون: «إن التحقيق الجنائي المزعوم مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول هو محاولة غير مسبوقة لاستخدام الهجمات القضائية لتقويض استقلاليته».

وفي هذا الوقت، أعلنت السيناتورة ليزا موركوفسكي، دعمها خطة زميلها الجمهوري توم تيليس، لعرقلة مرشحي الرئيس دونالد ترمب لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، وذلك بعد أن هددت وزارة العدل بتوجيه اتهامات إلى باول.

وكتبت موركوفسكي على منصة «إكس»: «المخاطر جسيمة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها: إذا فقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، فسيتأثر استقرار أسواقنا والاقتصاد ككل».

وتُعد موركوفسكي من قلة من الجمهوريين المقربين من ترمب الذين أبدوا استعدادهم للتصويت ضد رغباته في مجلس الشيوخ في بعض الأحيان، حيث يتمتع حزبه بأغلبية 53-47.

وقالت النائبة عن ولاية ألاسكا إنها تحدثت في وقت سابق من يوم الاثنين، مع باول، الذي صرّح، يوم الأحد، بأن البنك المركزي الأميركي تلقى مذكرات استدعاء الأسبوع الماضي، وصفها بأنها «ذريعة» تستهدف بدلاً من ذلك تحديد أسعار الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي» بناءً على السياسة النقدية وليس بناءً على تفضيلات ترمب.

ووصفت موركوفسكي تهديد وزارة العدل بأنه «ليس أكثر من محاولة إكراه»، مضيفةً أنه ينبغي على الكونغرس التحقيق مع الوزارة إذا كان يعتقد أن التحقيق مع «الاحتياطي الفيدرالي» كان مبرراً بشأن تجاوزات تكاليف التجديد، التي وصفتها بأنها «ليست غير مألوفة».

من جانبه، دعا السيناتور الأميركي كيفن كرامر، العضو الجمهوري في لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ والناقد لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، إلى إنهاء سريع للتحقيق الفيدرالي مع رئيس البنك المركزي، مشيراً إلى الحاجة إلى استعادة الثقة بالمؤسسة.


قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

أبدت «وول ستريت» قلقاً، يوم الاثنين، مع تصاعد التوترات بين البيت الأبيض و«الاحتياطي الفيدرالي»، وهما مؤسستان في واشنطن اعتاد المستثمرون اعتبار استقلاليتهما أمراً مفروغاً منه.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة عن أعلى مستوى له على الإطلاق، بينما ارتفعت أسعار الذهب وغيرها من الاستثمارات التي عادةً ما تحقق أداءً جيداً في أوقات القلق، كما تراجع الدولار الأميركي مقابل اليورو والفرنك السويسري وعملات أخرى، وسط مخاوف من احتمال تراجع استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في تحديد أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، وفق «وكالة أسوشيتد برس».

كما انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 432 نقطة، أو 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما بقي مؤشر «ناسداك» المركب دون تغيير يُذكر.

وتأتي هذه التحركات في الأسواق المالية بعد أن استدعت وزارة العدل الأميركية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مهددة بتوجيه اتهامات جنائية لرئيسه جيروم باول بشأن شهادته حول أعمال التجديد الجارية في مقرّ المجلس.

وفي بيان مصوّر نُشر، يوم الأحد، وصف باول التحقيق بأنه «ذريعة» تهدف إلى ممارسة مزيد من النفوذ على أسعار الفائدة التي يسعى الرئيس ترمب إلى خفضها بشكل كبير، مؤكداً أن تحديد أسعار الفائدة يتم «بناءً على أفضل تقييم لدينا لما يخدم المصلحة العامة، وليس اتباعاً لرغبات الرئيس».

وفي مقابلة مع قناة «إن بي سي نيوز» يوم الأحد، أصر الرئيس ترمب على أنه لم يكن على علم بالتحقيق الجاري مع باول، وقال عند سؤاله عن احتمال أن يكون الهدف الضغط على باول: «لا، لم يخطر ببالي مجرد القيام بذلك بهذه الطريقة».

وتنتهي ولاية باول رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو (أيار) المقبل، وقد أشار مسؤولون في إدارة ترمب إلى احتمال تعيين بديل له هذا الشهر. كما سعى ترمب إلى إقالة ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.

ويشهد المجلس خلافاً حاداً مع البيت الأبيض حول أسعار الفائدة؛ إذ كثيراً ما دعا ترمب إلى خفضها بشكل كبير لجعل الاقتراض أرخص للأسر والشركات الأميركية، ما قد يمنح الاقتصاد دفعة قوية.

وقد خفض «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الرئيسي ثلاث مرات، العام الماضي، وأشار إلى إمكانية المزيد من التخفيضات هذا العام، إلا أن وتيرة خفضه كانت بطيئة؛ ما دفع ترمب لإطلاق لقب «فات الأوان» على باول.

ويعمل «الاحتياطي الفيدرالي» تقليدياً بشكل مستقل عن الأجهزة السياسية في واشنطن، ويتخذ قراراته بشأن أسعار الفائدة دون الخضوع للأهواء السياسية؛ ما يمنحه حرية اتخاذ إجراءات غير شعبية ضرورية لصحة الاقتصاد على المدى الطويل، مثل الإبقاء على أسعار مرتفعة للسيطرة على التضخم.

وفي «وول ستريت»، تكبدت أسهم الشركات المالية بعضاً من أكبر الخسائر بعد مسعى منفصل من ترمب لفرض سقف بنسبة 10 في المائة على أسعار بطاقات الائتمان لمدة عام؛ ما قد يقلص أرباح شركات بطاقات الائتمان.

وانخفض سهم «كابيتال وان فاينانشال» بنسبة 6 في المائة، وخسر سهم «أميركان إكسبريس» 4 في المائة.

وفي سوق السندات، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.19 في المائة من 4.18 في المائة في نهاية، يوم الجمعة.

على الصعيد العالمي، ارتفعت مؤشرات الأسهم في معظم أنحاء أوروبا، وقفزت الأسهم بنسبة 1.4 في المائة في هونغ كونغ و1.1 في المائة في شنغهاي، مسجلةً اثنين من أكبر المكاسب العالمية، عقب تقارير تفيد بأن القادة الصينيين يعدّون المزيد من الدعم للاقتصاد.