الحكومة المصرية تعوّل على «رأس الحكمة» لجذب الاستثمار الأجنبي

مدبولي شدد على سرعة تنفيذ مشروعات الساحل الشمالي

جولة مصطفى مدبولي بالساحل الشمالي الغربي شهدت افتتاح مجمعات صناعية (الحكومة المصرية)
جولة مصطفى مدبولي بالساحل الشمالي الغربي شهدت افتتاح مجمعات صناعية (الحكومة المصرية)
TT

الحكومة المصرية تعوّل على «رأس الحكمة» لجذب الاستثمار الأجنبي

جولة مصطفى مدبولي بالساحل الشمالي الغربي شهدت افتتاح مجمعات صناعية (الحكومة المصرية)
جولة مصطفى مدبولي بالساحل الشمالي الغربي شهدت افتتاح مجمعات صناعية (الحكومة المصرية)

بينما شدد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، السبت، على ضرورة الإسراع في تنفيذ مشروعات الساحل الشمالي الغربي للبلاد، ومن أبرزها مشروع «رأس الحكمة» الجاري تنفيذه بشراكة إماراتية، يرى خبراء أن «مصر تعوّل على هذا المشروع لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وإعمار منطقة الساحل الشمالي الغربي، وتحويلها من منطقة موسمية لمنطقة سياحية سكنية تنموية بمنظور عالمي تعمل طوال العام».

وقام مدبولي، السبت، بجولة في منطقة الساحل الشمالي الغربيّ، تفقد خلالها المشروعات التنموية والخدمية بمدينة العلمين الجديدة، ثم توجه إلى منطقة «رأس الحكمة» لتفقد المشروعات الجاري تنفيذها بها، ومنها إلى منطقة الضبعة لتفقد موقف تنفيذ التجمع العمراني غرب الضبعة، بحسب بيان صادر عن مجلس الوزراء المصري.

وخلال الجولة عقد مدبولي اجتماعاً موسعاً بمقر جهاز مدينة رأس الحكمة الجديدة، قصد متابعة الموقف التنفيذي لمشروعي «مدينة رأس الحكمة الجديدة» و«شمس الحكمة»، واستمع إلى شرح القائمين على المشروعين بشأن ما تم فيهما حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك متابعة دورية من الرئيس عبد الفتاح السيسي لمشروعات تنمية الساحل الشمالي الغربي، وأن هناك توجيهاً منه بضرورة الإسراع في تنفيذ المشروعات ومتابعتها دوريّاً لضمان خروجها بالشكل الأمثل، بما يساهم في تطوير الأصول، وتعظيم الاستفادة منها، مع تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وذلك في إطار تحويل منطقة الساحل الشمالي الغربي إلى مقصد دائم، وقبلة للسكن والاستثمار على مدار العام، وليس موسماً صيفياً فقط.

الرئيسان عبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد خلال تدشين مشروع «رأس الحكمة» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (الرئاسة المصرية)

وقال عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع»، الدكتور أحمد أبو علي، إن «هناك إدراكاً عميقاً من الدولة المصرية لأهمية مشروع رأس الحكمة، كمحرك استراتيجي للنمو الاقتصادي والتحول العمراني المستدام، باعتبار أنه ليس مشروعاً عقارياً ترفيهياً تقليدياً، بل يمثل أحد أكبر المشروعات القومية، الهادفة إلى إعادة تعريف الساحل الشمالي الغربي كمركز اقتصادي عالمي متكامل، يرتكز على مفهوم (التوطين التنموي)، وليس الاستخدام الموسمي المؤقت».

وأوضح أبو علي أن المشروع «يساهم في تحقيق أحد الأهداف الكبرى للدولة المصرية، المتمثل في تحريك الكتلة السكانية من الدلتا إلى الغرب، وهو توجه استراتيجي يدعم الأمن القومي والعمران الذكي، ومقاومة آثار التغير المناخي، كما أنه من المتوقع أن تشغيل مشروع رأس الحكمة سيحقق عوائد اقتصادية ضخمة، سواء من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، أو تنشيط قطاعات المقاولات والسياحة والخدمات، فضلاً عن توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب العائدات المالية من بيع الأراضي وحقوق الانتفاع والخدمات اللوجيستية».

وأضاف أبو علي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا المشروع الاستراتيجي سيضع مصر على خريطة السياحة العالمية والمراكز التجارية والخدمية الكبرى، ويحول الساحل الشمالي إلى منصة اقتصادية مستدامة، تربط بين الداخل المصري والعالم الخارجي، وسيلعب دوراً محورياً في مضاعفة الناتج المحلي من قطاع السياحة العقارية، ورفع حجم الصادرات الخدمية».

منطقة الساحل الشمالي بمصر (الشرق الأوسط)

تجدر الإشارة إلى أن رئيس الحكومة المصرية قال خلال جولته التفقدية إن تطوير أراضي إقليم الساحل الشمالي الغربي «يأتي في ظل العمل على الاستغلال الأمثل للإمكانات والموارد التي يتمتع بها، والتي تتنوع بين موارد سياحية وزراعية وصناعية وغيرها، وهناك بالفعل عدد من التجمعات العمرانية الجديدة لجذب الاستثمارات والسكان إلى هذه المنطقة».

وعدّ الباحث في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السويس، الدكتور محمد البهواشي أن الدولة المصرية «تتعامل مع مشروع رأس الحكمة بوصفه نموذجاً للاستثمار الأجنبي المباشر، ونجاح هذا المشروع وتشغليه سيلعبان دوراً كبيراً في جذب الاستثمارات الأجنبية للبلاد في جميع القطاعات، وليس القطاع العقاري والسياحي فقط، بل أيضاً في مختلف أنحاء الجمهورية، وليس في الساحل الشمالي فقط».

وأوضح البهواشي لـ«الشرق الأوسط» أن جولات رئيس الحكومة وكبار المسؤولين لهذا المشروع والمنطقة عموماً «رسالة واضحة بأن الحكومة المصرية لا تكتفي بوضع الخطط، وتقديم الوعود، بل تتابع التنفيذ ميدانياً، وتُعلي من شأن المشروعات ذات الأولوية القومية، لأن المستثمر الأجنبي يترقب ما سيفسر عنه هذا المشروع، ولهذا فالحكومة المصرية حريصة على إنجاحه للاستفادة من عوائده المرتقبة أولاً، وأيضاً لنهضة المنطقة وجذب الاستثمارات المباشرة للبلاد، بعدّه أضخم مشروع استثمار أجنبي مباشر في تاريخ البلاد».

وأشار البهواشي إلى أن «خطة الحكومة تقوم كذلك على تنفيذ تجمعات عمرانية وحضرية في المنطقة للنهوض بها ككل، وليس فقط الاعتماد على مشروع رأس الحكمة والمشروعات السياحية، بل هناك مشروعات خدمية تؤكد أن الدولة عازمة على تعمير تلك المنطقة، وتحويلها إلى موطن دائم وليس موسمياً».

مصطفى مدبولي يتابع مع المسؤولين الموقف التنيذي لمشروع «رأس الحكمة» (الحكومة المصرية)

ويعد مشروع رأس الحكمة أحد أبرز المشروعات الاستثمارية في مصر، ويمثل شراكة استراتيجية بين مصر والإمارات، وأُعلن عن الصفقة في 23 فبراير (شباط) 2024، ووصفها رئيس الوزراء المصري بأنها «أضخم صفقة استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر».

ويهدف المشروع إلى تطوير مدينة متكاملة على الساحل الشمالي الغربي، بمساحة 170.8 مليون متر مربع، وهي تمتد من الكيلو 170 إلى الكيلو 220 بطريق الساحل الشمالي. ويشمل المشروع أحياء سكنية متنوعة، وفنادق عالمية ومنتجعات سياحية، ومشروعات ترفيهية، ومنطقة حرة للتكنولوجيا والصناعات الخفيفة، وحياً مركزياً للمال والأعمال، بالإضافة إلى مطار دولي جنوب المدينة.

وتتولى تنفيذ المشروع شركة «أبوظبي التنموية القابضة»، بالتعاون مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة المصرية، ويتوقع أن يجذب استثمارات تصل إلى 150 مليار دولار على مدى عمره، مع استثمار مباشر بقيمة 35 مليار دولار خلال عام 2024، تم دفع 24 مليار دولار منها نقداً، و11 مليار دولار وديعة إماراتية في البنك المركزي المصري، بحسب ما أعلنت الحكومة المصرية. (الدولار يساوي 49 جنيهاً في البنوك المصرية).


مقالات ذات صلة

حديث حسام حسن عن «بُعبع أفريقيا» يخطف الاهتمام في مصر

رياضة عربية حسام حسن خلال المؤتمر الصحافي (الاتحاد المصري لكرة القدم)

حديث حسام حسن عن «بُعبع أفريقيا» يخطف الاهتمام في مصر

أثارت تصريحات المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم حسام حسن عقب خروج فريقه من بطولة كأس الأمم الأفريقية ردود فعل متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي

محمد الكفراوي (القاهرة )
شؤون إقليمية القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)

اتصالات مصرية لخفض التصعيد «الأميركي - الإيراني»

دخلت مصر على خط المساعي الإقليمية لخفض التصعيد «الأميركي - الإيراني» بعد أن وصل إلى ذروته خلال الأيام الماضية.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يصافح نظيره الصومالي خلال لقاء بمدينة العليمن في يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)

«صفحات إسرائيلية» تثير ضجة بنشر تصريحات قديمة للسيسي عن الصومال

عدّ مصريون ما جرى تداوله من قبل بعض «الحسابات الإسرائيلية» على مواقع التواصل «محاولة يائسة لإحداث فتنة» بين القاهرة ومقديشو.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

تواجه جماعة «الإخوان» عزلة دولية بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصنيف فروعها في مصر والأردن ولبنان «منظمات إرهابية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)

مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

أكّد السيسي «اعتزاز مصر بعلاقات التعاون الوثيقة والممتدة مع اليابان في مختلف المجالات، ولا سيما التعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.


«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
TT

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

قال الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، الدكتور جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات، مشيراً إلى تضرر عدد كبير من المستشفيات، أو خروجها عن الخدمة بالكامل، في ظل تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا، والحصبة، وهو ما يفرض ضغطاً هائلاً على منظومة صحية هشة أصلاً.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في وقت سابق إلى أن ما بين 70 و80 في المائة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة جراء الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

مرضى يتلقون العلاج في مستشفى بمدينة القضارف بشرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح عبد المنعم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المدنيين يواجهون احتياجات ملحّة في مجالات رعاية الأمومة، والطفولة، وعلاج الإصابات، والرضوض، والأمراض المعدية، وسوء التغذية، إضافة إلى الحاجة إلى مياه شرب آمنة، وخدمات الصرف الصحي، والدعم النفسي، ومساعدة الناجين من العنف الجنسي. وأفاد بأن الوصول إلى تقديم الخدمات الصحية لا يزال مقيّداً بشدة بسبب انعدام الأمن، والعقبات البيروقراطية.

وأضاف أنه رغم أن «أطباء بلا حدود» لا تتأثر مباشرة بهذه القيود، فإن منظمات إنسانية أخرى تواجه عائقاً إضافياً يتمثل في محدودية التمويل، وتقليص المساعدات.

كردفان والفاشر

وأشار إلى أن الاستجابة الدولية للنزاع في السودان تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وتراجعاً في الأولويات، وجموداً ناتجاً عن غياب الإرادة السياسية، مؤكداً الحاجة الماسة إلى تمويل عاجل، وضمان وصول آمن إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما في ذلك السكان في بؤر النزاع الحالية بولايات كردفان. ونوّه إلى أن العمل الإنساني مقيّد بإجراءات إدارية معقدة، وغير شفافة من أطراف النزاع، ما يبطئ إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، ويترك المجتمعات من دون الرعاية العاجلة التي تحتاجها.

مستشفى بشائر بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمَّة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وحول الأوضاع في مدينة الفاشر، أفاد المسؤول الدولي بأن بعض الأشخاص الذين نجوا من حصار «قوات الدعم السريع» للمدينة لمدة 500 يوم، ثم سيطرتها عليها لاحقاً، ووصلوا إلى منطقة طويلة على بُعد نحو 60 كيلومتراً، تلقوا الرعاية من فرق «أطباء بلا حدود»، وكانوا في حالة إنهاك شديد، ويعانون من سوء التغذية، والجفاف، فيما أصيب كثيرون بجروح خطيرة، من بينها طلقات نارية متقيّحة. وأضاف أن الناجين أفادوا بأنه خلال رحلات فرارهم شاهدوا جثثاً، وتعرضوا للتعذيب، وعمليات خطف مقابل فدية، والعنف الجنسي، والإهانات، وسُرقت جميع ممتلكاتهم. أما الذين بقوا داخل الفاشر حتى ما قبل 26 أكتوبر (تشرين الأول)، ولم يتمكنوا من الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً، فقد واجهوا عنفاً مفرطاً شمل مجازر، وعمليات تطهير عرقي داخل المدينة، وعلى طرق الفرار منها.

100 حادثة عنف

وأشار عبد المنعم إلى القصف الذي تعرضت له المرافق الصحية، ومقتل مدنيين داخلها، مؤكداً أن أي هجوم، أو عرقلة تستهدف العاملين الصحيين، أو المنشآت الطبية، أو المساعدات الإنسانية تعرّض الأرواح للخطر، وتحرم المجتمعات من الرعاية التي تعتمد عليها. وأوضح أنه منذ أبريل 2023 وثّقت «أطباء بلا حدود» 100 حادثة عنف استهدفت كوادرها ومنشآتها ومركباتها وإمداداتها، شملت نهب وتدمير عيادات، وسرقة أدوية، واعتداءات، وتهديدات للعاملين الصحيين. كما أن تأخير منح التأشيرات، وطول إجراءات التصاريح أو منعها، والتغيّر المستمر في المتطلبات، كلها عوامل تعرقل إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، وتقوّض الاستجابة الطبية في الوقت المناسب. وقال: «نحن لا نرصد خسائر المقاتلين، لكن منذ اندلاع النزاع وثّقت منظمة الصحة العالمية 198 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل أكثر من 170 من العاملين الصحيين، والمرضى، وإصابة أكثر من 400 آخرين». وكان وزير الصحة السوداني، هيثم محمد، قد أشار إلى أن خسائر القطاع الصحي بلغت نحو 11 مليار دولار، مؤكداً أنه مع عودة المواطنين إلى الخرطوم بعد النزوح بسبب الاشتباكات العنيفة، بدأ القطاع الصحي يتعافى تدريجياً من آثار الحرب.


«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
TT

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

أعادت جريمة العثور على «مقبرة جماعية» تضم جثامين 21 مهاجراً من جنسيات أفريقية، إلى أذهان الليبيين ملف الانتهاكات الجسيمة التي طالت «مهاجرين غير نظاميين»، خلال السنوات الماضية.

وتمكّن جهاز الأمن الداخلي، بالتعاون مع أجهزة أمنية أخرى في بنغازي بشرق ليبيا، من اكتشاف «مقبرة جماعية»، الثلاثاء الماضي، والعمل على انتشال الجثث التي تبيَّن أنها «قُتلت بعد تعرضها للاحتجاز والتعذيب داخل مزرعة يستخدمها مهرِّبو البشر سجناً غير شرعي».

ليبيتان تنتحبان بجوار حفرة يقول «اللواء 444 قتال» إنها تضم «مقبرة جماعية» في مقر مملوك للككلي مايو 2025 (من مقطع فيديو بثّه «اللواء»)

وعرفت ليبيا ظاهرة «المقابر الجماعية» على مستويات مختلفة تتعلق أحياناً بالمعارضين على خلفيات سياسية، أو المهاجرين غير النظاميين.

وحفل العام الماضي بالكشف عن عدد من «المقابر الجماعية» التي كانت تضم رفات مهاجرين غير نظاميين. فقد صُدم الليبيون بإعلان العثور على 19 جثة في فبراير (شباط) 2025، كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر.

وكشفت مديرية أمن الواحات بجنوب شرقي ليبيا، حينها، عن العملية التي وصفتها بأنها «شديدة القسوة وتخلو من الإنسانية»، بحضور عناصر من النيابة العامة.

وعقب مقتل عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، داخل معسكر التكبالي في مايو (أيار) 2025، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» المؤقتة بـ«الأمنية المعقدة»، أعلنت الحكومة العثور على «مقبرة جماعية» داخل مقر تابع لنجل الككلي في منطقة أبو سليم بطرابلس، استخرجت منها 10 جثث لرجال ونساء.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن «هذه الجريمة الخطيرة التي ارتُكبت في أجدابيا شرق ليبيا ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية، وتندرج ضمن القضايا ذات الاهتمام لدى المحكمة الجنائية الدولية»، مستغرباً «عدم صدور أي بيان رسمي أو تعليق من حكومة شرق ليبيا أو وزارة داخليتها».

كان جهاز الأمن الداخلي في بنغازي قد قال إنه بعد جمع المعلومات والتأكد من تورط أحد الأشخاص من ذوي السوابق الجنائية، والذي يأوي مهاجرين غير قانونيين، داهمت قوات الأمن المزرعة الخاصة به وقبضت عليه.

وأشار إلى أنه جرى «العثور على عدد من المحتجَزين لديه، وقد تعرضوا لإطلاق نار وهم في حالة صحية سيئة، وجرى نقلهم إلى مستشفى الشهيد أمحمد المقريف المركزي التعليمي في أجدابيا».

وكانت سلطات شرق ليبيا قد تمكنت من القبض على تشكيل عصابي بتهمة «الاتجار بالبشر»، وقالت إنها نجحت في إنقاذ 47 مهاجراً مصرياً كانوا مخطوفين ويتعرضون للتعذيب والابتزاز المادي؛ في حين كشفت تقارير محلية ودولية عن «تدفق واسع» لأعداد المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر ليبيا.

وعمليات خطف المهاجرين غير النظاميين والاتجار بهم متكررة في ليبيا؛ ومن وقت إلى آخر تعلن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها ضبط تشكيلات عصابية و«تحرير» عشرات الضحايا من براثنها.

سوريون عائدون من طرابلس إلى بلادهم (وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» المؤقتة)

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس، مساء الأربعاء، ترحيل مجموعة من اللاجئين السوريين إلى بلادهم من خلال رحلة عبر مطار معيتيقة الدولي، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المعمول بها.

غير أن الحقوقي الليبي لملوم قال إن «رحلة السوريين الذين عادوا طوعاً إلى ديارهم شملت أكثر من 100 شخص، جُلّهم كانوا مقيمين في ليبيا منذ سنوات ومسجّلين لدى مفوضية اللاجئين، التي تكفلت بنفقات وتنظيم الرحلة».

وأشارت الوزارة إلى أنها تُواصل تنفيذ برنامجها الوطني بوتيرة منتظمة، كما ستستمر في هذه الرحلات الطوعية للسوريين خلال هذه السنة، بما يضمن معالجة هذا الملف بصورة منهجية وفعّالة، ووفقاً للإطار القانوني والإنساني المعتمد.