«المظلّة النووية» الأوروبية... خطوة في مسيرة الألف ميل

صعوبات جدّية أمام استغناء أوروبا عن حماية واشنطن وإيجاد بديل لها

ماكرون وستارمر (أ.ب)
ماكرون وستارمر (أ.ب)
TT

«المظلّة النووية» الأوروبية... خطوة في مسيرة الألف ميل

ماكرون وستارمر (أ.ب)
ماكرون وستارمر (أ.ب)

يُجمع المحلّلون الاستراتيجيون على توصيف المرحلة الراهنة التي تجتازها أوروبا بـ«المفصلية»؛ نظراً للتحديات التي تواجهها، وهي معروفة: حرب أوكرانيا المتواصلة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، وحروب الشرق الأوسط وانعكاساتها على القارة القديمة، وتمرّد «الجنوب الشامل» وسعي قادته لإحداث تغيير في موازين القوى في العالم. غير أن الجانب اللافت أكثر من غيره هو «الضبابية» في العلاقات... أو ما يمكن تسميته «تلاشي اليقين» إزاء السياسة الأميركية منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في بداية العام الحالي.

ما يثير قلق الأوروبيين راهناً ثلاثة أمور: الأول، تغيّر السياق العسكري في أوروبا وخوف الأوروبيين من روسيا ومن طموحاتها، واعتبارهم أن الرئيس فلاديمير بوتين «لن يكتفي» بما سيحصل عليه من أوكرانيا في نهاية المطاف وأن طموحاته الأوروبية تذهب أبعد من ذلك؛ ولذا عليهم التأهب.

والثاني، تذبذب سياسة الإدارة الأميركية إزاء حرب أوكرانيا، وخوفها من أن تشيح واشنطن نظرها عما يحصل شرق أوروبا؛ كي تركز اهتمامها على الصين التي تعتبرها منافسها الاستراتيجي.

والثالث، أن يقرّر الرئيس الأميركي، في لحظة ما، أن الدفاع عن أوروبا مسؤولية الأوروبيين، وبالتالي... يتخلّى عن حلف شمال الأطلسي (ناتو) ويسحب المظلة النووية الأميركية عنهم، وهي المظلة التي تفيأوا ظلها طيلة عقود طويلة؛ الأمر الذي يجعلهم منكشفين أمام ما يعتبرونه «خطراً روسياً». ومن ثم، فهم الآن يجدّون البحث عن «بديل».

المظلة «البديلة» لا يمكن البحث عنها إلا لدى الدولتين النوويتين في أوروبا، وهما فرنسا وبريطانيا. من هنا، فإن زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بريطانيا، والتركيز في جانب منها على التعاون العسكري بين الطرفين، وتحديداً النووي، قد تشكّل انعطافة مهمة وخطوة أولى باتجاه التأسيس لرَدع نووي أوروبي. إلا أن تحقيق مشروع كهذا دونه عقبات كثيرة، أهمها: الانقسامات الأوروبية، وتمسّك دول عديدة في شرق أوروبا وشمالها بالحماية الأميركية التي وفّرت للقارة القديمة، منذ تأسيس «ناتو»، الأمن والسلام.

«إعلان نورثوود» البريطاني - الفرنسي

يمثّل الإعلان المشترك بعنوان «إعلان الجمهورية الفرنسية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وآيرلندا الشمالية بشأن السياسة والتعاون في المجال النووي» حجر الأساس لتعزيز العلاقات الدفاعية بين الطرفين. ولقد جاء في فقرته الأولى، أنه «لا يوجد دليل أقوى على متانة وأهمية علاقتنا الثنائية من رغبتنا في التعاون في هذا المجال البالغ الحساسية».

بيد أن الأهم ورد في الفقرتين الثانية والثالثة؛ إذ جاء في الثانية ما يلي: «تهدف أسلحتنا النووية إلى ردع التهديدات القصوى لأمن بلدينا ومصالحنا الحيوية. قواتنا النووية مستقلة، لكنها قابلة للتنسيق، وتُسهم بشكل كبير في الأمن الشامل للتحالف وفي السلام والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية». ونصّت الفقرة الثالثة على أنه «كما نعلن صراحة منذ عام 1995، أننا لا نتصوّر وجود حالة تُهدّد فيها المصالح الحيوية لأحد بلدينا، فرنسا والمملكة المتحدة، من دون أن تكون المصالح الحيوية للآخر مهددة أيضاً. و(اليوم) تتفّق فرنسا والمملكة المتحدة على أنه لا وجود لتهديد خطير ضد أوروبا لا يستدعي استجابة (رداً) من قبل بلدينا معاً».

يتضمّن الإعلان «المبدئي» نقلة نوعية لجهة التهديدات التي تبرّر لجوء البلدين لاستخدام السلاح النووي. فالعقيدة النووية السابقة التي تربط البلدين تعود إلى عام 1995، التي يتضمنها ما يُسمّى «إعلان تشيكرز» الذي يحصر الضغط على الزر النووي بالدفاع المتبادل بين باريس ولندن. ووفق «إعلان نورثوود»، فإن وظيفة نووي البلدين تذهب أبعد من ذلك؛ لأنه يشير إلى إمكانية اللجوء إلى قوة الردع النووية في حال «وجود تهديدات قصوى لأوروبا».

ولأن الطرفين يعتبران أن «الغموض الاستراتيجي» يُعدّ إحدى أوراق الردع، فإنّهما يمتنعان عن تعريف طبيعة «التهديدات القصوى» التي تستدعي ردّاً نووياً. كذلك، لا يفصح «الإعلان» عن هوية الدول المعنية بهذا الرد: فهل تشمل كل الدول المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي (ناتو)، أي الدول التي تُعدّ «غربيةّ» بالمفهوم السياسي؟

اما الطريق للعمل بـ«العقيدة» النووية الجديدة فيمر بـ«تعميق التعاون والتنسيق النووي» بين الطرفين من خلال «إنشاء مجموعة توجيه نووية فرنسية - بريطانية لضمان التنسيق السياسي لهذا العمل، وهي ستُدار من قِبل رئاسة الجمهورية الفرنسية ومكتب رئيس الوزراء البريطاني، وستضطلع بدور تنسيقي في المجالات الاستراتيجية والقدراتية والعملياتية».

في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده ماكرون مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مساء العاشر من يوليو (تموز)، شدد الأول على أن «الزمن تغيّر» وأن التعاون العسكري بين بريطانيا وفرنسا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار «مواجهة نزاع رئيس في أوروبا خلال السنوات القريبة المقبلة تشارك فيه دول متقدمة»، في إشارة لروسيا.

وتميل باريس، كما جاء في وثيقة «التهديدات الاستراتيجية» التي نُشرت يوم 14 يوليو الحالي، إلى اعتبار أن نزاعاً من هذا النوع يمكن أن يحصل قبل بلوغ عام 2030. وخلاصة الرئيس الفرنسي، أنه «في هذا السياق، يتعين على أوروبا أن تعرف أنها تستطيع الاعتماد على قطب استراتيجي نووي يجمع فرنسا والمملكة المتحدة».

ووصف ماكرون القرارات التي اتُخذت بأنها «جوهرية». واللافت، أنه في إشارته إلى «الاستجابة» المشتركة لـ«التهديد الخطير» لأوروبا، لم يستبعد استخدام السلاح النووي بقوله: «أياً كانت طبيعة هذه الاستجابة». ولأنه يعي أن المعارضة في بلاده، يميناً ويساراً؛ يمكن أن تأخذ عليه تفريطه بالسيادة الفرنسية وبقوة الردع التي تمتلكها، حرص كما في كل مرة يثار فيها هذا الموضوع، إلى التأكيد أن فرنسا وبريطانيا «ستبقيان بلدين مستقلين وذوي سيادة».

المنطلق الفرنسي - البريطاني الأول، أن الضغط على الزرّ النووي يجب أن يبقى «سيادياً»، بمعنى أن يبقى بين يدي السلطات المعنية في البلدين. ووصفت هيلوييز فاييه، الباحثة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية أن ما تحقّق في بريطانيا يُعدّ «خطوة إضافية فعلاً بدرجة غير مسبوقة من التنسيق العسكري والسياسي»، معتبرة أنه «ينسجم مع العقيدة النووية الفرنسية، التي تعتبر أن المصالح الحيوية الفرنسية تتضمن بُعداً أوروبياً».

كذلك، فإنها ترى أنه يتماشى مع العقيدة البريطانية التي «تندرج تقليدياً ضمن إطار الحلف الأطلسي والتعاون مع الولايات المتحدة». وفي أي حال، فإن ماكرون دعا، منذ عام 2020، إلى إطلاق «حوار استراتيجي حول دور الردع النووي الفرنسي في الحفاظ على أمننا الجماعي»، مضيفاً أن «للمصالح الحيوية الفرنسية بعداً أوروبياً». وقبل ماكرون، تطرّق كل الرؤساء الفرنسيين إلى «البعد الأوروبي» للردع النووي الفرنسي.

مظلة واحدة أم مظلتان أميركية وأوروبية؟

من جهة ثانية، في مقال نشرته صحيفة «لوموند» بتاريخ 10 مارس (آذار) الماضي تحت عنوان: «هل حان الوقت لنشر مظلة نووية أوروبية حقيقية فوق أوروبا؟»، ميّز كاتبه الباحث الاستراتيجي الفرنسي برونو لوتيرتريه بين «سيناريوهين»:

السيناريو الأول، سمّاه «الضمانة الإضافية»، التي تفترض بقاء المظلة النووية الأميركية - الأطلسية، وأن يعمد الأوروبيون بالاستناد إلى فرنسا وبريطانيا إلى تطوير مظلة نووية «رديفة»، الغرض منها توفير مزيد من الطمأنة للأوروبيين، ولكن من غير الانقطاع عن الحليف الأميركي ما يمكن أن يعني أيضاً استباق انسحاب أميركي قد يحصل في المستقبل والتأهب لهذا الاحتمال. ومن المعلوم أن الولايات المتحدة تنشر، منذ سنوات، أسلحة نووية في ألمانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، وهولندا وتركيا في إطار ما يسمى «تقاسم الأسلحة النووية». إلا أن مفتاح الاستخدام موجود في واشنطن ولا يمكن الوصول إليه إلا بالحصول على ضوء أخضر أميركي.

أما السيناريو الآخر، فسماه تيرتريه «الضمانة الرئيسة». وهو يتعلّق بانحسار المظلة الأميركي، وحاجة الأوروبيين المطلقة إلى التنسيق فيما بينهم للنظر في كيفية الاستفادة من القدرات النووية الفرنسية والبريطانية وتأمين ورقة ردع نووية ذاتية تتمتع بالمصداقية «في نظر موسكو».

حقيقة الأمر، أن «المظلة» الأوروبية لن ترى النور غداً، وما جاء في الإعلان البريطاني - الفرنسي ليس سوى خطوة في مسار الألف ميل. بل، إذا كان صحيحاً أن العقيدة النووية الفرنسية أشارت منذ ما قبل ماكرون إلى «البعد الأوروبي» لقدرات الردع الفرنسية، فإن ذلك بقي مجرد صيغة إنشائية تتردّد في البيانات والخطب، من دون مضمون جدّي.

إلا أن وصول فريدريتش ميرتس إلى المستشارية في برلين سرّع البحث في هذا المجال. ومنذ ما قبل تسلّمه مهماته رسمياً يوم 6 مايو (أيار) الماضي، طرح ميرتس إشكالية «المظلة» الأوروبية، معرباً عن «انفتاحه» لتوسيع رقعة الحماية النووية الفرنسية - البريطانية. وقال ميرتس في مقابلة صحافية مع إذاعة «دويتشه لاند فونك» يوم 6 مارس الماضي حرفياً: «علينا ببساطة أن نصبح أقوى معاً في مجال الردع النووي في أوروبا؛ إذ إن الوضع العالمي، وخاصة القضايا الأمنية الحالية، يتطلب منّا نحن الأوروبيين أن نناقش هذا الموضوع معاً»، مشدداً على أن النقاشات يجب أن تشمل فرنسا وبريطانيا.

ماكرون يرى أن «الزمن تغيّر» وأن التعاون العسكري بين بريطانيا وفرنسا يجب أن يتحسّب لنزاع كبير في أوروبا خلال سنوات قليلة

ووفق المستشار الألماني الجديد، فإن الغرض من المناقشات هو «معرفة ما إذا كانت ألمانيا قادرة على الاستفادة من المشاركة النووية (مع باريس ولندن) أو على الأقل الحصول على الأمن النووي». بيد أنه حرص على تأكيد أمرين: الأول، أن المظلة الأوروبية «يجب أن تكون مُكملة للمظلة النووية الأميركية التي نرغب بالطبع في الإبقاء عليها». والآخر أن ألمانيا «لن تتمكّن ولن يُسمح لها بامتلاك السلاح النووي». وللتذكير، فإن ألمانيا وقَّعت على معاهدة منع انتشار السلاح النووي. ولكن مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، ثمة أصوات من داخل حزب ميرتس (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) ومن اليمين المتطرف (حزب البديل لألمانيا) تدعو بالفعل إلى أن تمتلك ألمانيا سلاحاً نووياً.

المستشار الألماني ميرتس (آ ف ب)

الجدل الألماني

ولكن لا يتوقّف الاهتمام بالمظلّة الأوروبية عند الحدود الألمانية. إذ إن بولندا، بدورها، مهتمة للغاية. وقال رئيسها أندريه دودا، في تصريح لقناة «إل سي آي» الإخبارية الفرنسية، يوم 6 مارس الماضي، إن بلاده «ترحب» بأن تمتد المظلة الفرنسية النووية لتحمي شركاء أوروبيين، مضيفاً أن «المصالح الحيوية الفرنسية تبدأ في بولندا، كما أنها تمتدّ إلى أوكرانيا». وفي نظره، انفتاح باريس، في هذا السياق، «يعكس إحساساً بالمسؤولية» إزاء حماية أوروبا من اعتداء خارجي. بيد أن النقاش حمي وطيسه في ألمانيا مع كلام يانس سباهن، رئيس مجموعة نواب اليمين الديمقراطي المسيحي في «البوندستاغ»، الذي أثار جدلاً واسعاً بقوله لصحيفة «فيلت أم سانتونغ» في أول يوليو: «يجب علينا أن نناقش موضوع إيجاد مظلة نووية أوروبية مستقلة، ولن ينجح ذلك إلا بقيادة ألمانية». وأردف سباهن: «إذا لم نتمكن من توفير رادع نووي، سنتحول بيدقاً في السياسة العالمية». وخلاصته، أن على ألمانيا «مناقشة مشاركتها ومشاركة أوروبا في الترسانة النووية لفرنسا وبريطانيا. ومع أن ذلك سيكون مكلفاًً، لكن لحمايتنا يتوجب علينا تمويله».

وجاء الرد عليه سريعاً من ميرتس، بعد ذلك بقليل؛ إذ قال الأخير خلال مؤتمر صحافي، في برلين، مع لوك فريدن، رئيس وزراء لوكسمبورغ: «يجب بذل كل جهد ممكن للحفاظ على المشاركة النووية للولايات المتحدة في السنوات، بل في العقود المقبلة». ولمزيد من الإيضاح؛ أضاف أن الغرض «ليس الاستعاضة عن الضمانات التي توفرها الولايات المتحدة بضمانات لأوروبا... وليست هناك مبادرات ملموسة، بل جُلّ ما هو متوافر بعض النقاشات مع الجانب الفرنسي».

المتابعون يدركون أن المسألة النووية بالغة الحساسية في ألمانيا التي تخلّت بموجب المعاهدة المسماة «2 زائد 4» الموقّعة في موسكو، في ديسمبر (كانون الأول) 1990 عن إنتاج وامتلاك أو السيطرة على أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية. وكانت الدول الموقّعة يومذاك: ألمانيا الغربية والشرقية إضافة إلى الدول الحليفة الأربع بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (قبل انهياره). وكان ذلك هو الثمن الذي دفعه الألمان لقبول إعادة توحيد بلادهم. لكن اقتراب الخطر الروسي وانعدام الثقة بديمومة الحماية الأميركية يدفعان الألمان إلى إعادة النظر بوضعهم العسكري والاستراتيجي ويجعلهم يبحثون عن «البديل» مع الإعلان عن تمسكهم بالحماية الأميركية. وجوهر ما يقوله ميرتس عن الحاجة إلى بقاء الالتزام الأميركي أوروبياً «لسنوات وعقود» وجود علامات استفهام جدية حول قيام مظلة نووية أوروبية. إذ ثمة أسئلة تُطرح حول كفاية القوة النووية الفرنسية - البريطانية التي لا يتعدى حجمها الـ525 رأساً نووياً لتشكل قوة ردع فاعلة ولحماية أوروبا أو بعض منها.

فضلاً عن ذلك، فإن القوة البريطانية مرتبطة عضوياً وصناعياً بالولايات المتحدة. وبالتالي، لا تمتلك لندن الحرية الكاملة للتصرف بما تملكه. ثم إن تأسيس قوة أوروبية يفترض انطلاق مناقشات معقدة وصعبة مقرونة بانقسامات داخلية أوروبية بين مَن يروّج للاستقلالية الاستراتيجية ومَن يتمسك بالأهداب الأميركية. وعليه، فالسيناريو المرجّح عنوانه البحث عن مظلة نووية فرنسية - بريطانية «مُكملة» لا «بديلة» فعلية للمظلة الأميركية.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.