عون: لبنان على مفترق مفصلي... ولا عودة إلى لغة الحربhttps://aawsat.com/5168101-%D8%B9%D9%88%D9%86-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%B1%D9%82-%D9%85%D9%81%D8%B5%D9%84%D9%8A-%D9%88%D9%84%D8%A7-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8
عون: لبنان على مفترق مفصلي... ولا عودة إلى لغة الحرب
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ب)
بيروت:«الشرق الأوسط»
TT
بيروت:«الشرق الأوسط»
TT
عون: لبنان على مفترق مفصلي... ولا عودة إلى لغة الحرب
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ب)
أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الخميس، أن لبنان بخير ولا عودة إلى لغة الحرب.
وقال عون، خلال لقائه اليوم مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ومفتي المناطق: «نحن على مفترق طرق مفصلي، وقد يكون مصيرياً، وحدتنا وتعاوننا وتضامننا أساسيون كي نواجه التحديات كافة».
وأضاف: «الخطأ المميت الذي ارتكبه اللبنانيون في السابق هو الاستقواء بالخارج ضد الآخر في الداخل، وشهدنا تبعات هذا الأمر، أنا أريد أن أستقوي بشريكي وأخي في الداخل ضد الخارج كائناً من كان».
وتابع: «نحن باقون لأننا محصنون بوحدتنا، وما من أحد سيأخذنا إلى مكان آخر، ولكل جماعة لبنانية قيمة مضافة تعطيها للبنان»، مضيفاً: «السنة في لبنان يعطون هذا البلد قيمتين كبيرتين الاعتدال في الداخل، وضمانة انتماء لبنان إلى محيطه العربي».
وأعلن أن «لا أحد باستطاعته أن يلغي أحداً في لبنان، وما من أحد له فضل أكثر من أحد فيه، وجميعنا بوحدتنا لنا فضل على لبنان، والمفتي دريان هو مفتي الجمهورية اللبنانية، وليس مفتي السنة فقط، والتنسيق معه قائم على أساس الحفاظ على لبنان».
وقال عون: «طمئنوا اللبنانيين أن لبنان بخير ولا عودة إلى لغة الحرب، وسقفنا جميعاً هو لبنان».
وأضاف: «فتحنا ملف الفساد وأنا سائر به حتى النهاية، لأن مشكلتنا الأساسية في لبنان هي الفساد وعدم المساءلة، والفساد لا يعرف لوناً ولا طائفة ولا مذهباً».
وشدّد المفتي دريان في كلمة بعد اللقاء على أن «لبنان هو أسرة واحدة لا يفرقها أحد، وهذه اللحظة تشكل فرصة متجددة لتأكيد وحدتنا الوطنية، التي تبقى أقوى سلاح في مواجهة أطماع العدو الإسرائيلي».
وأشار إلى أن «إسرائيل هي من خرق وقف إطلاق النار مع لبنان، رغم أن لبنان التزم به بالكامل. وهذا الخرق يشكل انتهاكاً واضحاً يجب أن يدان من الجميع».
وأضاف: «آن الأوان أن يسود صوت الاعتدال، وأن نرفع جميعاً راية الحوار، بعيداً عن الانقسام والتوترات التي لا تخدم إلا أعداء الوطن».
وقال: «جميعنا نلاحظ الجهود الحثيثة التي يبذلها رئيس الجمهورية في الداخل والخارج من أجل تثبيت حضور لبنان عربياً ودولياً، وتأكيد موقعه على الخريطة الدبلوماسية». ولفت المفتي دريان إلى أن «التنسيق بين الرئاسات الثلاث يبقى ضرورياً للحفاظ على استقرار المؤسسات وتفعيل العمل المشترك».
قال الرئيس اللبناني جوزيف عون إنه سيقوم بـ«المستحيل» لوقف الحرب في بلاده، مع مواصلة إسرائيل ضرباتها على لبنان رغم وقف إطلاق النار المعلن مع «حزب الله».
التقى الرئيس اللبناني جوزيف عون سفير لبنان الأسبق لدى الولايات المتحدة، سيمون كرم، الذي سيترأس الوفد المتوجه إلى واشنطن لإجراء مفاوضات مقررة مع إسرائيل.
التين والزيتون في رؤية توماس مانhttps://aawsat.com/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86/5281448-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%8A%D8%AA%D9%88%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3-%D9%85%D8%A7%D9%86
نقع في المجلد الحادي عشر من الأعمال الكاملة للروائي الألماني الكبير توماس مان على نصٍّ بالغ الأهميَّة ظلّ خارج اهتمام الدارسين العرب والمسلمين، بعنوان: (أشجار الحديقة: خطابٌ من أجل أوروبا الجامعة). ويتخذ النصُّ أسطورة شجرتي التين والزيتون مدخلاً إلى نقد تحولات موقع ألمانيا في الفضاء الأوروبي، وما يعتريه من توتر بين خصوصيتها الثقافيَّة العميقة وانخراطها في المشروع الأوروبي الحديث.
ألقى توماس مان هذا النص عام 1930 في برلين أمام جمعية (خطة أوروبا)، قبل أن يعيد توظيف بنيته الرمزية لاحقاً في روايته الكبرى «يوسف وإخوته»، التي صدرت بالعربية سنة 2024 في أربعة مجلدات. ومن أجل التحضير لهذه الرواية، انكبَّ على دراسة التاريخ المصري القديم والأساطير الشرقية حتى غدا مختصّاً فريداً بتلك الموضوعات، إلى درجة أن Jan Assmann خصَّص كتاباً للحديث عن معارف توماس مان ومعالجاته، عنوانه: Thomas Mann und Ägypten: Mythos und Monotheismus in den Josephsromanen.
وعلى الرغم من مرور قرابة قرن على نشر هذا النصِّ/الخطاب، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة؛ إذ لم يُستثمر حتى الآن في ضوء النصِّ القرآني وتأويلاته التراثية الإسلامية.
يبدأ توماس مان خطابه بالقول: «تتكلم الأساطير الشرقيَّة عن شجرتين في حديقة العالم تُنسب إليهما دلالة كونيَّة أساسيَّة ومتعارضة جذرياً. الأولى شجرة الزيتون، التي يُدهن بزيتها الملوك ليحيَوا. فهي شجرة الحياة، المقدسة للشمس؛ فمبدأ الشمس، بما فيه من عقل ورجولة ووضوح، متصل بجوهرها. وما يصدر عنها هو القداسة والعزم والثقة. إنِّها عزاء للشعوب وباعث طمأنينة لها من الألم والمخاوف.
أما الثانية فشجرة التين، المملوءة ثمارها حلاوة، ومن يأكل منها يموت. فهي شجرة الموت، غير أن معناها يمتدُّ أيضاً إلى المعرفة والتمييز والنشاط الجنسي. إنَّها شجرة القمر، المتصلة بعالم قمري ساحر من الليل والخصب والعمق الحسي، وتهب العالم والروح أشياء كثيرة مما لا تدركه بركة شجرة الزيتون الملكية المشرقة.
في ظلِّ التضاد الكوني كما يتجلى في أسطورة هاتين الشجرتين في حديقة العالم، بقي طموح البشريَّة نحو الحقيقة وسعيها إلى غاياتها محكوماً عبر جميع العصور بهذا الانقسام الثنائي، إلى حدٍّ يمكن معه القول: إن التاريخ الفكري نفسه لا يعدو أن يكون سلسلة من الجدل والصراع بين هذين المبدأين المتقابلين»، (انظر: توماس مان، (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 861).
يتابع توماس مان تقريره بأنَّ العالم الغربي بنى جزءاً كبيراً من حضارته على قيم العقل والتنظيم والفعل السياسي وإرادة التقدم. أما ألمانيا فهي، في هذا السياق، تميل إلى تعميق الجانب الداخلي للحياة: التأمل والغموض واللاوعي الإبداعي والانغماس في التجربة الروحيَّة. وهذه الخصوصية ليست سلبية في ذاتها، بل هي مصدر غنى ثقافي وروحي، لكنَّها تصبح مؤذية عندما تنزلق نحو سياسية تغذّي الفاشيَّة واللاعقلانيَّة الجماعيَّة، فتعزل نفسها عن الفضاء الأوروبي المشترك.
بهذا المعنى، يصبح النصُّ دعوةً إلى مصالحة داخليَّة بين ما هو داخلي وما هو خارجي في الإنسان، بين التجربة الفردية العميقة والمسؤوليَّة العامة، بين الفن والسياسة، وبين الحياة كما تُعاش والحياة كما تُنظَّم.
فالتين والزيتون مبدآن متكاملان ومتعارضان في الوقت نفسه. والحضارة الإنسانيَّة تقوم على جدل دائم بين الروح والعقل من جهة، والنفس والليل والرغبة من جهة أخرى. والإنسان يحتاج إلى عالم الزيتون، لكنَّه لا يستطيع أن يعيش من دون عالم التين أيضاً. ومن هنا تأتي الطبيعة التراجيديَّة لرؤية مان، حيث يصبح التوتر بين الليل والنهار جزءاً من بنية الوجود نفسه.
ويبدو جليّاً أن توماس مان يضع هذا البناء الأسطوري منذ البداية ضمن أفقٍ قابلٍ للمقارنة الثقافيَّة والدينيَّة، ولذلك كان من الطبيعي أن يقفز ذهن المسلم إلى إجراء مقارنة بين ثنائيته الرمزيَّة (التين/الزيتون) والسورة القرآنيَّة (التين) وما تراكم حولها من شروح تراثيَّة، في إطار رؤية أوسع لتاريخ الرموز بوصفه حقلاً مشتركاً بين الحضارات، لا ملكيَّة حصريَّة لأيِّ تقليدٍ بعينه.
للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن أن التين والزيتون هما الثمرتان المعروفتان، وهذا ما يرجّحه إمام المفسرين الطبري، ولكن كثيراً من المفسرين، ومنهم ابن تيمية، يذهبون إلى أنَّ التين والزيتون يشيران إلى جغرافيا الوحي والتاريخ المقدَّس. يقول ابن تيمية: «والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين: إقسامٌ منه بالأمكنة الشريفة المعظَّمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداه، وأنزل فيها الكتب الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن». وبهذا تصبح شجرتا التين والزيتون، أو ثمرتاهما، خريطة رمزية لمسار النبوُّة الإبراهيميَّة، حيث تتصل الطبيعة بالوحي، والأرض بالتاريخ الروحي للإنسان، في إطار رؤية توحيديَّة تجعل الكون كله علامات على الهداية الإلهيَّة ووحدة الرسالات السماويَّة.
ونحن هنا أمام تناول رمزي أيضاً لشجرتي التين والزيتون، لكنه لا يظهرهما قوتين متصارعتين علينا أن نجمع ونوفّق بينهما؛ ففي التأويل القرآني يدخلان في قَسَم إلهي واحد يسبق إعلان الحقيقة الوجوديَّة عن الإنسان: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات». فالحقيقة الوجوديَّة حول صراع القوى الكونيَّة لدى توماس مان هي، في القرآن الكريم، حقيقةٌ أخلاقيَّة وروحيَّة تتعلق بمصير الإنسان، وداخل الذات الإنسانيَّة نفسها.
وهكذا يتبدّى الفرق بين مشروعين تأويليين: أحدهما يجعل من الرموز ساحة لصراع حضاري مأساوي بين التين والزيتون، والشمس والقمر، والعقل والليل، والآخر يدمجها في أفق الهداية ووحدة المعنى الكوني.
لقد كان توماس مان النذير العريان الذي نفخ بالبوق في أجواء ألمانيا، منبِّهاً إياها إلى ضرورة التوازن وعدم الانزلاق من عالم الشمس إلى عالم القمر، أو من رمزيَّة الزيتون إلى رمزيَّة التين، حتى لا تهوي في درك النازيَّة المنغمسة في رومانسيتها المظلمة. وهذا ما جعل خطابه يتجاوز التنظير إلى التنبُّؤ التحذيري، لكنّه، في أثناء ذلك، لم يقف عند حدود التأويل الميتافيزيقي؛ إذ سرعان ما تحوّلت الرموز لديه إلى أداة تصنيف للحضارات على الطريقة الاستشراقيَّة الفجّة والتبسيطيَّة المشوِّهة، فنراه يقول في هذا الخطاب:
«ولا شكَّ في أنَّ قارتنا، وكلَّ ما يحمل بصمتها، أي العالم الغربي، منذ أيام الإغريق الذين عبدوا زيوس، ومنذ ظهور المسيحية، قد التزمت في جوهرها، بإيمانها وحياتها الدينيَّة، بالمبدأ الشمسي، عالم قدسية الإرادة والحرية والحكمة والعمل. نعم، إذا كنّا نتحدث هنا عن الوحدة الثقافيَّة لأوروبا والتجربة الأوروبيَّة الحاسمة، التي هي يونانيَّة، فمن الطبيعي أن نستند إلى هذين العنصرين المشتركين، وأن نعتبر الإيمان الروحي الرابط الأوروبي الحقيقي، بينما نُحيل تأليه المبدأ القمري، الأمومي والروحاني السلبي، إلى الشرق، إلى آسيا وطبيعتها الباهتة والهمجيَّة»، (انظر: توماس مان، (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 486).
وهكذا تتحول هذه الثنائيات إلى نموذج لتفسير التوتُّر الحضاري في أوروبا الحديثة، ثم يقترح حلّها بإقامة نوع من التركيب أو المصالحة بين الأضداد داخل وحدة ثقافيَّة أعلى، أما النصُّ القرآني فلا يقدّم هذه الثنائية بوصفها بنية أنطولوجية للعالم أو معادلة رمزية داخل الطبيعة، بل يدرجها ضمن سياق قَسَمي يُحيل إلى معنى توحيدي شامل يتعلق بالإنسان، الكائن المكرّم ابتداءً، ثم الممتحن باختبارٍ أخلاقيٍّ حرٍّ، فيه إمكان السقوط ابتداءً، وإمكان الارتقاء استمراراً وانتهاءً.
إنَّ هذه المقارنات الثقافيَّة قد تُغني أفق القراءة، وتكشف عن تشابكات رمزيَّة إنسانيَّة واسعة، لكنَّها تظلُّ أدواتٍ للفهم لا مصادرَ للمعنى النهائي.
أمَّا سؤال: إلى أي مدى يسمح النصُّ القرآني بأن يُقرأ عبر خرائط رمزيَّة عابرة للثقافات؟ فجوابه يظلُّ مفتوحاً بين حذر مناهج التفسير الكلاسيكيَّة، وخصوبة الدراسة المقارنيَّة.
* باحث سوري
على الرغم من مرور قرابة قرن على نشر نص/ خطاب توماس مان، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة
التناقض محرك العالمhttps://aawsat.com/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86/5281446-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%B6-%D9%85%D8%AD%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85
حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لفظ قانوني في لعبة ذهنية داخل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه، يتحرك عبر صراعات لا تبقى ساكنة، وأن الأمم التي تتعامل مع التناقض بوصفه قدراً نهائياً تسقط في العجز، في حين الأمم التي تحوّله إلى لحظة عبور تخرج من الأزمة أكثر وعياً بقوتها وموقعها. لأنها أدركت أن الأزمة ليست سجناً مغلقاً، بل انكشاف لإمكانات كانت كامنة فيها، وفرصة لاختيار صورة جديدة لذاتها ومستقبلها. ولهذا يُضيف هيغل أن التناقض «ليس نهاية الأمر، بل إنه يلغي نفسه». فالفكر الحقيقي لا يقف عند الصدام، بل يبحث عمّا يتجاوز الصدام.
ولذلك كان هيغل يرفض النظر إلى التناقض بوصفه خطأً في التفكير أو عيباً ينبغي التخلص منه. فالتناقض عنده هو العلامة التي تكشف أن فكرة ما أو نظاماً ما قد بلغ حدوده الداخلية، وأنه لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة نفسها. ولهذا فإن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها عناصر نفيها الخاص. فالدول، والمؤسسات، والأفكار، لا تواجه أزماتها بسبب ضغوط خارجية فقط، بل لأن تناقضاتها الداخلية تدفعها إلى مراجعة نفسها، والبحث عن صورة جديدة لوجودها.
ومن هنا تأتي أهمية ما يُسميه هيغل «الرفع»، أي الحركة التي لا تكتفي بإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، بل تتجاوزهما معاً في مستوى أعلى. فالتاريخ لا يتقدم عبر الانتصار البسيط لأحد الأضداد، وإنما عبر نشوء وضع جديد يستوعب ما كان صحيحاً في الطرفين، ويتجاوز ما كان محدوداً فيهما. ولهذا لم يكن هيغل مفتوناً بالصراع لذاته، بل بما ينتجه الصراع من وعي جديد. فالأمم التي تنجح في تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تعريف موقعها في العالم تخرج من التناقض أقوى مما دخلته، أما الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل فإنها تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف. ومن هنا كان التناقض ليس علامة انهيار بالضرورة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر نضجاً واتساعاً.
الحرب الأميركية الإيرانية، بما حملته من تهديد للممرات البحرية، واضطراب في مصير الطاقة، وتوتر في الخليج، وضعت المنطقة كلها داخل تناقض تاريخي حاد. فمن جهة، هناك مشروع إيراني يقوم على توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وتحويل المنطقة إلى ساحات استنزاف مفتوحة. ومن جهة أخرى، هناك تدخل أميركي لا ينظر إلى المنطقة إلا من زاوية التوازنات الاستراتيجية والمصالح الكبرى. وبين هذين القطبين كان يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مجرد مسرح لصراع الآخرين، وأن تُختزل دولها إلى ردود أفعال متوترة تعيش داخل التناقض دون القدرة على تجاوزه.
لكن الحكماء في السعودية تحركوا بطريقة مختلفة. لم تتعامل السعودية مع الحرب باعتبارها فرصة للانفعال الخطابي، ولا باعتبارها لحظة للاندفاع غير المحسوب، بل بوصفها اختباراً تاريخياً لوعي الدولة بنفسها. فالدول الصغيرة في التاريخ تذوب عادة داخل التناقضات الكبرى، أما الدول التي تمتلك رؤية فتبحث عن موقع يجعلها قادرة على عبور الصراع، لا الارتهان له.
هنا يظهر المعنى العميق لفكرة هيغل. التناقض ليس محطة أخيرة. والخطر الحقيقي ليس وجود الصراع، بل التحول إلى أسير له. المنطقة عاشت عقوداً طويلة داخل ثنائية مرهقة، إما الانخراط الكامل في المحاور، وإما الانهيار تحت ضغطها. أما السعودية الجديدة فبدأت تبحث عن شيء آخر، عن بناء مركز ثقل سياسي واقتصادي يجعلها قادرة على حماية مصالحها دون أن تتحول إلى تابع لهذا الطرف أو ذاك.
ولهذا لم يكن التركيز السعودي منصباً فقط على إدارة الأزمة الأمنية، بل على منع الحرب من ابتلاع المستقبل كله. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تتجه إلى لغة الصواريخ والردود المتبادلة، كانت السعودية تدفع باتجاه تثبيت الاقتصاد، وحماية أسواق الطاقة، واستمرار مشروعات التحول الكبرى، لأن الدولة التي تعيش داخل التناقض وحده تفقد قدرتها على رؤية ما بعده.
إن أخطر ما في الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل إنها تدفع المجتمعات إلى التفكير اللحظي، وتجعلها سجينة الخوف والانفعال. وهنا يمكن فهم جانب من التحول السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تريد أن تُعرّف نفسها فقط عبر موقعها داخل الأزمات، بل عبر مشروعها الخاص. ولهذا أصبح الحديث عن المدن الجديدة، والاستثمار، والتقنية، والسياحة، والثقافة، جزءاً من الأمن القومي نفسه، لا مجرد ملفات منفصلة عنه.
لقد فهمت السعودية أن العالم لا يحترم الدول التي تعيش داخل رد الفعل الدائم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع مستوى التوتر، بل في القدرة على منع التوتر من تدمير الداخل. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الموقف السعودي كان محاولة لتحويل التناقض إلى لحظة إعادة تموضع تاريخي، لا إلى هاوية مفتوحة.
لقد كان بإمكان المنطقة كلها أن تنزلق إلى ما يُشبه ما وصفه هيغل بـ«الليلة السلبية»، أي ذلك الظلام الذي يبتلع المعنى ولا يترك سوى التدمير المتبادل. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يُقال في لحظات الغضب، بل بما يُبنى أثناء هدير العاصفة. ولهذا بدت السعودية أكثر ميلاً إلى تثبيت التوازنات، ومنع الانهيار الشامل، والعمل على إبقاء الخليج فضاءً قابلاً للحياة الاقتصادية والسياسية، لا مجرد جبهة حرب مفتوحة.
إن التفكير في التناقض، وفق المعنى الهيغلي، ليس تمجيداً للصراع، بل رفضٌ لتحويله إلى قدر أبدي. والتاريخ لا يتقدم لأن الحروب تقع فقط، بل لأن بعض الدول تنجح في الخروج من الحروب وهي أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم. وربما كانت هذه هي اللحظة التي سعت السعودية إلى أن تصنعها اليوم؛ أن تتحول من دولة تستهلكها تناقضات المنطقة إلى دولة تُعيد تشكيل معنى المنطقة نفسها.
* كاتب سعودي
الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف
«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.
القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.
الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.
إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة
تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.
هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.
بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.
من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.
لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟
هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.
مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)
أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟
بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.
بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.
سياق تراكمي
المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.
وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.
لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».
هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.
صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة
الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.
ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.
ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.
في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.
لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.
الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات