هل أحب المتنبي أخت سيف الدولة؟

علاقته بالمرأة توزعت بين العشق والتوجس ولوعة الفقدان

هل أحب المتنبي أخت سيف الدولة؟
TT

هل أحب المتنبي أخت سيف الدولة؟

هل أحب المتنبي أخت سيف الدولة؟

لم يحدث أن حَظِي شاعرٌ عربيٌّ، قديم أو معاصر، بما حظي به المتنبي من عناية واهتمام. لا بل إن ذينك العناية والاهتمام لم يقتصرا على الدارسين والمشتغلين بالنقد وحدهم، بل إن دائرة المحتفين بالشاعر وإرثه الإبداعي، قد بلغت من الاتساع بما يشمل معظم الناطقين بلغة الضاد في الأصقاع العربية المترامية. إلا أن تعقب الكثيرين، بمن فيهم المنافسون والحساد، لتفاصيل سيرة الشاعر، لم يحل دون بقاء الجوانب العاطفية والعشقية من حياته، في دائرة الإبهام والغموض المحير.

وإذا كان في سيرة المتنبي وشعره ما يثبت ولعه بصليل السيوف وشهوة السلطة والحكم، أكثر من المغامرات المتصلة بالمرأة والعشق وملذات الجسد، كمثل قوله «ولا تحسبنّ المجد زقّاً وقينةً، فما المجد إلا السيف والفتْكةُ البكْرُ »، أو قوله «تروقُ بني الدنيا عجائبُها ولي فؤادٌ ببِيض الهند لا بِيضها مُغرى»، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن المتنبي قد أغلق عينيه عما يراودهما من ألق الأنوثة الساحر، أو أصمَّ أذنيه عن النداءات المتعاظمة للرغبات. لكن ما يلفتنا في شعر المتنبي المتعلق بالمرأة هو خلوه من تسمية النساء اللواتي أحطن به بالاسم. فلا ذكْر أبداً لاسم أمّ أو أخت أو حبيبة أو زوجة، بحيث لم يكن لنا أن نعرف شيئاً يُذكر بشأن زواجه وإنجابه، لولا حديث المؤرخين عن مقتل ابنه محسَّد إلى جانبه، في الكمين الغادر الذي أعدّه له فاتك الأسدي عند أطراف بغداد.

الواقع أن غياب التسميات النسائية الصريحة عن ديوان أبي الطيب لا يمكن تفسيره إلا في إطار السلوكيات المتحفظة للشاعر، إزاء كل ما يتعلق بالمرأة والحب، إضافة إلى أن أناه المتفاقمة دفعته إلى الاعتقاد بأنه هو بالذات الاسم الذي تمّحي فيه أسماء الدائرين في فلكه. ورغم أن رثاءه لجدته قد كشف عن موقعها الاستثنائي داخل نفسه المجهَدة، وبدا نكوصاً مشبعاً بالحنين نحو أرض الطفولة النائية، فهو لم يستطع إخفاء نزوعه النرجسي عن الأعين، حين خاطبها بالقول «ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍ، لكان أباكِ الضخم كونكِ لي أُمّا».

اللافت أيضاً أن المتنبي لم يفرد للمرأة والحب قصائد قائمة بذاتها، بل اقتصر هذا الباب على مطالع القصائد التي توجه بها إلى ممدوحين متفاوتي الأهمية، لم يحوزوا باستمرار على إعجابه الفعلي. ومع أن بعض أبيات المتنبي الغزلية لا يخرج عن سياق النماذج والأساليب التي لم يملّ من تكرارها شعراء العصرين الجاهلي والإسلامي، فإن بعضها الآخر يتسم بالجدة والابتكار وبُعد الدلالة. فالشاعر الذي يستهل واحدة من مدائحه بالقول «أريقكِ أم ماء الغمامة أم خمر؟ بفِيَّ بُرودٌ وهو في كبدي جمرُ»، هو نفسه الذي يظهر قدرته الفائقة على توليد المعاني المبتكرة ذات الطابع الفلسفي، كما في قوله «تناهى سكون الحسن في حركاتها، فليس لراءٍ وجهها لم يمتْ عذرُ».

وفي حين تتسم أغلب نصوص المتنبي الغزلية بالعفة والخفر، إزاء كل ما له علاقة بالمناحي الغرائزية والشهوانية، فإن الإشارات الحسية التي تشي بها نصوص أخرى، كالحديث عن اللثم والعناق وحلاوة القبل، هي من التواضع والاحتشام، بما لا يكاد يجاري طموحات العذريين في هذا المجال.

أما لجوء الشاعر إلى استخدام صيغة الجمع في حديثه عن النساء، إضافة إلى استمرائه صيغ التعميم والخلاصات الحكمية، فقد يكونان ناجمين عن افتقاره إلى الحب الحقيقي الملموس أحياناً، أو عن رغبته الموازية في جعل التعميم نوعاً من «التعمية» على شؤونه العاطفية الخاصة أحياناً أخرى، كما في قوله:

تخلو الديارُ من الظباء وعندهُ من كل تابعةٍ خيالٌ خاذلُ

ألراميات لنا وهنّ نوافرٌ والخاتلاتُ لنا وهنّ غوافلُ

كافأننا عن شِبْههنّ من المها فلهنّ في غير التراب حبائلُ

وإذا كان موقف المتنبي المحافظ والمتعفف من المرأة هو الذي يفسر انحيازه إلى الجمال البدوي المتلفع ببراءته، في وجه الجمال الحضري المثقل بالمساحيق، فلشدّ ما يستوقفنا بالمقابل إظهاره المرأة في صورة الكائن المرادف للمكر والغدر والخداع، في أبيات من مثل «إذا غدرتْ حسناء وفَّتْ بعهدها، فمن عهدها أن لا يكون لها عهدُ». وهو ما يبعث على التساؤل عما إذا كانت مثل هذه الرؤية ناجمة عن التأمل المحض في شؤون النساء وطبائعهن، أم أنها ثمرة تجارب الشاعر ومعاناته القاسية مع النساء.

على أن الحديث عن عشق المتنبي يصعب أن يستقيم دون التطرق إلى طبيعة علاقته بخولة، أخت سيف الدولة الكبرى، التي ظلت على الدوام أقرب إلى الفرضية المحفوفة بالشكوك منها إلى اليقين القاطع. وإذا كانت قصيدة أبي الطيب في رثائها هي «الوثيقة» شبه الوحيدة التي اعتمدها النقاد والباحثون دليلاً على وجود علاقة عاطفية بين الطرفين، فإن في هذا الدليل الكثير من الإشارات الدالة على ما كان يكنّه لها من مشاعر الهيام والافتتان.

وفي حين ينفي البعض وجود علاقة خاصة بين المتنبي وخولة بدعوى أن رثاء امرأة متوفاة لا يقيم حجة قاطعة على عشق الراثي لها، فإن آخرين يردون على ذلك بالقول إن في رثاء الشاعر لأخت سيف الدولة الأخرى ما يقدم براهين ساطعة الوضوح على أن علاقة الشاعر بالأختين الراحلتين لم تكن هي نفسها على الإطلاق.

ففي رثاء الأخت الصغرى التي رحلت قبل شقيقتها بثمانية أعوام، يشغل امتداح المتنبي لسيف الدولة معظم أبيات القصيدة، وتتم التغطية على البرود العاطفي، باجتراح العظات واللقى التعبيرية المناسبة. ومع أن بين هذه اللقى ما يرقى إلى ذروة المعاني الإنسانية المبتكرة، كقول الشاعر «وإذا لم تجد من الناس كفْئاً، ذات خِدْرٍ أرادت الموتَ بعلا»، فإن القصيدة بمجملها كانت أقرب إلى التأمل الوجودي في الموت منها إلى الأسى العميق ومرارة الفقدان. أما رثاء المتنبي لخولة فقد بدا خارجاً من شغاف قلبه، ومضطرماً بنيران أخرى، تختلف تماماً عما هو سائد في تأبين الراحلين، وليست لتقع في باب الرثاء العادي أبيات من مثل:

طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ

حتى إذا لم يدع لي صدْقُهُ أملاً شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي

أرى العراقَ طويلَ الليل مذ نُعيتْ فكيف ليل فتى الفتيان في حلبِ

وإذ يردّ المتنبي على ما يظنه تشكيك سيف الدولة بحزنه الفعلي على أخته، مؤكداً ما بقلبه من حرقة وبعينيه من دموع، لا يتردد بالمقابل في الحديث عن حسْن مبسم الراحلة وبرد ريقها، الأمر الذي أخذه عليه الواحدي في نقده، ليس فقط لأن في ذلك تجرؤاً بالغاً على قريبات الأمراء والحكام، بل لأنه خلط، متعمد أو غير متعمد، بين مقام الرثاء ومقام الغزل.

وحيث لم يكن بمقدور الشاعر أن يميط اللثام عن تفاصيل تولهه بخولة في معرض رثائه لها، فإن الإشارات التي راح يبثها في القصيدة كانت كافية تماماً لتركنا في دوامة من الألغاز، كمثل قوله «ولا ذكرتُ جميلاً من صنائعها، إلا بكيتُ ولا ودٌّ بلا سبب». فأي سبب مولِّد للبكاء والود أكثر من تتيمه البالغ بالأميرة الراحلة. وأغلب الظن أن خولة نفسها هي المعنية بالمطلع العشقي الفريد الذي استهل به المتنبي مديحه لسيف الدولة إثر هربه من كافور وقدومه إلى الكوفة، خصوصاً وأن في ذلك النص من الرقة وشجى النفس، ومناجاة الجمال المشرف على الأفول، ما يبعث على الاعتقاد بأنه مُهدى للمرأة نفسها، التي كانت تستعد آنذاك لمغادرة هذا العالم، ومن أبياتها قوله:

ما لنا كلُّنا جوٍ يا رسولُ أنا أهوى وقلبكَ المتبولُ

كلما عاد من بعثتُ إليها غار مني وخان فيما يقولُ

زوّدينا من حسن وجهكِ ما دام فحسْنُ الوجوه حالٌ يحولُ

وصِلينا نصلْكِ في هذه الدنيا فإن الُمقام فيها قليلً

ومع أننا لا نملك بشأن عشق المتنبي لخولة ما يُخرجنا من مقام الحيرة إلى مقام اليقين القاطع، فإننا لا نعدم الإشارات الكثيرة الدالة على مثل هذا العشق. لكن السؤال الذي تتعذر الإجابة عنه هو ما إذا كانت خولة من جهتها قد بادلت شاعرها المتحالف مع القلق، حباً بحب. ولأن زمنها ومقامها لم يساعداها على الإفصاح عن مكنونات قلبها المكلوم، ولم يضف التاريخ إلى صمتها المطبق شيئاً يذكر، فإن الإجابة عن السؤال المطروح ستظل في عهدة الغيب، حتى إشعار آخر، أو كشوف مفاجئة.


مقالات ذات صلة

متاهة الاكتئاب الرقمي

ثقافة وفنون متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.


روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.